الفصل 41 | من 54 فصل

رواية شط بحر الهوى الفصل الحادي والأربعون 41 - بقلم سوما العربي

المشاهدات
18
كلمة
5,705
وقت القراءة
29 د
التقدم في الرواية 76%
حجم الخط: 18

بدأ يهبط الدرج و هو يسحبها خلفه بهدوء رغم علمه بخلو المكان حالياً لكنه كان محتاطاً لدرجة كبيرة في كل خطوة يخطوها. فحياتها لم تكن الوحيدة المعرضة للخطر، هناك ما هو أهم من ذلك، حياة فيروزته، والتي هي باختصار حياته. هي أهم من كل شيء.

نجح أخيراً بإجتياز الرواق المؤدي للباب الكبير ثم منه إلى الحديقة حيث توقفت سيارة سوداء فارهة تبدو مستعدة للتحرك في أي وقت. بالفعل، بعدما فتح باب السيارة لها وجلست، أستدار سريعاً لجوارها آمراً السائق بالتحرك. لكن توقفت أمام الباب الإلكتروني الضخم. ظلوا لمدة نصف دقيقة، وعلى ما يبدو أنه ينتظر شخصاً ما، وقد أتى بالفعل. شهقت فيروز بصدمة، إنه أحد حراس فلاديمير الأوفياء وكان دائم التواجد معه في كل مكان منذ حضرت إلى هنا.

نظر لها ماجد وقد تكونت على إحدى زوايا فهمه ابتسامة متهكمة تحمل معنى واحد لا يحتاج للنطق كي تفطنه: "المال يتحدث". وضع ذلك الرجل كارت صغير في الآلة الموصلة بالبوابة ففتحت على الفور. مد ماجد يده من نافذة السيارة محملة برزمة من المال وأعطاها للرجل الذي ظل صامتاً ولم يرف له جفن. انطلقت السيارة أخيراً مبتعدة عن قصر فلاديمير الضخم. ظل ماجد مترقباً لكل شيء بعيداً عن فيروز، متأهباً لكل حركة.

وبعد نصف ساعة من القيادة وجدته يخرج تنهيدة حارة مردداً: "أوووف... أخيراً خرجنا برا حدود سيطرته". فهمت ما يقصده، حديثه يعني أنهما الآن في أمان وبعيد عن سلطة يده. اتسعت عيناها بصدمة وهي تشعر به قد حاوط خصرها بيديه، كل كف منهما في ناحية يميناً ويساراً، ثم ضمها له يشتم رائحتها مردداً: "وحشتيني... وحشتيني أوي يا فيروزتي، أخيراً بقيتي معايا وحضني". صكت أسنانها بعنف وغضب

وهي تبعد كفيه عنها مرددة: "أبعد إيدك دي عني، إنت هتعملي فيها أخويا ولا إيه؟ مرر أنفه على وجنتها وهو مازال محتضنها له بعدما أحبط محاولاتها في الابتعاد عنه قائلاً: "ومين قال كده؟ انتي عارفة وأنا عارف إننا مش أخوات وإنك حبيبتي، حبيبتي اللي ما أقدرش أستغنى عنها".

حديثه وقربه لم يؤثرا بها إيجاباً لصالحه، بل سلباً. تذكرت ما فعله بها وتلك اليد التي تحتضنها الآن كانت تضربها من أيام فقط. وذلك اللسان الذي يقطر عسلاً سبها ونعتها بأقذر أنواع الصفات يومها. نجحت في إبعاد يديه عنه وقالت: "لو ما بعدتش عني هفتح الباب وأرمي نفسي من العربية، مش هستنى حتى لما أرجع مصر".

أطبق جفنيه بحزن كبير. كان يعلم ومتوقع رد فعلها هذه لما بات يعرفه عنها، عن صفاتها وشخصيتها. حبيبته ذات القلب الأسود يناقض بشرتها القريبة من القشدة، لا تنسى أبداً من أساء إليها ومن أحسن، تمتلك ذاكرة فولاذية ولا تترك حقها أبداً. قد تصمت وتنتظر إلى أن تأتي الفرصة، لكن لا تنسى أو حتى تعفو. بالفعل بدأت تتحدث وتسرد عليه كل ما ارتكبه بحقها

في ذاك اليوم المشؤوم تسأل: "أنا بستغرب عليك بجد، أنت إزاي قادر بنفس الإيد اللي ضربتني وكسرت البيت كله فوق دماغي تيجي بيها هي هي تلمسني وتحضني؟ إزاي بنفس اللسان اللي شتمني جاي تنطق تقول حبيبتي؟ إزاي؟ ده إيه البجاحة دي؟ ابتلع ريقه بصعوبة وقال: "اعذريني يا حبيبتي والله من غيرتي عليكي. أنا بغير عليكي أوي، بغير من الهوا، بتجنن لو عرفت إن حد قرب منك، أنتي بتاعتي أنا وبس.. أنا...

