سرير معدني بعجلات يتحرك وهو ملقى فوقه لا حول له ولا قوة. والممرضات تدفع السرير يركضن به للداخل حيث أغلق الباب المكتوب عليه غرفة عمليات. وقفت بتوتر تحتضن ذراعيها تحك بهم كف يدها عله يولد بعض الدفء بجسدها البارد. تنظر على الباب المغلق بتوتر تتذكر كيف سقط بأحضانها متشبث بها كطفل يتيم وأمه. يطلب منها ألا تتركه أبداً. ظلت على حالتها لأكثر من ساعة إلى أن خرج الطبيب يزيل كمامته من على فمه يتنهد بإرهاق. اقتربت منه بخطى
بطيئة مترقبة تسأله بخفوت: "خير يا دكتور." تحدث بهدوء وعملية يقول: "خير خير... حالة تسمم واضحة جداً... أنتم لحقتوه في التوقيت الصح، لو كان اتأخر شوية كمان كان هيبقى الوضع صعب." صمت يعدل وضع نظارته الطبية وأكمل: "إحنا عملنا له غسيل معدة وهو حالياً وضعه مستقر، هو دلوقتي في غرفة الإفاقة عشر دقايق ونبدأ نفوقه." نظر عليها بترقب ثم قال: "بس دلوقتي لازم نبلغ الشرطة ونحرر محضر لأن الموضوع فيه شبهة جنائية."
اتسعت عيناها الجميلتان تفقد الطبيب تركيزه حيث جذبت انتباهه. حمحم بخشونة يحاول الرجوع لصوابه ثم قال: "أنا عن نفسي هبلغ عشان أخلي مسؤوليتي وأنتم أحرار بعد كده تكملوا أو تتنازلوا، عن إذنك." غادر سريعاً وتركها تقف مستندة على الجدار البارد خلفها. تراه وهو يخرج مع الممرضات التي تجر السرير المتحرك من إحدى الغرف تذهب به لغرفة أخرى وهو نائم تماماً. كان ممدد على فراشه غارق بعالم ثانٍ... غير هذا العالم.
يرى نفسه مسطحاً على ظهره بحديقة مزدهرة بالأعشاب والورود الحمراء ينظر للسماء الصافية وهو يبتسم ليغمض عينيه وهو يشم نسمات خفيفة عطرة تقترب منه وشعر مموج طويل يحط على صدره... فوق قلبه تحديداً. وجنة طرية منتفخة لامسة صدره يشعر بأذنها على قلبه. ابتسم لا إرادياً يغمض عينيه وبحركة كأنه معتاد عليها مد يده يغرس أصابعه بشعراتها الناعمة الكثيفة يهمهم بتلذذ واستمتاع.
عبس وجهه بضيق وهو يستشعر أصوات خلفه تناديه لعالم لا يريد العودة إليه، على الأقل حالياً. فتح عينيه ليرى لمى ووالدها أمامه ينظران له بترقب وخوف. تجعد ما بين حاجبيه ينظر حوله باستغراب يسب نفسه وكل شيء. هل كان حلماً؟! لكنه شعر برائحتها... يقسم أنه شعر بها. ألم حاد نهش بقلبه وهو يتذكر سقوطه بأحضانها، هو شبه توسل لها بألا تتركه. وبعد كل هذا، هل ضربت بكل هذا عرض الحائط؟
لم يرف لها جفن لأجله. لتذهب وتتركه هو لأحلامٍ تكون البطلة بها بينما هي لا تبالي رغم أنه طلبها صريحاً. كان والد لمى هو أول من تحدث مبتسماً: "حمد الله على سلامتك يا ابني." تحدث بصعوبة أثر المخدر وسأل: "إيه اللي حصل؟ أجابت لمى
بعدما اقتربت خطوة أخرى: "أنا اللي عايزة أسألك إيه اللي حصل، أنا طلعت أغير الفستان وأشيل الميك أب، الموضوع أخد مني وقت، لاقيت تليفون من المستشفى للفندق وبعدها الفندق كلمني يعرفني إنك هنا. بعدها كلمت ماجد بسرعة وكلمت بابا وجينا." نظر حوله بتشوش يحاول التذكر. تتعاقب على عقله الصور لمشاهد متعاقبة له وهو يجلس ينظر على غنوة وبعدها قدوم عمه، علب من العصائر المغلقة من مصنعها، عمه يعطيه علبة كي يشربها وبالفعل شربها كلها.
