الفصل 51 | من 54 فصل

رواية شط بحر الهوى الفصل الحادي والخمسون 51 - بقلم سوما العربي

المشاهدات
18
كلمة
4,196
وقت القراءة
21 د
التقدم في الرواية 94%
حجم الخط: 18

وقف على أعتاب غرفتها يدق الباب بطريقه ملحة ومتواصلة، يتوسلها كي تفتح له الباب لكنها ما زالت رافضة تماماً، وهو للآن لم ييأس. يشعر بثقل وضع على صدره وقلبه، برودة تخرت عظمه كلما تذكر تلك اللحظة التي اكتشفت فيها الحقيقة الخفية. لم يرغب بإخبارها بكونه متزوج، هو بالأساس لا يعده زوجاً أو يأخذه على محمل الجد، بل في معظم الأوقات ينسى تلك القصة وصاحبتها. ظل يواصل توسله وإلحاحه مردداً: "چيچي عشان خاطري افتحي لي خليني أفهمك."

لكنها صرخت فيه: "مش عايزة أسمعك، أنت واحد كداب." ضياء: "افتحي الباب يا چيچي بدل ما أكسره." تقى: "اكسره لو تقدر، إنت فاكرها سايبة." أسنانه بغضب وقال من بينها: "إنتي فاكرة إن الباب ده هيمنعني عنك ولا فاكرة إني مش هقدر أكسره؟ بخاف، افتحي يا چيچي." لكنها لم تستجيب. بالأساس كانت متلذذة بعذابه وتوسله لها. ظلت كما هي ترغب في الاستماع للمزيد. فردد مجدداً: "افتحي بقا يا حبيبتي، ما تتعبيش قلبي معاكي." صرخت فيه بقهر

حقيقي نابع من أعماق قلبها: "ما تقولش حبيبتي دي تاني، إنت كداب، عمرك ما حبيتي، عمرك أصلاً ما حبيت حد تاني غير نفسك." كانت تتحدث بروحها، روح تقى التي عقد قرانه عليها بدون إرادته، تقى التي حطمها نفسياً وربى لديها عقدة ربما لا حل لها. وهو يقف بالخارج مازال يرجوها: "يا حبيبتي اسمعي مني بس، أنا مش هقدر على زعلك ولا أقدر على بعدك." لكنها لم تعطيه أي إجابة. فواصل:

"طب افتحي لي بس نتكلم، أنا محتاج أشوفك، من ساعة اللي حصل ما شوفتكيش، هتجنن عليكي وحاسس روحي ضايعة مني." أغمضت عيناها وقالت بألم: "بكرة تنسى، مسألة وقت مش أكتر، اللي حواليك كتير وهينسوك، أقلهم كلارا، مستنية إشارة منك." جاوبها بنبرة باكية ذليلة: "وأنا مستني إشارة منك إنتي، لو بس ترضي عني، لو بس تسمعيني، أنا بحبك، فاهمة يعني إيه بحبك؟ افتحي خليني أشوفك، حاسس إني تايه من غيرك." جاوبت برفض تام: "لأ."

ليفقد كل السيطرة على نفسه ويبدأ في ضرب الباب بكتفه وهو يردد: "براحتك بقااا." ارتعش من تصرفه وصرخت: "إنت بتعمل إيه يا مجنون." هتف كالثور الهائج: "هكسر أي حاجة تمنعك عني، أنتي سامعة." كانت نبرته جنونية مرعبة، لشخص يبدو كالمدمن وقد منع عنه المخدر. لم تكن على علم لأي درجة قد وصل ضياء بالفعل في عشقها وأنها أصبحت إدمانه ولا تعافي منها أو هروب.

شعرت بالباب على وشك السقوط، فأسرعت تفتح بخوف. وبحركة خاطفة جذبها من ذراعها بحيث أصبحت في مواجهته، يتنفس بصعوبة، ينظر لها بجوع وعطش. قبض بكفه على ذقنها يقربها منه يقبلها بلوعة واشتياق. يردد من بين قبلاته: "بحبك يا چيچي بحبك."

