الفصل 50 | من 54 فصل

رواية شط بحر الهوى الفصل الخمسون 50 - بقلم سوما العربي

المشاهدات
18
كلمة
4,907
وقت القراءة
25 د
التقدم في الرواية 93%
حجم الخط: 18

دلف للبيت بخطى ثقيلة ومتعبة، كل شيء مظلم من حوله، يدفعه للدخول في حالة من الاكتئاب والمرض. لا يعلم إلى أين يتجه، قدماه هي من تسوقه لعندها. يفتح الباب دون استئذان كعادته، ويزيح الغطاء قليلاً ليندس في أحضانها رغماً عنها ودون أن يطلب وتوافق. فزت منتفضة من نومتها، فبعدما كانت تستعد للغرق في نوم عميق، وقد تدثرت بغطائها، وطفأت الأضواء، شعرت بذراع غليظة تسحبها وتلفها حتى استلقت على ظهرها، ودفن رأسه وصدره بأحضانها.

لم تكن بحاجة للتعرف عليه، تعرف فقط من ملمس جسده على جسدها. لكنها سألت في تخبط: "إيه يا ماجد؟ زاد من دفن رأسه في صدرها وحاول لف ذراعيه حول صدره وهو يردد: "أحضنيني قوي يا فيروز، أحضنيني." كانت نبرة صوته أشبه بالتوسل، توسل لم يتردد في إظهاره أمامها فقط، مما جعلها تسأله بقلق شديد: "مالك يا ماجد، إيه اللي حصل؟ أغمض عينيه مردداً: "أنا محتاج لك قوي، مابقاش عندي أي حاجة حلوة غيرك، مابقاش ليا غيرك أصلاً."

زمت شفتيها بحزن عليه واكتفت بالصمت، تعرف تلك الحالة جيداً، الكلام فيها غير مجدي. تفضل ترك له المساحة إن أراد التحدث أو آثر الصمت. لكنه قال: "تعالي نمشي يا فيروز، ولا أهلك ولا أهلي، نتجوز ومش مهم مين يعرف ومين ما يعرفش، أنا زهقت، أنا مابقتش عايز غيرك." حاولت التحدث، فقال: "ما ترفضيش، أنا عارف إنك لسه زعلانة.. عارف، بس عشان خاطري تعالي نبعد، أنا مش عندي استعداد أخسرك إنتي كمان."

أغمض عينيه بحزن وقد فطن جوابها المتمثل في الرفض. لكنه فتح عينيه بصدمة حين قالت: "موافقة، بس هنعمل كده إزاي؟ انتفض من على الفراش ونظر لها يردد بذهول: "إيه؟ بجد موافقة؟ هزت رأسها بثبات وقالت بابتسامة هادئة: "أيوه، بس هتعمل كده إزاي؟ ابتسم لها بسعادة والجنون يشع من عينيه يردد: "مش مهم هعمل كده إزاي، المهم إنك موافقة تتجوزيني يا حبيبتي." نظر لملامحها القريبة منه وقال بجسد مقشعر: "أنا بحبك قوي، قوي يا فيروز."

لم يستطع تمالك حاله ومال عليها يقبلها بجنون وشغف، وكأنه نال الفرحة بعد التعب. صدمت من فعلته كلياً وبدأت تحاول إبعاده عنها، لكنه لم يحرر شفتيها من بين شفتيه ولا جسدها من بين ذراعيه، بل بدأ بفقد السيطرة على نفسه وآخر ذرة تعقل تأمره بالتراجع. ليفتح الباب على مصرعيه وتتقدم فريال التي قالت: "حلو أوي، أثبتوا لي على الوضع ده." شهقت فيروز بصدمة والتف ماجد ينظر لها بغضب مردداً: "إنتي بتعملي إيه؟

ابتسمت فريال بتشفي وقالت: "بصورك يا حبيب أمك وأنت مع اللي المفروض إنها أختك في سرير واحد وفي الوضع ده، مشهد يجنن خالص." صك أسنانه وقال من بينهما: "إنتي اتجننتي يا فريال مش كده." حاول تغطية جسد فيروز واندفع ناحية فريال يردد: "هاتي الزفت ده." أبتعدت عنه تخبئ الهاتف خلف ظهرها ثم قالت بتحدي: "تؤ تؤ تؤ، وطي صوتك يا حبيب أمك بلاش تخليني أصوت وألمهم عليك عشان يتفرجوا."