ثم وقوعه بأحضان تلك الفتاة إلى أن استفاق هنا. فتح الباب ليرى رجال بأجساد ضخمة تسد الباب من الخارج وقد دلف الطبيب لعنده بصعوبة بعدما تعركل بهم ينظر لهم بذهول. ثم يحول نظره على المتواجدين بالغرفة ومن بعدهم المريض، يبتسم بوقار مردداً: "لا عال عال، حمد الله على السلامة، بقينا زي الفل أهو... أنت انكتب لك عمر جديد." همهم والد لمى يحمد الله بينما سأل هارون بتعب: "هو إيه اللي حصل يا دكتور." عدل
الطبيب من وضع نظارته وقال: "حالة تسمم، وقوية جداً كمان، إحنا لحقناك على آخر لحظة." اتسعت عينا لمى ووالدها بينما هو لم يتفاجأ كثيراً وقال: "ومين الرجالة اللي برا دي؟ لمى: "دول بودي جارد ماجد جابهم من أول ما وصله الخبر. دول وصلوا هنا قبل ما هو نفسه يوصل. بيقول إنك لازم تتأمن، أنا مش فاهمة حاجة، هو فيه إيه؟ مين عايز يسممك وليه؟
أغمض هارون عينيه بتعب ورأسه غارقة في الوسادة الوثيرة من خلفه ولم يكلف نفسه حتى عناء الرد عليها. بينما ردد الطبيب: "أنا بلغت النيابة زي ما قلت لـ مرات هارون بيه." احتدمت عينا والد لمى وكذلك هي تسأل ليردد والدها: "نعم؟؟ مرات مين؟ اهتز ثبات الطبيب يعيد ضبط نظارته الطبية وقال: "كانت فيه واحدة، بنت، كانت مع هارون بيه، هي مش مراته؟! فتح عينيه بتفاجؤ ولهفة يسأل بضربات قلب تعلو وتعلو: "شكلها إيه؟
أجاب الطبيب بتوتر يخفي ابتسامته المعجبة وهو يتذكر تفاصيلها: "هي بنت كده في أول العشرين و... صمت يتذكر أكثر شيء مميز: "آه عينيها مميزة كده." سمح لدقات قلبه أن تعلو وتعلو وهو يعود برأسه للخلف يتنهد براحة كبيرة. فقد كانت هنا... لم تتركه واستجابت لطلبه. زادت وتيرة أنفاسه يتمنى... يتمنى كثيراً لو لم يكن حلماً وهو يسأل الطبيب: "فضل هنا لحد امتى يا دكتور؟ نظر له كل من لمى ووالدها بضيق، لهفته واضحة للأعمى.
أجاب الطبيب: "هو أنا ما راقبتهاش يعني، بس هي ما طولتش هنا." ابتلع ريقه بصعوبة. لقد كان حلماً... حلماً فقط. لكن ماذا عن عطرها المميز الخفيف؟ لو كان حلماً فما له أن يعرفه؟! ربما يتذكره من رائحتها التي غرق بها وهو ساقط في أحضانها يشتمها بوضوح قبلما يغيب عن وعيه؟ أخرجه من عالمه الخاص صوت والد لمى يسأل بضيق: "مين البنت دي يا هارون؟ وإيه اللي يجيبها معاك هنا؟
كان ما زال مغمض العينين ووجد نفسه يجيب كاذباً: "مش عارف يا عمي.. أنا كنت في دنيا غير الدنيا والدكتور نفسه ما عرفش هي مين." فكرت لمى قليلاً وقالت: "بيقول عيونها مميزة... يمكن غنوة؟ سألها والدها: "غنوة مين؟ لمى: "دي البنت اللي كانت مسؤولة عن تنظيم الخطوبة، لأني سبتها واقفة معاه على ما أطلع أغير الفستان، ممكن لما وقع مغمى عليه جابته على هنا وبعدها مشيت خصوصاً إني اتأخرت وأنا بغير." رفع والدها
حاجبه بضيق وعدم رضا يقول: "وهي مالها وماله؟ اندهشت لمى تقول: "كتر خيرها، كويس أنها كانت موجودة واتصرفت بسرعة المفروض نشكرها." صمتت ثم قالت: "عموماً أنا كده ولا كده كنت ناوية أتواصل معاها عشان تشتغل معايا، وهبقى أشكرها نيابة عنك يا هارون." فتح عينيه ينظر لها يردد: "إنتي لسه مصرة على الحكاية دي." لمى: "انت بنفسك شوفت هي إزاي أنقذت يوم كان عبارة عن أخطاء وكوارث، أنا شايفة إنها مكسب لأي مكان." صمت والدها لثوانٍ
ثم قال: "هنبقى نتكلم في الموضوع ده وقت تاني... خلينا في خطيبك دلوقتي." قالها منذراً كأنه يذكرها أن هارون كاد أن يُقتل للتو، يجب الاهتمام به أكثر من هذا. حمحمت بحرج واقتربت من هارون تسأله عن حاله تبدي اهتمام أكثر بعدما انتبهت بالفعل.
