الفصل 39 | من 54 فصل

رواية شط بحر الهوى الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم سوما العربي

المشاهدات
19
كلمة
4,917
وقت القراءة
25 د
التقدم في الرواية 72%
حجم الخط: 18

هرولت كل منهما للخارج. صوت الصراخ والعويل كان يهز كل أرجاء الحي، وأخرج الكل من بيته كعادة أولاد البلد الأصليين ليروا ماذا هناك. ربما كان هنالك من يحتاج المساعدة، والبعض خرج إرضاءً لفضوله ليس إلا. وقفت كل من أشجان وغنوة أمام مصدر النحيب والعويل مصدومين، فلم تكن سوى أم حسن قد وقفت في منتصف الحارة تصرخ وتعدد. أشجان: خير بس، في إيه؟ كفى الله الشر. نظرت أم حسن بغل ناحية غنوة وقالت: خير!

وهييجي منين الخير وخلفة الأفاعي عايشة وسطنا. نظر الكل ناحية غنوة التي تقف في المنتصف ولا تفهم مقصد حديثها، ولكن أم حسن بدت كمن يرغب في نهش لحم أحدهم حياً عله يرتاح. كانت تشير بيديها وأظافرها بغل وشراسة ناحية غنوة كإيحاء واضح برغبتها في قضم كبدها بين نواجذها. هتفت بها أشجان بحده: جرى إيه يا أم حسن؟ تقصدي مين بكلامك الماسخ ده، عيب كده. بدأت أم حسن وصلة بكائها

من جديد وقالت بقلب مكلوم: ابني.. حسن، الحيلة، باع محله وعربيته.. باع اللي وراه واللي قدامه وهرب، سافر ورا المزغودة أخت المحروسة بنت فيولا. شهقت غنوة بفزع متفاجئة، لم تكن تتوقع أبداً أو حتى يخطر على بالها أن حسن، الشخصية النمطية الذي يميل دائمًا إلى السير وفقًا للأصول والمعتاد، قد يتمرد فجأة هكذا ويقدم على خطوة جنونية متهورة كهذه، غير معقول أو متوقع. اقتربت بدورها من أم حسن تسأل بصدمة: أنتي متأكدة يا خالتي؟ حسن؟

معقول يعمل حاجة زي كده وفجأة.. ده ما يعرفش حاجة هناك ولا يعرف حد. شهقت أم حسن وبدأت وصلة بكائها من جديد، وقد خرت على قدميها بعدما فقدت القدرة على حملها. سقطت على عقبيها على الأرض تبكي بحرقة: أعمل إيه يا ولاد ولا أروح فين؟ ابني اللي طلعت بيه من الدنيا رمى نفسه في وش الريح، اااااه يا ضنايا، يا مين يطمني عليك يا حسن. تقدمت غنوة أكثر واتكأت برقبتيها على الأرض هي الأخرى بجوارها وبدأت

تربت على كتفيها مرددة: ما تخافيش يا خالتي، أنا هكلم ناس معارفي وأكيد هلاقي لهم معارف في ألمانيا، وكمان هكلم نغم، هي عفريتة وهتعرف توصله. وبعدين يعني ما تخافيش على حسن، حسن راجل ويعتمد عليه مش عيل، يعني لو اترمى وسط النار هيتصرف. نظرت لها

أم حسن وقالت بعتاب وحزن: مش لو كنتي اتجوزتيه كان زمانه دلوقتي هادي ومستقر وفي حضني ومش لوحده كمان.. كان زمان معايا عياله. لكن أقول إيه، طول عمرك شارده وبالك مش معاكي ومش حاطة هنا خالص.. منك لله أنتي كمان، أنتي مسؤولة عن اللي حصل لابني. انسحبت الدماء من وجه غنوة، ووقفت عن الأرض بيطئ، لقد فاجأتها أم حسن بسهام كلماتها. استدارت تولى أشجان ظهرها، تبحث عن حجاب مناسب بملابسها الراقية. صدحت عنها

تنهيدة حارة قالت بعدها: وأنا ندمانة ولا بلوم نفسي، أنا اخترت مصيري بإيدي. رفعت ذقنها تنظر إلى الفراغ بشرود وأردفت: يا قاتل يا مقتول. اقتربت منها أشجان تقول: لأ لأ.. الحكاية كده بتوسع مننا يا غنوة. أنا لا عايزاكي قاتلة ولا عايزاكي مقتولة، عايز اكي تعيشي وتتهني. نفضت غنوة يدها عن أشجان ثم التفت تواجهها قائلة: وطار أبويا.. عم صالح، نسيتيه؟ نسيتي كلامك ليا كل السنين دي كلها؟ ده أنا كبرت عليه وهو كل يوم بيرن في ودني.