أنا لما شوفت الحاجات دي اتجننت، كنت زي المجنون مش شايف قدامي". رمقته بازدراء وقالت نافرة: "يبقى روح اتعالج بعيد عني، ولازم تبقى عارف إني لا دلوقتي ولا بعدين هعرف أنسى اللي عملته أو حتى أسامح فيه. ولو كنت طاوعتك وبتتكلم وبأرد، فده لأنك الأمل الوحيد ليا عشان أرجع مصر، من الآخر كده بستغلك، أصل أنا وصولية واستغلالية أوي".

كان يستمع لها بألم يتمنى فرصة جديدة وابتسم على نهاية حديثها فهو على علم بما كانت تفعله، لكن تفاجأ بصراحتها. فحبيبته وكما يعلمها هي ملكة اللف والدوران، تجيد التلاعب والتلوّن. لكنها تتحدث معه بما تشعر وفعلت مباشرة الآن مما جعله يبتسم ويغمض عينيه يعض على شفتيه منها ومن جنونه بها. لا يعلم كيف سيعشقها أكثر مما هو عليه. ابتسم أكثر

وهو يستمع لها تكمل متوعدة: "ماشي، اضحك براحتك. أوصل بلدي بس وبعدها قسماً بالله لأوريك نار جهنم على الأرض، هخليك تتكوى بالنار كل دقيقة ولما أبقى أشبع وأتشافى فيك همشي". فتح عينيه والتف برأسه يقول لها بحالمية: "على بيتنا الجديد اللي هنتجوز فيه". احمر وجهها من الغضب. إن كانت هي ملكة اللف والدوران فهو ملك الاستفزاز، يجيده حقاً. هي بالأساس تستغربه. وقالت: "يا أخي يخربيت الاستفزاز، تصدق...

أنا ساعات بحتار في أمرك، أوقات تبقى عصبي وبتتخانق مع دبان وشك وأوقات تانية بتبقى بارد ومستفز". اعتدل في جلسته وغافلها بضمه لها يقول: "لأ هو أنا في العادي والطبيعي بارد ومستفز". صمت وقد اقترب بأنفه يلصقه بأنفها ثم تحدث بأنفاس ساخنة: "مش بقلب كده ولا أتعصب غير من غيرتي عليكي، لما تبقى الحاجة تخصك انتي من قريب أو من بعيد".

لن تكابر، لقد ارتبكت، زلزلتها نبرة صوته وكلماته التي دغدغت كل حواسها وعلت وتيرة أنفاسها. ظلت تنظر لعينيه كما يفعل هو بعدما تاه في عينيها التي يعشقها ويعشق لونهما الرمادي. ولم يخرجه من حالته تلك سوى انتباهه على توقف السيارة ليدرك أنهم قد وصلوا للمكان الذي تنتظرهم فيه الطائرة الخاصة التي قام باستئجارها بمبلغ ليس بالهين كي توصلهما إلى مصر.

ترجل من السيارة سريعاً وهو مازال على درجة عالية من الحيطة والحذر، مد لها يده كي تترجل هي الأخرى من السيارة ثم سحبها خلفه مجدداً كي يصلا للطائرة. جلست وهو ظل على وضعه متأهباً غير مطمئن. إلى أن زفر بتعب وقد أقلعت الطائرة أخيراً. وقتها تنهد بتعب يشعر بزوال صخرة ضخمة من على صدره. مد يده كي يقربها منه ويأخذها بحضانه لكنها أبعدت يده بحدة. فقال وهو يمد يداه لها يستجديها: "تعالى، عايز أخضك في حضني وأنام".