ماجد: "بلاش تلعبي معايا يا فريال، وبلاش تفتحي على نفسك النار." نظرت له بغضب ثم قالت: "إنت إيه اللي جرا لك، طول عمرك كنت عاقل، ودلوقتي جاي تهد المعبد على دماغي ودماغك وكمان عايزني أتفرج وأسكت، كل ده ليه؟ ما بنات العائلات كتير وكلهم يتمنوا نظرة منك عشان أنت ماجد الدهبي، اسم الدهبي اللي عايز تفرط فيه بالسهولة دي هو اللي عملك بني آدم." تقدم منها ماجد يردد: "أنا بني آدم بيهم أو من غيرهم." هتفت

بصوت مكتوم من بين أسنانها: "إشمعنى دي، شوف واحدة تنضفك وترفعك." صرخ فيها بصوت مكتوم هو الآخر: "بحبها، وأنا وهي زي بعض، إحنا الاتنين بني آدمين.. بني آدمين كويسين أوي من غير اسم الدهبي، وهنبقى أحسن وأحسن من غيره، والكل هيعرف إن مش اسم العيلة هو اللي ممكن يعمل بني آدم صح." اقتربت منه وقالت بغل: "وأنا مش هسيبك تعمل كده، إنت سامع." شعرت بيد تبعدها عن ماجد مما جعل ماجد ينظر لها بصدمة وكذلك فريال.

فقد ظن ماجد أنها ستبقى في الفراش تحاول الاختباء من شدة الخجل، ليتفاجئ بها تزيح فريال عنه بحده ثم تقول: "شيلي إيدك عنه، وبعد كده كلامك معاه يبقى عن طريقي أنا." اتسعت عيناه وهو يسمعها مشدوهاً لا يسعه إبداء أي رد فعل. كذلك كانت فريال لكنها لم تصمت وقالت: "الله الله.. أيوه كده بان على حقيقتك، واحدة غيرك كانت تبقى عايزة الأرض تنشق وتبلعها بعد ما اتمسكت في سريرها مع واحد." ضحكت فيروز

لتثير غيظ نظيرتها ثم قالت: "بس يا طنط فريولا الأرض مش بتنشق وتبلع حد كتير، فلو هيبقى في فرصة لده يحصل فأنا كرم أخلاق مني هسيبه ليكي إنتي." كبت ماجد ضحكاته بينما صرخت فيها فريال: "إنتي بتقولي إيه يا بتاعة إنتي؟ تقدمت منها حتى خافت

فريال بالفعل وقالت فيروز: "أمممم، زي ما سمعتي كده، عشان إنتي اللي عاملة مصيبة مش إحنا، تخيلي لو مصطفى الدهبي عرف بعملتك السودة وإنك بقالك فوق الأربعة وثلاثين سنة مستغفلة عيلة بحالها.. فكري معايا كده هتبقى نهايتك إيه؟ بهت وجه فريال بينما أكملت فيروز بابتسامة سمجة: "هسيب لك الفيديو اللي معاكي ده لو مفرحك أوي كده، أو...