لا يعلم أن اعترافه لم يكن اعتراف بالحب وإنما اعتراف بالخيانة. ما أن يقول أحبك حتى تذوب بين يديه وسط قبلاته تستقبلها من زوجها. لكن ما يلبث أن يتبعها بكلمة چيچي، ذلك الاسم المستعار الذي طلت عليه به وعرفتها صديقتها للجميع على أنها چيچي وليست تقى كاظم الصواف. شعر بتجمدها بين ذراعيه بعدما كان طائراً سعيداً من الفرحة وهو يشعر باستجابتها لقبلاته. لكن تخشب جسدها بين يديه وأبعدته عنها بصعوبة وهو يردد بلهفة:

"ما بتبعدنيش عنك يا چيچي، عايز أحس بيكي، إنتي وحشاني أوي." يزيد الأمر سوءاً طوال ما هو يناديها بچيچي. تباً له ولها أيضاً، فالألم الذي تشعر به الآن ألم حقيقي لامرأة خانها زوجها الحبيب. خرجت من بين أحضانه تردد: "أنا مش هقدر أنسى، مش هقدر." ضياء: "في حاجات كتير بتحصل حوالينا غصب عننا، أنتي نفسك مكتوب كتابك بالغصب، بس واضح إني بحبك بطريقة مجنونة ومش منطقية لدرجة إني ما اهتمتش وقولت هتجوزك بردو." تقى:

"إنت قولت، كنت صريحة من البداية، إنت ليه ما قولتش؟ ضياء: "إنتي ما سألتيش." تقى: "نعم، إنت سامع بتقول إيه؟ هي دي حاجة تتنسي؟ ضياء: "أيوه، لما تكون جوازة بالغصب ومش فارقة معايا أصلاً يبقى أنسى أنا ناسيها فعلاً لأنها مش في بالي ولا شغلاني.. مش شايفها أصلاً." ضغط على الجرح بقوة حتى نزف. بالفعل هذا ما شعرت به تقى، تشعر بقلبها ينزف أمام ذلك البارد، فصرخت فيه بقهر: "اطلع برا.. برااااا... برااااا."

كانت تصرخ وعلى ما يبدو قد فقدت السيطرة على أعصابها. حاول الاقتراب منها لتهدئتها، لكن اقترابه لم يكن يزيدها إلا هياجاً. وصوت صراخها يملأ المكان من شدته استدعى نادين من بعيد فأتت مهرولة لتصدم من هيئة صديقتها هكذا وضياء يحاول التحدث إليها وضمها له. أبعدته نادين على الفور تحتضنها لها وتقى مازالت تصرخ. حاول تخطي نادين واقترب من تقى يردد: "عشان خاطري يا حبيبتي اهدي، تعالي في حضني نتكلم ونتفاهم."

كانت نادين تنظر له مصدومة، تراه شخصاً آخر غير ضياء الذي يعرفه الجميع. يتوسلها لتقترب منه، ينظر لنادين مردداً: "سيبيني يا نادين، أنا لازم أفهمها، هي لازم تعرف هي بالنسبة لي إيه، أنا من غيرها ممكن أضيع، هي ليه مش عايزة تتقبل فكرة إني متجوز؟ ما أنا قبلت أنها مكتوب كتابها، طلبت منها بهدوء تتطلق." رفعت تقى عيناها له وقالت: "يبقى أنت كمان تطلق مراتك اللي في مصر لو كنت فعلاً شاريني."

