كانت تتلفت حولها بتوجس، تبتلع رمقها بعدم ارتياح. أرادت التنزه مع شقيقتها والاستمتاع بجو أخوي دافئ، تجرب شعوره لأول مرة. لم تكن تعلم أن شقيقتها، والتي من المفترض أنها أكبر منها بعامين، ستفعل ذلك. أجّلت صوتها، محمحمة، ثم قالت: "غنوة، أنا مقدّرة مشاعرك ومش عايزة أجرحك، بس ليه؟ ها؟ ليه؟ نظرت غنوة لها بعبوس، ترددت: "مش انتي اللي قولتيلي خديني لأكتر مكان بترتاحي فيه؟ صرخت نغم بجنون: "تقومي تجيبيني المقابر!!!
ردت غنوة بإصرار شديد: "أيوه، عند أبويا." غزى الشجن صوتها، ولمع الدمع بعينها، تخبرها بصوت مبحوح بعدما ضمّت كتفيها نسبيًا، فظهرت ضعيفة لأول مرة، وهي تقول: "كنت عايزة أعرفه عليكِ، وأقوله يطمن، وإنه ماسبنيش لوحدي في الدنيا." رفعت وجهها لشقيقتها، فشهقت نغم وهي ترى الدمع قد أغرق وجهها، ترددت:
"أصله كان شايل همي طول ما هو تعبان، كان خايف يموت ويسيبني، بس أنا كنت دايماً متأكدة إنه هيفضل معايا. أنا عارفة إن كلنا هنموت، بس عند اللي بنحبهم بيختفي المنطق. كنت مهما يتعب ونلف على مستشفيات ويتعالج ويتعب ويقوم، برضه ببقى شايفة إنه هيفضل معايا وعمره ما يفارقني. كنت أهله مش بنته، وهو كان كل دنيتي، ولحد دلوقتي هو كل دنيتي وحياتي واقفة عليه." أخذت نفساً عالياً، تحاول كبت دموعها، وقالت:
"من يوم موته وأنا مش عارفة آخد خطوة جديدة في حياتي وبضيع فرص كتير." زوت نغم ما بين حاجبيها، تسأل مستغربة: "أيوه، بس انتي شاطرة أوي في شغلك. أنا عملت سيرش كده بالصدفة على الأماكن اللي بتشتغلي فيها، كنت فاكرة مش هلاقي معلومات وأنها شركات كده مش أوي، بس اتفاجئت إنها شركات كبيرة." لكزتها في كتفها مع غمزة عابثة، ترددت: "وبتاخدي مرتب واو على فكرة." اعتدلت في وقفتها، تسأل: "بس سؤال ضروري بقى، فلوسك دي كلها بتروح فين؟
ضحكت غنوة وقالت: "أصلي مبذرة أوي، مش بعرف أشيل قرش." نغم: "غريبة جداً، انتي حتى لحد دلوقتي مش عندك عربية ولا جبتي شقة حتى لو صغيرة، ولبسك حلو أوي بس مش براند يعني، مبذرة إزاي بقى." التفت لها غنوة، ترددت: "خروج بقى وأكل، أكل، يااااه أنا بحب الأكل أوي، هو بالنسبة لي ألذ لذة في الحياة." نظرت حولها، وجدت الشمس أوشكت على الغروب، وبدأ ضوء النهار يخفض تدريجياً، ممتزجاً بسواد طفيف من بداية الليل.
أخذت نفساً عميقاً، ووضعت يدها على كتف شقيقتها، مرددة: "الجو بدأ يضلم، ياللي بينا نمشي." نغم متنهدة: "أيوه، أنا تعبت ومحتاجة أروح." غنوة: "لأ تروحي إيه؟ انتي أكلتي كشري مصري من يوم ما جيتي؟ اللمعت عينا نغم، ترددت: "لأ، لسه." غنوة بعدم رضا: "طب وده ينفع برضه، لأزم نروح دلوقتي وبعدها أقدر أقولك Welcome in Egypt."