كانت تجلس خلف قضبان الشرفة القريبة جداً من الشارع تنظر بهيام ذلك الفرعون الأسطوري عريض المنكبين فارع الطول شديد الهيبة ذو الطلة المبهجة يقف مع أحد رجال الحي يتحدث باهتمام ووقار يُسكر العقل. تضع قبضة يدها الصغيرة مضمومة تحت ذقنها تنظر له بحالمية تبتسم دون سبب. لقد كانت على حق حين اتبعت حديث قلبها وسافرت إلى مصر. لتتقابل مع فرعونها المثير كما لقبته من أول ما رأته.
كان يتحدث بموضوع هام مع أحد رجال الحي ولا يعرف لما يشعر أن هناك زوج من العيون تراقبه. حانت التفاته جانبية منه حيث شعر بمصدر النظرات. لترتبك عيناه وملامحه كلها، تهتز تفاحة آدم خاصته وهو يرى نظراتها المسلطة عليه بتركيز شديد يفوح منه الفخر والزهو وأيضاً الاعتزاز. بلا أي تحكم يجد نفسه يبتسم ابتسامة جميلة لأول مرة يبتسمها في حياته وهو نفسه لا يعرف أنه فعل.
رمش بعينيه وهو يرى من بعيد تقدم غنوة وقد تأخرت كثيراً عن موعد رجوعها من عملها. التف بكامل جسده بعدما غادر محدثه وبقي هو واقفاً بقلق ينتظرها حتى اقتربت منه فناداها: "غنوة." توقفت تنظر له بتعب شديد وبال مشغول فاقترب منها يسأل: "إيه اللي آخرك كده؟ تنهدت بتعب وقالت: "ده كان يوم ولا كأنه فيلم هندي، كله عك في الشغل وختمت بجريمة قتل، كويس إني عرفت أخلع أصلاً." كانت ما زالت على وضعها تجلس في الشرفة تراه وقد انصرف بنظره عنها.
ألم بسيط غزى قلبها وهي تلاحظ نظراته لغنوة. نظرة معروفة ومحددة الهوية للأعمى، حزنت كثيراً لذلك وتمنت أن ما شعرت به غير صحيح. لكن نظرات حسن كانت موزعة ما بين غنوة الواقفة معه وتلك التي تجلس خلف قضبان شرفتها كالساحرة الصغيرة تنظر عليهم. يشعر بارتباك وتشتت غير مفسر أو معلوم سببه. لكنه سأل غنوة: "عملتي إيه مع أختك؟ اتجهت عيناها حيث منزلها تراها تجلس في الشرفة مثلما تجلس هي دوماً.
رغماً عنها ابتسمت، رغم بغضها لوالدتها والتي هي الشخص المشترك بينهما. لكن بتلك الفتاة سر، أم أن السر بصلة القرابة أو كلمة أخت التي زلزلت كيانها. أم حضنها وعاطفتها التي غرقت بهم أول ما احتضنتها لها؟ تتذكر أنها لم تتحدث معها بأي شيء فقط نظفت لها غرفتها وطلبت منها أن ترتاح اليوم من مجهود السفر وللحديث بقية. وفي الصباح خرجت سريعاً وتركتها غافية بعدما فتحت باب غرفتها بهدوء، أرادت الاطمئنان عليها قبلما تغادر.
