تقدمت بغضب وهي تعود للخلف تشهر إصبع سبابتها في وجهه محذرة: أنت اتجننت يا هارون، أعقل أحسن لك. تحدث من بين أسنانه بغيظ: و أنتي خليتي فيا عقل؟ من يوم ما عرفتك و أنتي مجننة أهلي و ساحلاني وراكي في كل مكان و لا فيش أي حاجة نافعة معاكي. ظلت تتراجع وقد تمكن الخوف منها قليلاً بسبب قتامة عينيه ثم رددت ببعض الدبلوماسية لكن الخوف يفوح من نبرة صوتها: بلاش يا هارون، بلاش تعمل حاجة نندم عليها العمر كله.
ليصدح من خلفها صوت أشجان التي أخذت تصفق بكلتا كفيها معاً مرددة بصوت عالٍ: سبيييه.. شكله نسى نفسه و نسى ربطتة جوا على السرير زي الخروف. أغمضت غنوة عيناها وعضت على شفتها السفلى من شدة الغضب، أشجان الغبية أثارت غضبه. فتكلمت هي: أهدي أنتي بس يا أشجان، خروف إيه بس اللي بتتكلمي عنه. زجرتها أشجان بغضب وعنف وهي تقول: أنتي مالك كده يا بت خايفة كده ليه؟ لا تكوني فكراه هينفذ اللي بيقول عليه بجد. التفت لها هارون وقال:
و مين بقا اللي هيمنعني؟ أنتي مثلاً؟ ابتسمت له أشجان بسماجة ثم قالت بهدوء: تؤ مش أنا.. ده.. وعلى الفور صدح صوتها يهز أرجاء المكان وتعدى حدود المنزل وملأ الشارع كله: يالهووووووي.. غيتونا يا نااااس، غيتونا يا خلق، بيهجم علينا، على الولايا. إحقاقاً للحق لقد تفاجأ كثيراً، لم يكن يتوقع أن تفعلها بالفعل، ظنه مجرد تهديد لأ أكثر. لكنها فعلت وما أن فعلت ولا ترى عينك سوى النور، عدد لا حصر له، وكأنه مولد وغاب صاحبه.
الحارة كلها نساء ورجال حتى الأطفال كانت متجمهرة في صالة بيت غنوة تسأل ماذا هناك، تريد القبض على ذلك الحقير. وبسرعة البرق ضغطت غنوة على كتفي هارون تأمره: أنزل تحت... و اهرب من بين الرجول. نهرها بغضب: أنتي اتجننتي هارون الص.. قاطعه بغضب: أخلص هتاكل علقة سودة. بالفعل غطس فوراً كمن يغطس في الماء وخرج من بين الأرجل، يسأل كيف تجمع كل هؤلاء على صرخة واحدة من تلك الشرسة!
وبشق الأنفس استطاع الفرار ووصل إلى سيارته ليجد شاب يأتي مهرولاً يسأل: فيه إيه يا كبير إيه صوت الصويت ده؟ فأجابه سريعاً: آه شكله جاي من البيت ده واحدة بتقول الحقوني. فقال الشاب وهو موقن بشدة: أكيد عيل شمال وشمام اتهجم عليها. صرخ فيه هارون بغضب: ما تحترم نفسك يا جدع انت. نظر له الشاب باستغراب وسأل: أنت تعرف الأشكال دي يا باشا.. دي عيال بنت و... قاطعه هارون بغضب وما عاد باستطاعته استكمال ذلك الحوار الرائع
فقال وهو يفتح باب سيارته: أنا همشي قبل ما أرتكب جناية. غادر سريعاً والغضب يعصف به، كلما تخيل منظره وهو يتحرك تحت أرجل نساء ورجال الحي، تلك العقربة صاحبة اللسان السليط سيلقنها درساً قاسياً بالتأكيد، يغلي الدم برأسه كلما تذكر ما فعلته به وكيف كان على وشك نيل زوجته لتقضي هي مجدداً على كل آماله. وصل بيته أخيراً وترجل من السيارة ليجد سيارة أخرى قد اصطفت أمام الباب الداخلي للبيت.
