كان يسير بخطى سريعة وغضب غير مبرر يتفاقم بداخله. تخرج من سيارة رجل مفتول العضلات وتخصه بنظرة غير عادية أشعلت النار بصدره. وهو… هو تبتعد، واضعة حدوداً قوية تلزمه ألا يتجاوزها، رغم إبدائه لإعجابه بها وهو عادة لا يفعل. تركته وهو طريح الفراش وغادرت. واحدة أخرى غيرها لكانت ظلت بجواره حتى اطمأنت عليه وعلى صحته، تهتم به، تطعمه في فمه وتتقرب منه.
لكنها أوصلته للمشفى وغادرت تذهب لبيتها ولم تكلف نفسها حتى السؤال عنه مرة أخرى بعدها على سبيل الذوق حتى. استقل المصعد الذي وصل به حيث الطابق الأول. بينما هي دلفت للداخل وهي تتلفت تضحك بانشراح وحيوية، تنظر خلفها لحسن الذي كان يراقص لها حاجبيه صانعاً من فمه شكل مضحك بحركة لطالما فعلها منذ أن كانا صغاراً يلعبان معاً في الحي. تحت أنظار ذلك المرجل المشتعل ينظر عليهم بعدما فتح باب المصعد ولم يغلق بعد ينتظرها.
وقفت عند فتاة أنيقة في الاستقبال تسأل عن مكتب الآنسة لمى. تخبرها باسمها وأنه يوجد موعد متفق عليه بينهما. ابتسمت لها الفتاة ببشاشة وأردفت: "أيوه عندي خبر بكده، اتفضلي هي عشر دقايق وتبقى عندك، المكتب في الدور الرابع." ابتسمت لها غنوة تومئ برأسها شاكرة ثم تسير ناحية المصعد حيث ينتظر ملك العالم في البجاحة. كانت تتقدم بعدما رأته بخطوات مترددة، ترى بعينيه شيئاً غريباً وغير مريح.
نظرت للمصعد المجاور مقررة ألا تصعد معه في مكان ضيق هكذا، ستستقل مصعداً آخر. ابتلعت ريقها بصعوبة، ترمش بعينيها الجميلتين فتزيد اشتعال شيء ما بداخله غير محدد الهوية بعد. وتفاقم غضبه وهو يراها تضغط بأصبعها القصيرة من يدها الممتلئة على زر المصعد المجاور ليزداد غيظه. فأولاً تأتي مع رجل وسيم… وسيم جداً وهو نفسه لأول مرة يشعر بأنه يغار من رجل، بينما هي تبتعد عنه غير سامحة بأي حديث.
وثانياً لا تريد استقلال نفس المصعد معه… لا لا ليس ذلك فحسب. المتغطرسة عديمة الذوق والإحساس لم تكلف نفسها وتسأل عن صحته، تلك الباردة السمجة ألم تنقله بنفسها للمشفى وتعلم أنه كاد أن يقتل. صك أسنانه بغيظ، فحتى الطبيب ظنها زوجته وهي… هي عديمة الذوق تفتقر للشعور والإحساس. تعطل عقله عن التفكير جيداً، وبعدما سيطر الغيظ وأشياء أخرى على عقله. فمد يده بحركة سريعة يجذبها معه داخل المصعد ويضغط زر الصعود.
بينما هي شهقت عالياً بصوت لم يسعفه الوقت كي يظهر للواقفين في الطابق الأول حيث أغلق باب المصعد عليها هي وشهقتها معه. كانت تنظر له بعينين متسعتين غاضبة ومذهولة أيضاً. وصرخت في وجهه قائلة بغضب: "أنت إيه اللي عملته ده، أنت اتجننت؟ التوى جانب فمه بابتسامة ساخرة، شيطانية، لن تنكر أو تكابر… فقد دبت تلك الابتسامة الرعب في قلبها.