صدمت نادين كثيراً، تلك لم تكن خطتهم منذ البداية ولم تكن خطة جدها أو خالها، على ما يبدو أن تقى كانت تتبع خطة خاصة بها وحدها. كذلك ضياء قد صدم، طلبه كان غير متوقع، على الأقل له. بقي كل من ضياء ونادين واقفان أمام تقى، كل منهما مصدوم بشكل أو بآخر. وتقى تقف تحاول السيطرة على اهتزاز جسدها المنهار والتوقف عن البكاء، تنظر له بقوة واهية جداً. مسحت دموعها بعنف وقالت: "زي ما هتطلق أنت كمان تطلق." ابتلع ضياء لعابه بصعوبة وقال:

"بس... أنا... أنتي لازم تتطلقي عشان نقدر نتجوز، لكن أنا ممكن اتجوز مرتين وتلاتة وأربعة." اتسعت عينا نادين من جحوده، وتقى زادت نوبة عصبيتها وصرخت فيه بقهر: "ومين قالك إني هرضى بكده.. أنت مفكر نفسك مين." حاول الاقتراب منها مردداً: "أنا مش هينفع أطلق تقى." صدمت من حديثه ونظرت له بخفقات قلب عالية وهو يكمل بأسف: "مش هقدر." زادت دقات قلبها، رفرفة بسيطة من الفرحة أنشعت قلبها وعلت وتيرة أنفاسها، جعلتها تنظر له بأمل متسائلة:

"ولا حتى عشاني؟! هز رأسه بيأس وأسف. لمعت عيناها من السعادة التي تضاهي الحزن الذي حاولت رسمه على وجهها وهي تطرده من عندها قائلة: "يبقى تطلع برا وما أشوفش وشك تاني." كانت تقولها بلين شديد، أقل بكثير جداً عن المطلوب في موقف مثل هذا، لكن فرحة قلبها كانت أكبر من الاستيعاب. حاولت إتقان الدور لكنها لم تنجح على ما يبدو. حاول التحدث معها مردداً: "حبيبتي افهمني."

التفتت توليه ظهرها كي تستطيع التحدث، فالفرحة التي غمرتها كانت فضاحة ولم تستطع التحكم بها أو كبتها. وضعت يدها على صدرها تسحب نفس عميق سعيد، تبتسم ثم قالت وهي تحاول استدعاء القوة والغضب: "يبقى مافيش أي كلام بينا ولا أي حاجة ممكن تجمعنا، يا أنا يا مراتك وأنت اختار، مش هسمح بأي كلام بينا غير لما أشوف ورقة الطلاق بعيني عليها اسمك واسمها، ودلوقتي الكلام خلص، اتفضل اطلع برا مش عايزة أشوفك."

ظل بمكانه ثابت لدقيقة كاملة، ربما تحنو عليه لكنها لم تفعل، فالتف يغادر وهو منكس رأسه للأسفل يشعر بالحزن والضياع. غادر الغرفة وذهبت نادين خلفه تغلق الباب، تنظر لصديقتها التي تلمع عيناها من الفرحة ويشع وجهها سعادة، وسألت: "ممكن بقا أفهم في إيه بالظبط؟ *** في بيت الصواف.

خرج هارون من غرفته بعدما تألق كعادته وهبط الدرج بخفى وهو يشتم رائحة طعام زكية اخترقت أنفه. تتبعها حتى أوصلته للمطبخ، ابتسم وهو يرى غنوة تقف متأنقة هي الأخرى، لكن شعرها مفرود على طول ظهرها. مال عليها يقبل عنقها قائلاً: "صباح الجمال والدلال." ابتسم له بحب كبير وقالت: "صباح الرجالة الحلوة." عض على شفته السفلى مردداً: "لمي نفسك، أنا ماسك نفسي بالعافية." نظر لها بحدة يكمل: "ولمي شعرك ده، عمي هنا." قوست