ضحكت نغم، تسير معها وتخرج من ذلك الحوش الواسع، مرددة السلام على أهل المكان الذي يعمه السكون، داعية بالرحمة والمغفرة لوالدها. لكنها لم تغادر المكان بعد، وإنما تقدمت تدفع أحد الأبواب، والقلق ينهش قلبها أكثر وأكثر. ترى رجل ثمين الجثة بملامح غليظة وصوت أغلظ، يردد: "انتي مين يا ابله! رمشت بعينيها، ترددت: "أمال فين أهل المكان؟ رد عليها بصوته غير المريح، يقول:
"عم شعبان مات، أديله أسبوعين، وبنته جت عربية فخمة وفيها اتنين رجالة واخدوها ومشوا." ارتعد قلب غنوة، ترددت صارخة به: "إيه؟! اتنين رجالة إيه؟ مين دول؟ وإزاي تسيبوهم ياخدوها ويمشوا عادي؟ تحدث الرجل بقلة حيلة: "والله ما نعرف يا ابله، أنا أصلاً مكنتش هنا، دول الناس اللي حكولي وقالوا إنهم أبوها وأخوها، عشان كده سابوها، وأنا لما لقيت المطرح بقى فاضي أخدته بدل النومة في الطل."
كانت نغم تستمع لكل شيء بجهل شديد، عن ما يقال أو حتى عن هوية تلك الفتاة، بينما غنوة تهز رأسها باستنكار شديد، ترددت: "هو إيه اللي أبوها وأخوها؟ ما انت بنفسك لسه قايل لي عم شعبان مات من أسبوعين، يبقى إزاي أبوها بالعقل كده؟ إيه ليها أبوين؟ فكر الرجل قليلاً بحديثها، يقول: "أي والله عندك حق، بس وأنا بإيدي إيه نعمله بس يا ابله؟
زمت شفتيها بضيق وقلق كبير ينمو بداخلها على تلك الفتاة ذات العيون الرمادية. تعلم أنها عانت الكثير في حياتها، حتى تعليمها لم تستطع إكماله رغم ذكائها واجتهادها. هزت رأسها بتصميم، ترددت: "ماشي، ماتعملش انت حاجة، بس أنا مش هسكت." خرجت من المكان، تتبعها نغم تسير بمحاذاتها، تسأل بفضول واستغراب: "مين البنت دي يا غنوة وتعرفيها منين؟ وإيه حكاية باباها مات وجه راجل أخدها؟
غنوة بعدم ارتياح، تفكر فيما يمكن أن يحدث لتلك الفتاة وهي وحدها. نظرت لأختها، تقول بقلق: "دي بنت أعرفها من كذا سنة، عايشة هنا في المقابر قريبة من مدفن بابا زي ما شوفتي، أهلها فقرا أو تقريباً معدمين، اتعرفت عليها وساعدتها إنها تلاقي شغل كويس في مكان كويس عشان تساعد في علاج مامتها وباباها. الموضوع أخد وقت لأنها تعتبر معاها إعدادية بس؟ نغم بصدمة: "معقول؟ غنوة متنهدة بأسى:
"ده كده حلو، أو على ظروفها هي تعتبر بطلة، كمان هي خلصت ثانوي بمجموع كبير، بس ما كانتش قد مصاريف الكلية اللي بتحلم بيها، لأ دي ما كانتش معاها حتى تمن سحب الملف من مدرستها، انتي متخيلة؟ خرجت للطريق العام، توقف إحدى سيارات الأجرة، تصعد فيه هي وشقيقتها التي أردفت بحزن وفضول: "كملي." بغصة يملؤها الألم، أكملت:
"ساعتها أنا كمان كنت لسه متخرجة ومسكتش شغل جامد يعني، دخلت مجال تنظيم الأفراح والمناسبات ده صدفة، كنت معزومة في فرح واحدة صاحبتي من الكلية، بس كانت متجوزة واحد ابن ناس أوي. حصل أعطال كتير في اليوم، كان قرب يبوظ، حاولت أتدخل وأساعد في تنظيم اليوم، صاحبتي بقى، كانت منهارة وبتعيط وأنا نفسي الحق معاها يومها، وبس... شافتني مديرة المكان وعجبها ذوقي وإن عندي حسن تصرف، أخدتني علمتني الشغلانة، ومنها بقى اتنقلت من حاجة لحاجة."
كانت نغم تسمعها وهي فخورة بها، تبتسم مرددة: "براڤو بجد يا غنوة، أنا مبسوطة إن عندي أخت زيك." ابتسمت لها غنوة، ونظرت بجوارها من النافذة، تشرد في الطريق وهي تكمل: "حسيت إني ربنا رزقني لمجرد بس إني فكرت أساعد البنت دي، وفعلاً ما هديتش إلا لما لقيت لها شغل كويس في محل ألماس، سيلر." زمت شفتيها بحزن وأسى، تكمل: "فرحت أوي بالمرتب، مكان نضيف زي ده بيدي مرتب واو، افتكرت إن الدنيا خلاص ضحكت لها وهتقدر تكمل تعليمها من مرتبها."
