كانت تقف في ميعادها على المضبوط، تهندم معطفها البمبي المصنوع من قماش الجوخ على بنطال من الجلد الأسود بحذاء أسود لامع تدخل نهاية بنطالها به. أحكمت لف حجابها الأسود ولم تنس الشئ الأساسي المميز بها، كحل عينيها. خرجت من غرفتها وذهبت لغرفة شقيقتها، فتحت الباب بهدوء، وكما توقعت وجدتها غارقة في النوم الذي تتهرب فيه من أي شيء دومًا. أغلقت الباب عليها ثانية ثم خرجت تتناول حقيبة يدها، تهم كي تفتح باب الشقة كي تغادر لعملها.
لكنها توقفت مستغربة وهي ترى أشجان تقف أمامها مرتدية عباءة سوداء وبيدها حقيبة سفر صغيرة. زوت مابين حاجبيها تسأل: "إيه ده؟ أنتي مسافرة؟ زمت شفتيها بيأس تقول: "حصلت حالة وفاة عند أهل أمي في الصعيد ولازم أروح." فتحت غنوة شفتيها بصدمة تردد: "يااه الصعيد، ده بعيد أوي." رددت أشجان بقله حيلة: "هعمل إيه بقى ظروف، المهم تخلي بالك من نفسك لحد ما أرجع، فاهمة." هزت غنوة رأسها تردد: "ماشي، هاجي معاكي أوصلك." رفضت أشجان بحزم تقول:
"لأ، روحي انتي على شغلك عشان ما تتأخريش وأنا هتكل على الله، محطة مصر قريبة." غنوة باعتراض: "بس... قاطعتها أشجان بإصرار: "مابسش، يلا ربنا معاكي." بالفعل خرجت كل منهما، اتجهت أشجان لمحطة القطار، بينما غنوة اتجهت أولاً لذلك المكان الذي كانت تعمل به فيروز تسأل عن أي معلومة عنها، وهل أتت؟ لكن أحبطت كل محاولاتها، فقد أخبروها أنها منذ فترة لم تأتِ ولا أحد لديه أي معلومة عنها.
وهي تعلم، فيروز ليست تلك الشخصية التي تنخرط مع الجميع وتكون صداقات قوية، دائمًا وطوال كل السنوات التي عرفتها بها كانت القريبة البعيدة. كانت قريبة فهي موجودة في حياتها بشكل كبير، كل فترة يتقابلان، تجلس كل منهما تخبر الأخرى أنها حزينة وأن الحياة ليست عادلة بما يكفي. عندما تشعر بانقباض في صدرها كانت هي أول من تفكر فيها للحديث معها والعكس.
لكنها البعيدة أيضًا، فهي لم تكن تحكي عنها الكثير، فقط أطراف المواضيع. مثل تعب والدتها ثم والدها وإعجابها بشاب اسمه عمر. كانت غنوة دائمًا تراها هكذا، وعلى ما يبدو أنه الآن. الآن فقط شعرت أنها لا تفرق كثيرًا عن فيروز. هي أيضًا بالنسبة للجميع القريبة البعيدة، حتى شقيقتها التي ظهرت لها من العدم. هي كذلك معها، تجلس وتحكي، تقص هوامش المواضيع، بينما نغم عفوية وما بقلبه تقوله سريعًا. زمت شفتيها بيأس وعجز، كيف تتصرف؟
ومن هذان الرجلان اللذان أتيا وأخذاها معهما؟ وكيف يقولان إنهما والدها وشقيقها وقد مات العم شعبان كما قال ذلك الرجل؟ بالتأكيد فيروز الآن في ورطة كبيرة وتحتاج لمساعدة. ربما كانت مخطوفة أو تم الاتجار بها. تدعو وتبتهل ألا يكن حدثها صحيح. نظرت في ساعة يدها، وجدت أن الوقت تأخر كثيرًا. يجب أن تذهب لعملها، ويجب عليها التفكير أيضًا كيف ومن سيوصلها لتلك المسكينة فيروز.