فمها لأسفل ثم قالت بدلال: "لسه ما صحيش، أكيد في أوضته." ضحك متذكراً مظهره بالأمس وقال: "أوضته إيه؟ كاظم الصواف اتطرد بالشورت بالليل." شهقت غنوة وضحكت تردد: "أشجان دي رهيبة." أشهر هارون إصبعه السبابة في وجهها منذراً: "الست دي مرعبة، أنا نفسي بقلق منها، مش عايز خلطة بيها كتير، كفاية أصلاً السنين اللي عشتيها معاها." ضحكت غنوة ساخرة وعلقت على ما قاله:

"هههه، أشجان، دي غلبانة جنبي، هي بس جعجاعة وتهب في وش اللي قدامها، لكن أنا.... أخذت تملس بيديها على ملامحها الطفولية البريئة تردد: "أنا أحب أشكر ملامحي البريئة اللي بتدي انطباع عكس شخصيتي." ضيق عيناه يقول بغيظ وهو يتذكر كل أفعالها وكم مرة خدعته: "إنتي هتقوليلي." اقتربت منه تتمسح فيه مرددة: "بس تبت والله." قرصت وجنته تكمل: "ووقعت ولا حدش سمى عليا."

صعدت بيدها على طول وجهها وهو يغمض عينيه مستمتعاً بقشعريرة قوية دبّت فيه إثر لمساتها، إلى أن استقرت يدها على رأسه الأصلع وقالت بشجن: "بمووت في قرعتك." رغم عنه ضحك، على أثر تلك الذكرى في الأسانسير وقال لها: "مقوية قلبي." ضحكت هي الأخرى وذهبت تجلب بقية صحون الإفطار تردد قبلما تخرج من المطبخ: "قلبك أسود قوي على فكرة."

وضعت الصحون على الطاولة وهو قادم خلفها يبتسم بسعادة على ذلك الجو الدافئ والذي صنعته وأهدته إياه غنوة، فكان أكثر مما تمنى وحلم. جلس على طرف المائدة يقول لها بتحذير بعدما انتبه لدخول عمه من الباب: "عمي جاي هناك، لمي شعرك ده." هزت كتفيها بدلال وتحركت ببطء شديد تجاه الدرج، فصرخ فيها بغيظ: "إخلصي." غمزت له بعينيها وصعدت لجلب حجاب مناسب لملابسها، ثم حضرت لعندهم. بينما جلس كاظم لجوار هارون يشكو عظام ظهره وفقراته:

"آآآه.. آه يا عصعوصتي." كبت هارون ضحكته يسأل: "إيه ده، نمت فين يا كظ كظ." نظر له كاظم بشر ثم قال: "في الجنينة." حاول كبت ضحكته من جديد وهو يربط على كتفه مردداً: "ماعلش.. مسيرها تروق وتحلى، بس ما تنكرش إني حذرتك." كاظم باطن فهمه وهو يردد: "على قلبي زي الشهد، مالكش أنت دعوه." هز هارون رأسه بيأس، بينما تعلق نظر كاظم على الدرج حيث تهبط أشجان، ثم اقتربت منهم بوجه عابس تردد: "صباح الزفت، مش طايقة شكلكوا."

غرق هارون في الضحك وهو يراها تجر أحد مقاعد السفرة لتجلس عليه، بعد ما قالته وقال: "والكرسي ذنبه إيه بس." نظرت له أشجان بحقد، ليقول كاظم: "فداها يا هارون، كله فدا المهلبية." أشجان: "ابلع لسانك يا راجل أنت، مش طالبة تلزيق على الصبح." ضحك هارون بقوة وكاظم يردد بصدمة: "تلزيق؟ بينما أشجان تتمتم: "أنا عارفة كان إيه اللي بلانا بيكوا، ما كنا عايشين في هدوء وسرور ومرتاحين."