ابتعدت عنها أشجان خطوة للخلف كأنها بذلك تعلن تراجعها عن كل مبادئها التي ربت غنوة عليها وقالت: بس لا أنا ولا انتي فكرنا في يوم إيه هيريح أبوكي في نومته أكتر، إنها تبقى قاتلة وتجيب قلبه يرقد جنبه؟ ولا تتجوز جدع طيب وابن حلال زي حسن ويبقى ليها أسرة صغيرة وبيت دافي. أقسم لك بالله لو بأيد أبوكي يطلع من التربة كان طلع لطشني أنا وأنتي قلمين فوقونا وقال لك مش عايز لا طار ولا قلوب، أنا عايز أتطمن عليكي. احتلت عينا

غنوة وزجرتها بعنف مرددة: إيه في إيه! إيه اللي غير كلامك وتفكيرك كده ولا خوفتي من ابن الصواف. ردت عليها أشجان بعنف وغيظ: ما تجيبيليش سيرة ابن الكلاب ده، إيه اللي دخله في كلامنا دلوقتي. زفرت بتعب ثم قالت: كل الموضوع إن كلام أم حسن فاقني، وحرقتها على ضناها خلتني أشوف أبوكي مكانها وهو نفسه طول عمره يفرح بيكي ويطمن عليكي. التفت غنوة تعيد تنسيق ملابسها من جديد استعدادًا

لكى ترتديها ثم قالت: مش وقته الكلام ده، أنا عندي مشوار مهم. أشجان: أنتي رايحة فين كده صحيح وعمالة ترتبتي أوي في نفسك. نظرت لها غنوة وقالت: مش بقولك ابتدي شغل القذارة، لمى بعتتلي إنذار إني متغيبة عن العمل وبتحدد بالشرط الجزائي. أنا بقى هروح أرميهم لها في وشها وجاية، لا عاش ولا كان اللي يذلني. اقتربت أشجان تربت على

كتفها ببعض الحدة مرددة: وماله، خلصي حكايتك معاها وارجعيلي عشان أنا خلاص حطيت الموضوع في دماغي ومش بعيد على آخر الأسبوع أكون مجوزاكي، ما أنتي عارفة خطيبك كتير. زفرت غنوة وهي مشغولة تحضر لمعركتها مع لمى وقالت بسأم: اخرجى أنتي دلوقتي يا أشجان، أنا مش فايقة لك ورايا مشوار مهم. لكن أشجان كانت مصممة وقالت بإصرار: والجواز؟ هزت غنوة رأسها وقالت سريعاً

كي تتخلص من إلحاحها: ماشي حاضر.. بصي أنتي تخرجي دلوقتي تقعدي مع نفسك وتعملي ليسته حلوة كده عشان نختار منهم. اللمعت عينا أشجان وقالت: وربنا فكرة، سلام أنا دلوقتي. خرجت تهرول في رحلة البحث والتنقيب عن أفضل الاختيارات ليكن عريس غنوة زينة فتيات الغورية. فيما التفت غنوة تغلق الباب ثم تبدأ في تجهيز نفسها. *** بينما في مكتب لمى.

جلست بغضب مكظوم تحاول أن تبدو ثابتة مسيطرة تنظر على ذلك العقد بتروي وتمهل. تشنج فكها وهي ترى كمية الشروط المدونة في العقد تحت بند "شرط جزائي". شروط كثيرة تعجيزية وقد وافقت عليها. ضحكت بسخرية شديدة، فعلى ما يبدو أن تلك الغنوة الحقيرة كان لديها هدف وخطه وكانت على أتم استعداد لأن تفعل أي شيء فقط لتصل له، وإلا ما كانت لتوقع على عقد بهذه الشروط التعجيزية التعسفية.

