وقف يسد عنها طريق المرور للداخل، لن يتركها ترحل إلا بعدما يعرف كل ما يريد، شعور غريب تملكه حينما قالت نادين ما قالت وتركته راحلاً يتلظى بنيران فكره. لكنه الآن لن يتركها تبرح مكانها إلا بعدما ترضي فضوله بإجابة ومعلومات وافية. تنظر له بلا مبالاة، غير مبالية أو مراعية لحالته.
وهي كانت كذلك بالفعل، لكن لنزد على كل ما سبق أنها أيضًا متشفية فيه، فهي ومنذ سنوات كانت شاهدة على كل ما سببه لتقى من أذى نفسي كبير جدًا قد لا تحصيه الكلمات. صك أسنانه والغضب يتمكن منه كلما زاد صمتها وبرودها اللامتناهي، وهتف بحدة: ما تردي عليا، أنا من الصبح عمال أسأل نفس السؤال وأنتي مش بتردي. كتفت ذراعيها حول صدرها وقالت ببرود أكبر: هدّي نفسك شوية، أنت مش شايف إنك أوڤر زيادة عن اللزوم. تقوست شفتاه بازدراء وقال:
أو يمكن انتي اللي باردة. ببرود مقيت هزت رأسها نفيًا وقالت: تؤ، بالعكس.. أنا بتعامل طبيعي، أنت اللي مش طبيعي يا برو، واحدة ولا تعرفها ولا تعرفك، حد معرفة معدي من جنبك، يفرق لك إيه إن كانت مرتبطة أو لأ، مش تعقل الكلام قبل ما تتكلمه! زاد غيظه منها، خصوصًا وأن كلامها كله منطقي جدًا وهو لا يسعه الرد عليها. ومع صمته العاجز، لوحت له بيدها وقالت:
سوري ضياء مضطرة أسيبك وأمشي، القاعدة هناك حلويت قوي، خليك أنت هنا عد النجوم ولو خلصت حصلني. استدارت مولية ظهرها له، وقد فشلت في كتم شماتتها فيه، يراها واضحة في عينيها. فهتف عاليًا يردد بغيظ: استني عندك. التفت له مستغربة، فسأل بشك كبير: أنتي مالك كده عاملة زي ما تكوني شماتة فيا. جعدت ما بين حاجبيها وادعت الاندهاش مرددة: أنا؟ وأنا هشمت فيك ليه؟ أنت يا دوب بتسأل عن صاحبتي، هو أنت كنت واقع في غرامها ولا حاجة؟
مش هو سؤال بس برضه يا ضياء ولا إيه؟ تملكه الارتباك لثوانٍ، ثم رد بقوة واهية: لأ طبعًا، إيه اللي بتقوليه ده، ده أنا لسه شايفها الصبح. هزت رأسها وقالت باستغراب: ما هو ده بصراحة اللي أنا مستغرباه، سؤالك الكتير عنها غريب شوية. حمحم باستدراك يردد: أحم.. لأ أنا بس عشان... قاطعته تكمل بدلاً عنه: عشان منعتك تقرب لها وقلت لك إنها ملكية خاصة، مش كده! صمت بارتباك يوضح أن الإجابة نعم، فابتسمت بظفر وأكملت:
بس هي فعلاً ملكية خاصة وأنا متوصية عليها جامد، تقدر تقول كده إني الحارس الشخصي بتاعها... عن إذنك بقى الأكل وصل. غادرت وتركت له وهو مستاء جدًا من نفسه، كيف ترك روحه ولم يتحكم في تصرفاته إلى أن خرجت تصرفاته مثيرة للانتباه وأوصلته لأن يقف ويستمع من أحدهم حديث كهذا؟ من جيجي هذه وما مدى جمالها حتى، هي جميلة وهو يعلم بل مذهلة، ولكن عادي.. يوجد منها الكثيرات، يجب أن يتماسك، لن يهتز عرش الأسد أبدًا.