نظرت له بغيظ وازدراء وولته ظهرها تنظر من النافذة على المدينة وهي تحلق عالياً. زم شفتيه بيأس وتمطى بكسل يأخذ راحته في كرسيه أكثر يستمتع بمشاهدتها وهي أخيراً معه وأمامه عائدة إلى بيته كي تظل تحت عينيه وقريباً جداً في أحضانه. *** صباح الخير. قالها يوسف بسماجة لهارون الذي توقف عن السير واستدار له قائلاً: "صباح النور". شمله بنظرة سريعة وهو يراه قد بدل ثياب النوم لأخرى كأنه مستعد للخروج فسأله: "شكلك خارج".

جاوبه يوسف على الفور: "أيوه، جاي معاك". نظر له هارون بحاجب مرفوع وردد: "جاي معايا؟ جاي معايا فين؟ يوسف: "المكان اللي أنت رايحه". هارون: "يعني أصلاً مش عارف أنا رايح فين بس لابس وهتيجي؟ جاي في أي حاجة يعني؟ هز يوسف رأسه إيجاباً وقال: "أيوه، ما انت أكيد رايح تشوف الحتة بتاعتك". نهره هارون بغضب: "إيه حتة دي؟ ما تلم نفسك". أشاح

له يوسف بيده وقال ببرود: "المدام يا عم، الجماعة، ها حلو كده، خدني بقى معاك عشان أشوف مين دي اللي وقعت هارون الرشيد". صك هارون أسنانه بغيظ ثم أشهر إصبعه السبابة في وجه يوسف يردد بتحذير شديد: "ولاااا، أوعى تقول قدامها هارون الرشيدي دي أنت سامع؟ هلل يوسف مردداً: "أوبااا.. أنت بقيت بتخاف زي كل المتجوزين؟ الفاتحة على الرجالة". رمش هارون بأهدابه من الحرج وحاول استدعاء ثباته سريعاً

ثم قال: "ولا، اتلم، أخاف إيه وزفت إيه على دماغك، كل الحكاية إن الأمور بايظة بينا خالص الفترة دي فمش ناقصة خالص". هز يوسف رأسه بجدية وكأنه مقتنع يردد: "عندك حق". ومالبث أن انفجر ضاحكاً يردد: "ده انت مش خايف منها، أنت مرعوب.. ههههههه". اغتاظ هارون كثيراً ولكمه في صدره مردداً: "ده انت سخيف سخافة، ربنا يبتليك باللي أنا فيه وأكتر".

رفع يوسف رأسه بزهو يردد: "لا عاشت ولا كانت ولا اتخلقت أصلاً، ده أنا يوسف محيي إدريس، مفكرني زيك أنت والتاني اللي اسمه ماجد.. تعالى ورايا". سار هارون خلفه حتى صعد كل منهما سيارة هارون الذي قال: "عايز أقولك إن أنا وماجد كنا بنقول زيك كده". يوسف: "أنا حاجة تانية، شعاري في الحياة امرأة واحدة لا تكفي. وبعدين سيبك من كل ده وتعالى لي هنا، مش شايف إنك ظلمت ماجد والمفروض تصالحه". ابتلع هارون ريقه بصعوبة فور تذكره

ما فعله بماجد لكنه قال: "ممكن أكون ظلمته في إنه هو السبب في كل اللي بيحصل لي بس أكيد ما ظلمتوش في إنه حاول يوقعني ويغرقني في السوق". يوسف: "وأنت كنت سمعته ولا عرفت أسبابه؟ رد هارون بعصبية: "هو ما أنكرش ومن بجاحته قال أه أنا عملت كده". يوسف رأسه بعدم تصديق وقال: "أنت يا ابني مصدق نفسك ولا بتتلكك عشان تطلعه غلطان؟ هو الشغل اللي أخده منك كان يوقع بجد؟

ما أنا وأنت ولاد سوق وعارفين، خسرت آه بس مش كتير يعني، وهو أكيد عنده أسبابه وإلا كان لف ودار وأنكر". سحب هارون نفس عميق يفكر بما يقوله يوسف وبدأ بتحريك السيارة يخرج بها من البيت كله قاصداً هدفه الذي لم يكن سوى باخرة في منتصف النيل كما نظمت غنوة بالضبط. جلست لمى وهي بداخلها تقر وتعترف، تلك الفتاة ماهرة جداً. جلس هارون مقابلها يخلع عنه نظارته الشمسية وهو هو مستمتع جداً بالأجواء،

وكذلك يوسف الذي قال: "فكرة هايلة بصراحة، شمس ومايه ومش أي ماية، دي مية النيل". زم هارون شفتيه وقال: "فعلاً براڤو يا لمى فكرة ممتازة". ابتسمت لمى بشماتة وقالت: "وتفتكر إن دي فكرتي أو اختصاصي؟ دي فكرة غنوة، أصلها دردشت شوية مع كام واحد من الشركا الجداد وبنت اللذينة فهمت دماغهم في وقت قصير، حتى نظمت برنامج اليوم على هواهم". حمحم يوسف بحرج، يعلم حالة صديقه الآن دون الحاجة للنظر إليه، بالتأكيد يغلي.