وصلت لعملها، تترجل من سيارة الأجرة، تخرج النقود من حقيبتها، تعطيها للسائق ثم تسير عدة خطوات وهي تحاول غلق حقيبة يدها، لا ترى أمامها ولم تلاحظ أحد. شهقت وهي تجد يد تقبض على يدها تسحبها دون سلام أو كلام. بالطبع عرفته، تعرفه من بين ألف رجل. ظل يقودها دون التفوه بحرف، يتجه ناحية سيارته، يفتح لها الباب، يطلب بأمر دون التحدث أن تصعد. لم تجادل، خصوصًا بحالته تلك مع احمرار عينيه. هل شعرت بالقلق عليه؟
حالته كانت مذرية لدرجة كبيرة، ملابسه ليست بتلك الهندمة والترتيب اللذان تعودت على أن تراه بهما. استدار حول السيارة، يصعد هو الآخر بمكانه خلف عجلة القيادة، يبدو كمن خرج من حرب طاحنة للتو. وتحدث بطريقة فيها من الثبات والحزم ما يكفي: "إحنا هنتجوز النهارده." اتسعت عيناها الجميلتان وفتحت فمها، ماذا يقول هو؟ على ما يبدو أنه فقط يخبرها. رمشت بعينيها تحاول فقط الاستيعاب، وهو ينظر لها بترقب ينتظر أي شيء إلا الرفض. هزت
رأسها باستنكار تردد بجنون: "أنت بتقول إيه؟ بدأ غضب طفيف ينمو بداخله وهو يسألها مستنكرًا جدًا: "إيه؟ مش موافقة ولا إيه؟ أخذت نفسًا عميقًا ثم قالت: "هارون ماينفعش كده، إحنا مش عيال صغيرة، الجواز ده حاجة كبيرة أوي وأنا لسه عارفاك ماكملتش أسبوعين، إزاي أتجوزك بس، ده غير إنك راجل خاطب، مش متخيلة اللي انت بتقوله بجد." أطبق جفنيه بقوة ثم فتحهما ينظر لها يستجديها قائلًا:
"غنوة أنا بجد محتاجك في حياتي أوي، قولتلك قبل كده أنا من وقت ما شوفتك وأنا مش بلاقي الراحة إلا وإنتي معايا، أنا محتاج أقرب منك بطريقة أكبر، نفسي أنام في حضنك وأحكيلك على كل اللي بيحصل معايا، أنا متدمر من كل ناحية." مد يده يتناول كف يدها وبعيون لامعة لرجل يقسم ألا يرى أي شخص ضعفه قال: "إنتي الشخص الوحيد اللي بيطيب روحي، أنا في صراع مع شخص أنا نفسي مش عارفه ولا عارف بيعمل كده ليه؟
سحبت يدها من يده، زمّت شفتيها بتوتر، زوى مابين حاجبيه وهو يرى تلبكها متأكدًا من كونها تريد قول شيء وتمنعه بالقوة فسأل: "في إيه يا غنوة؟ اهتزت شفتيها تحاول التحدث بصعوبة، حسمت أمرها وقالت: "بس بيتهيألي أنا عرفت مين بيحاول يعمل فيك كده." استوحش عيناه ينظر لها بوجه كله غل يسأل: "نعم؟ إزاي يعني؟
ابتلعت رمقها بصعوبة وبتردد كبير تحت نظراته التي تلتقط كل حركة ورد فعل منها، دست يدها في حقيبتها، تخرج هاتفها، تسمعه حديث مختار مع ابنته، فقد كانت سريعة البديهة حاضرة الذهن وقامت بتسجيل كل شيء.
كان يصك أسنانه وهو يستمع لحديث مختار القذر عنه، يتأكد بما لا يحمل مجال للشك أنه من يحاول قتله، خصوصًا بعدما تأكد أيضًا أن عمه كاظم لم يكن هو من يفعل كل ذلك. ندم كبير غزى عروقه، أيضًا غل وغضب يتراقصان بعينيه. فرد قدماه وتمدد بظهره بوضع أكثر راحة من شدة تعبه، يريح رأسه على ظهر مقعده، يغمض عينيه وهو يردد بصوت باكي: "شوفتي اللي أنا فيه، وبتقولي عايز تتجوزني ليه؟
أشفقت عليه كثيرًا، سمحت لنفسها تمد يدها تربط على صدره تهدهده قليلًا بإشفاق شديد. ابتسم من بين ملامحه وجهه العابث المثقل بالهموم ومال برأسه يمرره على كف يدها التي تربط عليه. قشعريرة لذيذة بشعور جميل غزت جسد كل منهما كأنها ماس كهربائي واصل بينهما. تحدث وهو ما زال يمرر وجنته على جلد يدها قائلًا بصوت مبحوح من فرط مشاعره بتلك اللحظة الخطرة: "لازم نتجوز يا غنوة، والنهارده، لأ دلوقتي."