جعد ما بين حاجبيه يفكر لمن تلك السيارة ودلف للداخل سريعاً ليعرف. وما أن ولج للداخل حتى تفاجأ تماماً بوجود رجل عريض المنكبين ضخم الجثة يجلس على أحد مقاعد الصالون يرتشف من فنجان القهوة، ظل ينظر له وهو مستغرب كثيراً يسأل من هذا الضخم؟ إلى أن شعر ذلك الجالس بوقوف أحدهم خلفه فوق واستدار يفتح له ذراعيه مردداً: بقا كده يا راجل، بقالي ساعة مستني جنابك، كنت فين يا كبير. تقدم منه هارون يردد بذهول:
ده أنت اللي كبير والله، إيه المفاجأة الحلوة دي يا يوسف؟ جيت إمتى؟ جاوبه يوسف ببعض الضيق: أنا تقريباً هنا بقالي ساعة، دي تالت قهوة أشربها يا بيه وأنا قاعد مستني جنابك، ماكنتش أعرف إني عشان أقابلك لازمني توصية من المحافظ، أتغيرت أوي وأنا مسافر، هو أنا طولت أوي كده برا؟ اقترب هارون يحتضنه مردداً: طولت، وطولت وأعرضيت أكتر وأكتر، إيه ده؟ صدرك ينفع معدية بين كوبريين. لوح له يوسف بكفه قائلاً:
هتحسدني ولا إيه، حد قالك تلهي نفسك بالنسوان، مش تحافظ على صحتك زي ابن خالتك، أهو إحنا سنة بسنة مع بعض في مدرسة واحدة شوف أنا بقيت فين وأنت فين؟ صك هارون أسنانه بغضب مردداً: أنت هتعيش يالا، ماكنوش كلمتين قلتهم لك مجاملة، أنا اللي بقالي فترة مهمل الجيم فعلاً. غمز له يوسف ثم رد: يا هارون يا حبيبي، الستات نعمة بس زيها زي أي حاجة كترها وحش، بالعقل يا باشا مش كده صحتك. التوى ثغر هارون ساخراً يردد: ستااات! هما فين دول.
شهق يوسف ورد بقلق حقيقي: هما فين دول! ومين اللي بيقول كده؟ هارون الصواف؟ إيه اللي جرى في البلد، بقا أنا أسيبها كام شهر أرجع ألاقي الحال كده، إيه هي الدنيا أتقل خيرها ولا إيه؟ جلس هارون وقال: لأ كل حاجة زي ما هي أنا اللي باين إني اتعقدت. جلس أخيراً يوسف براحة يردد:
أيوه كده طمنتني، ده أنا كنت هرجع تاني على أول طيارة راجعة لندن، ما أنت عارفني يا ابن خالتي، اللي بيجري في جوايا ده مش دم لأ، ده نسواان، دمي كله نسوان يا عم الشيخ هارون. تنهد هارون وقال: منك لله، اللهي ربنا يبعتلك اللي تجيبك على بوزك. غمز له يوسف وقال بمكر: دي من دي؟ لسه ما اتخلقتش وحياتك، أنت فاكرني دغوف زيك... ههههه سمعت إنك وقعت وغرقان لشوشتك كمان. زفر هارون بضيق ونفاذ صبر وأكمل يوسف:
وخير اللهم اجعله خير كده سمعت إنك اتجوزت، بصراحة ما صدقتش نفسي، بقا هارون يتجوز ويسيب كل الحريم دي لمين طيب، رد عليا أنت قولي لمين. ضيق عيناه باتهام واضح وأشار عليه بسبابته مردداً: ذنب النسوان دي كلها في رقبتك يا ابن الصواف. قلب هارون عينيه بملل وقال: خلصت؟ حمحم يوسف مجيباً: أيوه، قولي بجد أنت اتجوزت؟ هارون: أيوه. زم يوسف شفتيه باستغراب وهو ينظر في الأرجاء ثم قال:
طب وهي فين أنا هنا داخل في ساعة ونص أهو مفيش كلب جه سلم عليا. تنهد هارون وقال: أنت يا ابني إيه، دايماً هلس كده؟ يوسف: طالما خرجت برا باب الشغل ببقى هلس.. قولي فين مراتك، عايز أشوف مين دي اللي وقعت هارون الرشيد. سحابة حزن مرت على عيناه، أغمضهم متنهداً ثم قال: ده موضوع يطول شرحه. يوسف:
وأنا مش ماشي غير لما أعرف، أبَات معاك النهاردة كده كده ماحدش يعرف إني جاي من السفر أصلاً، أبقى أروح بكرة وأعملهالهم مفاجأة.. وكمان عايز أشوف ماجد، وحشاني سفالته.. كلمني من فترة وقال لي إنه واقع هو كمان بس ما عرفتش تفاصيل. ارتخى في جلسته كثيراً ووضع ساق فوق أخرى ثم رد بزهو: كله كده وقع إلا يوسف محي إدريس، لسه صاغ سليم. نظر لها هارون مطولاً ثم قال بتريث:
تعرف يا يوسف إن أنت بالذات هتبقى وقعتك وحشة أوي، أنا متأكد إنك أكتر واحد هتتمرمط فينا إحنا التلاتة، عشان أنت أكبر هلاس فينا. ضحك يوسف منتشياً وقال بفخر واعتزاز: ولا عمره هيحصل وحياتك، طب تعرف أنا عمري ما حبيت خالص.. مع إني مش مانع والله، بس مش بحب ما أعرفش ليه. هارون: هقول إيه، جبله. زم يوسف شفتيه بشبه اقتناع ورد: تقريباً كده، المهم احكي لي. سحب هارون نفس عميق ثم بدأ بسرد كل قصته مع غنوة لصديقه وابن خالته. ***
في مكان جديد. بفيلا راقية وهادئة تتقدمها حدائق ممتلئة بمختلف ألوان وأشكال الورود مع مسبح بمساحة ضخمة وأرجوحة تحفها مظلة، ومع السير مقدماً تجد جلسة هادئة مكونة من مقاعد خشبية مستديرة وطاولة بحجم متوسط وضع عليها القهوة الساخنة التي بدأ محي إدريس (والد يوسف) يرتشفها وهو يتحدث إلى صديقه مردداً: إخص عليك يا عبد العزيز، كل ده حاصل معاك ولا تقوليش، يعني لولا سكن زينب ما كنتش عرفت إنك تعبان ومسافر والله عيب عليك.
أغمض عبد العزيز يتنهد بتعب وحزن ثم قال: ماحبتش أشيلك همي يا محي يا أخويا كل واحد فيه اللي مكفيه، لولا موضوع السكن بتاع زينب ماكنتش هقول فعلاً. نهره محي بحدة: أنت تسكت خالص، مش عايز أسمع منك ولا كلمة، بقا يا واطي جايني أتوسط لك في أي سكن طالبات يقبل بنتك؟ ليه عدمتني مثلاً ولا مالكش صحاب. تحدث عبد العزيز سريعاً:
لأ لأ يا محي، أنا مسافر ومش عارف إيه اللي هيحصل معايا وأخويا الوحيد عايش برا طول عمره، ما أضمنش بكرة فيه إيه، والبنت لازم تروح جامعتها، لولا إن كليتها عملي كنت دبرت أمري وأخدتها معايا. محي:
وحتى لو مش عملي وهي فاضية ما ينفعش تسافر معاك، دي لسه صغيرة وماعندهاش خبرة، هتسافر بيك إزاي وتشيل مسؤوليتك ولا تبقى لوحدها بيك، الصح إنها تفضل هنا وأنا هبعت معاك مرافق يلازمك في كل خطواتك وده رد جزء بسيط من دينك اللي في رقبتي، أنا مانساش أبدا اللي عملته معايا زمان أيام ما كنت مش لاقي أكل، ده يوسف مولود على إيدك. تنهد عبد العزيز وقال بإذعان:
ده المتوقع منك يا محي، طول عمرك ابن أصول، كمل جميلك معايا وشوفلي واسطة أدخل بيها البنت للمدينة الجامعية، بيقولوا أي طالب مالهوش غير رغبة واحدة يا مدينة جامعية يا تحويل وأنا كان لازم أحول لها من جامعة الوادي الجديد وأجيبها هنا، دي ماصدقت جابت تقدير حلو أول سنة عشان تعرف تحول. نظر له محي بغضب ثم قال:
أنا ساكت من الصبح عشان مراعي تعبك بس بصراحة بقا مش قادر، مدينة جامعية إيه وسكن طالبات إيه هما أي واحدة في دول هيبقوا أمن عليها من بيتي؟ ده البيت كله بنات وأنا مش عندي غير يوسف ومسافر وأنت عارف. هز عبد العزيز رأسه برفض فقال محي: خلصت يا عبد العزيز وإلا قسماً غظماً أقاطعك فيها.. أنت طيارتك إمتى؟ تنهد عبد العزيز وقال: النهاردة الفجر. محي:
تروح وتيجي بالسلامة أنا هعمل كام اتصال دلوقتي وهناك أول ما توصل هتلاقي كل حاجة مترتبة بإذن الله وبنتك هنا في عيني وزي بناتي، ما أنت عارف أنا عندي اللي زيها واللي أصغر منها كمان. هز عبد العزيز رأسه وقال: أنا عارف والله يا محي، وهو ده العشم برضو.. خلي بالك من زينب. ابتسم له محي وقال: في عيني والله، خلي أنت بالك من صحتك، عايزك تروح وترجع بالسلامة، أنت صاحب عمري، أمانة عليك ما تسيبني لوحدي يا صاحبي.. مين هيجوز يوسف غيرك.
ابتسم عبد العزيز وقال: هروح وهرجع بإذن الله.. بس حكاية إني أنا اللي أجوز يوسف بنفسي دي ماعلش اعفيني. محي: ليه بس يا عبد العزيز؟ عبد العزيز: أنا راجل بخاف ربنا، طب أنت يرضيك؟ يرضيك أذي بنات الناس معايا وألبسهم يوسف ابنك العربيد النوسونجي، ده كبير الهلاسين. محي: يرضيني أه. رفع عبد العزيز يديه وقال: أنا اللي ما أرضاهوش على زينب بنتي ما أرضاهوش لبنات الناس، جوزوا بعيد عني ومن غير ما أشترك في الجريمة دي.
ضحك محي وظل هو وعبد العزيز يتذكران عدد المرات التي قبضوا فيها على يوسف متلبساً بجرائم عدة. بعد فترة تقدمت نور ابنة محي وإلى جوارها تسير فتاة أشبه للملائكة في الملامح والطلة، وهالة من النور تحيط بها، تبتسم بحفة فتظهر غمازتها لتزيد من جمالها وإشراق وجهها الأبيض المستدير وشعرها البندقي القصير يحيط وجهها مضيفاً عليه وهج خاص زادها جمال وحلاوة. صدح صوت محي يسأل: ها يا زوزو، عجبك البيت؟ ابتسمت برقة ثم قالت بحرج:
جميلة أوي يا عمو. تطوعت نور وقالت سريعاً: كذابة يا بابا، دي اتكسفت تتفرج عليها شافت أوضتي بس. محي: لأ لأ أنا عايزك تاخدي على البيت كله كده وتاخدي راحتك فيه لأن خلاص ده هيبقى بيتك لحد ما بابا يرجع من السفر. رفعت زينب وجهها سريعاً متفاجئة تسأل والدها بصمت فهز عبد العزيز رأسه إيجاباً وقال: أيوه يا زوزو، بيت عمك محي أمن ليكي وإن شاء الله تتبسطي معاهم وأنا مش هطول عليكي. صرخت نور من الفرحة وقالت:
واو، أخيراً هلاقي حد يسليني ويروح معايا الجامعة.. أنتي كلية إيه يا زوزو. تنهدت زوزو بحزن على ما يحدث معها هي ووالدها دون سابق إنذار وقد انقلبت حياتهما وأصبحت ضيفة في بيت غير بيتها. حاولت إغتصاب بسمة رقيقة على وجهها وجاوبت نور: علاج طبيعي. صرح محي: اللله.. أنا كنت محتاج حد يعالج لي الخشونة. ضربت زينب على وجهها لاطمة حالها حال أي طالب في طب علاج طبيعي مما يراه من أسرته والجيران. ***
انفض الحضور أخيراً، فقد تولت من جمعتهم أمر صرفهم وجلست هي على طرف الفراش تغمض عيناها تتذكر لحظاتها معه وهي بأحضان. سامحها الله لمي، هي من ذكرتها ببساطة بكل أوقاتهم معاً. رجفة لذيذة سرت بجسدها تضم جسدها بين ذراعيها تحتضن نفسها تتمنى قربه الآن. كم شخص يتمنى لو كانت الظروف غير الظروف والوضع غير الوضع، لو خُلِقَ ووجد بمكان غير المكان. كم شخص يقيده الماضي وعقباته عن ما يريد.
لولا قصة هارون مع والدها لكانت الآن هانئة بين ذراعيه وربما هي من تطلب وصله وليس هنا. دمعة ساخنة فرت على خدها وهي تسأل لما هو من بين كل رجال الأرض الذي أعجبها، ولما أيضاً والدها من بين الخلق الذي أخذ قلبه كي يحيى هو ويموت والدها، كيف يمكنها تخطي كل ذلك؟ كيف تعيش معه وتنسى ما حدث لوالدها. انتبهت على صوت أشجان التي تصرخ بحدة: بتبكي ليه يا بت.. اللي ما اتسمى ده قالك حاجة ضايقك بيها؟
مسحت غنوة عيناها على الفور وهزت رأسها نفياً فقالت أشجان بعدما جلست لجوارها: هممم، أنتي حلك الجواز، عشان تنسي ابن الرفدي ده. تحدثت غنوة بصوت مختنق: ما تشتميهوش، أنا بس أشتمه أنتي لأ. وقفت أشجان من جلستها بحدة مردة: لأاا.. ده الموضوع كبر ووسع أوي، أنا هروح أغرف الأكل وأجيب معايا لستة العرسان. تنهدت غنوة بصمت ثم أخرجت هاتفها تحسب ما لديها من مال. ثم تنظر لأشجان التي عادت محملة بالطعام من جديد تسأل: بتعملي إيه؟ غنوة:
أقولك إيه ما هو كل واحد غرقان في دنيته، أنتي بتدوريلى على عريس وأنا بحسب معايا إيه وفاضل كام. وضعت كسرة من الخبز محملة بالبطاطس ثم قالت: صرفت كتير على شغلي، وهما طالبين مني مليون دولار، أعمل إيه.. مش هقدر أروح شغل لمي، أنا عارفة إنها ناوية تسحلني، وأنا لسه عايزة أوقف شغلي على رجله، أنا صرفت عليه كتير أوي. لكنها توقفت عن الاسترسال في حديثها على صوت شهقة أشجان: نعم نعم؟ مليون إيه؟
مليون عفريت لما يبقى ينططها، طب وديني وأيماني لأكون رايحة لها بكرة ومفرجة عليها أمة محمد. تنهدت غنوة مرددة: استهدي بالله بس، دي مش هارون هتفرشي له الملاية، دي حاجة تانية خالص غيره، عايزة تصرف بحكمة وعقل لأنها حاطاني في دماغها. لكت أشجان الطعام في فمها وهي تتحدث في نفس الوقت: صراحة، حقها. سحبت غنوة نفس عميق وقالت بحزن: عارفة. صمتت قليلاً وبداخلها ترفض الاستسلام ثم قالت: أنا كده هشتغل عشرين ساعة في اليوم.