وهو كذلك بالضبط كان هارون يغلي دمه من الغضب وسأل: "دردشت معاهم؟ وهي فين دلوقتي؟ زمت لمى شفتيها وقالت: "مش عارفة". صمت قليلاً ثم قالت مدعية اللامبالاة: "ممكن تكون واقفة مع حد منهم، أصلي مش قادرة أقولك بقوا صحاب أد إيه، مش بقولك بنت هايلة".

شحنته عليها بنجاح وقد تخطى مرحلة الغليان وفار دمه حتى احمر وجهه وهم بالتحرك بهيجية واندفاع إلا أن يوسف حاول التشبث به كي يوقفه ويمنعه مردداً: "أهدى يا وحش مش عايزين مشاكل ده إحنا في عرض المايه". حاول هارون التملص منه يردد من بين أسنانه: "أوعى بقولك، دي زودتها أوي".

وقفت لمى مرددة: "هارون، لو سمحت أنا مش عايزة مشاكل هنا، الشغل ده أنا بقالي كتير بخطط له ومش عندي أي استعداد أخسره عشان أي حد خصوصاً يعني لو الحد ده معاليك، فلو سمحت تلتزم الهدوء لآخر اليوم، طالما مش قادر تسيطر على المدام كده". قالت الأخيرة بسخرية لاذعة زادت غضبه وعصبيته وحاول التملص من يوسف بقوة أكبر. فقال لها يوسف بغضب: "إنتي إيه يا شيخة؟ إيه يا شيخة؟ إيه كلامك اللي ينطق الحجر ده، عايزاه يرتكب جناية هنا ولا إيه؟

تحدثت لمى سريعاً: "عايزاه يا يفضل هنا بهدوء يا ممكن أي فلوكة صغيرة تاخده للبر. أنا مش عايزة مشا مشاكل هنا خصوصاً إني بصراحة مش عارفة هو إيه اللي جايبه النهاردة لأ وكمان جايب معاه صاحبه على أساس إننا رايحين دريم بارك يعني ولا إيه مش عارفة. لو كنت نسيت الشغل ونسيت ضوابطه والتزاماته يا هارون باشا يا ريت ترجع بيتك لحد ما تفتكره". تركه يوسف وقال: "تصدقي أنا مش هحوشه عنك، وأنتي تستاهلي أصلاً".

ثم ترك هارون الذي تقدم منها قائلاً بحدة وغلظة: "أولاً أنا هنا عشان على الورق شريكك انتي وأبوكي في أي مشروع تدخلي فيه ولا انتي ناسيه؟ وأجي وأجيب أي حد يخصني كمان". اغتاظت لمى قليلاً فزادت من حدة حديثها وقالت بعجرفة: "كل ده ما يبررش تصرفاتك الغير مسؤولة دي ولا ركنتك في البيت وجريك ورا الست هانم نسوك الشغل؟ أقترب منها هارون وقال ببرود ينافي ما بداخله: "أصلي بحبها وأه أنا مش بتصرف دلوقتي بـ (بزنس وايز)

عشان أنا مش زي أبوكي، اللي بتتكلمي عنها دي مراتي يعني شرفي وعرضي فما علش يعني لو لقيتيني مش عارف أكبر دماغي وأطنش عشان الشغل يمشي". صرخت فيه بغضب عاصف: "أنت زودتها أوي يا ابن الصواف". تقدمت على صوتهم غنوة التي وثقت تكتف ذراعيها حول صدرها وقالت ببرود: "تؤ تؤ تؤ، إيه الصوت العالي ده بس يا جماعة فرجتوا علينا الناس". لم يستطع يوسف التوقف وتقدم منها مصفراً يردد بإعجاب: "يا حلاوة عيون البقر، أنا نقطة ضعفي العيون الواسعة".