صمتت بتلاعب ثم بدأت تلتف حولها لتزيد من توتر فريال وإدراكها أن تلك الفتاة هي جحيمها على الأرض وجاءت لتخلص منها كل ذنوب أمها. فابتلعت ريقها بصعوبة وارتفعت دقات قلبها وهي تستمع لصوت فيروز المتلاعب حين بدأت تكمل: "أو فيه حلول تانية حلوة بردو، يعني مثلاً تخدميني وتقدميه لجدو." سألت فريال باستنكار مبطن بالخوف: "أخدمك." وضعت فيروز يدها على كتف فريال وقالت

بنبرة كلها ثقة وتحدي: "أمم، عشان تبقي قصرتي عليا المسافات، ف أروح أقولهم أنا وماجد كل حاجة... إن ماجد مش ابنهم بس أنا بنتهم وبحبه وناوية أتزوجه وهو بردو ماكنش يعرف وهو اللي كبر كل شغل الدهبي وله فضل كبير على العيلة دي وهما كده كده بيحبوه.. أنا معاكي إنهم هيتصدموا شوية ويزعلوا شويتين بس أكيد هيسامحوه لأنه هيبقى جوز بنتهم الوحيدة والأكثر من كده... صمتت تذيب أعصابها ثم

مالت على أذنها هامسة تكمل: "إنهم هيعرفوا ويتأكدوا إنه كان حتة لحمة حمرا لا جه هنا ولا خطط، ده إنتي اللي جبتيه." انتفضت فريال كالملسوعة تبتعد عنها فصرخت فيها فيروز آمرة: "آخر مرة أشوفك قريبة منه أصلاً، كفاية اللي عيشتيه فيه طول عمره، من هنا ورايح أنا موجودة وأنا اللي هقف لك.. وبصراحة أنا بتلكك لك عشان اللي عملتيه في أمي، فاهمة يا فريال." صمتت فريال، فقط كانت تقف متخشبة الجسد مصدومة.

فصرخت فيها فيروز بكبر: "أخفي من قدامي حالاً وأحسن لك حاولي ماتخلينيش أشوفك قدامي أصلاً." لم تستطع فريال التحرك من صدمتها فصرخت فيها فيروز من جديد آمرة: "برااا." انتفضت فريال من مكانها وتحركت تغادر سريعاً وفيروز تنظر لأثرها بانتشاء. لتلتف أثر ذراع ماجد القوية بعدما جذبها له يضمها لأحضانه.

رغم كونها هي الأنثى لكنها تدافع عنه، لأول مرة يجرب ذلك الشعور رغم كونه مدركاً ومتفهماً لكل ما تفوهت به فيروز وأن فريال ماعادت قادرة على تهديده. لكن.. شعور أن هناك من يحميك، يدافع عنك ويتصدى لأي أذى قد يواجهك شعور رائع جداً انعش قلبه ودب فيه الروح. كان يضم نفسه لها وكأنها أمه، مأمنه وأمانه، يغمض عينيه براحة والكلام لن يشرح صمته مع ضمه لنفسه في أحضانها وصوت تنهيدته الحارة المتعبة كانا أبلغ من أي كلام. ثم قال

بصوت وكأنه طفل صغير باكي: "أنا وصلت لأهلي يا فيروز." نظرت له متفاجئة وهو بدأ يسرد على مسامعها كل ما أخبره به فلاديمير وتوصل هو له. *** انتهت من التنعم بحمام دافئ هادئ ثم بدلت ملابسها لأخرى مريحة بعض الشيء وهبطت الدرج حتى وصلت للطابق الأرضي تتجه حيث المطبخ الذي وقف هارون فيه يعد لها بعض الشطائر السريعة كما أخبرها.

توقفت تضع يدها في خصرها وهي تسمع صوت قهقهاته العالية، تجلى الغيظ على وجهها وبدأت تهز في قدميها ثم تقدمت منه تقف خلفه قائلة بصوت عالٍ: "جعانة عايزة أكل." ابتسم لها ووضع يده على رأسها يغرز أصابع كفه في فروة شعرها يداعبها وهو يبتسم لها بحنان. لتردد مرة أخرى بحدة: "قلت لك جعانة." نظر لها باستنكار وأشار لها بمعنى (ثانية واحدة) لكنها زادت من هز قدميها وبدأت تدب بهما الأرض وهي تقول: "لأ مش هستنى."

