كان يجلس و هو ينظر إلى انعكاس صورته في مياه النيل. كل شيء يذكره بها و بطيفها. كانت خفيفة في كل شيء، روحها، ظلها، حتى في جمالها كان خفيفًا، لم يكن ذلك المبالغ فيه مطلقًا. بفقدها فقد طعم الحياة الحلو. هو بيده من فعل ذلك، لا أحد غيره. من يلوم؟ واللوم كله عليه فقط. لكن يوجد خطأ عليها، نعم، بل وخطأ كبير أيضًا. فهي من ظهرت من العدم، هي من جاءت تهز عرش قلبه، حتى عقله زلزلته دون مجهود يذكر. لا، مخطئ، بل قد فعلت.
دفن وجهه بين راحتيه و هو يتذكر كم من مرة كانت تتودد له وتطلب قربه بكل لطف. كم كانت مراعية وهادئة، متقبلة كل غضبه وثوراته غير المبررة، حتى تقلباته المزاجية تحملتها. تحملته حتى و هو في صراع مع نفسه يحدد أن كان يميل لها أم لا. بل هي حتى من بادرت بإظهار حبها له، بل وعرضت الزواج عليه، وكان موافقًا. المصيبة تكمن هنا. لم يصدها يومًا ولم يمنعها أن كان لديه ألف سبب وسبب كما ذكر.
لم يكن تفكيره وحده، بل نفس كل تلك الأفكار كانت تتوارد إلى خاطر نغم في نفس التوقيت. تتذكر كل ما حدث معها كأنه شريط عرض سينمائي، وهي تجلس على مقعدها في الطائرة التي ستغادر بها هذه البلاد نهائيًا بلا رجعة. تأمل ذلك وستحرص على أن يكون ذلك. وكان كل ما سبق يدور بخلدها هي الأخرى.
فتحت نافذة الطائرة المجاورة لها بينما تشعر باهتزازها وإقلاعها عن الأرض، تستعد لكي تحلق بعيدًا عن تلك الأراضي التي لم تجلب لها سوى مشاعر الحزن والحسرة. أبصرت أمامها معالم القاهرة، فشعرت بأن كل معلم منهم وكأنها يودعها معتذرًا عما فعله ابنهم بها. أغلقت النافذة بحدة وكأن الاعتذار غير مقبول، واستراحت برأسها للخلف تتكئ به على ظهر مقعدها السياحي، تغمض عيناها تتذكر كيف أتت إلى تلك البلاد وبأي حالة غادرتها.
فقد أتت شعله من النشاط والشغف بداخلها، طاقة كبيرة وحب أيضًا. كانت متوّقة لرؤية شقيقتها مشتاقة. شدّت من إطباق جفنيها تمنع نفسها من البكاء، فهي الآن أكثر اشتياقًا وحبًا. تتفق مع غنوة فيما قالت، فيا ليتها لم تأتِ ولم تراها وتتعلق كل منهما بال أخرى. فقبل ذلك كانت غنوة لها مجرد سيرة تثير في نفسها مشاعر حلوة كون لديها شقيقة قد تكون رائعة وحنونة. تتذكر ليالي كم جلست تتمنى ذلك.
لكن ها هي قد أتت وجلست معها، استشعرت فيها حنان أمها الذي لم تراه منها. غنوة ما هي إلا صوت وصورة لأمها، لكن الشخصية مختلفة. إنه المزيج الرائع، فزواج العم صالح الرجل الطيب الحنون من أمها الهيفاء المثيرة كان نتاجه غنوة. من الخارج هي "ڤيولا" أمهما، ومن الداخل هي العم صالح بطيبته وأخلاقه.
رغمًا عنها، شبح ابتسامة تكونت على زوايا شفتيها، وهي تقر أنه ليس الأمر كذلك تمامًا، ليس بتلك المثالية، وأن غنوة هي شقيقتها وتحبها جدًا، وهي بالفعل طيبة وحنونة جدًا، لكن هذا لا ينفي أبدًا أنها تمتلك لمحة من بعض خصال ڤيولا السيئة كالخبث والدهاء، وأنها بارعة جدًا في التمثيل، تفعل بمهارة شديدة.