والتلمعت عيناه ببريق مخيف، تتسع عيناها الجميلتان وهي ترى جسده مثبتاً أمامها، لكن يده امتدت لتضغط على زر عطل تحرك المصعد وبقي معلقاً بين الدور الثاني والثالث. وهي بالأساس تخاف من المصاعد… تخاف من المصاعد وتستقلها مرغمة. هنا دق ناقوس الخطر بعدما اهتز المصعد قليلاً وشعرت به يتوقف متعلقاً. وصوت بغيض كريه يردد بنبرة شيطانية: "على الهادي يا حلوة… على الهادي، ده انتي نهارك نادي النهاردة."
المكان بالأساس ضيق وهو أيضاً تقدم يقترب منها، يضع يديه على حائط المصعد من خلفها يحاصرها بين الجدار وجسده وهي تتنفس بصعوبة خوفاً منه ورعباً من تعلق المصعد. ابتلعت ريقها بصعوبة وتنفسها يضيق، صدرها يطبق عليها، لكنها حاولت التحدث بقوة وثبات وهي تعرف ذلك مرددة: "أبعد عني، وشغل الأسانسير تاني، أنت إيه اللي بتعمله ده أصلاً؟ ببسمة صغيرة من فك ملتوي ردد: "وأبعد ليه؟
ما أنتي حلوة وقطقوطة وبتعرفي رجالة أهو، امال عاملة عليا أنا خضرة الشريفة ليه، ده أنا حتى سخي وإيدي فرطة وبدفع حلو." علت وتيرة أنفاسها، استجمعت بعض قوتها وأقصى ما استطاعت فعله في ظل خوفها وارتعابها أنها دفعت جسده بعيداً عنها ليصدم بالجدار الأخرى للمصعد وقد استدارت عينه من فعلتها وفقد ثباته يردد: "بقى أنا تسبيني مرمي في المستشفى وتمشي رغم إني طلبتها منك بلساني وأنا اللي عمري ما احتجت لحد ولا طلبت من حد يكون جنبي."
صرخ عالياً أكثر بلوع: "ترميني وتسبيني وتمشي؟! خفف الاستغراب والصدمة من خوفها، ارتبكت لثوانٍ تردد: "أنا… أنا مااا… أصلي… أنا…" صرخ بها وهو يجدها لا حديث لديها أو مبرر وإلا لكانت قالته بقوة: "إيه… ها… ولا اتأخرتي على الجو بتاعك… هااا." أخذت نفس متهدج ثم قالت بثبات: "ده مش جو." لمعت عيناها تقول بطريقة مستفزة… كأنها متعمدة: "ده حسن." هل نطقت اسمه بطريقة فيها نوع من التلذذ أثارت غضبه ينظر لها بصورة مرعبة
وقال وهو يرفع إحدى حاجبيه: "ومين سي حسن ده كمان." كتفت ذراعيها تعطي نفسها بعض الحماية ثم قالت بهدوء: "سؤال حضرتك غريب… جدا بصراحة." اهتز فكه بنفس الابتسامة المخيفة يقول: "جاوبي عليا أحسن لك." سيطرت على خوفها بصعوبة وقالت بثبات: "أصلاً مجرد إني أجاوب دي إهانة كبيرة ليا… أجاوبك بتاع إيه ما علش… هو أصلاً من البداية أنت مالكش حق السؤال أو الاستفسار، هو أنا أعرفك؟ أنت تعرفني؟!
ضحكت تردد مستهزئة: "اللي يشوف طريقتك وأنت بتحقق وتسأل وتستفسر لأ وكمان مستني رد شافٍ ووافٍ وسريع يقول إننا متجوزين من خمس سنين مثلاً وعندنا آسر وحنين." صمتت ثوانٍ ترميه بنظرة ساحرة مقصودة ثم تكلمت من جديد: "ده أنت لسه شايفني أول إمبارح، أنت بتسأل في اللي ما يخصكش." احتدمت عيناه، وهي كذلك تكمل بخطاب شديد اللهجة: "بلاش تكمل عشان أنا مش كيوت زي ما هو واضح لك، أنا الشغل علمني كتير أوي." عض على شفته السفلى
يقول بنبرة لعوب مقصودة: "إيه؟ بتخربشي؟! غنوة بثبات: "حاجة زي كده." ابتسم بتلاعب يردد: "بموت في الشراسة." اهتزت شفتها العليا بنفور وغضب منه، بينما عيناه ما زالت تلمع. أغمضت عيناها تأخذ نفس طويل تزفره بهدوء وتحدثت بحلم: "شغل الأسانسير لو سمحت." لم يجيب عليها، بل كان منشغل بتمشيط جسدها كله بعينيه كأنه يلتهمها بتلذذ خصوصاً بوضعه هذا، قربه منها ومحاصرته لها، وإغماضها لعيونها.