ضحكت بحزن، تكمل: "راحت الدنيا قالت لها تعالي، حلوة رايحة فين؟ انتي هتفرحي وتعيشي سنك وكده، خدي عندك أمك عندها كانسر ومرتبك يدوب يدوب حق الجلسات والعلاج، ماتت أمها بعد فترة طويلة من المرض والبهدلة، قامت الدنيا برضه قالت لها لأ، صحصحي معايا كده، أبوكي مريض عنده مياه على الرئة ولازم يتعالج، وفضل أبوها يتعالج وهي ما بين شغلها واللف بيه على المستشفيات لحد ما مات." دمعة حارة هبطت على وجنتها، أغمضت عينيها بأسى، ثم قالت:
"وكأن الدنيا دي مش بتلمس إلا الطيبين، تدوس عليهم وتخلي الناس كمان تدوسهم، كأنها بتخاف تهوب ناحية الوحشين... تقريباً الشخص الوحش هو اللي بيعرف يعيش يا نغم، أوعي، أوعي تكوني طيبة." التفت تنظر لها بأعين حمراء بها رسالة واضحة، وقالت: "أوعي تبقي طيبة ولا تعملي اللي يرضي الناس، خدي من الدنيا كل اللي انتي عايزاه، حتى لو هتاخديه مني أنا شخصياً، الطيبة مش بتنفع صاحبها، بالعكس بتأذيه."
شعرت نغم بوضوح رسالة شقيقتها لها. حسن هو المقصود بالتأكيد. أشاحت بعينيها، تتهرب من شفافية أختها. الكلام سهل، لكن تطبيقه صعب. هناك عقبات كثيرة. شعورها بوجود شيء حتى الآن بينه وبين شقيقتها الوحيدة، والدته، والتي على ما يبدو رافضة تمامًا لأي صلة قد تجمع ابنها بها، كذلك فرق الشقاوة والطِباع. فكأن كل منهما قدم من عالم موازٍ مختلف. حاولت تغيير مجرى الحديث، وقالت بمشاكسة: "المهم تقوليلي وخداني كده ورايحة فين؟
أوعي تكوني خاطفاني."
ابتسمت غنوة بألم، تتغاضى عن مراوغة شقيقتها وأنها تتعمد التشويش عن الحديث في هذا الأمر خصوصًا. لم يفت بكل تأكيد عليها عدم خروجها ثانية من البيت، ولا هروبها من واقعها بالنوم. كذلك حسن، الذي على ما يبدو قد خاصم بيتهم، رغم عيناه الخائنة التي تتلهف بوضوح كلما فتح باب أو شباك من طابقهم. بالتأكيد العشرة تحكم، عندما استطاعت رؤية الإحباط يقفز من عيناه وهو يراها هي من ظهرت وليست نغم. على ما يبدو أن حسن استطاع أخيرًا تحديد هوية مشاعره. تقريبًا بفعلته هذه لم يساعد نفسه فقط، وإنما ساعدها أيضًا في تحديدها.
صدح صوتها، توقف السائق، مرددة: "أيوه هنا لو سمحت." ترجلت من السيارة، تقول لشقيقتها التي ترجلت بعدها هي الأخرى: "هآكلك كشري، يخليكي طول الليل تسقفي." ضحكت نغم وسارت بحماس لجوارها، تقول: "يااااااه، أنا متحمسة أوي، يالا بينا." سحبتها غنوة سريعا ودلفت بها للداخل. *** كانت أعين الكل مسلطة عليها باتهام واضح وصريح لا ثاني له. أغمضت عيناها، تبتسم بألم. فماذا ظنت هي؟
كم كانت ساذجة جدًا. فتحت عيناها، تأخذ نفسًا عميقًا، ونظرت لمحمود، وقالت: "إيه رأيك في الكلام ده؟ صرخ مصطفى بها، يردد: "انتي كنتي بتنصبي علينا يا بنت؟ أخذت نفسًا عميقًا، ثم نظرت لماجد، الذي ينظر لها بألم، عيناه تخبرها أنه لم يكن يملك خيار آخر كي يمتلكها. عاودت النظر لمحمود، تسأله: "إيه؟ ما ردتش يعني." ما زال بموقفه الضعيف السلبي. الطبع لا يتغير، ولا الشخصية حتى لو تقدمت السنون.