أنهى حديثه وهو يميل بشفتيه يطبع قبلة على جلد يدها، فانتفضت كالصاعقة، فقد تسارعت أنفاسها. قبلته على يدها زلزلت بها شيئًا ما، حديثه عن زواجه منها بالأساس وحده يهز جبال لمجرد التخيل فقط. لكنها أبعدت يدها وأشاحت بوجهها صامتة، فاعتدل بجلسته ينظر لها باهتمام مرددًا بحيرة: "مالك بس؟ زمت شفتيها بحرج ثم بصعوبة وارتباك أخبرته: "أي اتنين بيتجوزوا لازم يكون بيحبوا بعض، أو على الأقل بينهم حاجة."
ابتسم بألم يغمض عينيه بحنان كبير خالٍ حقًا من التلاعب يقول لها: "طب ما أنا بحبك يا غنوة حياتي." نظرت له بصدمة واستغراب، ابتلعت رمقها مجددًا بصعوبة ثم قالت: "إز... إزاي؟ إحنا ماكملناش أسبوعين عارفين بعض." أخذ نفسًا ساخنًا يمد يده يتحسس كف يدها وينظر في عينيها مرددًا: "أسبوعين إيه بس يا غنوتي، أنا بحبك من أول يوم شوفتك فيه، فاكرة." حرر إحدى كفيها بكفه التي رفعها يلامس جلد وجنتها مرددًا بوله مسحور بجمالها حقًا:
"لما الصدفة أخدتني للباركينج بتاع المول وسمعت صوت حد بيعيط، لفيت أشوف فيه إيه، ولقيت بنت لابسة فستان جميل، أنا حتى لسه فاكر الفستان ده كان أسود في أبيض، كنتي قاعدة بيه على الأرض وبتعيطي، ولما كلمتك ورفعتي وشك ليا شوفت أحلى عيون اتخلقت في الدنيا كلها، يومها كنت بحاول أطول معاكي في الكلام على قد ما أقدر بس انتي كنتي عايزة تخلصي كلامك معايا وتمشي وأنا بتمنى الزمن يقف أصلًا." ابتسم ينظر لعيناها الجميلتين وهو يكمل:
"حاولت أكون عادي وأشوف اللي ورايا بس لقيتني بدور عليكي زي الأهبل وسط المكان بس للأسف كنتي اختفيتي." ضحك بسخرية يقول: "لحد ما لقيتك انتي اللي جاية تنظمي خطوبتي، ههه، شوفتي سخرية القدر." تلاشت ضحكته وهو يرى تحول ملامح وجهها تردد: "اديك قولت بنفسك، انت خاطب واحدة تانية." أغمض عينيه بتعب ثم قال:
"خطوبتي دي كلها مصالح وورق وعقود واعتقد إنها كمان عارفة كده والدليل الكلام اللي لسه سامعهولى دلوقتي، وعشان أكون صريح معاكي أنا لسه مش هلغي خطوبتي منها دلوقتي، اللعب مع مختار عايز تكتيك تاني." اتسعت عيناها لما تسمعه، عض جانب فمه من الداخل وأكمل: "عشان كده إحنا هنتجوز عرفي عند محامي." بغضب كبير أزاحت يده التي كانت ما تزال تلمس بحرارة على وجهها تناظره بأعين تطلق الرصاص. أخذ نفسًا عميقًا ثم قال بتروي:
"مؤقتًا لحد ما أخلص كل الأبواب المفتوحة عليا دي، أنا بيني وبين مختار شغل بمليارات تقريبًا، كل شغلي وانتي سمعتي بنفسك إنه زي ما أنا ماسك عليه ورق هو كمان ماسك عليا، وواضح إن كمان ده مش عاجبه وبيخطط عشان ياخد كل حاجة." أشاحت بوجهها بعيدًا عنه، فوضع يده على كتفها يستجديها أن توافق يلح عليها مرددًا: "وافقي والله ومش هتندمي، أنا مستحيل أذيكي، ده انتي روحي وحبيبتي." زلزلت الكلمة شيئًا ما بها، فالتفت
بوجهها تنظر له بلهفة تسأل: "حبيبتك؟ ابتسم لها ابتسامة حلوة يردد بصدق شديد: "أيوه، إنتي حبيبتي يا غنوة." لم ينتظر كلمة منها، وإنما اعتدل، تتسع عيناها باستغراب وهي تسمعه يشعل مقود السيارة يتحرك بها فسألت بقلق: "انت رايح فين؟ ابتسم لها بعبث وفرحة تملأ وجهه ولم يجيب، إنما رفع هاتفه يحادث أحدهم تسمعه وهو يقول: "أيوه يا ماجد، تعالالي عند المحامي بتاعي دلوقتي ومعاك بطاقتك وشوفلي واحد كمان معاك."