فتحت عيناها لتصدم عيناه بهما تسحره كل مرة بطريقة لا هوادة بها. حينما لم تجد رد منه ردت من جديد: "لو سمحت شغل الأسانسير." لم يجيب ذلك البغل معدوم الإحساس، يتحرش بها بنظراته القذرة تلك وهي بدأت تفقد السيطرة على خوفها بعد طول مدة تعطل المصعد مع ضيق المكان واقتراب ذلك الضخم منها. فتحدثت بنبرة متوسلة: "لو سمحت بقا، أنا بخاف من الأسانسيرات." نظرت له وجدته يعض جانب شفته من الداخل ثم قال: "طيب، هجيب معاكي من الآخر."
صمت ثوانٍ ثم أكمل: "انتي وبصراحة عجباني، أوي… أوي أوي يعني." كانت الذهول واضح على محياها ليس لأنه معجب، فهي كانت ترى ذلك بعينيه، بل صدمها تصريحه بذلك. أكمل بثبات: "إيه رأيك نتجوز؟ اتسعت عيناها حد الاستدارة وقالت: "إيه؟ تحدث بجدية وقال: "معاكي يومين… يومين بس تفكري." لقد صدمت من تصريحه الواضح بالإعجاب ليصدمها بطلبه للزواج، وعلى الفور قفزت صورة حسن لرأسها وكادت أن تتحدث: "نتجوز إزاي أنا…"
قاطعها وهو يقول: "هنتجوز عرفي وهكتبلك المبلغ اللي تطلبيه." احتدمت عيناها وعلت وتيرة أنفاسها تفقد أعصابها مرددة: "أنت اتجننت! أنت…! قا طعها مجدداً يقول بهدوء: "براحة بس على نفسك… إحنا نبتديها في الأول عرفي." صمت ثوانٍ ويمشط جسدها للمرة المئة ثم أكمل بزهو مستفز: "وانتي وشطارتك بقا." مال على أذنها يقول: "لو عرفتي تعجبيني وتملي دماغي ممكن أحول الجواز ده لشرعي."
أغمضت عيناها تحاول أن تأخذ شهيق وزفير تستدعي ثباتها كي تناظره وترد. وببراعة تحسد عليها فتحت عينيها تبتسم وهو تنظر على رأسه: "ما شاء الله عليك… قرعتك مقوية قلبك." اتسعت عينه من حديثها وكاد أن يبتسم يعتقدها مزحة. لكنها أكملت تتكئ على كل حرف مرددة: "شكلك غني وفعلاً هتدفع مبلغ كويس." ضحك بثقة وفخر وهى ابتسمت له باتساع ثم أكملت وهي
تضحك عليه بطريقة مهينة: "بس تخيل إنك فعلاً مش عاجبني لدرجة إني هضحي بمبلغ أكيد هيكون ضخم لأنك مش بس مش حلو ولا واو قدامي لأ ده أنت حتى مش مبلوع." صمتت ثوانٍ تكمل بنزق وهو تحرك مقدمة ثيابها من على صدرها بأناملها علامة على التهوية لضيق التنفس: "دمك تقيل على قلبي." شعر باهتزاز المصعد كبداية لتحركه من جديد، أخذت نفس متهدج مرتاح فعلى ما يبدو شعر أحدهم بتعطله وضغط على الزر لرفعه.