وجدت نفسها تبتسم لها ابتسامة كبيرة حانية والأخرى تنظر لها مبتسمة أيضاً. عاودت النظر لحسن تقول: "لسه هنتكلم." أخذ نفس عميق يتحدث مستغرباً: "بس أنا مصدوم إزاي ليكي أخت." صمت يحمحم بارتباك وردد بحرج: "وليه موقفك الغريب ده من والدتك؟! على ذكر تلك السيرة تشنجت ملامحها وترتجف جسدها تنظر لها نظرة حانقة وقالت باقتضاب: "حسن لو سمحت أنا ما بحبش أتكلم في القصة دي ولا أفتحها من قريب أو من بعيد." استغرب ردة فعلها كثيراً،
لكنه هز رأسه بإذعان وقال: "تمام تمام." تحركت تقول باقتضاب: "عن إذنك." لم تترك له فرصة كي يسألها عن ما حدث وكيف انتهت القصة التي تحدثت عنها وجريمة القتل تلك. بل سارت بتعب تحت أنظاره تقترب من بيتها تتسع ابتسامتها أكثر وهي تنظر تجاه نغم التي تنظر لها هي الأخرى بحنان. فتحت الباب تراها واقفة تبتسم لها مرددة: "حمد الله على السلامة." ابتسمت هي الأخرى تقول: "الله يسلمك، نمتي كويس." نغم براحة: "جداً."
ما زالت الابتسامة تملأ وجهها وهي تتقدم منها تلقي حقيبتها على الأريكة وترتمي على الأخرى. تمد يدها لها قائلة: "تعالي اقعدي نتكلم." اقتربت نغم تجلس بجانبها، تنظر لها مبتسمة تتأملها بهدوء ثم قالت: "طلعتي شبهي." ضحكت غنوة وقالت: "إنتي اللي شبهه، أنا أكبر منك." نغم: "هما سنتين بس." باغتها غنوة بسؤال ملح: "جيتي ليه يا نغم؟ تلاشت ابتسامة نغم مبتعدة عن المرح أو الشقاوة،
بل تحدثت بجدية تقول: "كذا حاجة، وكلهم مهمين، انتي أولهم." جعدت غنوة ما بين حاجبيها تنظر لها مستفهمة، فجاوبت نغم دون سؤال آخر: "انتي كنتي آخر أمل ليا." لا تعلم لما عصف الألم بقلبها على تلك الفتاة، يبدو وكأنها كانت تتألم دون كلام. كأن الحديث لم يجدي أو يفهم، لو تحدثت مع من حولها لن يفهمها. هذا ما شعرت به غنوة من مجرد نظرة الألم بأعين تلك التي عرفت منذ ساعات أنها شقيقتها.
تنهدت نغم واعتدلت بجلستها تعود برأسها للخلف تستند على ظهر الأريكة المبطن وقالت وهى شاردة بالسقف القديم: "انتي كنتي آخر أمل ليا يا غنوة." التفت بعنقها وهى ما زالت متكئة برأسها للخلف تنظر لشقيقتها وقالت: "صعب أوي لما تبقى كل حياتك عايشة وسط ناس مفيش فيهم ولا حد فهمك، حتى مش بيحاولوا، الأصعب بقى إنهم شايفين إنه إيه التفاهة دي، انتي متخيلة؟! أخذت نفس
عميق تغمض عينيها وهى تقول: "من أول ما عرفت إن ليا أخت، مصرية، وكمان أكبر مني حسيت براحة، وإنه فيه أمل... أنا كنت محتاجاكي." صمتت تنظر لها بعمق: "وطلعتي انتي كمان محتاجاني." نظرت لها غنوة تكابر مرددة: "أنا؟! اكتفت نغم بإيماءة بسيطة ترد بثقة: "أيوه انتي... انتي ما شفتيش شكلك كان عامل إزاي وأنا بجري عليكي أحضنك، كأنك ممتنة، محتاجة الحضن ده، اتفاجئتي بيه واكتشفتي إنك محتاجاه، حمدتي ربنا إن ليكي حد."