اتسعت عيناها بصدمة، فهو يأخذ حتى القرار بدلاً عنها، تسمعه وهو يقهقه عاليًا يقول لصديقه: "أيوه يا واطي، يلا مستنيك ماتتأخرش." أغلق الهاتف ينظر لها مبتسمًا يردد بسعادة كبيرة: "أنا مبسوط أوي أوي يا حبيبتي، إنتي مش متخيلة." هزت رأسها باستنكار شديد تسأل: "هارون؟! انت بتعمل إيه؟ جذب كف يدها يقبله وهو يقود ثم قال بكل ثقة وتأكيد: "بعمل الصح ياروح هارون، حياتك بقت حياتي ولازم آخدلك كل قراراتك، إنتي كل حاجة فيكي هي أنا."
نظرت له بجنون تردد: "أيوه بس أنا ما وافقتش لسه." هارون: "هتوافقي يا حبيبتي، هتوافقي." صمتت تنظر له بمشاعر غير محددة الهوية، إلى أن وصلا لعند المحامي، وجدت شخصًا ينتظره عند الباب بسيارته، فقال لها: "ده ماجد صاحبي، لازم أعرفك عليه، يلا بينا انزلي." أوقفته من يده تنظر له مطولاً ثم قالت: "أيوه بس أنا ليا شروط." هارون بلهفة:
"من غير ما تقوليلي يا حبيبتي، النهارده هيتفتح حساب باسمك في البنك وفيه مليون جنيه باسمك، اعتبريه مهرك وكل اللي تؤمري بيه هيحصل، بس أبوس إيدك يالا بينا بسرعة عايزك مراتي دلوقتي." نظرت له بصمت تقول: "اوعدني الأول إنك هتنفذ كل اللي هطلبه." من شدة استعجاله قال: "أوعدك يالا بقى يا حبيبتي، معاكي بطاقتك؟
أومأت رأسها إيجابًا، فترجل من سيارته بلهفة مجنونة والتف حول سيارته يفتح لها باب سيارته ثم يصعد لعند المحامي هو وماجد ورجل آخر حضر كشاهد. بغضمة عين انتهى كل شيء ووقعت على عقد الزواج. وقف من مكانه يضمها له بلهفة مرددًا: "مبروك يا حبيبتي." ابتسمت بتشوش تقول: "الله يبارك فيك بس... قاطعهم ماجد وهو يقف بينهم مرددًا بسماجة: "ألف ألف مبروك، والله فرحتلك يا صاحبي، وشك منور وكأنك أول مرة تتجوز." اتسعت عيناها بصدمة،
فلكزه هارون حتى تأوه يردد: "آه... إيه في إيه." أنذره هارون بعينيه فحمحم مرتبكًا يحاول إصلاح ما قاله يردد لغنوة: "اصل تأثيرك ساحر، أنا شهدت على جوازه كتير عمره ما كان فرح... آآآآآآه." كانت عيناها على غنوة تتسع بصدمة أكبر وقد ضرب هارون ماجد بقدمه، فهو لا يصلح ما قاله بل يزيده سوءًا. حمحم ماجد وقال: "أنا بس كنت عايز أقول.... سلام عليكم."
تركهم وغادر سريعًا بدلًا من زيادة الأمر سوءًا أكثر وأكثر. غادر ماجد ونظرت غنوة لهارون باتهام واضح، فقال مبتسمًا: "هو ماجد كده دائمًا، هزارة تقيل وبايخ." كانت صامتة تمامًا، لا تستطيع تصديقه بكل تأكيد. اقترب منها يحتضنها، شعر بارتجاف جسدها تحت يديه فابتسم يرفع وجهها بأنامله مقابل وجهها وردد ببالغ الحنان والاحتواء بصوت مبحوح: "إيه يا حبيبتي بتترعشي كده ليه، أنا بقيت جوزك خلاص."