نظر حوله يدرك أنها على وشك الفرار من المصيدة التي صنعها لها. يتكئ براحتيه على جدار المصعد خلفها يقول: "ومين بقا اللي عاجبك… الشاب اللي انتي جاية معاه مش كده؟! ابتسمت تردد بهيام تستفزه: "حسن… هو فيه زيه، ده الشاطر حسن بتاعي." اتسعت عيناه بغضب يستشعره لأول مرة بحياته وصرخ بها: "آه يابنت ال…! قاطعته بصراخ: "احترم نفسك واحفظ أدبك… وخلي بالك ثواني والأسانسير يفتح ويمكن خطيبتك تشوفك."
اعتدل في وقفته يبتعد عنها يضع يديه في جيوب بنطاله ثم قال باستفزاز معتقداً أنه هكذا يرد على حديثها السابق: "عندك حق، أنا ما عنديش واستعداد أبداً أخسر زوجة زي لمى… عشان كده خطبتها قدام الدنيا كلها." اشتعلت عيناها وقبل ما تخرج قالت: "صراحة عندك حق، وهي خسارة فيك على فكرة." خرجت بخطى ثابتة تسأل عن مكتب لمى ثم اختفت داخله بعدما أذنت لها السكرتيرة بذلك. وهو ضغط على زر المصعد كي يهبط به مجدداً يتجه حيث وقفت سيارة حسن.
ظل يبحث عنه هنا وهناك لكنه لم يجده وحينما سأل عليه قال له الحارس أنه قد غادر. ليضرب يده براحة اليد الأخرى وعلى الفور يهاتف صديقه الوحيد: "انت فين." جاء الرد من ماجد: "هكون فين، في الشغل." هارون: "تعالى عايزك." ماجد بتعب: "أبويا كلمني دلوقتي وأنا رايحه له مكتبه بيقول عايزني في موضوع مهم، هخلص وأجيلك." هارون بسؤال: "طب انجز." ألقى عليه السلام وأغلق الهاتف يزفر بغضب يتوعدها هي وذلك الشاطر.
_بخطى رتيبة تقدم ماجد من مكتب محمود يدق الباب بهدوء إلى أن سمح له. دلف للداخل يجلس أمامه بتوتر… بالتأكيد وصله الخبر فلا شيء يخفى بالسوق ولذا استدعاه ليتحدث معه. فكان هو من باشر الحديث يقول: "بص أنا عارف إنك كنت معارض بس أنا حابب أعمل شغل ليا على جنب وأكبره." مسح محمود على وجهه براحتي يده ثم قال: "أنا عرفت أكيد." أخذ نفس عميق ثم قال: "بس مش ده اللي عايزك فيه دلوقتي… أنا عندي موضوع مهم وخطير."
نظر له ماجد باستغراب يسأل: "موضوع؟ موضوع إيه؟! أخذ محمود نفس عميق ثم بدأ يتحدث بصعوبة: "أنا… احمم… زمان… كنت لسه صغير حوالي عشر سنين… حبيت بنت كانت بتخدم في البيت عندها… أمك زي ما أنت شايف وعارف طبعها… وأنا كنت… كنت تايه وفي عز شبابي… شفتها عجبتني، فضلت ألف وراها لحد ما اتجوزتها، احمم، عرفي." كان ماجد يستمع له بذهول يرمش بأهدابه من الصدمة. بينما أكمل محمود بصعوبة
فالقادم أصعب حيث قال: "بعدها اتفاجئت إنها حامل، ماكنش عندي القوة إني أواجه جدك ووالدتك، طلبت منها إنها تنزل الطفل ده وهددتها إنها لو ما نزلتهوش أنا مش هتعرف بيه ولا إني اتجوزتها أصلاً خصوصاً إن الورقتين كانوا معايا." ابتلع ماجد ريقه بصعوبة وهو يرى والده محني الرأس يكمل بتأنيب ضمير: "وشكلها خافت بجد، تاني يوم اختفت." رفع رأسه