أطبقت جفنيها بغضب شديد، فغضبها ليس من هارون أو عليه. لم تكن لتهتم كثيرًا لو فعلها مع شخص آخر غير تلك الفتاة. فقد عاملتها جيدًا وقربتها منها، بل كادت أن تعتبرها كشقيقتها بسبب لسانها المعسول وروحها التي أجادت التمثيل بأنها عفوية جميلة وطيبة أيضًا. نظرت إلى "منير" مدير الـ HR وقالت: ممكن نعمل إيه؟

زم منير شفتيه وقال: حاجات كتير يا فندم، منها إننا نطلع بيان برفد غنوة صالح وننصح بعدم التعامل معها، وكمان ممكن ننزل صور البيدج بتاعتها وشغلها في كل صفحات البلاك ليست على فيسبوك، وممكن نزود الشرط الجزائي من ١٠٠ ألف لمليون. فكرت قليلًا ثم قالت: لأ، سهل أوي، هارون الصواف هيدفعه لها. اتسعت أعين كل منهما وهما يجدان باب المكتب يفتح ويدلف هارون للداخل بخطى ثابتة واثقة يردد: حتى مليون جنيه هي ممكن تجمعه عادي.

كانت لمى تنظر له بصدمة وغضب وذهول، كذلك منير. كل منهما اعتقد أنه أول من سيجابههم، وكانت المفاجأة أنه يؤازرهم. استمرت لمى في النظر له، لكن تحولت ملامحها المصدومة إلى أخرى ساخرة بحزن وألم تردد: ومن الحب ما قتل، انتقام الأحبة وحش قوي. أخذ نفس عميق يتنهد وهو يتحاشى النظر لها، يوجه عيناه إلى العقد مرددًا: لو ضيفنا كلمة دولار كده تبقى القاضية. اتسعت أعين كل من

لمى وكذلك منير الذي قال: بس ده كتير بطريقة أوفر وكمان مكشوفة أوي، ما فيش حد بيحط شرط جزائي زي ده! ده عقد لموظفة في العلاقات العامة مش شرط جزائي في صفقة استيراد أو تصدير. جلس هارون ووضع قدم فوق الأخرى ثم قال بغرور: طب وماله، مين هيراجع ورانا يعني.

وقفت لمى عن مقعدها بحدة تنظر له بغضب ساحق. من الصعب على شخص ذي كبرياء وعزة النفس وشخصية قوية أن يسمح لأحدهم بأن يحوله إلى عسكري في رقعة شطرنج، يحركه يمينًا ويسارًا وفق ما يتناسب ويخدم خطته في الفوز بلعبته. هتفت عالياً

بحدة وقالت: اسمع يا ابن الصواف، مش أنا أبدًا اللي هسمح لك إنك تيجي تستخدمني كده عينك عينك عشان تأدب حبيبة القلب. اللي بيني وبينها حرب وحرب طويلة وكبيرة، والشاطر فيها اللي نفسه أطول وفلوسه أكتر. أظن بكده النهاية واضحة ومحسومة، هتبقى لصالح مين. ضحك هارون وهو يهز رأسه ساخرًا ثم قال: نسيتي أهم حاجة يا لمى.

نظرت له بحيرة وارتباك، فقال وهو يشير بإحدى أصابعه على رأسه مرددًا: الذكاء يا لمى، الذكاء. وغنوة مخها ذكي، ده غير أنها قوية جدًا. غنوة خصم مش سهل أوي كده. زاد غيظها من حديثه وقالت بغضب: وأنت شايفني غبية يعني ولا إيه؟ زم شفتيه بيأس وقال: لو كنتي بالذكاء الكافي كنتي عملتي مية ألف حساب ليها. غنوة خصم صعب، وأظن أنك محتاجة قوة تتحالفي معاها، وبلاش الغيرة تخليكي ترفضي. نظرت له بازدراء ثم ضحكت ساخرة وقالت: غيره! على مين؟!

عليك مثلاً؟! وقف معتدلاً ينفخ صدره ويضع يداه في جيوب بنطاله ثم قال: لأ.. أنا عارف إن مش فارق معاكي غير نفسك، وإنك غيرانة عليها.. على ذاتك وعلى أنا اللي عندك. مش سهل أبداً إنك تعدي اللي حصل معاكي، إن واحدة استغفلتك وخطيبك فضل حد عليكِ، مش عشاني. إنتي عمرك ما حبيتينى وأنا عارف. ده عشانك أنتي. نظرت له عين بعين، اعتراف ضمني بصحة ما يقوله، لن تنكر.