ابتلعت رمقها بصعوبة ولم تتحدث، إنما أخفضت وجهها تنظر أرضًا تشعر بالتورط، إنها قد ورطت نفسها بشيء مشين مع رجل على ما يبدو خبرة بما يفعله ومعتاد عليه. حاول احتضانها واعتصارها داخل صدره يردد: "يالا بينا." انتفضت تبعده عنها مرددة: "على فين؟ ابتسم لها يردد بلهفة شوق شديد: "على بيتنا يا حبيبتي." هوى قلبها بين قدميها، ترى أنها قد تذهب في طريق اللاشيء، لقد تزوجته عرفيًا فقط، كيف بغمضة عين تنتقل للعيش معه. شحب وجهها وهي تردد:
"بيتنا إزاي يعني؟ مسح على كتفيها صعودًا وهبوطًا بكفيه يردد: "هو إيه اللي بيتنا إزاي يا حبيبتي، إنتي خلاص بقيتي مراتي ولازم تيجي معايا دلوقتي." بخوف شديد ونفس متهدج قالت: "إيه اللي خلاه لازم يعمي؟! ده جواز عرفي يا هارون." ابتسم لها يقول بتفهم: "ماهو بكرة العرفي يقلب رسمي لما أخلص حكايتي مع مختار، ولحد الوقت ده أنا عايزك معايا وجنبي، في حضنك بالظبط." ابتعدت عنه مرتعدة تحاول تنظيم تنفسها، تهز رأسها بخوف وهلع وقالت:
"لأ لأ مش هقدر، مش هقدر." اتسعت عيناه بغضب يردد: "هو إيه اللي مش هينفع يا غنوة، أنا هنام النهاردة في حضنك يعني هنام في حضنك." هزت رأسها بقوة تردد: "مش انت وعدتني تنفذ كل شروطي؟ هارون: "أيوه بس وإنتي معايا." كتفت ذراعيها تحاول إيجاد القوة والثبات تقول: "انت اديتني وعد وأنا على أساسه جيت معاك، لازم تنفذ وعدك وأنا عندي شروط مش شرط." أخذ نفسًا عميقًا ثم قال: "إيه هي بقى؟ ابتلعت رمقها بترقب ثم بدأت تقول:
"أول حاجة أنا مش هينفع أجي أعيش معاك لأن ليا أخت عايشة معايا وهي كبيرة مش صغيرة، لازم أمهد لها كل حاجة. كمان أنا مش هبقى مراتك غير لما أطلع عروسة من بيت أبويا، دي أمنيتي الوحيدة." تشنج فكه يردد: "نعم؟ إنتي النهاردة هتبقي مراتي ودي مفيهاش صبر خالص." رفعت رأسها تقول بحسم: "وهي دي شروطي يا هارون، يا كده يا خلاص، هي أصلًا ورقة نقطعها، هتبقى كل حاجة خلصت."
اتسعت عيناه بغضب شديد وهو يراها تستهون بالرابط الوحيد بينهم. كانت لحظة مضيئة، شعر حيالها بالندم. عصفورته لم يحكم تقييدها بعد، ربما كان عليه عقد زواج رسمي عليها كي لا تتخذ الأمر لعبة هكذا معتبرة ما يربطهم هي مجرد ورقة لو قطعت أو وقع عليها كوب ماء لانتتهى كل شيء. رفع حاجبه وردد: "وماله يا غنوتي، الغلط يتصلح." نظرت له متوجسة تسأل: "قصدك إيه؟ ابتسم يقول: "أقصد إن جوازنا لازم يبقى رسمي عشان ماتقوليش كده."