استغرب كثيراً رد فعلها وحاول إنهاء المكالمة وهو يقول للطرف الآخر: "طيب ما علش هكلمك وقت تاني وكمان إنتي ظبطي وكمليني.. أوكي.. باي." أغلق الهاتف وقال مستغرباً: "إيه يا حبيبتي خلصتي دش؟ نظرت له بحقد وقالت: "أيوه.. كنت بكلم مين." هارون: "دي الأسيستانت بتاعتي، ما إنتي عارفاها." ضيقت غنوة عينيها تصك شفتيها وهي تتذكر مساعدته مايا ذات التنانير القصيرة وقالت من بين أسنانها: "أيوه عارفاها...

إيه بقى كانت بتقولوا بيضحك كده ويشغلك عني." ابتسم بتلاعب وبدأ يقترب منها يردد: "دي غيرة دي؟ لكزته في صدره بغيظ وقالت: "لأ طبعاً." التفت توليه ظهرها وبدأت تغرس السكين في الخبز الفرنسي كأنها تغرسها في قلب أحدهم وهي تردد: "أنا مؤمنة جداً بحرية الشريك، ولازم كل واحد ياخد حريته ومساحته الشخصية." دقت الفرحة قلبه وابتسم بسعادة بينما يقترب منها ويحاول أخذ السكين وهو يردد: "واضح يا حبيبتي، سيبي السكينة بوظتي العيش."

نهرته بحدة: "أبعد عني." فهمس لها: "ما أقدرش." طوق خصرها بيديه يردد بهمس في أذنها: "ما إنتي عارفة إنك روحي والنفس اللي بتنفسه." ضربته بكوع ساعدها في معدته ثم قالت: "قلت لك أبعد عني بدل ما أخلي السكينة دي تعلم على رقبتك." تأوه متألماً ثم حاول تمالك نفسه وقال متأوهاً: "إيدك تقلت أوي يا حبيبتي." نظرت له بطرف عينيها وما زال الغضب والغيرة مسيطران عليها فتابع مبتسماً: "وبعدين عايزة تقتليني؟ أهون عليكي يا غنوتي." ضحكت رغماً

عنها وقالت: "إنت هتمثل، يعني هي أول مرة." ضحك هو الآخر على تلك الكوميديا السوداء التي تحيط حياتهم ثم قال: "في دي بصراحة عندك حق، طلعتي قتالة قتلا، الواحد خايف على الولاد لا يطلعوا شبهك." نظرت له مستغربة وسألت: "ولاد مين؟ هارون: "ولادنا يا روحي، ولا لأ تكوني مش ناوية تخلفي مني." تنهدت بتعب قائلة: "هو أنا عارفة أتزوجك حتى عشان أبقى أجيب عيال، ده أنا هطلع دلوقتي أنام عشان عندي شغل الصبح أد كده."

أسبل جفناه بتعب يتنهد وفتحهم من جديد ثم قال بعدم رضا: "هو هيبقى كل يوم ولا إيه، أنا جبت آخري." قضمت قطعة من الخيارة التي بيدها وقالت بتشفي: "عشان تبقى تتفق عليا أوي، شوفت، من حفر لأخيه حفرة وقع فيها.. تستاهل." ضيق عيناه بغيظ وبدأ يقترب منها قائلاً: "ده على أساس إنك ملاك، سبيني ساكت، إنتي المفروض دلوقتي تكوني على طبلية عشماوي."

حمحمت تجلي صوتها وهي تضع يدها على رقبتها وكأنها اختنقت من السيرة فقط ليكمل هو متلاعباً بينما يداه امتدت متلاعبه تحاول اختراق منامتها يردد: "حفرة إيه وأخيه إيه.. إنتي بالذات مااااينفعش تبقي أخيه خالص.. خالص يعني." شعرت بيداه قد نجحت في اختراق منامتها وبدأت تصل لأماكن خطرة فابتعدت سريعاً تردد: "إنت قليل الأدب." قهقه عالياً وهو يراها تفر من أمامه تصعد الدرج فقال: "استني عندك رايحة فين." جاوبت بحسم

وقد وصلت لنهاية السلم: "مستحيل أستنى في نفس المكان مع واحد قليل الأدب زيك." جلس على الكرسي من خلفه وهو يردد بحسرة: "هي فين قلة الأدب دي هو أنا عارف أقرب منك." صعد الدرج يفكر في حل سريع للتخلص من ذلك الشرط الجزائي، تباً له ولليوم الذي فكر فيه بذلك التفكير. فكر في المرور على غرفة غنوته لم يشبع منها بعد، لا بأس من قبلة خفيفة منها.