وعلى ذكر السيرة كانت غنوة تهبط الدرج بسعادة بعدما أنهت لف حجابها، تقفز الدرج قفزاً بشقاوة. لتراها أشجان وتنظر لها بغيظ ثم تردد بسخرية: "أهلاً، أهي نجاة الصغيرة جت أهي." اقتربت غنوة مرتبكة تحاول تحاشي نظرات أشجان القاتلة، ثم قالت لهارون: "مش يلا عشان الشغل." لكن من جاوب كان أشجان التي قالت: "مش تاكلي الأول يا ختي، ده حتى طباخ السم بيدقوا، مش أنتي اللي عاملة الأكل بردو؟

بقا محضرة له الأكل الله يطحفوا، مطرح ما يسري يهري بإذن الله." ضربت غنوة كفها بوجهها ثم قالت لهارون: "طب يلا يا هارون عشان ما نتأخرش." تقدمت تأخذ بيد هارون لتخرج نهائياً من البيت، وأشجان من خلفهما تردد: "اهربي اهربي، هتروحي مني فين، مسيرك تقعي تحت إيدي." أغلق الباب خلفهما، فالتفت لترى كاظم يقترب منها يخلع منامته. فقالت بغضب: "جري إيه يا راجل أنت هتعمل إيه." كاظم: "دقت ساعة الحسم." حاولت الهرب وهي تصرخ: "إنت اتجننت؟

كاظم: "دقة ساعة العمل." بدأت تركض في البيت وهو خلفها، لا تكف عن الصراخ والسب بأقذر أنواع السباب. *** وقف على أعتاب باب بيته يستعد لاستقبال زواره في محاولة جديدة للظهور بالتماسك، لكنها ليست ناجحة بدرجة كبيرة. ابتسم وهو يستقبل صديقه الذي فتح له ذراعيه يردد: "جوو.. واحشني جدا." اغتصب يوسف ابتسامة مجاملة على شفتيه وفتح ذراعيه يردد: "دكتور هاشم.. البيت نور والله." تقدم هاشم يحتضن يوسف ثم قال: "منور بيك يا حبيبي."

انتقل يوسف بنظره على سلوى زوجة الدكتور هاشم ثم قال: "دكتورة سلوى، أخيراً عرفنا نتقابل." تقدمت سلوى تمد يدها بالسلام مرددة: "أعمل إيه، الشغل الجديد واخد كل وقتي، والبركة في حضرتك، منتج طبي بالضخامة دي كلها رامي مسؤليته كله عليا؟ إيه اللي ممكن يشغل يوسف عن شغله." ارتبك يوسف قليلاً ثم قال: "ولا أي حاجة، وأنا خلاص دلوقتي فضيت و أكيد هكون مركز في شغلنا." استدار يشير لهما على الداخل ويردد مرحباً: "اتفضلوا اتفضلوا."

ذهب حيث غرفة كبيرة للضيوف يطلب مشروباً للترحيب وبعدها تحضير مائدة الطعام. ثم تقدم ليجلس معهم هو ويحيى والده الذي لاحظ توتره الشديد ومجاهدته لمواكبة الموقف. عينه لا تبارح الباب كأنه ينتظر أحدهم، ولم يتحمل كثيراً، ووقف عن مقعده يذهب لعند أخته. فتح الباب دون استئذان وسألها: "وصلتي لها؟ ردت عليه نور متألمة من ضرسها: "آآه، هي مين يا أبيه." صرخ فيها بصوت مكظوم الغيظ: "زينب." هزت رأسها نفياً ثم قالت:

"طب مش تسأل عني الأول، صرخ في دروسي كلها مش قادرة." فردد بنفاذ صبر: "دكتور هاشم تحت، هخليه يكشف عليكي، قوليلي دلوقتي هي فين." تأوهت نور من جديد وقالت: "هتبعت لي لوكيشن دلوقتي بس ياريت بابا ما ياخدش باله لأنها حالفاني مانزعلوش وكمان حالفاني ما أقولش لحد على مكانها." يوسف: "بطلي استهبال، الرسالة أول ما تتبعت تكون عندي فاهمة." غمزت له رغم ألمها وقالت: "شكلك مهتم ولا إيه يا أبيه؟ يوسف:

"ولا مهتم ونيلة واخلصي قومي هخلي هاشم يكشف عليكي وتتابعي معاه." امتعض وجهها تردد: "لا شكراً.. أنا حاجز عند دكتور معرفة واحدة صاحبتي.. حاجة كده من اللي تشرح القلب الحزين، هي ناقصة شغل عجائز." اقترب منها يوسف يردد بغضب: "إنتي بتقولي إيه يا بت أنتي، وفي وشي كده، خلاص مابقاش همك، طب مافيش خروج، ومش هتتابعي غير مع دكتور هاشم، إيه رأيك بقا، وقومي غيري يالا، تلات دقايق وألاقيكي على السفرة تحت والرسالة أول ما توصلك توصلني."

خرج من عندها وهو يتمتم بغضب: "كنت ناقص أنا." نظرت لأثره بامتعاض، تعلم زوجة ذلك المدعو هاشم، فهي صديقة ليوسف من أيام الجامعة، وللحقيقة هي لا تطاق، فهي شخصية تنمو وتترعرع بالتنمر على الآخرين، ترى نفسها محور الكون. لا ترغب بتاتاً في التواجد معها بمكان واحد. لطالما شبعت من تعليقها على حجم جسدها وبعض الحبوب التي تظهر لها، فهي صديقة للعائلة تتردد كثيراً على بيتهم خصوصاً وهي شريكة يوسف وزوجها مسافر دائماً.

حاولت المراوغة والتباطؤ، ربما نسوها تماماً، لكن يوسف أرسل لها أكثر من رسالة يتعجلها، وكذلك يطلب عنوان زينب. على السفرة جلس يحيى ينظر حوله ثم قال: "إخواتك فين يا يوسف؟ قال يوسف وهو يلقم الطعام: "نرمين في شغلها ونور نازلة دلوقتي." ابتسم يحيى وقال: "وزينب؟ مش هي زي أختك بردو؟ نظر يوسف لوالده وقال من بين أسنانه: "لأ، ومش عارف هي فين." تدخلت سلوى تسأل: "مين زينب دي يا جماعة؟ جاوبها يحيى:

"دي بنت أعز أصحابي وهي ضيفة عندنا يومين." وبلحظتها كانت نور تهبط الدرج وهي ترتدي فستان أزرق هادئ وتجمع شعرها بكحكة فوضوية، تراهم على السفرة ينظرون لها وهي تبتسم بسماجة، لا تطيق تلك الجلسة. لكن من بين كل ذلك جذبها عطر أحدهم، كان قوي وغريب. رفعت أنظارها لتقابل زوج من العيون الحادة تنظر لها بتدقيق وكأنها فريسة مغرية.

ارتبكت من نظراته كثيراً وحاولت إشاحة عينيها عنه، لكنه كان ذو سلطان قوي وأجبرها بتسليط عينيه عليها أن تعود وتنظر له. له هيبة غير عادية، مهيمن لدرجة تفوق الوصف، وسؤال يتردد داخلها: من هذا؟ يبدو وسيم جداً بشارب كثيف يتخلله بعض الشعيرات البيضاء، ينظر لها عن كسب. تقدمت حتى وقفت لجوار أخيها الذي ضمها له يردد: "دي نور أختي." ابتسم هاشم ابتسامة جانبية وردد: "كبرت نور."