لذا اتخذ قراره بكل قوة وحسم وصار ناحية الطاولة واثق الخطى يمشي ملكًا وبنفسه يردد أن لا جيجي ولا عشرة مثلها قد يهتز لها ضياء شداد. بالفعل نفذ بمنتهى الحسم، وتعمد تجنبها بل وتجنب النظر لها حتى، من تظن نفسها هذه؟ فجلس لجوار كلارا المنتشية وهي تشعر بعودة ضياء القديم، ضياء المهتم ولا يلتفت لأي فتاة هن من يلتفتن عليه. تقترب له وهي تهمس في أذنه بغنج تحتك به بتحرش واضح، وهو يبتسم يصغي لها، يتفاعل معها ومع الحضور...
إلا جيجي أو (تقى) أما تقى فكانت تجلس وهي تلعب في صحنها بشرود تتعمق في التفكير دون النظر لأحد. لما تغيرت نظراته وولى اهتمامه عنها بعدما فعل صباحًا؟ اقتربت منها نادين هامسة بصوت بالكاد وصل لأذن تقى تردد: من أظهر تجاهلك عن عمد، أعلم أنك تلمع في ذهنه كالبرق.. أنهت حديثها بغمزة خبيثة شريرة جدًا، ارتفع على أثرها ضحكة تقى العالية والتي أرغمت ملك الغابة ذاك على الانتباه لها دون إرادته.
تلتف رقبته بحدة وكانت على وشك الاعوجاج، وهو ينظر لرائف الذي قال وعينه تقطر قلوب: ضحكتك حلوة قوي يا جيجي، تجنن، زي ما كل حاجة فيكي تجنن. ابتسمت له تقى بنعومة وقالت: شكرًا جدًا، أنت كمان ذوق قوي، وشيك كمان. وبابتسامة خبيثة سألت: أنت قلت لي اسمك إيه؟ اتسعت ابتسامته وحاول الرد بقدر عالٍ من الجاذبية: رائف، رائف شكري الرومي.. أكيد تسمعي عنها. جعدت ما بين حاجبيها مفكرة ثم سألت: استنى.. أنا سمعت الاسم ده قبل كده أنا متأكدة.
كذلك استرعى الاسم تركيز نادين التي حاولت التذكر معها وقالت بشك: كان معانا واحد في المدرسة بنفس الاسم أو العائلة. ثوانٍ وصرخت عاليًا وهي تصيح كأنها اكتشفت سرًا عظيمًا: آه.. رامي الرومي.. كان معانا في ثانوي.. مش الولد ده اللي كان بيحبك يا ت.. يا جيجي. اتسعت عينا تقى محذرة.. الغبية كانت ستخطئ في اسمها وتقول اسمها الحقيقي.
بينما هناك على رأس الطاولة شخص.. كائن حي تخرج الأدخنة من رأسه من كثرة ما هو مشتعل ويتصنع العكس، يكظم غيظه خصوصًا وهو يستمع لحديثها اللين بطريقة مبالغ بها جدًا من وجهة نظره وتصل لحد الميوعة، تسأله عن اسمه والآخر يجيب. لكن إلى هنا ولم يستطع التصنع بالا شيء أكثر، من هذا المعجب بها وكانوا بأي مرحلة؟ رفع رأسه ينظر لهم وهم يتحدثون، منشغلين عنه.. تقريبًا نسوه. ورائف يقول باندهاش: غريبة.. ده ابن عمي. فقالت تقى: بجد؟
ده كان معانا في ثانوي. أغمض ضياء عينيه بنفاذ صبر ليفتحها على مصراعيها وهو يستمع تلك الحرباء تقول: مش معقول هو قريبك؟ ده رهيب.. طب أنت عارف أنه كان مانع أي حد يقرب من جيجي؟ ودائمًا يقول إنه هو وهي مرتبطين. ومع حديثها هذا ركز ضياء بعينيه على جيجي بنظرة حارقة. لكنه كان بالقوى الكافية كي يستمر في المحافظة على صمته وثباته. يستمع لرائف الذي قال: وأنتم كنتوا كده فعلاً؟ ابتسمت جيجي ساخرة وقالت:
أنا ولا كنت أعرف عنه غير اسمه بس، مش عارفة ليه كان يقول ويعمل كده.. هو فين دلوقتي وعامل إيه؟ تشنج فك ذلك الذي يترأس الطاولة، بينما سألت نادين هي الأخرى: أيوه صحيح ده اختفى مرة واحدة وما نعرفش عنه حاجة. التفت رائف يوجه حديثه لتقى يسأل: وأنتي مهتمة ليه كده؟ زاد ضياء من الضغط على كأسه، لو لم تكن بالمتانة الكافية لتهشمت، وكلارا تلاحظ ما يفعل. حاولت تغيير الأجواء، فاقتربت منه قائلة:
الميوزك اللي بتحبها شغالة، إيه رأيك نقوم نرقص؟ لم ينظر لها، اكتفى بهز رأسه رافضًا، ينظر لسطح الطاولة وكأن عقله يراوده بأن يقلبها على رؤوسهم جميعًا، خصوصًا تلك الظريفة ذات الصوت الناعم والجسد الممتلئ الذي يثيره حتى وهو مختفٍ خلف الطاولة الضخمة. وظل على وضعه يستمع لهم وهم يتجاذبون أطراف الحديث إلى أن بادر واقفًا يعلن عن انتهاء وقتهم معه وأنه مل وسيغادر. انتبه له رائف قائلاً: وقفت ليه؟ دي السهرة لسه في أولها.