اتسعت عينا غنوة بصدمة، هذه نغم وكأنها طبيبة نفسية أم لديها قرون استشعار، لقد عرتها تقريباً، قالت كل ما شعرت هي به تلك اللحظة. ابتسمت لها نغم وأكملت: "أنا كمان محتاجاكي زي ما انتي محتاجاني، مع إني ما أعرفش لسه عنك حاجة بس حاسة فينا كتير من بعض." ابتسمت غنوة تهز رأسها ثم قالت: "أنا كمان." رفعت نغم قدميها من على الأرض تجلس القرفصاء على الأريكة بعدما التفت بكل جسدها
تنظر لغنوة مرددة بحماس: "طب قولي بقا يا ستي، احكيلي كل حاجة عن نفسك وعن شغلك كله كله." على ذكر سيرة العمل ارتفع رنين الهاتف باتصال من رقم غريب. جعدت ما بين حاجبيها مستغربة ثم فتحت المكالمة ليأتيها صوت مألوف بعض الشيء فقالت: "ألو." كان الرد من صوت أنثوي يقول: "ألو." غنوة: "مين معايا؟ يرد عليها الصوت الأنثوي يقول: "أنا لمى... لمى صفوت... خطيبة هارون الصواف اللي كانت خطوبته النهارده." غنوة: "آه آه أهلاً وسهلاً بحضرتك."
لمى: "أهلاً بيكي... أنا جبت رقمك من الفندق، حبيت أولاً أشكرك إنك اتصرفتي بسرعة مع هارون ونقلتيه للمستشفى. وثانياً حبيت أسيب معاكي رقمي وكمان أديكي عنوان الشركة لأني بصراحة بجدد عرضي ليكي بالشغل معايا وأعرفك إنه أنا مستنياكي بكرة وده مش إنترفيو انتي هتستلمي الشغل على طول." اتسعت عينا غنوة تبدو أكثر جمالاً وقالت بعدما ضحكت بخفة: "لأ يعني... هو ده بجد... ده انتي واخدة القرار بالنيابة عني."
ضحكت لمى تقول مازحة: "أيوه وببلغك بس." ضحكت مجدداً تخبرها أنها تمزح فقط ثم تحدثت بجدية من جديد: "هو بصراحة أنا بقدس الشغل والناس اللي بتقدم شغل كويس خصوصاً لما تكون حاجة ليها علاقة بيها، شغل التنظيم مش حد مدخل بيانات ولا كول سنتر أو حتى آر إتش لأ، ده حاجة ليها علاقة بتعاملاتي أنا اليومية يعني التيم بتاعي أنا وده بيخليني بنقيهم على الفرازة زي ما بيقولوا عشان كده أنا هاخدك معايا بأي شرط وبأي مرتب."
لم تسمح لها بالتفكير طويلاً تقول بسرعة: "معادنا بكرة الساعة عشرة في مقر الشركة هبعتلك اللوكيشن على واتساب للرقم ده... اتفقنا؟ صمتت غنوة ثم قالت بتردد: "اتفقنا." لمى: "سلام." غنوة: "سلام." أغلقت الهاتف تنظر له بشرود بينما سألتها نغم: "فيه إيه؟ نظرت لها غنوة بصمت ثم قالت: "ده عرض شغل جديد." نغم: "عرض حلو يعني؟ غنوة: "مش عارفة." نغم: "طب احكيلي الأول عنه وعن صاحبته وبعدها نشوف."
بالفعل نظرت لها غنوة تحكي لها كيف تعرفت على تلك الفتاة وما عرضته عليها. المرة دي قريبة أوي، لما توصل لتسمم يوم خطوبتك ده معناه حاجة واحدة بس. كان هذا صوت ماجد الذي يجلس على أحد الكراسي أمام هارون المتسطح على فراشه. ليجيب هارون بعينين باردتين: "إن اللي بيعمل كده حد قريب مني، قريب أوي." أغمض عينيه بتعب يقول: "ومش بعيد يكون من دمي." زوى ماجد ما بين حاجبيه يقول مستغرباً: "قصدك مين؟ شكلك بتتكلم عن حد معين."
هارون: "أنا تقريباً طول اليوم ما أكلتش، واللي شربته في القاعة كان نبيذ، بعدها علبة عصير جبهالي كاظم." اتسعت عينا ماجد بصدمة وهو يسمع هارون يكمل: "السم كان شديد المفعول لولا النبيذ اللي كنت شاربه أنقذ الموقف شوية، ده عايز يقتلني ومش صابر حتى عايز يخلص بسرعة." دار ماجد حول نفسه بغضب ثم توقف أمام هارون وقال: "و هتعمل إيه يا صاحبي؟ هارون: "هعمل إيه؟ أسجن عمي؟ ونتفضح في السوق كله؟
بالفعل هذا كل ما كان يشغله، فلو أقدم عمه على قتله بكل تأكيد شخص كهذا لن يفضله على نفسه هو بالأخير بشر. لكن ماجد كان مستغرباً بعض الشيء وسأل: "يعني مشكلتك الفضايح في السوق مش إنك مش عايز تسجن عمك وتبهدله؟! نظر له هارون يردد بقوة: "انت عارف مبدئي في حياتي يا ماجد، 'اللي أنا أهون عليه هو عليا أهون'." بالفعل كان هذا مبدأ حياة لدى هارون وسار عليه كثيراً وقد عاشر ماجد ذلك فهم أصحاب من الثانوية.