مد يده بإعجاب يردد: "يوسف محيي إدريس، مين القمر". سلمت عليه مرددة: "غنوة". نفض يده من يدها على الفور كما لو كانت سلك كهربائي عاري وصعقه يقول: "سلام قول من رب رحيم". لم يكد ينتهي من جملته حتى حدث ما خشاه وشعر بهارون يقبض على عنقه من الخلف يردد: "أنت شكلك مش خايف على عمرك مش كده؟ التف له يوسف يقول بصعوبة: "أقسم بالله ما كنت أعرف إنها هي وأنت عارفني ما بقدرش أسكت، أصل أنا أحب الجمال وأقدره أوي".

نظر له هارون بغضب ثم قال: "خليني أعبر لك أنا كمان عن تقديري". ثم اختتم حديثه بلكمة قوية صرخ يوسف على أثرها. تقدم هارون من سبب كل بلاويه وسحبها خلفه بينما يوسف يصرخ فيه: "إيدك تقلت أوي على فكرة، تستاهل اللي أنت فيه". صار بها رغماً عنها إلى أن وصل للناحية الأخرى من المركب ووقف أمامها يصرخ فيها: "إيه؟ وبعدين معاكي؟ عايزة توصلي لحد فين؟ عايزة تجنيني؟

طيب أديني اتجننت وخلاص، ولا لأ لأ، أنتي عايزة تموتيني عشان تاخدي قلب أبوكي مش كده؟ نفضت يده عنها وقالت من بين أسنانها: "أنا ولا عايزة أجننك ولا عايزة أشوفك من أصلو، أنا بعمل اللي حضرتك سعيت ليه بنفسك يا هارون باشا، مش ده اللي اتحدت مع لمى عشانه، مش هو ده شغلي، اشرب بقى".

كاد أن يلامس السماء بيديه من شدة غضبه وجنونه. غنوة تعلمه الأدب بلا أي مجهود منها. فهو بالفعل السبب بكل ما يجري وهو من سعى إليه. تواجدها اليوم تنفيذاً لما يتطلبه العمل بشركة لمى بعدما تلاعبوا في رقم الشرط الجزائي المدون في العقد بناء على اقتراح منه ليتلقى هو الصفعة على وجهه بدلاً من وجهها هي. هو من أوصل نفسه لهنا.

نظرت له بضيق شديد وشعور بالإغماء والدوار يلف رأسها ومعدتها منذ أن صعدت على سطح المركب وهي تقاومه. حاولت الظهور بمظهر الثبات والقوة تقاوم رغبتها الملحة بالقيء ثم قالت: "شكلك كده بيقول إنك كنت صاحب اقتراح المليون دولار مش كده؟ صمت ولم يجيب، لكن على ملامحه إجابة وافية. عم الصمت للحظات قبلما يصرخ فيها وهو رافض الإقرار بخطأه: "وهو مين السبب في كل ده؟

مش انتي. مش كان زمانا دلوقتي بنلف الدنيا كلها في شهر العسل. انتي اللي مصممة على وجع القلب. لأ، وكمان ألاقي الولية الحيزبونة اللي عايشة معاكي عايزة تجوزك. تجوزك وإنتي مراتي". كتفت ذراعيها حول صدرها تحاول مجدداً السيطرة على الدوار الذي تشعر به، تتحدث بقدر من الثبات: "أمال انت مفكرني هفضل طول عمري كده؟ ما أنا زيي زي أي بنت، مسيري للجواز". تقدم منها أكثر

وقال بفحيح من بين أسنانه: "انتي عارفة إنك لو عملتي كده بجد أنا ممكن أسجنك بالعقد اللي معايا". هتفت بحدة: "ده عقد عرفي يعني مش شرعي". ابتسم لها بخبث وأردف: "بس قانوني، واللي عليه إمضتك بخبير بصمات سهل أوي نثبت كده، كل ده وإنتي مسجونة على ذمة القضية، وأنا نفسي طويل أوي خلي بالك".

شحب وجهها وهي تتخيل الحفرة التي حفرتها هي لنفسها. ومع التفكير لم تستطع السيطرة على الدوار الذي يداهمها كل كم دقيقة، لكن هذه المرة لم تستطع السيطرة عليه والتفت سريعاً تستند لحافة المركب وتميل عليه كي تلبي نداء معدتها بالقيء. أقترب منها سريعاً بلهفة يضمها له وهو يخرج منديل ورقي من جيبه ينظف لها فمها وهي تحاول الابتعاد عنه بسبب رائحة القيء التي بالتأكيد أصبحت ملاصقة لها. ورددت بتعب واضح: "أبعد عني ريحتي كلها ترجيع".