بكل الفخامة التي توجد في العالم، جمع أغراضه من على الطاولة وقال: مليت من الجو هنا، هكمل سهرتي في مكان تاني. أنهى حديثه بغمزة متعمدة وهو يشبك يده بيد كلارا التي وقفت بأنف شامخ تطلع لهن بكبر وزهو. يحاول التغاضي عن الغضب الثائر بداخله، فهي تنظر له عادي. لم تحاول حتى تجنبه، لو تجنبته كما فعل لأطمأن أنه يمثل لها شيئًا ما، لكنه لم يفعل. من يثق في نفسه لا يغار ولا يحقد، لا يتعمد تجاهل أحد ولا حتى يتعمد إهانته.
لو امتنعت عن التعامل مع شخص ما فهذا أكبر دليل على شعورك بالنقص لجاره، لكن طالما أنك تتعامل ولا يوجد لديك أي موانع هذا يعني أنك لا تغار منه ولا تحقد، ولو امتنعت هو فهو من يفعل وليس أنت. وهذا ما تأكد منه ضياء أثناء مغادرته المكان.. كانت تنظر له بلا مبالاة حقيقية. جلس في إحدى القاعات بالطابق السابع من السفينة وأمامه كلارا ترقص على الأنغام الصاخبة بالمكان وأصوات هتاف الناس متداخلة معها وهم يرقصون...
لكن هو بمكان آخر وتلك الأصوات العالية لم تمنعه من التفكير العميق. وسؤال ملح يتردد بداخله، ماذا تفعل الآن وماذا حدث بعدما رحل. لكنه تمالك نفسه ولجمها بقوة، لن ينهار عرشه أمام فتاة مجهولة الهوية بالنسبة له ولم يراها منذ كثير. انتبه على يد كلارا التي تجذبه كي يقف ويذهب للرقص معها، فوقف معها متجاوبًا، ربما سيفيده الرقص كثيرًا في هذه الحالة. صباح اليوم التالي.
صعد لسطح السفينة، لم ينم ليلته ولا يريد مواجهة نفسه عن سبب جفاء النوم له.. فترك كلارا وخرج ليشتم الهواء المنعش ويشاهد الشروق. وما أن صعد وتمشى قليلاً حتى توقفت قدماه، أوقفه منظر رائع كأنه لوحة مرسومة بيد فنان بارع من زمن بعيد. فقد وقفت تقى أو (جيجي)
وهي ترتدي فستانًا أبيض يتجسد على جسدها ويفصله بطريقة موجعة، تضع على كتفيها شالًا من الصوف المشغول تتشح به عن نسمات الصباح الباردة، وكما شاهدها أول يوم كانت تستند بذراعيها على حافة المركب وترفع رأسها لأعلى كي يداعبها الهواء وتشعر ببعض الحرية.. يطير شعرها الطويل خلفها بطريقة خلابة.