ابتسامة ألم تكونت على جانب ثغرها المزموم، أخذت نفسًا عميقًا، تنظر لماجد. لتنتهز فريال الفرصة التي أتت تحت قدميها، وصرخت: "أنا قولت دي حتة بت نصابة جت تتبلى عليا، كانت عايزة تولع البيت حريقة، طماعة وكمان بتتطاول على أسيادها، بنت أمها فعلاً." اتجهت لها على الفور عيون فيروز، ترتكز عليها بغضب، وهي تردد من بين أسنانها وأنيابها: "اخرسي، سامعة؟ اخرسي خالص." اتسعت أعين فريال من تلك الإهانة الشديدة، تصرخ بها:
"يا جربوعة يا زبالة، أنا هعرفك إزاي تتكلمي معايا كده." فيروز بوعيد وغل: "أنا اللي هعرفك إزاي تتكلمي معايا كده، وإزاي تتجرأي تجيبي سيرة أمي." نظرت لمحمود، تقول له باحتقار: "خليك فاكر إنها وقفت هي وابنها شتموني أنا وأمي، وكمان شككوا في نسبي، يعني شككوا في شرف أمي، وأنت واقف ساكت مادفعتش عني." كان محمود صامتًا بضعف وتشويش، لكن فريال كان لديها من الغل والتبجح ما يكفي لتصرخ بها: "ده تحليل DNA يعني من الآخر."
نظرت لهم جميعًا، واختصت ماجد بنظرة مطولة، ثم قالت: "خليكوا فاكرين اللي حصل دلوقتي، عشان أنا مش هنساه عمري كله."
بحركة سريعة منها، تحت ترقب واستغراب الجميع، خلعت جوارب قدميها، تظهر قدمها اليسرى، تحديًا إصبع قدمها الكبير. اتسعت أعين مصطفى ومحمود وهما يشاهدون شكل عقلة إصبعها، وتلك العاهة المختفية التي يحملها محمود بتقوس ظفر قدمه مع بروز صغير في عظمتها، كذلك لديها نفس "الوحمة" البنية على جلد قدمها اليسرى، كما هي بنفس الشكل المستدير بنفس القدم اليسرى عند محمود.
أغمض مصطفى عينه بخزي وألم. لثاني مرة يشعر بالضآلة أمام تلك الصغيرة. ومحمود يتفاقم الألم داخله، ينظر لها بعجز، لا يستطيع النظر بوجهه. الكل منشغل، مصدوم. وكانت هي بالقرب الكافي لفريال، تقول لها من بين أسنانها: "أنا كنت ساكتة عليكي انتي والواد ده، بس خليكي فاكرة انتي بدأتي الحرب بطريقتك، نهايتها بقى عندي."
بكل ثقة ورأس مرفوع عالياً، تقدمت بخطى ثابتة نحو الباب. اتسعت أعين الكل، ينظرون لها بصدمة. ماجد كان أكثر. لم تكن صدمة واحدة، بل صدمات، علاوة على ورطة وقع فيها. أول من استطاع التحدث كان محمود، يصرخ بها عالياً: "فيروز، انتي رايحة فين؟ وقفت عند الباب، ترددت: "ماشية." تدخل مصطفى، يردد: "تمشي إزاي؟ فيه بنت محترمة تسيب بيت أهلها؟ نظرت له بحاجب مرفوع، فحمحم، يخفض حدة صوته قليلاً، ثم يقول:
"إحنا غلطنا، بس ما عليش، ده كان هيبقى تصرف أي حد في موقفنا، إحنا كلنا متفاجئين." ظلت واقفة، لم تتحرك بها عضلة واحدة. أخذ نفسًا عميقًا، ثم قال: "طب إيه يرضيكي؟ بأنف مرفوع وأعين متبلدة تنظر عليهم من فوق، رددت: "فريال تعتذر لي." صرخت فريال وسط صدمتهم، تردد: "إيه؟ انتي أكيد اتجن... قاطعتها فيروز بقوة وثبات رهيبان: "تعتذر لي وتعتذر عن إنها بس جابت سيرة أمي." صدح صوت مصطفى، يأمر فريال: "اعتذري لها يا فريال."