جعدت ما بين حاجبيها وهي تنظر له باستغراب، فعلى ما يبدو أن هذا الرجل يعرفها منذ كانت صغيرة. ليقول يوسف: "مش فكراه يا نور، ده ياما لاعبك وإنتي صغيرة، ده دكتور هاشم." اتسعت عيناها بصدمة ونظرت له بازدراء واضح ثم قالت: "أهلاً وسهلاً." نظر لها هاشم باستغراب ليقول يوسف: "مانعلش يا دكتور هاشم هنتعبك معانا بس نور عندها ألم في دروسها." قال هاشم بابتسامة وعينه لم تبتعد عن نور: "ده أنا عيوني لنور." يوسف:

"بس بالراحة عليها يا هاشم الله يخليك، أحسن ترجع تقولي أنا السبب، الهانم كانت عايزة تروح لدكتور شاب حديث التخرج." امتعض وجه هاشم ثم قال: "مش هتلاقي عند الدكتور الشاب الخبرة اللي مستنياها، أصل الخبرة دي مهمة قوي قوي." حاولت تحاشي نظراته الثاقبة خصوصاً بعدما جذب يوسف معصمها في الخفاء وهمس في أذنها بغيظ: "فين اللوكيشن الزفت." نور: "حاضر حاضر، هبعته دلوقتي كنت نسيت."

وأخيراً انتهى العشاء وهو في طريقه لعندها. الغبية سكنت في شقة مفروشة مع بعض الفتيات وهي لا تعرفهن ولا يعرفونها فقط لتبتعد عنه. يقسم أنها والله غبية. وقف أمام باب الشقة التي نص عليها العنوان يدق جرس الباب. ففتحت له فتاة تنظر له بوجه متجهم وحاجب مرفوع تردد: "محدش طلب أكل." نظر لها مستنكراً يسأل: "أفندم؟ لترد الفتاة بنزق: "شكلك دليفري." صك أسنانه يردد: "دليفري.. ناديني زينب." فسألت الفتاة: "زينب؟ زينب مين؟

آآآه البت الجديدة.. آآه والهام بقا بتعرف رجالة وجايباهم لحد البيت كمان.. أنا قولت البت دي مش مظبوطة محدش صدقني." انفلتت أعصاب يوسف والتي جاهد للتحكم فيها وهتف عالياً: "اخرسي يا زبالة، واتكلمي عنها عدل أحسن لك." خرجت زينب على الصوت العالي لتتسع عيناها وهي ترى يوسف أمامها يصرخ في زميلتها فسألت بخوف: "يوسف؟ هو في إيه؟ هتفت الفتاة عالياً: "تعالي شوفي الرجالة اللي بتجيلك لحد البيت يا هانم يا محترمة." ابتلعت

زينب لعابها بصعوبة وقالت: "ده.. ده مش راجل غريب، ده... ده خطيبي." قال يوسف ببرود: "لأ، إحنا لسه متصاحبين بس." شهقت الفتاة بصدمة وقالت: "يا نهار أبيض.. أنتي طلع ليكي في المشي البطال، أنا والله من أول يوم قولت البت دي شمال، طب عليا النعمة من نعمة ربي ما أنتي بايته فيها." فقال يوسف: "بصراحة عندك حق، ارمي لها شنطة هدومها برا، إنتو بنات عائلات محترمات." بعد عشر دقائق كانت تجلس في سيارته تبكي وهو يقود متأففاً يردد:

"ما خلاص بقا، أعملك إيه يعني، ما إنتي السبب." زينب: "أنا؟ يوسف: "أيوه أنتي، أنتي اللي عنيتي ومشيتي وعارف بردو لو طلبت منك تيجي معايا كنتي هتعاندي بردو، قولت أسوء سمعتك قدامهم عشان يطردوكي وترجعي معايا." زينب: "أد إيه أنت واطي." ضحك يردد: "بس لذيذ، والله لذيذ." نظرت له بحزن فتوقف على جانب الطريق وعلى ضوء أعمدة الإنارة مد يده يلتقط يدها قائلاً وهو ينظر لعيناها:

"ما تزعليش مني، حقك عليا، بس أنا ما قدرتش أتحمل بعدك وطول اليوم مش على بعضي، زينب أنا... تلعثم قليلاً وهي كانت متسعة العين مما قال ومن كونه يعتذر بالأساس، لتكتمل صدمتها حين قال: "لو قولت لك تفضلي جنبي هتفضلي؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...