مظهرها المنعكس عليه أشعة الشمس خطف قلبه وأوقف تفكيره، لكن أبدًا لم يوقف خطواته التي بدأت تقترب منها، كأنه قد فقد سلطانه على جسده، هو يسير إليها وكأنه مجذوب. توقف بالقرب منها يراها ويشرب ملامحها التي كانت على بعد إنشات معدودة منه. يمرر عينيه على شفتيها، خديها، وصولًا لعيناها المغمضة، يبتسم دون إرادة منه، معجب جدًا بشعرها المذهل. يبدو أن عطره قد سبق صوته، ففتحت عيناها بتوجس تنظر له ببعض من الضيق والاستغراب.
حمحم باستدراك ثم قال: صباح الخير. نظرت في كل مكان، تبغض النظر له، وجودها وحدها معه يذكرها بأيام من طفولتها ومراهقتها تحاول نسيانها. استغرب فعلتها، فقال من جديد ببطولة بال لم يكن يعلم أنه قد يمتلكها يومًا: بقول صباح الخير، إيه مش تردي عليا. نظرت له وقالت باقتضاب ووجه متجهم: صباح النور. ثم استعدت كي تذهب، أوقف خطواتها وقد ناقض العهد الذي اتخذه في الليل وسأل وهو يقبض على ذراعها ببعض الحدة لفعلتها التي لم يسبق
وأن تعرض لها مع إحداهن: رايحة فين؟ مش كنتي واقفة ولا إذا حضرت الشياطين. بقوة كافية استطاعت القبض على كفه التي تقبض عليها وأزاحتها عن ذراعها وهي تكمل ببرود وثبات: ذهبت الملائكة. اتسعت عيناه بصدمة، أعطاها له في منتصف الجبهة، ود سبها بكل أنواع السباب التي يعلمها، وهي تسير بلا مبالاة مغادرة على فعلتها الأكثر من وقحة، لكنه لم يستطع، لسبب ما لم يستطع.
وقف يكور يده من الغضب وهو يقرر العودة مرة أخرى لتجاهله لها، لقد تمادت كثيرًا، بالتأكيد تريد لفت نظره بأفعالها، يعرف تلك التصرفات جيدًا، أكثر من فتاة تعمدتها معه، إذاً سيرها. لا يعلم أنها تجلس على الجهة الأخرى من المركب، تتذكر لمحات من أيام صباها وهي شارده تنظر للمياه.. عودة بالزمن قليلًا.
على حمام السباحة الكبير بقصر عائلة شداد كانت تجلس وهي تقرأ إحدى رواياتها الحالمة، تغوص معها في عالم جميل ينسج لها بعضًا من الخيال مما تتمنى أن تعيشه مع بطل حكايتها المستقبلي.
شعرت بالكرة تقترب منها من حيث لا تدري حتى توقفت عندها، نظرت لها مبتسمة، إنها كرة ضياء الجديدة، جلبها له خالها عاصم من سفرته الأخيرة، وقد سمعت أن أحد أساطير الكرة في إسبانيا قد وقع عليها بنفسه، وكانت تريد رؤية توقيعه وملامسة تلك الكرة كثيرًا، لكن لم ترغب في طلبها من ضياء فهو بلا ذوق أو أدب، وقد تربى على الدلع الزائد، قليل الذوق إلى درجة كبيرة وعصبي.
لذا فهذه هي فرصتها، عضت على شفتها بضحكة شريرة وتمطت بجسدها قليلًا حتى استطاعت جلب الكرة وتناولتها بين يديها تديرها يمينًا ويسارًا بفرحة شديدة، تحاول قراءة ما دون عليها فعليًا بحروف أجنبية، لكن الكلمات لم تكن إنجليزية، لذا ظلت تقرأها لفترة ولم تستطع. لتنتفض فجأة على صوت ضياء وهو يصرخ عاليًا: عم عوض، يا عم عوض، كل ده بتدور عليها، اتفضل لاقيها لي حالًا. توقف خلفها بصوته وهو يقول: أووف.. هو أنتي.