استشاطت عيناها بغل، وهمت كي تصرخ رافضة، لكنه ضرب الأرض بعكازه، يأمرها مجدداً بحسم: "قولت اعتذري لها." ضيق عيناه بنظراته عليها، وأردف: "دي أقل حاجة بالنسبة للي عملتيه فيها هي وأمها يا بنت عمران." ظل الصمت الرهيب يخيم على المكان لدقيقة كاملة، إلى أن تقدمت فريال بعدما حسبت حسبتها سريعاً، ووقفت مرغمة أمام فيروز التي تناظرها بكره، وقالت: "بعتذر لك، انتي والست... والدتك." بابتسامة مهينة، رددت فيروز فورًا:
"اعتذارك غير مقبول يا فريال." تحركت خطوات أمام الجمع المصدوم، تنوي الصعود لغرفتها. لكنها توقفت فجأة، واستدارت ببطء، تنادي: "ماااجد." أغمض عينيه. هل حان دوره هو الآخر؟ فتح عينيه، يراها تبتسم له، وكأنها تخبره استعد للقادم. بالفعل، صدح صوتها بسؤال ضروري وبديهي، تقول: "السؤال هنا بقى، ليه ماجد أخووويا، يعمل كده؟ ليه يزور نتيجة التحاليل؟ هو أصلاً جاب منين عينين لينا نحللهم؟ بينجم ولا بيسحر؟ ولااا يمكن مخاوي."
غمزت له بعينها عبثاً، وهو فمه مفتوح بصدمة، يدرك. ببساطة، فيروز كانت تتلاعب به. هي على علم بأدق أدق التفاصيل. لعن نفسه وغباءه مرة واحدة. فإن كانت على علم بحساسيته الوراثية وأيضًا سره الخطير هو وفريال، ألن تعلم بأن والدها لديه نفس إصبع القدم حتى تلك البقعة على الجلد في نفس المكان. يظن نفسه ذكيًا، ولا غبي سواه هنا. تلك الصغيرة تلاعبت به. كانت كمن وضع على جبينه ملصق طريف، جعله شديد الغباء مثير للسخرية. صدح صوته عالياً،
ينقذ ما يمكن إنقاذه: "وأنا هعمل كده ليه؟ أكيد غلطة من عند المعمل. أنا شايل العيلة دي بروحي وعقلي." نطق بصوت متضرع، يخصها وحدها: "وقلبي." كان الغل مازال يفوح من عينها، بل ربما زاد معدله عنما قبل. صدح صوت مصطفى، يردد: "أكيد غلطة، ماجد يفضى روحه بالعيلة كلها وهو اللي شايل كل حاجة فوق كتافه." كتفت ذراعيها حول صدرها، ترددت بحسم: "برضه محدش رد على سؤالي، جاب عينة التحليل منين؟ جاوب سريعاً:
"كنا بنحلق أنا وهو أول امبارح سوا، وأخدته من بعد ما خلص من غير ما يعرف." زمت شفتيها، معجبة بسرعة تحضيره الرد، تسأل: "وأنا؟ تنهد مجيباً: "من فرشة شعرك." هزت رأسها، ترددت: "لأ، برافو يا ميجو... فعلاً برافو." تقدمت تصعد الدرج، تاركة الجميع يغرقون بمشاعر متضاربة. ***
تقدمت في الشارع الضيق المؤدي للحارة التي تقطن بها، تتحدث مع شقيقتها بعدما قضيا وقتاً طويلاً خارج البيت. كانت نتيجتها أنه لا يوجد بينهما أي شيء واحد مشترك، سوى تلك الروح الجميلة والملامح، خصوصًا العينين، فهي واحدة رغم اختلاف لون حدقتيهما. كأنهما الشرق والغرب، لكنهما عالم واحد بكل تأكيد. تنظر كل واحدة للأخرى وتبتسم، مقرّة بذلك. تنهدت غنوة، مفكرة: "لازم أدور على فيروز، أكيد هي دلوقتي في مشكلة كبيرة." نغم: "فيروز مين؟
صكت غنوة أسنانها، ترددت: "البنت اللي حكيت لك عنها." نغم: "ااااه،، طب وانتي هتوصلي لها إزاي؟ غنوه: "هروح بكرة محل المجوهرات اللي بتشتغل فيه، يمكن تكون عرفت تروح، أو أي حد عارف أي معلومة عنها."
توقفا على صوت أحدهم ينادي، ومن غيره. إنه الشاطر حسن، ينادي باسم غنوة. لم ينادي بغيره. بالتأكيد، فهي الأقرب له، وهي ما يبدو ستظل. هذا ما جال بخاطر نغم، وهي تتعمد عدم النظر له. الرسالة واضحة ومباشرة، لا يهتم سوى لغنوة، وهو جارها منذ زمن. بالتأكيد لديهما حكايات سويًا، حتى لو كانت غنوة تقارب على الميل ناحية ذلك المدعو هارون، لكن حسن، المهم حسن ومن يريد الآن.