ابتسم يهز رأسه مرددًا: من أحسن صفاتك يا لمى هي الشفافية والوضوح. كنت هستغربك أوي لو أنكرتي. جاوبته وهي ترفع أنفها بشموخ: لأ مش هنكر، كل كلمة قلتها صح، أنا عمري ما حبيتك يا هارون وكمان... قاطع استرسال حديثها يكمل هو عوضًا عنها: ما كنتيش ناوية تتممي جوازك مني. قالت بثبات: صح. التف هارون يجلس على كرسيه مرة أخرى مرددًا: نبقى متفقين. عادت هي الأخرى تلتف حول مكتبها ثم جلست عليه وقالت: بشكل مبدئي مش أكتر.

ابتسم بثقة وقال: وده كافي أوي في الوضع الحالي. لم يكد كل منهما ينهي حديثه حتى صدح صوت سكرتيرة مكتب لمى تردد: آنسة غنوة صالح منتظرة عندي يا فندم. نظرت لمى على هارون الذي يبدو وكأنه ينتظر بشوق، ثم قالت: ها تحب تمشي من أي باب جانبي ولا أدخلها وتشوفك.

ابتلع ريقه وقد تلعثم قليلًا، وابتسمت لمى ترمقه بسخرية، فمن يراه منذ قليل وهو يقف متحديًا لها يناطحها بكلماته ويجمع عتاد حربه ضد غنوة، لا يراه الآن وقد ارتبك وظهر الاشتياق بوضوح في لمعة عيناه. حاول سريعًا التماسك وردد بقوة: وأنا ههرب ولا إيه، دخليها. زمت شفتيها من ثقته بنفسه تهز رأسها موافقة ثم سمحت لها بالدخول. وهارون عيناه على الباب ينتظرها حتى فتح الباب ودلفت هي، واحتدت عيناه فورًا.

ولم يستطع تمالك أعصابه ونسي كل خطته مع أهدافه وما ظل يلقنه للمى كل ذلك الوقت. كل ما يشعر به الآن هو ناااار، نيران واشتعلت في صدره وأحجبت الرؤية عن عيناه وفصلت عقله عن العمل بعدما رآها بذلك الفستان الكريمي المتلصق بمنحنياتها بطريقة مستفزة يظهر ويبرز جمال قوامها الشرقي. كانت جميلة لدرجة مستفزة ومثيرة أيضًا.

ضحكت داخليًا وهي ظاهريًا تبدو ثابتة ثبوت الرواسي، على ما يبدو أن ما فكرت فيه كان صحيحًا، توقعت تحالفهما عليها كما توقعت وجوده، وارتدت هذا الفستان خصيصًا له، كي تحرق أعصابه بل وتتلفها ومن ثم توقف عقله ولو مؤقتًا عن العمل ضدها في الوقت الراهن. كان صادق القول حين قال أنها ليست خصمًا سهلاً. هتف فيها بغضب: أنتي إيه اللي عملاه في نفسك ده يا هانم. ضيقت عيناها كأنها تنظر له بعدم فهم وقالت: سوري؟!

احتدم صوته أكثر وهو يراها تتعامل ببرود وتتصنع عدم فهمها ما يفعل أو يقصد، وصرخ عالياً: أنتي هتعملي لي فيها عبيطة، إيه الهباب اللي أنتي لابسايه ده، جسمك كله مفصل يا هانم يا محترمة، وإيه ده إيه ده، استنيني هنا كده. ضيق عيناه وسأل: أنتي جيتي طول الطريق من الغورية لهنا بجسمك المتفصل ده وركبتي بقا تاكسي ولا أوبر؟ قلبت عيناها بملل ثم نظرت ناحية لمى وقالت: أظن إن أنا جاية هنا عشان شغل المفروض؟! جالي ميل رسمي بكده.