تقدم منها وانتشلها من بين يديها، فانتفضت واقفة بفزع لتتفاجأ بوجود أحد أصدقائه القدامى يقف بجواره وهو يضحك عليها ساخرًا، تزداد ضحكته السمجة مع زيادة توبيخ ضياء لها خصوصًا حين قال: أنتي يا مقرفة إنتي إزاي تمسكي حاجة بتاعتي. تجمعت الدموع في عينيها وقالت: أنا مش مقرفة وما عملتش فيها حاجة، أنا كنت عايزة أشوفها بس. صرخ فيها عاليًا وقال:
لأ مقرفة، روحي شوفي شكلك في المراية، شوفي شعرك المعفن ولا جسمك المفشول يا تخينة يا عجلة. زاد في بكائها من كلماته خصوصًا مع ارتفاع ضحكات رفيقه، وصرخت فيه: أنا مش تخينة ومش عجلة واحترم نفسك بدل ما أقول لجدّي. اقترب منها بغضب وتطاولت يده عليها، فبدأ بضربها بكفه على أكتافها وخصرها بعشوائية يردد:
لأ تخينة وشكلك يقرف.. ده أنا بتخنق أكل معاكي على نفس السفرة.. إنتي بتهدديني يا بت انتي.. مش كفاية سايبك عايشة في بيتي، أنا اللي هقول لجدّي يمشيكي من هنا، جتك الأرف عيلة باردة. كانت تتلقى ضرباته وهي تبكي بصمت، لم يكن لديها جرأة أو كما يقال (لم يكن لديها عين)
لترد له ما يقول، هي بالأساس كانت فتاة خجولة ولم تكن يومًا سليطة اللسان، والدها هو من رماها هنا مع أمها التي لم تستجب لها يومًا في العيش بشقة وحدهم مع أنها تمتلك القدرة المادية على ذلك، بكت بصمت وقهر وهي تستمع لصديقه يقول: حرام عليك يا ضياء دي بتعيط. أشاح ضياء برأسه لكي يتحرك معه وهو يقول: بتعيط إيه وهي دي عندها دم أصلًا دي عيلة دمها ساقع زي شكلها، قسمًا بالله لأوريها. التف ينظر إليها قائلاً:
أنتي يا بت انتي.. لو شوفتك بس هوبتي من حاجة بتاعتي تاني أو لمستيها بإيدك أنتي حرة... ومش هتقعدي معايا على سفرة واحدة وأنا هقول لجدّي كده.
وبالفعل ذهب لجده الذي نفذ رغبته.. كان شداد يحبها لكنه يحب ضياء أكثر، وهو في المرتبة الأولى والأهم، فـ نفذ طلب ضياء وراضى هو تقى بكلمتين ظنًا منه أنها طفلة وستنسى، لكنها أبدًا لم تنسَ، ومنذ ذلك اليوم لم تجتمع مع جدها أو عائلتها على مائدة واحدة حتى بعد سفر ضياء، ليدرك الجد أنها حتى لو كانت طفلة فهي شخص.. كائن حي يشعر، بل على العكس تمامًا، فتلك المواقف في ذلك العمر لا تُنسى وتساهم في تكوين شخصية البني آدم، وهذا ما حدث مع تقى تمامًا.
عادت من شرودها على صوت نادين التي جلست لجوارها تمسح دموعها وهي تقول: حاولي تنسي يا حبيبتي.. قومي معايا يلا عشان الفطار. هزت تقى رأسها رفضًا، وقد تجمعت غصة مريرة بحلقها وصدرها. لكن نادين لم تتركها لذكرياتها تبتلعها وتتغلب عليها، بل وقفت تشدها بقوة وهي تقول: مش بمزاجك، هتقومي يعني هتقومي، يلا كلهم مستنينا تحت.. القاعدة في دوشة ووسط ناس أكيد هتنسيكي الذكريات الوحشة دي كلها.
ذهبت معها مرغمة، ربما تنسى بالفعل، لكن يبدو أن القدر يعاندها، أو تقريبًا يعالجها بالصدمة، فعلى كل تلك الطاولة الطويلة العريضة لم يتبق سوى مقعدان على طرف المائدة التي يترأسها ضياء كالعادة. وجلست نادين بأحد المقاعد تاركة لها المقعد الملاصق له متعمدة. بدأ يأكل بواطن فمه من الداخل في محاولة منه للتغاضي عن الغيظ النابع بداخله وهو يراها تقف مترددة وكأنها لم تكن تحبذ الجلوس بجواره.
تتقدم ببطء وكأنها تغصب نفسها على ذلك إلى أن جلست بالفعل وعيناها لا تفارق الصحن الفارغ أمامها. نظرت لها كلارا بغضب، لا يخفى عليها تصرفات ضياء الجديدة كليًا عليها وعلى من يعرفه، مستاءة ومستغربة من تأثره السريع بها.