اتسعت عيناها تقول: "رسمي؟ ابتسم يمسح على رأسها من فوق حجابها وقال: "أيوه يا حبيبتي." حاولت أخذ أنفاسها ثم قالت بصعوبة وارتباك: "أنا لازم أمشي." هدر عليها بصوت فززها يقول: "تمشي تروحي فين بقولك إنتي أخيرًا بقيتي مراتي." نظرت لعينه تقول بإصرار شديد: "وأنا لسه قايلالك شروطي، كمان أنا عندي شغل دلوقتي مانتظمتش فيه يومين على بعض بسببك." هارون بجنون:
"شغل إيه اللي بتتكلمي عنه، إنتي بقيتي مراتي يعني هتسيبي شغلك وتتفرغيلي، شوفي بتاخدي كام في شغلك وأنا أديهولك بس تبطلي." نظرت له بعمق تقول: "أنا بشتغل من يوم ما اتخرجت، واللي اتعودت تشتغل وتجيب الجنيه ماتعرفش تمد إيدها وتاخد فلوس من حد." ردد بحزن: "أنا حد يا غنوة." غنوة: "ما قصدتش أنا بتكلم في العموم." صمتت تنظر له بضيق ثم أكملت:
"ده غير إن شغلي هو سندي وهو اللي بقالي، إحنا كل اللي بينا زي ما قولتلك ورقة لو انقطعت مش هيكون في حاجة بينا." شعر بالألم يغزو صدره ينهشه ومد يده يمسح على وجنتها يقول: "كل ده مش هيطول وقريب أوي هتبقى بورق رسمي." أبعدت يده عنها تقول: "ولا انت مشكلتك إني شغالة عند خطيبتك." ضحكت بسخرية وألم حقيقي تردد: "والله مهزلة لما أكون شغالة عند خطيبة جوزي مش كده؟ هارون: "غنوة حبيبتي ماتقوليش كده أنا.... قاطعته هي تقول بتعب:
"أنا اتأخرت ولازم أمشي." شملته بنظرة متألمة حزينة تقول: "واكيد مش هينفع انت اللي توصلني لهناك عشان خطيبتك، ده معاد وصولها وأكيد هتشوفك مش كده؟ كان ينظر لها بصدمة متسع العين يرى لأين وصل تفكيرها، يشعر بتسببه في ألم كبير لها. فهمت صمته بطريقتها وغادرت سريعا بأعين لامعة من الدمع وهو يناديها يحاول اللحاق بها. لكنها كانت الأسرع في استيقاف سيارة أجرة صعدت بها وتحركت سريعًا. فوقف ينظر لأثرها بحزن وغضب يركل الأرض بقدمه.
وصل للبيت أخيرًا بتعب يفكر في تلك الشيطانه التي غزت حياته تسدد له كل ضربة وأخرى أقوى من الأولى. صعد الدرج وهو يلاحظ أن الخادمة تبدأ في وضع الغداء على الطاولة الكبيرة. تنهد بتعب وأكمل صعوده لغرفته يرى أخرى تخرج من غرفة فيروز. استوقفها يسأل: "في حاجة؟ الخادمة: "لأ، أنا بعرف الهانم إنها لازم تنزل عشان الغدا." أومأ لها برأسه يأمرها وهو يرى فيروز تخرج من غرفتها: "طب روحي انتي."
رآها ترمقه بنظرة ساخرة وتتخطاه متجهة للسلم كي تهبط لأسفل. بحركة سريعة منه جذبها من ذراعها يوقفها أمامه ينظر لها وما زال صامتًا. ابتسمت باستمتاع تردد: "أهلييييين أخويا ماجد." كان ما زال صامتًا ينظر لها بعمق، فمدت يدها تسمح على كتفه كأنها تزيح شيئًا وهميًا ورددت بخفوت: "ألا قوللي يا ميجو، لما أنا أعمل عبيطة وانت تقتنع إني عبيطة يبقى مين فينا العبيط؟
أرفقت حديثها بغمزة عابثة وابتسامة متشفية. لم يهتم بالرد عليها وإنما سأل سؤالًا يشغله كثيرًا: "إيه اللي ماسكك يا فيروز، ليه لحد دلوقتي ما قولتيش كل حاجة؟ تحركت تلف حوله كالأفعى ثم قالت: "في حكمة بتقول لا يؤلم الشاة سلخها بعد ذبحها يا ميجو." نظر لها برعب فابتسمت تكمل:
"ده غير إني لما يجيبلي موقف يعلم لازم أتعلم منه، وانت الشهادة لله علمتني يا ميجو، مش انت اللي ثوّلتلي اعرفي عدوك واعرفي إيه قدراته، زي ما زودت تحاليلي، هتقدر تزور ١٠٠ تحليل يثبت إنك ابن محمود." كان ينظر لها بألم يردد: "عدوي؟ إنتي واخداني عدو ليكي يا فيروز؟ ابتعدت خطوة تنظر له بكره ونفور مرددة: "أمال أنت إيه غير كده، ده انت في غمضة عين زودت تحاليلي وكنت عايز تطلعني بت نصابة ويرموني برا." صرخ بها يردد: "عشـ...