التفت تزم شفتيها وهي تنظر للمى مرددة: مش عارفة بصراحة خطيب سيادتك سايبك أنتي بالجونلة القصيرة دي ومركز معايا أنا ليه، حاسة إن الأدوار متبدلة سيكا. أطبقت لمى جفنيها وبداخلها تصرخ بغضب: أه يا كياااااااده. ضغطت على أسنانها بغضب ثم قالت: عندها حق بصراحة يا حبيبي، ممكن تهدى وتقعد. أخذ هارون بعض من أنفاسه والتف كي يجلس محاولًا الهدوء، لكن ما أن أبصر منير ما زال يجلس معهم وأمسك به متلبسًا وهو يأكل غنوة بعيناه حتى

هجم عليه بغوغائية وقال: بتبحلق في إيه، بتبحلق في إيه، قوم من هنا. كتمت غنوة ضحكتها الشامتة ورفعت رأسها بشموخ تقسم بأن تحرق أعصابه هو وتلك التي تحالفت معه. بينما منير يلملم معطف بدلته بعد هجوم هارون عليه وقال: قوم من هنا إيه يا باشا، هو ديسك في كلاس وأنا قعدت مكانك، أنا مدير الاتش آر. صرخ فيه هارون بحدة: مدير على نفسك، برا بقولك. هتفت لمى بحدة: إحنا مش بنلعب هنا يا هارون ده...

هتف مقاطعًا: قولت يطلع برا لو عايزة تكملي كلام. كل ذلك وغنوة تقف متسلية بكل ما يجري. وبالفعل لم تمر دقيقة إلا وقد غادر منير وجلس هارون أخيرًا، ما كان ليسمح أبدًا بتواجد رجل آخر غيره ويرآها هكذا. خرج منير بالفعل ونظرت لمى تجاه هارون ثم رددت بحدة: أظن نتكلم بقا. تقدمت غنوة وجلست على المقعد تقول: سمعاك ولا أقول سمعاكم، شكلهم متفقين. شهقت وكأنها تذكرت شيئًا

ثم قالت: أه صحيح، مش هنفرح بيكم بقا، بقالكوا كتير مخطوبين، في مشاكل بينكم ولا إيه؟ صك أسنانه بغيظ، حربها باردة تقودها ببراعة وقد نجحت في تحطيم أعصابه. كذلك لمى التي آمنت بكل كلمة قالها هارون بالفعل، تلك التي تجلس أمامها الآن خصم غير هين. لقد سرقت البجاحة خطيبها بعدما استغلتها واستغفلتها، وتزوجته أيضًا، وكانت بالأمس فقط في بيته كما علمت ووصلها، وتأتي اليوم تجلس أمامها عينًا بعين تسأل باستغراب عن سبب تأخرهم في الزواج.

ابتسمت غنوة وعقلها يعمل كجهاز آلي يردد (تم حرق أعصابهم بنجاح) اغتصبَت لمى ابتسامة باهتة على شفتيها ثم قالت: قريب جدًا إن شاء الله، وطبعًا مش هلاقي غيرك ينظم الفرح. ردت غنوة على الفور: دي تبقى بزعلي كبيرة لو جبتوا حد غيري. لمى: المهم، أنتي متحولة للتحقيق. غنوة: ليه؟ أه عشان التغيب عن العمل والحاجات اللي اتذكرت في الميل دي؟ طيب أنا ممكن أكون انشغلت لأني الفترة اللي فاتت تعبت ودخلت المستشفى.

نظرت لها لمى ورددت بقسوة: جيت وشفتك. قالتها وهي تنظر لهما تتذكر وتذكرهم بالوضع الذي شاهدتهما عليه. ورغمًا عن الاثنين سرت رجفة لذيذة بكل منهما فور تذكرهما كيف كانا بين أحضان بعضهما. ونظر هارون لغنوة بإشتياق، مشتاق، يتمنى.. يتمنى لو أن يكون معها وحدهما الآن، أن تموت المسافات والعقبات، يتمنى لو يملك حيلة تأتيه بها أو تأخذه إليها. صمت متنهدًا لا يعلم هل كتب على قلبه الشقاء أم سيصل لحل قريب معها ويرتاح.

أخرج كل منهما من شروده صوت لمى وهي تجلي صوتها مرددة: أحممم.. كل ده مش مبرر، ولا حتى إنك كنتي في المستشفى. بللت غنوة شفتيها تحاول الثبات ومدت يدها في حقيبتها لتخرج منها كارت صغير ثم قالت: مش دي الفكرة، بس أنا كنت هاجي أبلغك استقالتي من فترة لأني الحمد لله بفتح شغل خاص بيا. اتفضلي البزنس كارت بتاعي عشان لو احتاجتيني في فرحك على الباشا.