اقترب النادل يضع لكل منهم الطعام في صحنه، وهي تشعر برائحة ضياء تقتحم صدرها مختلطة برائحة الطعام الذي كان يرفض تناوله معها مسبقًا، وكأنها تحمل مرض جلدي معدٍ، يمر عليها شريط سريع من الذكريات وهي تجلس في غرفتها وتدخل عليها الخادمة تضع لها الطعام وعيناها يفوح منها نظرات الشفقة على تلك الطفلة المسكينة التي تحكم في طعامها وشرابها ذلك المراهق.
دمعة ساخنة فرت على وجنتها وصوت بعض الحضور يشجعونها على البدء في تناول الطعام مع صوت نادين الذي اختلط بصوت رائف والكل يردد: كلي.. كلي. لم تدري أي حالة تلبستها وهي تنتفض صارخة بقهر مخزون، تقلب صحنها بمحتوياته الساخنة على ملابس أول شخص يجاورها، ثم تركض من المكان. انتفض عن كرسيه ملسوعًا بما سقط عليه، وكلارا قلقة جدًا عليه تردد: يتوجعك حبيبي؟ البنت دي متخلفة أنا قلت كده من بدري.
وقفت على الفور نادين تدافع عن صديقتها، فنشب العراك على الفور بينهما، وهو غادر سريعًا ليرى ما أصابه ويبدل ملابسه. ليراها وهي مازالت مستمرة في الركض قاصدة الغرفة التي تسكنها هي ونادين. دلفت وأغلقت الباب خلفها بقوة، ثم سقطت على السرير تبكي بقوة أكبر. لتنتفض على يد غليظة ترفعها، نظرت مجفلة لتجد ضياء أمامها ينظر لها باستغراب، ثم سأل بلا أي مقدمات: أنتي تعرفيني من قبل كده؟ اتسعت عيناها برعب، هل عرفها؟ ***
استيقظت بفزع على فراش وثير بغرفة لا تعرفها، بدأت تلتف حولها يمينًا ويسارًا لا ترى أي شيء قد يفسر أو يوضح أين هي. خرجت من الغرفة حافية القدمين تسير في رواق صغير وبنهايته نافذة، حين وقفت فيها رأت البحر مباشرة أمامها. فاتسعت عيناها برعب، متى وكيف أتت هنا، آخر ما تتذكره حين انشق بها هارون عن مركب لمى وذهب بها للطبيب.
التفت سريعًا إلى حيث الدرج المؤدي للطابق الأرضي، ظلت تتلفت حولها وتبحث يمينًا ويسارًا حتى وجدته يجلس على أحد المقاعد حول مسبح صغير يتأمل الصباح الهادئ بشرود. انتبه على صوتها وهي تصرخ: مين اللي شالني وجابني هنا يا ابن الصواف؟ وقف عن كرسيه يصد هجومها الشرس عليه، يكتف ذراعيها ويلويهما خلف ظهرها جاعلًا إياها تلتف رغماً عنها، وأصبح ظهرها مقابل صدره، وهي تتحدث بغيظ من بين أسنانها: وكمان بتكتفني، بتستقوي عليا؟
همس بجوار أذنها يردد: أيوه، إفترى، نوع من أنواع القهر النسوي. حاولت إفلات يدها وضرب به وهي تقول من بين أسنانها: رد بقولك مين جابني هنا؟ تخلى عن القوة والضغط على جسدها وضمه له بحنان شديد، يتمايل بها يمينًا ويسارًا مرددًا بحنان وهو يدفن رأسه بعنقها ممددًا بتلذذ: وهو مين ده اللي يقدر يقرب منك ويلمسك أو يشيلك غيري يا حبيبة هارون. حاولت الخروج من سحر لمساته تردد بحدة واهية: وانت مين اللي إدالك الحق ده؟
عليها بخمول أثر عناقه لها: أنتي يا روحي، نسيتي أنك مراتي ولا إيه؟ غنوة: الغريبة يا هارون إنك أنت الوحيد اللي شايف إن إحنا كده متجوزين وإني مراتك. فرد بثقة كبيرة: عشان العقد الموثق اللي ما بنا، أصلي نسيت أقولك إني وثقته خلاص، وفوق كل ده الجواز إيجاب وقبول وأنتي موافقة تتجوزيني يا حياتي، فاضل بس الإشهار؟ أعملهولك.. سهلة. ضربته بيده التي أفلتها بمزاجه تقول:
يا نهار أسود، وثقت العقد إزاي، وبعدين مين دي اللي موافقة تتجوزك؟ لفها له بحيث أصبحت في مواجهته فقال: أنتي يا غنوة بتحبيني وعايزة تتجوزيني، ما شوفتيش نفسك بتبقي عاملة إزاي وأنتي معايا! فاكرة آخر مرة كنتي معايا في أوضتي؟ اهتز فكها من الغيظ فدفشته بيدها في صدره ليرتد خطوة للخلف وهي تقول: كنت عارفة إنك هتعايرني بيها في أول خناقة. تقدم منها يقبض على وجهها قاصدًا هز فمها بالخصوص ويقول: هو ده سبب كل مشاكلنا مع بعض، لسانك...