صمت بعجز يزم شفتيه بغضب وهو يرى ندى تتقدم تنظر لهم باستغراب وعدم ارتياح. وقفت تكتف ذراعيها حول صدرها تسأل بحاجب مرفوع: "واقفين كده ليه؟ نظرت لها فيروز من أسفلها لأعلاها بازدراء ثم غادرت دون التفوه بحرف. استشاط غضبًا تردد لماجد: "هي إزاي تبصلي كده وتمشي كمان من غير ما ترد عليا." زفر بضيق واضح منها في وجهها وتركها غادر مصدومًا تردد: "لأاا، ده أنا اتهزقت أوي."
بعد دقائق كان قد بدّل ثيابه لترنج بيتي مريح يهبط الدرج يقترب منهم يراها وهي تقلب في صحنها شارده، ينظر لها كأنه يود أخذها في أحضانه أمام الجميع يعتذر لها. الكل يحاول الاندماج في طعامه وكل منهم يجول بخاطره الكثير. كان مصطفى هو من بادر بقطع ذلك الصمت الذي لا يتخلله سوى صوت المعالق يقول مبتسمًا:
"بعد اللي حصل لازم نعمل حفلة كبيرة أوي نعزم كل قرايبنا ومعارفنا وكل الصحافة كمان عشان نعرفهم ببنت عيلة الدهبي اللي رجعت لها بعد سنين." نظر على فيروز يقول بحنان كبير: "هتبقى على شرف فيروز محمود مصطفى الدهبي، ده أقل حاجة نقدمها." أشاح بوجهه عن فيروز ينظر ناحية ماجد يأمره: "رتب كل حاجة يا ماجد، عايز حفلة تليق ببنت عيلة الدهبي الجميلة دي." ابتلع رمقه بصعوبة يقول: "عيوني حاضر."
كانت عيناها متبلدة، ولا شيء مما يفعلونه سيعوضها يومًا من المعاناة والحرمان وسكن المقابر، ومرض والدتها الذي كان يأخذ كل ما تعمل به، بالكاد عمل والدها شعبان كان يكفي خبر وجبن. رفعت عيناها تتجنب النظر لمحمود، حتى لو هو للأسف فعليًا والدها البيولوجي، لكنها للآن لا تستطيع تقبل الأمر ولا الاعتراف به. بل نظرت لمصطفى تقول: "أنا عايزة أكمل تعليمي." زوى ماجد مابين حاجبيه يردد: "هو إنتي مش مكملة تعليمك؟!
لم تنظر له، إنما كانت عيناها على مصطفى، جدها. ابتلع لعابه بمرارة يرى أنه يزيد من كرهها له بكل ما يفعل كي يحافظ على المال ويضمنه. زادت مرارة حلقه ووجع قلبه وهو يسمعها تقص حكايتها وأنها اضطرت لترك التعليم فلم تكن تملك مصاريفه. قالت ذلك فقط، لا تقص كل شيء لنهايته أبدًا. متحفظة دائمًا، يرونها القريبة البعيدة أيضًا. ابتسم محمود يقول: "وعايزة تدخلي كلية إيه؟ نظرت له بعدم تقبل وأشاحت بوجهها تنظر لجدها:
"أنا كنت جايبة مجموع هندسة." ابتسم عليها ماجد ينظر لها بفخر وحنان، كذلك محمود مصطفى، أما ندى وفريال فعلى النقيض تمامًا. تشدق مصطفى يقول: "أمري، شوفي عايزة تدخلي أنهي جامعة وأنا من بكرة أدفع كل المصاريف." تدخل ماجد بفرحة شديدة ولهفة يقول: "أنا من بكرة هجيبلك لستة بأحسن وأغلى الجامعات الخاصة اللي في مصر واختاري منها براحتك." نظرت له بصمت ثم اتجهت بأنظارها لمصطفى تقول: "لأ... أنا عايزة أقدم في كامبريدج."
كانت الصدمة من نصيب ماجد الذي هوى قلبه بين قدميه ينتفض من على مقعده بقوة جعلت المقعد يرتد من خلفه ويسقط أرضًا مصدرًا صوتًا عاليًا ينظر لها كمن تُسحب روحه منه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!