هارون لا يبقى على شخص حاول أذيته، ولا يشفع لمن أقدم على ذلك أي شيء لا عشرة ولا قرابة ولا أي موقف حلو بينهما. جلس ماجد على الكرسي مجدداً ثم قال: "على العموم أنا طلبت حراسة تأمن المستشفى لحد ما نشوف إيه اللي هيحصل، وهما من امبارح مالين المكان." هز هارون رأسه مؤيداً ليصمت ماجد هو الآخر يعود برأسه للخلف بتعب. نظر له هارون وسأل: "مالك؟ صمت ماجد ولم يجب فسأله هارون: "انت لسه أبوك مانع تعمل شغل خاص بيك؟ هز ماجد رأسه إيجاباً
ليسأل هارون من جديد: "يا سيدي خلاص سيبك، ما كل ده هيبقى ليك لوحدك.. انت الوارث الوحيد لعيلة الدهبي." نظر له ماجد ولم يعلق إنما صمت بعدما تنهد بتعب وقال بإيجاز: "أنا ماشي.. هجيلك الصبح." أوقفه هارون يقول: "استنى استنى، لا صبح ولا ضهر انت تروح تخليهم يكتبولي على خروج أنا مش بتاع مستشفيات." ماجد برفض تام: "لازم تقعد هنا عشان يتابعوا حالة قلبك دي حاجة ما فيهاش هزار."
هارون بضيق: "ماجد، خلصنا.. علمت رسم قلب من شوية وكله تمام، انت عارف أنا أكره ما عليا نومة المستشفيات، هتخلص انت إجراءات الخروج ولا أقوم أنا، أنا مش عويل هعرف أتصرف." ماجد: "خلاص خلاص هروح أخلص." بالفعل بعد بعض الإجراءات ورغم رفض الطبيب، لكنه بالفعل خرج وذهب لبيته يفكر بذلك الحلم الجميل.
عاد ماجد بعدما أوصل هارون ودخل لبيته حيث قصر كبير أوله بوابة إلكترونية ضخمة تفتح له أبوابها لترى من خلفها حديقة واسعة بها طريق طويل بأخره الباب الداخلي للبيت. الذي ما إن يفتح حتى تتقابل مع مجموعة رائعة من التحف. دائماً ما بغضها وبغض رؤيتها. بعدها تجد نفسك أمام مائدة طويلة عليها أصناف معدة بمنتهى الجودة لأفراد عائلة الدهبي. الجد مصطفى الدهبي وابنه محمود والد ماجد وفريال هانم والدته وزوجة محمود.
كان ثلاثتهم بانتظاره على ما يبدو لتناول العشاء فتقدم يلقي السلام: "السلام عليكم." التف له مصطفى يقول بحب: "حمد الله على السلامة يا حبيبي... تعالى إحنا مستنينك." جلس على مقعده المعروف وسطهم يرد على الجد: "الله يسلمك يا جدي." تحدث محمود بعتاب وقال: "مش كنت تقول لي إنك هتلغي اجتماع النهاردة يا ماجد بدل ما أتفاجئ أنا." زم شفتيه بحرج ثم قال: "اعذرني النهاردة كان خطوبة هارون ونسيت خالص."
تدخلت والدته تسأل بحدة: "ولما هو كده ما أخدتش مراتك معاك ليه ماهي قاعدة هنا طول اليوم بدل ما تروح لوحدك والكل عارف إنك متجوز." ضحك بسخرية يشوبها الألم، متزوج؟! نظر لها نظرة عتاب واتهام وهي ابتلعت ريقها بصعوبة ارتباك تعلم أنه غير مرتاح وغير راضي. لكنها ضغطت عليه كثيراً، كانت تريد لهذه الزيجة أن تتم بأي شكل وبأي صورة.. كي يعزز ابنها وضعه بالسوق والعائلة وبالتالي يقوي موقفها هي الأخرى وسط عائلة الدهبي وهي أم الوارث.