ينظر لماجد وقال بسرعة: "بس أنا والله عرفت غلطتي ودورت عليها سنين عشان أصلح غلطتي وأعترف بالطفل وأعوضهم هما الاتنين، بس هي كانت اختفت." أخذ نفس عميق ثم قال: "لحد امبارح… جالي تليفون من مستشفى الدمرداش إن في مريض كانسر عندهم بيموت وطالبني بالاسم، روحت لقيت راجل كبير في السن بس شكله مش غريب عليا." صمت يأخذ نفس عميق بتعب ثم أكمل بوجع: "طلع شعبان، شاب كان فاتح كشك سجاير زمان على أول الشارع عندنا." تراقص الدمع بعينيه
وتحشرج صوته وهو يخبر ابنه: "طلعت كل السنين دي كانت معاه… اتجوزها شرعي يا ماجد… وكتب الطفل باسمه… أنا طلع كل السنين دي ليا بنت يا ماجد." هبط الدمع بوضوح على وجنتيه وهو يكمل: "تخيل كل السنين دي وأنا ليا بنت، حتة مني، وواحد تاني هو اللي بيربيها، بتقول لواحد غيري يا بابا." سمح لنفسه بأن يجهش في البكاء وهو يقول: "بنتي عاشت كل السنين دي في فقر غلب وأنا ربما مديني ومقتدر… أنا حاسس إن قلبي هيقف."
مد يده على جانب صدره الأيسر يمسده بتعب، بينما وقف ماجد سريعاً يقترب منه بلهفة مردداً: "بابا، بابا، مالك يا بابا." رفع محمود وجهه له يقول باكياً: "أنا روحت وشوفتها في المكان اللي هي عايشة فيه، خرابة يا ماجد، خرابة." اهتز كتفيه من بكائه الواضح يردد: "كانت بتبصلي بكره، عارفة إني أبوها من زمان وما فكرتش مرة تجيلي، أنت متخيل الموضوع واصل معاها لفين؟ أخذ ماجد يمسح على ظهره
يدعمه لكنه مازال مصدوم: "بس خلاص، كل ده خلص، انتهى، أنا وأنت هنروح نجيبها، هتيجي تعيش معانا ومش بمزاجها، أمك وجدك أنا كفيل بيهم… المشكلة أنها رافضه، رافضه خالص." أجلى ماجد حلقه المتحشرج من شدة الصدمة والانفعال وقال: "وهي دلوقتي عايشة مع مين؟! "الراجل ده اللي قولت عليه؟ ولا أمها؟ هز محمود رأسه نافياً وأجاب: "الراجل ده مات امبارح وأمها ماتت من سنتين."
ضحك بسخرية وألم يقول: "يعني لولا أنها هتبقى لوحدها ومش عايز يموت إلا لما يطمن عليها ما كنت عرفت." ابتلع لعابه يقف بعزم ثم قال: "يالا قوم معايا هنروح عندها نجيبها ولو ما وافقتش نشيلها غصب عنها ونحطها في العربية للبيت." لم يتحدث ماجد كانت الصدمات المتتالية أكبر من قدرة استيعابه، هو فقط تحرك مع والده حيث تلك الفتاة. _عاد حسن للحَي بعدما أخبره أحد العاملين معه بنشوب مشكلة.
وحينما وصل كانت قد حُلّت، هم ليعود حيث وعد غنوة بأن يوصلها ثانية إلى البيت. لكنه ما أن استدار كي يتحرك حتى تسمر في وقفته وتوقفت أنفاسه وهو يرى تلك الماكينة الألمانية تخرج من منزل غنوة ترتدي فستاناً من الجلد الأسود يصل حتى ركبتيها يبرز جمال جسدها الأسطوري مع جذاء جلدي ذو رقبة من إحدى درجات اللون البني وحقيبة ظهر بينما رفعت شعرها بشكل كحكتين فوضويتين فوق أذنيها فبدت لذيذة، شهية قابلة للإلتهام على مرة واحدة.