وحاسس إننا لو قطعناه ممكن حياتنا تبقى أفضل والجوازة الجميلة دي تتم بقى. ثم استكمل بغيظ يقول: هو ده كلام تقوليه، ليه كل الكلام بتقلبه وتحوله عشان أطلع غلطان وغرضي وحش، ولا يمكن حبيبتي بتغلوشي على حقيقة بتصدمك كل مرة، خدي بالك من كلامك ما يصحش تقولي كده أبدًا، انتي مراتي يا أستاذة. نفضها عنه ببعض العنف يقول وهو يشير عليها بتحذير شديد: ويكون في علمك، أنا جبتك وجيت هنا عشان ننهي الموضوع ده. وضعت كفيها على كتفيها
كأنها تحمي نفسها وسألت: أنت قصدك إيه؟ هتغتصبني؟ ابتسمت لها ببرود وقال: ما هو أنا هتمم الجوازة يعني هتمم الجوازة، فلو أنتي ماسبتليش حل غير الاغتصاب ف يا أهلاً بالمعارك. حاول وأد ابتسامته الناتجة عن رعبها ثم قال: أنا رايح أعمل لنا اتنين نسكافيه عشان نتكلم بعقل وزي الناس، وأتمنى أن ده يحصل بدل ما يبقى اغتصاب بطعم النسكافيه، أنتي حرة بقى. غادر سريعًا وتركها متسعة العين تفكر في كلماته وتهديده الصريح.
ثم اتجهت للداخل كي تتعارك معه، من هو ليهددها، يعني سارق لقلب والدها وأيضًا يهددها، ما هذه البجاحة. لكن بينما هي تتقدم للداخل استمعت لصوت جرس الباب مع دقات عالية يبدو أن الطارق متلهف جدًا كي يفتح له الباب. وقفت ولم تتحرك، فتقدم هارون وقال: مش سامعة الخبط، ما تفتحي. كتفت ذراعيها حول صدرها وقالت: وأنا مالي، عيب، وبعدين أنا ضيفة هنا، وياريت أتعامل معاملة الضيوف، أنا مش خدامة عندك عشان أفتح للي يخبط عليك الباب.
هز رأسه منها وتقدم نحو الباب يفتحه وهو يقول: ده هيبقى اغتصاب وقص لسان، اتنين في واحد يعني. أنهى حديثه وهو يستمع لصوت صرخة نسائية قادمة من فتاة شقراء تشبثت بأحضانه على الفور تردد: هارون حبيبي، ما صدقتش لما لقيت عربيتك بره، مش كنت تقول إنك جاي. حاول إبعادها عنه ليرى حتى من هذه، غافلاً عن تلك التي تغلي خلفه، وتقدمت هي تعفيه من تلك المهمة وتنفضها بغضب بعيدًا عنه مرددة بصراخ: إيه اللي بيحصل قدامي ده، مين دي؟
وقفت تلك الشقراء بترنح تنظر لغنوة بازدراء ثم سألت: مين دي يا هارون.. شغالة جديدة ولا كنت جايبها تيّات معاك، طيب كنت كلمني بدل ما ذوقك انحدر كده. فلم تستطع غنوة السيطرة على ردود أفعالها وهجمت على تلك الفتاة (تنتف)
لها شعراتها التي تتباهى بها وهي تسبها وتنعتها بكل أنواع السباب، وهارون يقف خلفها يرقص من الفرحة، حتى أنه حاول الفصل بينهما، لكن ذلك المشهد يفرحه جدًا، فتركه يستلذ به قليلًا وهو يشاهد غنوة تهم بإلتهام تلك الفتاة التي لا يتذكر اسمها حقًا للآن. *** جلست زينب بحرج على مائدة الإفطار، وأمامها في المقابل يوسف الذي يحاول تجنب النظر إليها والضيق واضح جدًا على ملامحه. تتذكر ما حدث بالأمس. عودة بالزمن قليلًا.