لكنه توقف وهو يرى عمه كاظم صاحب الصولات والجولات يخرج من غرفة نومه مرتدي لشورت قطني قصير جداً من اللون الأحمر وتي شيرت قطن بلا أكمام بعدما دفعه شخص ما بقدمه خارج الغرفة بقوة. ومن ستكون سوى تلك المتجبرة أشجان التي صرخت فيه: "يالا يا راجل يا ناقص." كاظم: "أنا عملت إيه بس يا شيجو... ده أنا كظ كظ حبيبك." فتحت الباب مرة أخرى وألقت له بواقي ثيابه التي خلعها في الغرفة تردد: "مفكر نفسك ممكن تلمس أشجان ده بعدك."

أغلقت الباب في وجهه بحدة وعنف ووقف كاظم لا حول له ولا قوة. أقترب منه هارون يكبت ضحكاته بصعوبة وسأل: "خير يا عمي، في مشاكل مع الجماعة ولا إيه؟ حاول كاظم الرد عليه لكن جاء الرد سريعاً من تلك التي تقف خلف الباب في غرفتها حيث نهرته بحدة: "جماعة مين اللي يتقصف عمرك، لم نفسك بدل ما أجي لك وأنا بتلكك لك أصلاً."

ضحك هارون جداً ونظر لعمه الذي يقف بلا حول ولا قوة يقول متوسلاً: "ما تفتحي بقا يا حبيبتي هو أنا كنت لحقت أعمل حاجة." سأله هارون ضاحكاً: "خالص؟ كاظم: "هي بس شافتني قلعت القميص وقلبت الدنيا فوق مني.... أنا خوفت يا هارون." لم يستطع هارون كبت ضحكته هذه المرة وانفجر ضاحكاً يحاول تخطيه كي يذهب في طريقه. وكاظم يناديه: "طب سايبني ورايح فين، هبات فين أنا دلوقتي."

هارون: "هههههه مش قادر بجد.. ممكن تقضي الليلة على الكنبة تحت أو تفرش في المطبخ." حانت منه نظرة على شورت عمه القصير فقال: "الشورت الأحمر هياكل منك حتة، ههههه مش قادر بجد." كاظم: "أما إنك واطي بصحيح، تستاهل اللي بيتعمل فيك." هارون: "عارف، سلام يا... يا عريس.. ههههه أقصد يا كظ كظ." تقدم وما زالت ضحكاته تصدح عالياً تملأ البيت حتى توقف عند الغرفة التي تستوطنها غنوة.

وضع يده على مقبض الباب فقفز لذاكرته على الفور مشهد عمه وأشجان تلقيه خارج الغرفة ليحمحم بقلق ويتراجع سريعاً وهو يردد: "الطيب أحسن." ثم ذهب لغرفته وأغلق الباب على أمل الخلود سريعاً للنوم. *** وقفت أمامه وهي ترتجف من الخوف، تنظر له بترقب، ابتلعت ريقها تحاول تهدئة نفسها كي تتحدث بتروي خصوصاً وهي تراه واقف أمامها بغرفتها ووجهه لا يبشر بالخير مطلقاً. أجلت صوتها وسألت بأدب شديد: "في حاجة يا دكتور يوسف."

أقترب منها يقبض على ذراعها يهزها يميناً ويساراً ثم قال: "إنتي مفكرة نفسك إيه هااا، إزاي أبقى بكلمك وتسبيني وتمشي." حاولت إفلات نفسها من بين ذراعيه وقالت: "أبعد إيدك عني، إنت بأي حق تعمل فيا كده." زاد غضبه منها وبدأ يتحدث من بين أسنانه: "إنتي كمان مش عاجبك وبتعلي صوتك عليا!