هز رأسها منها ومنما تظنه. لو تعلم كيف يذوب بها عشقاً ويتقبلها على كل الحالات لما قالت ما قالت. زاد من ضمها له يلصقها به وبدأ بهدوء وعناية يمسح لها فمها ثم قال: "أجيب لك مايه؟ هزت رأسها نفياً وهو الآخر رأسه من عنادها الواضح ثم قال: "اسندي عليا وتعالي ريحي جوا". بالفعل اتكأت عليه. لم يكن لديها الجهد الكافي كي تجادله وسارت معه لأحد الغرف الصغيرة وساعدها في التمدد عليها. مال

عليها يتحسس جبينها وقال: "حرارتك كويسة شوية، انتي حاسة بأيه؟ أجابته بتشوش وهي تجاهد لفتح عينيها: "حاسة ب... بدوخة و... ومش عارفة أصلب طولي و... رجلي.. رجلي مش شيلاني.. وعايزة أرجع تاني". بعد قليل وقفت لمى وهي تصرخ عالياً بغضب لكن بأصوات غير واضحة لهارون الذي اتخذ فلوكة صغيرة في الماء له ولغنوة ينفصل بها عن المركب عائداً للبر. *** وقفت وهي لا تفقه شيئاً تنظر لصديقتها في

المرأة التي خلفها وقالت: "ممكن أفهم قولتي وعملتي كده ليه؟ مين جيجي دي أصلاً؟ وقفت نادين عن الفراش بهدوء تردد: "تؤ تؤ، هو انتي رجعتي تنسي تاني يا جيجي يا حبيبتي، جيجي هي انتي وانتي هي جيجي". التفت تقى وصرخت في وجهها مرددة: "إنتي عايزة تجنيني، أنا اسمي تقى كاظم الصواف". هزت لها نادين رأسها ببرود وقالت: "لأ غلطانة، انتي جيجي حتى شوفي". سارعت بإخراج بطاقة شخصية تحمل ذات الاسم مع صورة تقى.

ذهلت تقى مما ترى وقالت: "إمتى وإزاي؟ نادين: "من بدري، جدك وخالك خالفين لا يربوا الوريث". هنا وإلى حد ما قد فهمت ما يجري، لكن ما لبثت أن سألت: "طب وليه قولتي إني ملكية خاصة؟ كده ممكن يبعد". ابتسمت نادين ترفع إحدى حاجبيها بمكر ثم سألت بخبث: "أفهم من كده يا توتو عايزاه يقرب؟ ردت تقى على الفور وقالت: "طبعاً عايزاه يقرب وألففه السبع لفات وبعدها بقا أبقى أقوله أمك في العش ولا طارت".

ضحكت نادين عليها وقالت: "بقيتي شريرة أوي يا توتو". شردت تقى في الفراغ تقول: "أصلك إنتي مش عارفة، ضياء ده عقدة حياتي اللي كانت بتزيد يوم عن يوم، عايزة أنا اللي أرفضه يا نادين يمكن ساعتها ترجع لي ثقتي بنفسي". تنهدت نادين وقالت: "أنا عارفة، ورغم إن اللي انتي بتقوليه عكس اتفاقي مع جدك وخالك بس أنا هحاول أوصل معاكي ليه وساعتها بقى نبقى نشوف نحن عليه ولا لأ". صرخت فيها تقى: "لأ، مش هنحن على حد ده ما يستحقش غير الكره".

نادين: "بلاش نسبق الأحداث.. ده ربك بيهدي في غمضة عين". زفرت تقى بلا اقتناع ثم سألت: "بردو ما قولتيش ليه قولتي له إني ملكية خاصة؟ ضحكت نادين بثقة وقالت: "دي قاعدة مشهورة في علم النفس، عايزة تزيدى من تعلق حد بيكي حسسيه إنك لحد تاني وما ينفعش كده من أولها يفكر فيكي أصلاً، العكس هو اللي بيحصل وبيبقى كأن الكون فضي من حواليه وهي دي بقا ومش شايف غيرها، وانتي بنفسك شوفتي.. ضياء حواليه كتير وعرف بنات بعدد شعر راسه".