وهو فعل.. استمع لحديثها وفعل، ليندم يومياً وهو يحيا وحده تلك العيشة البائسة. نظر على والده وجده ووالدته غير راضين تماماً يعلمون جيداً أنه غير مرتاح. الأمر لا يحتاج صلة دم أو قرابة كي يشعروا به فقط هو واضح للأعمى. ابنهم غير مرتاح وغير متوافق في زيجته تلك، هم أنفسهم غير مرتاحين لتلك الفتاة. طباعها غير طباعهم بالمرة، ولم تكلف نفسها حتى عناء التطبع بطباعهم. أخذ
نفس عميق ثم جاوب والدته: "قولتلها وهي ما حبتش تروح، أغصب عليها مثلاً؟ صمتت فريال ولم تتحدث رغم الحدة الظاهرة بعينيها. نظروا جميعهم على درج السلم حيث تهبط الدرج زوجة وحيدهم صاحبة الثلاثين عاماً تصغر زوجها بثلاث سنوات. إنها "ندى الأباصيري" ابنة وزير الصناعة والتجارة بالطبع الاسم وحده كافٍ لإتمام أي زيجة وغض الطرف عن أي شيء حتى لو لم تكن صاحبة جمال عالٍ ولا حتى متوسط، لكن المال يتكلم.
له لغة خاصة، فجمال الملابس والإنفاق على عمليات التجميل صنعت جسداً خرافياً منحوتاً بدقة بوجه يصرخ من كثرة الشد والنفخ. تتحرك بزهو تجلس بجوار زوجها دون السؤال حتى عن حاله ملقية السلام على الجميع تنظر لفريال وتبتسم ومحمود يهز رأسه بسخط فهي نسخة من فريال ولا يريد لابنه أن يصبح نسخة منه أيضاً. صباح يوم جديد. وقفت تنهي ارتداء ثيابها تحت نظرات نغم التي قالت: "حلو أوي الحجاب الأبيض عليكي.. طالعة زي الملاك." ابتسمت
لها غنوة في المرآة وقالت: "طب ما أنا ملاك هو أنا في زيي." رفعت نغم إحدى حاجبيها وقالت: "التواضع اتخلق عشانك." ضحكت غنوة ثم ابتعدت خطوة تنظر على هيئتها كلها من بنطالها الأبيض يعلوه جاكت من الجوخ باللون السماوي مع حجاب أبيض كالحليب وشنطة ظهر مناسبة. ألقت لنغم قبلة في الهواء ثم غادرت سريعاً. خرجت من البيت تنظر لساعة يدها
قبلما تصدم بحسن الذي قال: "على الصبح كده من أولها ماشية تخبطي في خلق الله، أمال على آخر اليوم هتعملي إيه؟ ابتسمت تقول بود: "صباح الخير يا حسن، ما علش أصلي متأخرة ولسه هروح للشيخ زايد يعني حوار." هز رأسه وابتسم يقول: "حلو.. أنا كنت رايح هناك بردو لناس صحابي، تعالي أخُدك في طريقي بدل المواصلات." وهل سترفض؟ يعني توصيلة مريحة ومع حسن وحدهم... بالتأكيد وافقت.
وصل صباحاً لمقر الشركة لدى لمى، يسأل نفسه منذ متى وهو يأتي مبكراً ولما خرج بثاني يوم من مغادرته المشفى. أم لأنه عرف بقدومها اليوم للعمل؟ وقف في شرفة مكتب لمى يحتسي قهوته إلى أن تنتهي من بعض الأعمال في المخزن. دقق النظر بعينيه يتأكد وهو يرى صاحبة العيون الآسرة تترجل من سيارة أحدهم، بل وترجل هو الآخر. احتدت عيناه يضع فنجانه بجانبه دون النظر أن كان وضعه صحيحاً أم وقع وسُكب ما به.
كل اهتمامه بتسليط النظر على ذلك الشاب مفتول العضلات ضخم الجثة الذي ترجل يمزحها وهي تبتسم له بمرح تجيب عليه ثم تبتعد وهي تلوح له تبدو السعادة بوضوح على محياها. تشنج فكه وأنفه تهتز لا إرادياً من شدة الغضب غير المبرر. يتابع كل منهما يوزع نظراته بينها وبين ذلك الوسيم. ثم تحرك خارج مكتب لمى ووجهه لا يبشر بالخير أبداً.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!