صرخت في وجهه: "أيوه مش عاجبني وتحترم نفسك وأنت بتتكلم معايا، مين سمح لك تدخل عندي ولا مفكر عشان عايشة في بيتكم هتستعبدني، أنا مش هسكت أبداً على اللي بيحصل ده.. أنا بنت ناس." رد عليها بفظاظة: "أيوه، وأعمل فيكي اللي يعجبني ووريني بقى هتعملي إيه وما تفكريش إن اللي عملتيه هيعدي على خير." زينب: "اللي إنت عملته هو اللي مش هيعدي على خير واتفضل اطلع برا." صدم يوسف وسأل مستنكراً: "نعم؟

زينب: "قلت لك اطلع براااا.. واحترم نفسك معايا وإلا هنادي عمو يحيى دلوقتي هو يشوف صرفة معاك." تقدم منها عدة خطوات وقال بغضب: "أنا مش بتهدد وإنتي عارفة بلاش تخليني أقلب على الوش التاني معاكي.. خليني حلو أحسن لك." صمت ورأى الدمع يترقرق في عينيها، فتوقف عن طريقته تلك وقال بصوت هادئ بعض الشيء: "أنا كنت جاي لك عشان أقولك إن جايلي ضيوف وعايز أعرفك عليهم مش أكتر وكمان أعرف ليه مشيتي وما خلتنيش أوصلك.. بس كده." أغمضت

عينيها بألم وصبر ثم قالت: "لو خلصت كلامك ممكن تتفضل دلوقتي." حاول التحدث مرة أخرى، لما تزيد عصبيته ولا تقدر طريقته اللينة في التعامل، أنه يسأل عن حالها. يوسف: "زينب أنا... ذهبت لعند الباب وقالت: "هتطلع إنت ولا أطلع أنا دلوقتي." تقدم منها بغضب وقال: "إنتي ليه مصممة تضايقني." أغمضت عينيها تخفي دموع ذلها التي أذاقها لها ثم ابتسمت بحزن وقالت: "ماعلش، من بكرة لا هضايقك ولا تضايقني." نظر لها بتوجس وسأل: "يعني إيه؟

قالت بتعب ونفاذ صبر: "كلامي واضح يا دكتور يوسف أنا لا هضايقك ولا إنت هتضايقني واتفضل لو سمحت عايزة أغير هدومي." نظر لها بعض لحظات ثم قال: "تمام.. مش عايز غلطة بكرة ولا مشاكل.. سامعة." صمت ولم تجب عليه، اكتفت بهز رأسها فخرج من غرفتها وهو أكثر غضباً بسبب هدوئها ولا مبالاتها معه. وقد مر عليه الليل طويل جداً بعدما جفاه النوم.

في ظهر اليوم الثاني، هبط الدرج وهو يتلفت حوله، يبحث عنها منذ الصباح لم يراها، حتى لم تحضر الفطور. دق مراراً على هاتفها لكنها لم تجب، وفي النهاية وجد الهاتف مغلقاً. حاول التظاهر بعدم الاهتمام، دلف للمطبخ يتحدث مع الطباخ. يوسف: "أنا عندي عزومة كبيرة النهارده وعايز حاجة تشرف." الطباخ: "أوامرك يا فندم، عازم كام شخص؟ يوسف: "اتنين وأنا وبابا وأخواتي البنات والبنت دي اللي اسمها زينب.. أحمم.. هي فين صحيح مش شايفها من الصبح."