بينما هي تفكر بهذه الطريقة، تتحاشى النظر له، كانت عيناه ترجو نظرة واحدة منها له، لتخبرها عيناه كم اشتاق لها. منذ فترة وهو يجلس في مهنته الجديدة الذي امتهنها حديثاً، مذ قدمت تلك الماكينة الألمانية، وقد عين نفسه حارسًا شخصيًا لها، يربط أمام البيت، يترقب كل تحركاتها. مجرد خمس دقائق، خمس دقائق فقط غاب فيها داخل دكانه وخرج ليجدها تسير بجوار شقيقتها بنهاية الحارة، لا يعرف إلى أين تتجهان. ومن لحظتها وهو لم يتوارَ عن مراقبة الحارة، ربما تعود.
أول ما رآهم، لم يستطع سوى اتباع عادته ونادى على صديقة الطفولة، لكن المقصد كان محبوبة القلب والعين. "كنتوا فين؟ كان يتحدث بها بصوت ونظرات لهفة، لم تتوارَ عن وجه نغم. فهمت غنوة مشفقة عليه، ورددت: "كنت بفسح نغم وكمان دردش سوى، انت عارف، إحنا أخوات ما بقالناش كتير وكان لازمنا خروجة." بنفس متهدج وقلب ملتاع على تلك التي تحرمه حتى النظرة، سأل: "طب انتوا كويسين؟
ابتسمت غنوة، تقسم أنه لا يهتم سوى لنغم، نظرته واضحة للأعمى. تتمنى أن يكن حديثها صحيح، رغم خوفها من العواقب. تعرف والدته جيداً وتعلم طباعها. رددت وهي تنظر لوجه أختها، تمثل به اللامبالاة، لا تنظر لحسن: "الحمد لله." بصدر يصرخ يأساً، خرج صوته يسأل من جديد: "مش محتاجين أي حاجة؟ غنوة بيأس وإشفاق: "لأ يا حسن شكراً." عندما فقدت الأمل في استجابة شقيقتها، رددت: "عن إذنك." ردد بصوت لولا الملامة لظهر به البكاء، يقول: "اتفضلوا."
سحبت شقيقتها معها للداخل، تغلق الباب، تهم بفتح الموضوع معها، لن تترك كل شيء غامض مبهم هكذا. لكن نغم كانت وكأنها قرأت أفكارها وعلمت نواياها، فقالت مباغتة: "محتاجة أنام." بالفعل تحركت سريعاً، فنادت عليها: "نغم، إحنا محتاجين نتكلم." رددت نغم بتعب: "أكيد، بس ممكن بكرة." ابتسمت، مكملة: "هنروح من بعض فين؟ غنوة بتنهيدة حارة: "ماشي يا نغم، تصبحي على خير." ***
صباح يوم جديد. كان كالشريد يجلس على أعتاب شركة لم يراها. الفرق الوحيد بينه وبين المشردين أنه يملك سيارة يجلس بها. كانت عينه حمراء، لم يذق طعم النوم. لقاءه بعمه كان كارثياً. غياب غنوة عنه يحرقه حيًا. الغيظ بداخله ينمو. من أين ظهرت له من الأساس كي يفعل به غيابها كل هذا. إنه يوم، مجرد يوم...
لكنها تبدو وكأنها تعتمد غيابها، بدليل أنها أتت عملها أمس وأنهته على أكمل وجه، حسبما عرف من موظفة الاستقبال. أيضًا، تغلق هاتفها كي لا يتمكن من محادثتها. من هي كي تسمح لنفسها أن تفعل به هارون الصواف كل هذا؟ ليراها فقط، يقسم أن يجعلها تعرف جيدًا مقامها.
اهتز فكه بغل، وهو يرى سيارة أجرة تتوقف بعد سيارته وتترجل منها بكل حسنها وبهائها. بمنتهى الثبات والوقار، ترجل من سيارته، تحرك بخطى ثابتة نحوها. لا سلام ولا كلام، فقط سحبها بيده من يدها، وعينه تنذر عن غضب شديد. كانت تتحرك خلفه مسيرة وليست مخيرة، وهو يقودها، يفتح باب السيارة لتصعد دون أي اعتراض، والتف حول السيارة يصعد هو الآخر. أنفاس عالية غاضبة، وصمت تام مخيف. بصوت خافت، لكن به من الرعب والحسم ما يكفي، ردد:
"إحنا هنتجوز النهاردة."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!