صدمت أشجان وقالت بخوف: كده تموتي يا بنتي. أغمضت غنوة عيناها وقالت: ولو ما حققتش ذاتي هموت بردو، أنا مش هضيع من كل النواحي. ابتعلت غصة مؤلمة بحلقها وأردفت: كفاية اللي ضاع عليا غصب عني. صمتت أشجان تتفهم مقصدها وبداخلها يزداد إصرارها على التوصل لعريس مناسب. ***
وقفت تنظر له ببهوت تسأل كيف لم يتعرف عليها وهي تعرفه، رجفة من الحزن استحوذت على كامل جسدها وهي تتذكر أنه دوماً كان رافض رفض تام رؤيتها، قاطع أي طريقة قد تصل بينهما، أغرورقت عيناها بدموع القهر وهي تتذكر رفضه فتح الكاميرا بيوم كتب كتابهما. تدعو وتبتهل بل تتوسل دموعها بألا تخونها وتنسدل الآن أمامه هو ورفقائه.
بنظرة سريعة شملت عدد لا بأس به من الفتيات منهن الشقراء والصبهاء، كلهن ذوات جمال غربي صارخ، بجسد ممشوق بل نحيل جداً. عذرته، فمن سيترك جسد عارضات الأزياء وينظر لجسدها الممتلئ. خرجت من شرودها مجفلة على صوت أحدهم قد توقف عن كرسيه يلتف من حولها بلا حياء أو تردد مصفراً بإعجاب: طول عمري وأنا أسمع عن الزبدة البلدي بس لأول مرة أشوفها. صدح صوت نادين على الفور تردد: ابعد عنها يا رائف أحسن لك.
التفت تنظر إلى ضياء الذي مازال ينظر لها بإعجاب يكاد أن ينطق وحده وقالت له بتلاعب: قول لصاحبك يبعد عنها يا ضياء. ردد ضياء وعيناه مسحورة بتقى: بس تعرفيني بيها الأول. ابتسمت نادين بظفر ثم وقفت لجوار تقى مرددة: دي جيجي ثابت، صاحبتي. اتسعت عينا تقى وقالت لها بخفوت: جيجي مين؟ لكزتها نادين خفية وقالت من بين أسنانها: أيوه انتي جيجي انتي إيش عرفك انتي. رمشت تقى بأهدابها ثم صمتت تاركة نادين تتحدث عنها.
ثم سحبتها لتجلس معهم على الطاولة وسط نظرات ضياء الثابتة عليها لا يخفى عليها نظرات الفتيات من حوله ولا تلك التي تتكئ بذراعها على كتفه كأنها تعلن ملكيتها له تناظرها ما بين الحقد والاستهزاء. وضياء يجلس سلطان زمانه يملأ مركزه لا يتحدث كثيراً فقط يشير أو يرد بكلمات مقتضبة إن لزم الأمر وتلك الفتاة تتغنج عليه غنج مائع. إلى أن قالت نادين: اطلب لك يا جيجي الكوفي بتاعك. ثم التفت لهم تقول:
أصل جيجي لسه صاحية من النوم، امبارح كان في حفلة تحفة وسهرنا وهي يا دوب صحيت دلوقتي. اعتدل ضياء في جلسته وعيناه مرتكزة على تقى بوقاحة مربكة ثم رد: وهي جيجي مش بتتكلم عن نفسها ليه.. حتى نسمع صوتها. ابتسمت له نادين تداري غيظها ثم قالت: دي برنسيس، اتربت على كده، حتى أهلها بيعاملوها كده، عمرك شفت برنسيس كلامها كتير، أكيد لأ. تحدثت تلك الفتاة الملتصقة بضياء مرددة: يعني ده معناه إنك الوصيفة بتاعتها؟ ردت هنا تقى وقالت:
لأ، نادين ماي بيست فرند. ابتسمت لها نادين وقالت: بالظبط كده، انتي قولتي لي اسمك إيه؟ حماره؟ ضحك ضياء ثم انتبه بهيام وإعجاب على تقى التي ابتسمت للتو على كل ما تفعله نادين بينما ردت تلك الفتاة بغيظ: كلارا.. كلارا حبيبتي. هزت نادين رأسها وقالت: ااااه.. كلارا.. ماعلش حبيبتي كنت نسيت.. بس براڤو عليكي بتعرفي مصري كويس. زادت كلارا من ضم ضياء لها ثم قالت بفخر: ضياء حبيبي علمني مصري، اتعلمت منه كل حاجة.