أكملت تقى: "ولسه هيعرف". قاطعتها نادين بثقة: "مش هيحصل، بعد الكلمة اللي أنا قولتها له دي مش هيحصل وهتشوفي، انتي قبل الجملة دي كنتي مجرد بنت معجب بيها بس في زيها كتير، لكن بعد الجملة دي بقيتي لا قبلك ولا بعدك وهتشوفي دلوقتي... انتي خلصتي لبس؟ نظرت تقى لنفسها في المرآة وقالت: "لسه.. مش عارفة ألبس إيه". فكرت نادين قليلاً ثم قالت: "الفستان الأسود، هيبقى تحفة عليكي يا زبادو.. حمار وبياض".

ضحكت هي وتقى التي قالت: "وأسيب شعري عشان أجلطه". غمزت لها نادين وقالت: "بقيتي خبيثة، تربيتي.. بس لأ شافك الصبح بيه، بالليل ترفعيه عشان تبيني رقبتك البيضا الطويلة حتى هيبقى لايق أكتر من رقبة الفستان". استمعت تقى لكل ما تقوله صديقتها ونفذته والتي ما أن انتهت حتى أصدرت نادين صافرة عالية تقول: "ده انتي هتجلطيه لأ.. ده هيجيله شلل رباعي.. يلا بينا". ضحكت تقى وخرجت مع صديقتها ووصلا للقاعة التي سيسهر بها الجميع.

كان ضياء يجلس وسط أصدقائه على يساره كلارا وعلى يمينه رائف وبجوارهما شابين وعدد لا بأس به من الفتيات الحسنوات. كان ضياء كأسد الغابة بينهم يجلس في شمموخ يضحك فقط ولا يتكلم كثيراً يستمتع بمشروبه فقط. وقفت من بعيد تنظر له بتمعن. لو لم يكن ضياء، لو كانت الظروف غير الظروف لتمنته حبيباً وزوجاً، لكن هو السبب في كل ما تحمله له بقلبها الآن.

لاحظ توقف عينيه عليها وكيف تحولت نظراته ينزل الكأس من يده رويداً رويداً من شدة انتباهه لها هي فقط. فحولت عينيها سريعاً تنظر في أي مكان عداه كأنها غير مهتمة ولا تراه. بينما التف بقية الجلوس ينظرون لما يخطف تركيز ضياء فأحتقن وجه كلارا من الغضب وكذلك ضياء الذي شعر بصديقه يقف سريعاً وذهب إليها يستقبلها وهي تبتسم له متجاوبة. وقف على الفور وجذب نادين من يدها بحدة حتى وقفا في مكان بعيد نسبياً. تألمت نادين من ضغط يده

على معصمها تقول وهي تفركه: "فيه إيه يا ضياء أيدي". لم يأبه لا لألمها ولا لما تقوله وقال من بين أسنانه: "أنا عايز أعرف دلوقتي إيه معنى الكلام اللي قولتي الصبح". جعدت ما بين حاجبيها وسألت بجهل شديد: "كلام؟ كلام إيه؟ صرخ فيها بضيق ونفاذ صبر: "نادييين، مش قولتي الصبح إن جيجي مليكة خاصة؟ يعني إيه؟ وخاصة بمين؟

ضحكت نادين وقالت مستخفة: "يااا يا ضياء، أنت لسه فاكر يا أخي، أنت بتدقق في حاجات غريبة أوي، ما تاخدش في بالك وتعالى.. تعالى نكمل السهرة كلارا بتبص عليك". هتف بحدة: "سيبك منها وردي عليا زي ما بكلمك، جيجي مليكة خاصة إزاي وبمين؟ ابتسمت بخبث وقالت: "أصلها يا سيدي مكتوب كتابها". شحب وجهه لدقيقة ثم سأل: "كتب كتاب بس؟ تنهدت نادين وقالت: "وهي هتفرق في إيه؟ اللمعت عيناه بفرحة وقال بتصميم بينما عيناه مرتكزة على تلك القشدة التي

ترتدي فستان أسود يردد: "لأ تفرق.. تفرق كتير أوي". *** توقف يوسف بسيارته أمام الباب الداخلي لبيته، وهو مشتاق كثيراً لوالده وأخواته يسب ويلعن هارون الذي اختفى فجأة وأضطره للعودة لبيت والده في وقت متأخر كهذا. بالتأكيد الكل نيام الآن. ترجل من سيارته وينوي أخذ حمام منعش ثم النوم بعمق وفي الصباح يصنع لهم مفاجأته. بينما في الغرفة التي سكنتها زينب وهي تستعد للنوم فتحت نور الباب وقالت: "زوزو تعالي، تعالي معايا الأوضة بسرعة".