لكن الباشا كان بعالم آخر تعصف به الأفكار وقد زاد غضبه، ترسم وتخطط بل وتبدأ في التنفيذ وكأنه ليس هنا، وكأنه ليس بزوجها. هتف بحده: أنتي عملتي كل ده إمتى أنا عايز أفهم، وإزاي ما تقوليش حاجة زي كده. زمت شفتيها تجعد ما بين حاجبيها ثم نظرت للمى مدعية الغباء ثم قالت: خطيبك تقريبًا شكله بيكلمك. أغمضت لمى عيناها بغضب ووقف هارون يتحدث بحدة: لااااا، ده انتي زودتيها أوي. بينما ضربت لمى بكفها

على سطح المكتب وقالت: طيب اسمعي بقا، استقالتك مرفوضة لأن في شرط جزائي في حالة إنك عايزة تسيبى الشغل. زمت غنوة شفتيها وقالت: أنا معايا المبلغ، كنت عاملة حسابي وجبته معايا. ابتسمت لمى بسماجة وقالت: واو.. طب إزاي مش شايفة شنط كده ولا كده، أصل مليون دولار مبلغ كبير أوي. شحب وجه غنوة ورددت ببهوت: إيه؟! مليون إيه ودولار مين، هما مئة ألف جنيه بس. ضحكت لمى بصمت،

فاتسعت عينا غنوة ثم قالت: أااه، انتو لعبتوا في العقود اللي أنا مضياها مش كده، ده أنا هوديكوا في داهية. ابتسمت لمى وردت بثقة: اتفضلي قدمي فينا ألف شكوى شوفي مين هيراجع ورانا، من دلوقتي تكوني على مكتبك ويا ريت تنفذي كل التاسكات المطلوبة منك بسرعة في بكرة حفلة مهمة عشان عقود جديدة بينا بين الشركة الإماراتية مش عايزة تأخير، اتفضلي على شغلك. وقفت وهي تشعر بانهيار عالمها من حولها، من أين لها بمليون دولار كي تدفعه لها.

بينما وقف هارون معترضًا وهو يراها تخرج من أمامه هكذا بهذا الفستان، وما أن التفت ورأى ظهر الفستان حتى صرخ بغضب: نهارك أسود ومهبب، استني عندك. لم يعطِ للمى أي مجال وخرج سريعًا يغلق الباب بعد أن خرجت غنوة، وبلا أي كلمة خلع عن جسده معطفه الطويل ووضعه عليها. غنوة: إيه اللي بتعمله ده يا أستاذ أنت. تحدث من بين أسنانه: أنتي اخرصي خالص فاهمه.. قدامي على البيت. لكنها

نفضت ذراعه عنها وقالت: ما أقدرش، لازم أكون على مكتبي دلوقتي وأنفذ التعليمات وأنا حاطة جزمة في بوقي أصلي مش معايا مليون دولار، مش ده كان اتفاقكم؟ لكنه لم يكن مهتمًا بأي مما تتفوه به وقال: قولت اخرصي ويلا على البيت ولا آخدك على بيتي أنا بالعافية، إخلصي. تحركت معه على مضض وهو طوال الطريق يسبها ويلعنها هي وفستانها المستفز هذا. وصلا إلى الحي أمام بيتها فقالت وهي تراه يترجل من سيارته وكأنه

يستعد ليدخل معها بيتها: إيه ما خلاص وشكراً على التوصيلة. أشار لها بحدة مغمغمًا: ششش.. قدامي. دلفت للداخل لتشم رائحة طعام لذيذ قادم من المطبخ وصوت أشجان التي خرجت من المطبخ تقول: أنتي جيتي يا بت يا غنوة، أنا عملت لك صينية بطاطس بالفراخ اللي بتحبيها، وجمعت لك لستة العرسان بتوع الشهر ده، والنبي كلهم شباب جدع وزي الورد، أنا حالفة ما هيعدي الشهر ده إلا وانتِ في بيت عدلك. شعرت بشيء

ساخن قادم من خلفها فقالت: هو إيه الصهد اللي هب فجأة ده. التفتت لترى هارون واقف خلفها عروقه نافرة من الغضب ووجهه أحمر. وتحدث بهدوء مرعب: بقا أنتي بقا عايزة تجوزي مراتي. أشجان: أنت إيه اللي جابك هنا تاني يا خايب الرجاء أنت. هز رأسه يزم شفتيه مرددًا: خايب الرجاء! تصدقي أنا كده فعلًا عشان سايبها لك آنسة لحد دلوقتي وعايزة تجوزيها كمان. تقدم