لمحة حزن مرت بأعين تقى وغصة مريرة استقرت بحلقها لتقول نادين: ويا ترى بقا اتعلمتي أهم حاجة، الرقص المصري. ضحك ضياء ساخراً ثم قال بيأس: نووو. رفعت نادين كتفيها وقالت بكيد واضح: لأ، أنا هخلي جيجي تعلمك، دي عليها رقص ما... صمتت فجأة على صوت تقى: إيه اللي بتقوليه ده؟ ضياء: أخيراً سمعت صوتك. بينما قال رائف: أنا مش مصدق، أخيراً شوفت واحدة بترقص.. لازم نشوف. وقفت تقى محتجة وغادرت على الفور وضياء يتابعها بإعجاب واضح.
بعد دقائق وقفت على الناحية الأخرى من السفينة يطيح الهواء بشعرها الطويل خلفها. تقدم من خلفها يرمق كل جزء من جسدها بإعجاب، كانت ممتلئة امتلاء محبب بل يسيل له اللعاب. شعرها أسود طويل وبشرتها لينة، تتكئ بكفيها على سور السفينة رافعة رأسها للأعلى مغمضة عيناها كأنها تشعر بحريتها وانطلاقها، كان مظهر خلاب سرق قلبه دون استئذان. تقدم حتى توقف خلفها يقول: فعلاً الجو هنا أحسن كتير.
التفت له مصدومة وقد زادت دقات قلبها وهي تراه بجوارها، قد جاء هو إليها بقدميه يقول: عجبني أوي موقفك وشخصيتك. ضحك دون صوت ثم قال: مش شخصيتك بس عشان أكون صريح و.... توقف عن الحديث على صوت نادين التي جاءت من خلفه تقول: ضياء حبيبي، كلارا بتنادي عليك. زم ضياء شفتيه وقال لها: سيبك منها. هم لاستكمال حديثه لكن أحبطت نادين محاولته مرددة: جيجي نو يا ضياء، بلاش أحسن لك، لأن جيجي مليكة خاصة.
استغربت تقى ما فعلته نادين بينما ضياء يشعر بضيق شديد قد تمكن منه لما سمع. *** كانت غارقة في نومها بتلك الغرفة التي أصبحت لها منذ حضرت لهنا، استيقظت وهي تشعر بقبلات أحدهم تسير على وجهها كله يغرقها بها. فتحت عيناها بتشوش لتبصر ماجد هو من يميل عليها يقبلها مردداً: وحشتيني.. وحشتيني أوي يا حبيبتي. اعتدلت مبتعدة عنه تردد: أنت بتعمل إيه هنا. ماجد:
جيت لك عشان أصحيكى.. ده الوقت المناسب بس لقيتك نايمة قولت أستغل الفرصة، ما قدرتش بصراحة أنتي وحشاني أوي. صرخت فيه بغضب: أنت بتقول إيه، إياك تقرب مني تاني أنت فاهم، ولا فاكر اللي عملته ده هيعدي عادي. أغمض ماجد عيناه يقول: حقك، بس ممكن نأجل أي حاجة دلوقتي وتعالي معايا، أنا مرتب كل حاجة، نص ساعة وهنبقى في الطيارة اللي هترجع بينا مصر. ما أن قال ذلك حتى انتفضت من الفراش كي تذهب معه لكنه صرخ بها:
أنتي اتجننتي، رايحة فين كده، هاتى حاجة على جسمك. هزت رأسها بجنون، لقد نسيت من الفرحة، جذبت سريعاً شيء تستر به نفسها ثم شبكت يدها بيده كي تهرب معه......
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!