تشنج فكه واقترب منها ينظر على ما ترتديه برفض غير مبرر. بينما هي كانت تتراقص فرحاً لأنه هنا ويقترب منها للحديث أيضاً. أصبحت تتحين أي فرصة كي تراه وها هو من يأتي إليها. وقف أمامها يسأل: "لابسة كده ورايحة على فين إن شاء الله." ضمت كتفيها بدلال وهي تتحدث ببطء: "مانا مش جايه مصر أتحبس، عايزة أروح الأهرامات وأروح القلعة وأتمشى على النيل، وبرج القاهرة، وبالليل أروح المقطم." رفع حاجب واحد يردد: "المقطم! وبالليل!
همم والله عال." ابتسمت تسأل بتلاعب: "وفيها إيه يا حسن؟ "لو صمتت أفضل، لما دوماً تنطق اسمه بطريقتها المميزة تلك، تباً لها وألف تب." صك شفتيه بغيظ منها ومن جمالها لتأتي هي وتزيد الطين بدلالها، لهنا ولم تكتفِ بعد، لا لا، بل هي أيضاً تنطق اسمه بطريقة خاصة، خاصة جداً، خاصة بها فقد. أخذ نفس عالٍ وقال: "اتفضلي قدامي أنا هفسحك." قفزت مكانها لا تستطيع مدارة فرحها تقول: "بجد ياحسن؟
انبلجت شفتيه بابتسامة سعيدة، نغم فتاة رقيقة جميلة لكن الأجمل منها عفويتها، تتصرف بما في قلبها، لا تفكر، لا تتخابث، ولا تتلاعب. بها شيء أكثر من مميز، تستطيع اختراق القلب كالطلقة النفاذة وهي تخترق الجسد تستقر بالقلب. ابتسم براحة، راحة كبيرة، لا تكلف بها أو حساب ثم قال بحنان آسر: "أيوة، وليا الشرف أصلاً، يلا على العربية بدل القصير اللي انتي لابساه ده والجو تلج أصلاً." تقدمت أمامه
بسعادة بالغة وهي تردف: "تلج إيه ده الجو هنا تحفة." نظر عليها مبتسماً وهو يصعد للسيارة يقود بها حيث يوم طويل… طويل جداً. _جلس يضع قدم فوق أخرى بكبر ينقر على سطح مكتب لمى الفخم وهو يطالع تلك التي تجلس أمامه تتحدث بثقة وثبات. بينما هي تتصنع أنها لا تراه وكأنه هواء تنظر فقط للمى التي ابتسمت قائلة: "خلاص تمام كده شغلك معانا يبدأ من بكرة، بالتوفيق إن شاء الله." ابتسمت لها غنوة ووقفت تصافحها وقالت: "شكراً مسز لمى."
لمى بتحذير: "لأ بصي أول حاجة لازم تعرفيها عني هي إني لاغية الألقاب هنا." رفعت غنوة حاجبها باستغراب فأكملت لمى: "لا آنسة ولا هانم ولا مدام أنا لمى وإنتي غنوة، الألقاب بتعطل، خلينا دايمًا أسرة واحدة عشان نطلع شغل حلو." ابتسمت لها غنوة وقالت: "بجد.. واو." ابتسمت لمى تقول بثقة: "هتتبسطي معانا، أنا متأكدة." ابتسمت لها غنوة ثانية ثم انصرفت مغادرة وذلك الجالس على كرسيه يكاد يخرج نار من فمه، هل هو شفاف أم ماذا.
انتظر ثوانٍ، دقيقة ثم خمسة يجاهد على ألا يذهب خلفها بعد رفضها عرضه السخي المشرف لأي فتاة، لكنه يقسم ألا يتركها وشأنها أبداً، القادم كله ألعاب ومفرقعات، فلتلعب دور الشريفة العفيفة على راحتها ولنرى. _ظل ماجد يتتبع وصف والده للطريق حتى أمره أن يقف وسط المقابر. حيث لا حول ولا قوة إلا بالله، المأوى الأخير للإنسان. بعض الناس إن لم يكن فئة كبيرة منهم تخشى وترهب الذهاب هناك.