تثائبت زينب بتعب وقالت: "أنا مش قادرة أتحرك بنام على نفسي، بكره بكره". تقدمت نور بسرعة وجذبتها من ذراعها مرددة: "الموضوع لا يحتمل، بقولك هكرت صفحتها خلاص، تعالي معايا شوفي الفصايح قبل ما تكتشف هي وتغير الباسو وأطلع". ذهبت معها زينب بسرعة لترى ماذا تقصد وقد تمكن منها هي الأخرى الفضول. بعد دقائق دلف للبيت بمفتاحه القديم ليجده غارقاً في الظلام فتأكد من نوم الجميع الآن لذا قصد غرفته بصمت حتى الصباح.

انتهى من صعود السلم واجتاز الرواق متجهاً ناحية غرفته القديمة. فتح الباب والكهرباء ليبتسم وهو يراها نظيفة ومرتبة كما كانت تخبره نور دوماً أنها مهتمة بها وهو لم يكن مصدق... يبدو أنها كانت صادقة. وضع حقيبته جانباً وذهب سريعاً لأخذ الحمام المنعش الذي وعد نفسه به. وبعد دقائق عادت زينب للغرفة من جديد لتستغرب من اشتعال الضوء وتسأل بجنون: "هو أنا مش طفيته وأنا خارجة؟ سلام قول من رب رحيم، البيت ده مسكون ولا إيه؟

تقدمت من الفراش المرتب سريعاً تبعد الغطاء الخفيف كي تتدثر به مرددة: "لأ أنتي نسيتي يا زينب، أو ممكن من التعب، النهاردة برضو كان يوم صعب كفاية مشوار المطار لوحده، أنا أنام وأكيد الصبح هبقى كويسة". افترشت السرير سريعاً ولم تمر دقيقتان إلا وغرقت في النوم من شدة الإنهاك. خرج بوقتها يوسف من المرحاض عاري الصدر يلف جزعه السفلي بفوطة بيضاء حول خصره يجفف شعره. توقف بذهول وهو يجد فتاة جميلة أصبحت بقدرة قادر فوق فراشه.

تهلل وجهه وقال: "الله نسوان، يكونش أبويا عرف إني جيت وحب يوجب معايا؟ تقدم منها وهو يسأل ضاحكاً: "إنتي مين يا حلوة؟ هي السما في مصر بقت بتمطر نسوان وأنا غايب ولا إيه؟ تقدم أكثر ليزيح شعراتها البندقية التي كانت تخفيها عنه، ليبصر ذلك الوجه الملائكي ويردد بذهول ودقات خفيفة: "لأ دي مش نسوان، دي بنوتة حلوة أوي، مين دي؟ مد يده يهزها برفق: "إنتي يا... اسمك إيه طيب، أكيد قمر، أو جميلة، ولا لأ ملاك أكيد ملاك".

استيقظت زينب بوقتها لتبصر بصدمة رجل ضخم الجثة بل وعاري في نفس الوقت يميل عليها بجزعه ويلمسها أيضاً. لم تستطع إبداء أي رد فعل سوى الصراخ عالياً بأقصى طبقة صوت قد تصل إليها في يوم. في نفس التوقيت هبطت الطائرة الخاصة التي تحمل على متنها ماجد وحبيبته، وأخيراً استطاع كل منهما سحب أنفاسه براحة. تقدم ماجد منها يقول بفرحة شديدة: "أخيراً يا حبيبتي وصلنا مصر، حمد لله على السلامة".

لكن جاءه الجواب من غرفة جانبية فتح بابها الآن فقط. شهق كل من ماجد وفيروز على صوت وجسد فلاديمير الذي يجلس يضع قدم فوق أخرى وجاوب: "الله يسلمك حبيبي، أكيد كنتوا عاملينها لي مفاجأة وماحبتوش تقولوا لي مش كده". لم يستطع ماجد ولا حتى فيروز الرد من الصدمة وهو ينظر لهما بغرور وثبات. وعلى طريق الساحل كان هارون يقود سيارته برواق شديد وبين لحظة وأخرى ينظر لغنوة الغافية تماماً على المقعد المجاور له وبداخله ينتوي الكثير.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...