صرخت بأعلى طبقة صوت قد تصل إليها في يوم، وهو ارتد للخلف متفاجئًا من فعلتها وصراخها الذي تجمع له كل سكان المنزل، والكل مصدوم أيضًا مما يحدث، الصدمة الأكبر هي كيف ومتى عاد يوسف. نور: يوسف حبيبي.. مش معقول.. جيت إمتى. يحيى: جيت إمتى وما قولتش ليه إنك جاي.. وعملت إيه للبنت، هي بتصوت ليه؟ فصرخ هو فيهم: مين دي وبتعمل إيه في أوضتي أصلًا؟ حاول يحيى احتواء الموقف وقال:
اهدأ يا يوسف، إحنا ما كناش متوقعين أبدًا إنك ممكن ترجع دلوقتي أصلًا، فهي أخدت أوضتك. هز يوسف رأسه بعدم تصديق ثم قال: أيوه برضه مين دي وبتعمل إيه هنا. وقفت زينب عن فراشها وهي تشعر بالحرج الشديد في موقف لا أبشع، تتمنى لو تنشق الأرض وتبتلعها تقول: أنا آسفة، أنا همشي دلوقتي مش عايزة أتسبب في مشاكل. وفرت دموع عينيها رغماً عنها ليشتعل غضب يوسف ويرى أنها تبكي ولم يمسها أحد من الأساس، فهتف عاليًا بغضب:
هي بتعيط ليه أنا عايز أفهم، هو حد كان جه ناحيتها، هي هتلبسنا تهمة. زاد نحيبها فقال يحيى: اتكلم كويس يا ولد، البنت حساسة جدًا... تعالى يا زينب معايا تعالى. حاول جذبها يخرج بها من الغرفة، في الذي تقدمت فيه شقيقته الأخرى تخبره من هذه ليردد: هي ناقصة فلاحين في البيت، أنا قلت ده خبث فلاحين من أول نظرة. سقطت كلماته على أذن زينب كالسهام الحارقة، والتف يحيى وقال بغضب: لم لسانك يا ولد بدل ما أجيلك.
عادت من شرودها على صوت نور التي تجلس لجوارها وتحسها على تناول أي شيء من فطورها. بينما على الجهة المقابلة جلس يوسف ممتعض الملامح، ولجوارة الأخت الأكبر من نور والتي تشاركه نفس الامتعاض. قطع كل ذلك الصمت صوت يحيى الذي قال بتروٍ: طبعًا مش محتاج أقول إن ما حدش يجيب لعمكم عبد العزيز سيرة عن إن يوسف رجع. لكن زينب قالت:
ما علش أعذرني يا عمي، بس أنا فضلت أستنى للصبح عشان أقدر أتحرك، ولو كان ينفع أمشي في الليل كنت عملت كده بس صبرت نفسي وقولت الصباح رباح. لتستمع إلى تمتمات يوسف الجانبية مع شقيقته: أيوه أمثال المصاطب بدأت أهي... أووف أنا لو كنت أعرف كده ما كنتش جيت. ابتعلت غصة مريرة بحلقها، وإلى هنا ولم تستطع التحمل فوقفت تقول: متشكره جدًا يا عمي على استضافتك ليا إمبارح وعلى الفطار كمان، أنا مجهزة شنطتي من امبارح وهمشي دلوقتي...
عن إذنكم. همت لكي تتحرك مغادرة، لكن صدح صوت قوي خلفها يردد بحدة: استني عندك......
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!