فكيف يعيش أناس هنا، وكيف عاشت تلك الفتاة اثنان وعشرون عاماً. يأتي عليها الليل هنا، تنام هنا وتلبس هنا لإثنين وعشرين عاماً. ترجل من سيارته هو ووالده وبسرعة التف حوله عدد لا بأس به من النساء والأطفال واضح جداً عليهم التشرد منتظرين أي شيء يجود به. أخرج محمود العملات الورقية يوزع ورقة على كل فرد وهو يبكي يتخيل أنه لسنوات كانت ابنته تفعل مثلهم وتتسول وربما نهرها أحدهم أو سبها بينما هو لديه أموال كحبات الأرز.
ومحمود يتابع من بعيد كل شيء يتأمل المكان ويفهم من نظرات والده كل ما يشعر به الآن. بعد دقائق تقدم للداخل حيث حوش واسع به مقبرتان وباب قديم يسبقه عتبتان. المكان منظف كأنه منزل، يوجد اهتمام لكن لا يوجد مال. توقف مكانه مصدوماً وهو يرى فتاة هي التجسيد الحقيقي لفينوس إلهة الجمال. بعينيها الرمادية وشعرها الكثيف الأسود، وجهها المدور واحمرار وجنتيها الممتلئة، جسدها الصغير والقصير بعض الشيء أم بياض بشرتها.
كانت تطالعهم بكره مرددة: "دخلتوا هنا إزاي؟! رد هو يقول وما زال تأثيرها عليه: "الباب كان موارب." حاول محمود الحديث بود وترقب: "إزيك يا بنتي؟ رمقته بنفور وقالت: "أنت مين أنا ما أعرفكش." اقترب خطوة حذرة يقول: "أنا أبوكي يا فيروز." ابتسم بجمال وراحة، حتى اسمها جميل. خرج صوتها رافض رفض تام تردد: "أنا أبويا اسمه شعبان فضل الله، ومات امبارح." خرج صوت محمود غاضب كثيراً يقول: "بس أنا أبوكي وعايش واللي فات أنا كفيل أصلحه."
رمقته بتقزز لكنه ابتلع كل ذلك مع غصة مرة بحلقه وأشار على ماجد يعرفها عليه قائلاً: "ده ماجد يا فيروز، أخوكي." على ذكر كلمة "أخوكي" ضحكت عالياً تنظر على طول وعرض ماجد ثم تنظر لمحمود بشماتة كبيرة واضحة استغربها كثيراً وأثارت الذعر بقلب ماجد خصوصاً وهو يراها تتحرك سريعاً كأنها تذكرت شيئاً مهماً، واتسعت عيناه وهو يراها تجلب وشاحاً كبيراً تخفي به شعرها الرائع. لكن محمود تغاضى عن كل ذلك وقال أمراً: " يلا تعالي معانا."
فيروز بهدوء ولا كأنها سمعت شيئاً وقالت بتقزز: "اطلعوا برا." أخذ محمود نفس عالٍ ثم قال لماجد بأمر: "شيلها." اتسعت عيناها تردد: "نعم." محمود: "زي ما سمعت." عاود النظر لماجد يأمره: "يالا." اقترب منها ماجد بدقات قلب عالية وهي صرخت: "ولا يقرب مني ولا يلمسني." محمود: "في إيه يا بنت… ده أخوكي." فيروز من بين أسنانها: "قلت ماحدش يلمسني وأنا أصلاً مش هروح مع حد." تحدث محمود هو الآخر بنفس طريقتها
المتوارثة منه وقال: "كنت عارف إن الذوق مش هينفع." صرخ بماجد: "خدها للعربية." حاولت أن تصرخ وماجد يقترب يشير بيديه محاولاً تخفيف ذعرها: "أهدي أهدي." نظرت له برفض تام وهو اقترب منها يميل بظهره يضع يديه أسفل ركبتيها وأخرى خلف ظهرها وبثقل ريشة حملها تنظر له بأعين رمادية متسعة من شدة الغضب تنذره أن القادم ناااار كالجحيم….
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!