سأل متظاهراً بالكبر وعدم الاهتمام فيما رد الطباخ: "مش عارف والله." تشنج فك يوسف من الغيظ لكن حاول الحفاظ على ثباته الانفعالي وخرج من المطبخ يقول لنفسه أنها بالتأكيد ذهبت للجامعة وبعد ساعات ستعود ككل يوم. لكن مضى نصف اليوم واقترب المغرب ولم تأتِ، ضيوفه على وصول، يتوجب عليه الذهاب للاستحمام وتبديل ملابسه لكنه لم يفعل وبقي مشغولاً بها وبغيابها عنه. حتى عادت شقيقته نور من الجامعة

واقتربت منه مبتسمة: "مساء الخير يا أبيه، ها ضيوفك اللي قالب البيت عشانهم وصلوا؟ يوسف: "لسه، هي زينب فين مش متعودة ترجع معاكي." زمت نور شفتيها وقالت: "مش كل يوم بس أنا بصراحة مستغربة طول اليوم لا كلمتني ولا جت لي الصبح زي عوايدها حتى على الفطار ماكنتش موجودة." يوسف: "يعني إيه؟ مالها؟ نظرت له نور بخبث ثم قالت ببرود: "وحضرتك مهتم ليه يا أبيه ما تسيبها براحتها." ارتبك يوسف قليلاً ثم قال: "مش بني أدمة وعايشة معانا."

نور: "هممم... أيوه صح.. بس يعني لو كده كنت أولى تهتم بأختك اللي درسها واجعها بقاله قرن ومش منيمها الليل." زفر يوسف بحنق ثم قال: "دكتور هاشم اللي جاي النهاردة هو ومراته يبقى من أكبر دكاترة السنان في مصر هحجز لك عنده... هو صاحبي جدا.." زمت نور شفتيها بضيق ثم قالت: "ده بدل ما توديني عند شاب حليوة ومقطقط كده تاخدني عند صاحبك اللي هو من سنك... يوسف: "قصدك إيه؟ أنا عجزت مثلاً."

نور: "اا.. أحمم.. مش قصدي.. أنا هطلع أشوف زينب أحسن." تركته وهرولت متجهة لعند زينب تبحث عنها وهو جلس يفكر: "معقول، لما أختي شافتني عجزت أمال الناس برا إيه، أوووف... والهام دي راحت فين هي كمان.. بس عادي، ولا يهمني." هب من مكانه متفاجئاً بعدما استمع لصوت شقيقته تناديه، اتجه سريعاً حيث مصدر الصوت. فوجد نفسه في غرفة زينب الخالية تماماً من كل متعلقاتها الخاصة والتي كانت تضعها هنا، حتى الثياب لم تعد موجودة.

زاد خفقان قلبه وتشكلت غصة مريرة في حلقه يسأل: "يعني إيه؟ جاوبته نور: "زينب شكلها مشيت خالص ومن غير ما نعرف." ابتلع ريقه بصعوبة وسأل: "وهي ما كلمتكيش، ما تعرفيش هي فين؟ نور: "وأنا لو أعرف هقف معاك هنا كده.. ما أعرفش.. إنت كنت بتسأل عنها امبارح وعن رقمها، هو حصل منك حاجة ضايقتها." صرخ فيها بعصبية مفرطة: "وأنا مالي وبعدين هي مفكرة إيه، خلاص الدنيا هتقف في بعدها، ولا يهمني أو يشغلني أساساً، ولا في دماغي."

انتبه على صوت الخادم قد جاء من خلفه وقال: "الضيوف وصلوا يا بيه." رد عليه يوسف بحدة: "روح قدم لهم حاجة وأنا جاي وراك." لكي يغادر فاستوقفته نور: "إنت رايح فين يا أبيه، مش هتدور على زينب." رد عليها بكبر: "مش قصتي، براحتها." تحرك ناحية الباب كي يغادر لكن توقف قائلاً: "إنتي بقى فكري مع نفسك وشوفي هي ممكن تكون راحت فين وابقى عرفيني مش عارف هيبقى عندي وقت أروح ولا لأ، هشوف ساعتها، إنتي بس افتكري بسرعة." ***

وقف ضياء أمامها مصدوماً وقد شحب وجهه يسألها: "يعني إيه ترجعي مصر، أنا عمري ما هسمح لك بكده." أغمضت عينيها وتصنعت الحزن وقلة الحيلة ثم قالت: "لازم أرجع لأن أهلي عايزين يتمموا جوازي ونعمل فرح ودخلة." جن جنونها من كلماتها التي تقولها بكل تلك البساطة وهو ما أن تخيل فقط زفافها على آخر غيره قد جن جنونه. بدأ يتحرك بصعوبة وغضب يركل قدمه بحافة المركب ثم صرخ فيها: "إنتي إزاي بتقولي كده قدامي إزاي."