بصمت وجذب غنوة له ثم قال: أنا بقول نتمم جوازنا هنا أهو حتى روح أبوكي تبقى بتترفرف حوالينا. نظرت له غنوة برعب تخشى من تنفيذ ما يقول. *** جلست في سيارة صديقتها تنظر للطريق بشرود تتذكر الرفض المتواصل لطلبها الطلاق، حتى أمها ترفض بشدة. كيف ترفض بعد تخطيط سنوات كي تزوجها وريث العائلة متغافلة عن أي شيء. تنهدت بضيق ثم نظرت لصديقتها قائلة: ممكن أعرف بقا إحنا رايحين فين وإيه جابنا إسكندرية؟

ومفاجأة إيه اللي جدو متفق معاكي عليها يا هانم ومش قايلين لي. توقفت نادين بسيارتها على أحد أرصفة ميناء الإسكندرية وقالت: انزلي معايا دلوقتي وأنتي تعرفي. زفرت بضيق وترجلت من السيارة برفقة صديقتها حتى توقفت معها أمام باخرة عملاقة. هي أشبه لمدينة عائمة على الماء، كانت تحفة متنقلة حقًا. خطفَت أنفاس تقى على الفور ولم تستطع أن تحيد بعينيها عنها وقالت: إيه ده واااو.. تحفة أوي. تقدمت

نادين واحتضنتها قائلة: دي بقا باخرة فايف ستار فيها ألمع وأشهر نجوم الوطن العربي بيطلعوا رحلة لمدن كتيرة ويقفوا عند كل مدينة شوية ياخدوا دور. ده غير الحفلات والألعاب والسهر والرقص.. وبيكون فيها ناس كتير من كل الدول حاجزين على نفس السفينة عشان يقضوا الرحلة مع النجوم دي. كانت تقى تستمع لها وعيناها تلمع ثم رددت: يا بختهم. التفت نادين حتى وقفت أمامها وقالت: ما أنتي منهم يا حبي، هي دي المفاجأة.

لم تصدق تقى ما سمعت إلى أن صعدت فوق متن السفينة وتحركت أيضًا وهي لوقتها هذا لم تصدق. تقى: نادين أنا مش مصدقة لسه بردو. ضحكت نادين مرددة: مش مصدقة إيه بس ده إحنا بقينا في عرض البحر والصبح هتصحي من النوم تلاقي نفسك في إيطاليا. جدك وخالك بيرتبوا لك في الرحلة دي من شهرين. سعدت تقى كثيرًا وظلت طوال الليل ساهرة على سطح السفينة تتعرف إلى أصدقاء نادين الجدد ثم استأذنت منهم حين غلبها النعاس وذهبت لغرفتها.

ظهر اليوم الثاني استيقظت بكسل وخمول تنظر للساعة مستغربة، يبدو أنها قد نامت كثيرًا، وعلى ما يبدو أيضًا أن نادين قد استيقظت وخرجت. وقفت كي تبدل ملابسها ثم ارتدت فستان أخضر قصير يضيق على الخصر والصدر مبدرزًا لقوامها الممتلئ بصورة مثالية خطيرة. مشطت شعرها الطويل لينساب بنعومة حتى آخر ظهرها ثم وقفت لتضع كحل عينيها القاتل. وما أن انتهت حتى صعدت لسطح السفينة حيث تتوقع تواجد نادين مع باقي أصدقائها.

ابتسمت وهي ترى نادين تجلس مع أصدقائها تلوح لها بيدها بحماس ما أن أبصرتها تقف. تقدمت أكثر فأكثر وهي تدرك وجود مجموعة جديدة قد انضمت لها. وقفت متخشبة وهي ترى من بين الجلوس شخص تعرفه.. تعرفه جدًا وعن ظهر قلب. إنه ضياء.. ضياء عاصم شديد.. زوجها. وعلى الفور صدحت صافرات الإعجاب من الشباب، وهي عينها بعين ضياء الذي ينظر لها بإنبهار ثم سأل نادين: مش تعرفينا! اتسعت عيناها بصدمة.. زوجها لم يعرفها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...