تحدثت بحزن وقالت: "هعمل إيه، ما فيش في إيدي حاجة أعملها." توقف أمامها يقبض على يدها مردداً: "أنا اللي هعمل، إنتي لازم تطلقي." اتسعت عيناها ورددت بصدمة: "أتطلق؟! هز رأسه بجنون يردد: "أيوه، إنتي بتاعتي وهتفضلي دايماً بتاعتي، ماحدش أبداً هياخدك مني.. سامعة يا جيجي." كانت تعيش الوهم معه تتخيله وهو يقولها لها وهي تقى زوجته لكن ما تأكيده لإسم جيجي يتبخر كل شيء من جديد كالعادة.

أسبلت جفناها بحزن ثم تفاجأت به يضمها له بجنون يطبق جسدها داخل أحضانه وهو يردد: "مافيش حد أبداً هيبعدك عني، مستحيل ده يحصل، أنا أموت من غيرك، عمري ما كنت كده ولا عمري خوفت من بعد حد عني... قولي لي إنك معايا وهتفضلي معايا، قولي." قال كلمته الأخيرة تلك برجاء وهو يصرخ فيها فأنصاعت لطلبه تردد: "هفضل معاك، مش هسيبك." وأخيراً هدء وابتسم، ثم أخرجها من حضنه يمسك وجهها بين يديه قائلاً: "تعالي معايا." سألته بقلق: "على فين؟

ابتسم لها يقول: "عايز أعرف الكل إنك حبيبتي اللي عمري ما حبيت غيرها." بتهور وجنون ساقها معه سريعاً حيث يجلس الرفاق غالباً وقد جلست كلارا وسطهم تنتظره أن يعود كعادته. كانت معتادة على غيابه وتمردة وفي نهاية المطاف يعود لعندها، لكن هذه المرة أحواله متغيره كثيراً ومع ذلك صبرت.

إلى أن رأته يتقدم لعندها وأمام الجميع يشبك يده في يد تلك الفتاة الممتلئة والتي تدعى جيجي، لم ترتاح لها يوماً وكلما غاب ضياء كانت هي الأخرى غائبة بالتأكيد ليست كل مرة صدفة. لطالما كذبت ظنونها لكن منظر ضياء وهو يتقدم منها الآن لا تفسير ثاني له سوى أنه عاشق ولهان بل ومهووس أيضاً. وقد صدق كل حدثها ما أن توقف أمام الجميع يهتف فيهم: "يا جماعة، عايز أقول لكم حاجة."

انتبه الكل له فقال: "أنا عايز أقول قدامكم كلكم، إني بحب جيجي وقررنا نتجوز." صفق الجميع وهللوا بينما صدحت ضحكت كلارا وسطهم ثم قالت: "هههههه ويا ترى بقى هي تعرف إنك متجوز؟ هنا صمت الجميع والتفت تقى إلى ضياء تسأل وتتصنع الصدمة باحتراف وتسأل: "إنت متجوز؟ صمت يوسف ولم يجب فصرخت فيه: "لأ.. رد عليا... إنت متجوز؟ هز رأسه بأسى ثم قال: "على الورق بس والله يا حبيبتي." بدأت

هي الأخرى تهز رأسها تردد: "مش مصدقة، بجد مش مصدقة، أنا مصدومة فيك.. مصدومة.. مصدومة.. مصدومة." ثم هرولت تبتعد من أمامه ونادين من خلفها تهتف باسمها تحاول مدارت ضحكتها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...