فهي نفسها صدقت صدقًا تامًا أنها تعشق ذلك الأقرع، ليتضح في النهاية أن كل ذلك ما هو إلا خطة كبيرة كانت معتمدة على الذكاء والتخطيط وسياسة النفس الطويل، الذي هو بالضرورة صفة متوارثة لها من صالح. لكن عبثًا، فأخيرًا غلبت صفة ضيق الخلق وقلة الصبر التي تملكها ڤيولا وقررت اختصار المسافات، فقد سئمت وجلبته لبيتها كي تقتله. فتحت عينيها بحنين، فالطائرة لم تكد تجتاز الغلاف الجوي لمصر، وها هي قد اشتاقت لشقيقتها بجنون.
وأيضًا اشتاقت لذلك الحسن معدوم الحس والضمير، تبا له بكل لغات العالم، عليه لعنة الله لما فعله بقلبها، لن تسامحه ما حيت. كان يقترب منها رويدًا رويدًا، بداخله جنون واشتياق لا يوصف، ولا تسعه حتى الكلمات. هو عاجز عن وصفه، لكن عيناه فعلت بجدارة. يفكك أزرار قميصه زرًا زرًا، مع كل زاد يزداد الرعب داخلها. تصرخ فيه لكنه لم يكن يبالي صراخها أو اعتراضها.
ألقى قميصه أرضًا بإهمال واقترب منها أكثر، يخلع عنه ساعة يده الثمينة ذات الفصوص الماسية. إلى هنا ولم تتحمل، لقد خلع ساعته. صرخت فيه بقوة أكبر: "أنت بتقلع الساعة ليه؟ كان قد أصبح أمامها تمامًا، بل ملتصقًا بها وهو عاري الصدر وساعة اليد. ابتسامة عابثة ناتجة عن الشعور بالانتصار بعد صبر طويل تكونت على جوانب فمه، ولم يجيب بعد، بل فرد ذراعيه وضم بخفة كتفيها، كدفعة جعلتها تدخل في أحضانه العارية مرغمة،
ليقول: "أصلها غالية قوي، أخاف عليها من المدعكة اللي هتحصل." نعم، كان حدسها صحيحًا، كانت محقة. حاولت أن تبتعد عنه وقالت بقوة واهية: "ابعد عني يا جدع انت، أنت فاكرها لحمة عند جزارين ولا إيه؟ لو خلاص مش قادر روح شوف لك واحدة من اللي بالساعة." هارون: "تبقي مادرستنيش كويس يا غنوتي، وأنا اللي قولت إنك معاكي ماجستير ودكتوراة في هارون الصواف. أنا ماليش في الرخيص يا حبي، ولا السهل."
صمت وهو يغمز لها بعبث، ثم أكمل سريعًا: "أنا أحب الصعب اللي زيك كده، وبعدين بقا حد يسيب مراته ويروح يرمّرم من بره، ده أنا حتى أبقى عبيط." جاوبت عليه بقوة تهوى رويدًا رويدًا كلما طال قربه منها وجلده يقابل جلد بشرتها وتشعر به: "أنا هعتبر نفسي ما سمعتش كلامك ده، ودلوقتي حالا ابعد عني، وإلا... قاطعها وهو يقترب منها، يميل عليها، يقبل وجنتها قبلات صغيرة متقطعة، يردد بصوت أجش: "وإلا إيه؟ هممم. يعني الحق عليا، هو أنا فيه مني؟
أنا قولت أساعدك." شعر بقوتها تنهار بالفعل وكما توقع، جسدها يخونها ويستجيب بخبث لقبلاته. ابتسم بحب شديد وهو يستمع لصوتها الذي حاولت أن يخرج صارمًا لكنه كان لينًا إلى حد كبير، يظهر فيه تصنع الحدة، وهي تسأله: "تساعدني إزاي باللي بتعمله ده؟ غض على شفته السفلى وقال بابتسامة عابثة: "إنتي مش كنتي عايزة قلب أبوكي؟ يالا، اتفضلي، مدي إيدك خديه." اتسعت عيناها بصدمة منه ومن حديثه،
لتزداد ابتسامته يقول: "مدي إيدك، ماتتكسفيش، أنا زي جوزك برضه يعني نعتبر قرايب." غنوة: "وكمان بتسخر وتستخف بآلامي." هز رأسه يمينًا ويسارًا وهو يضحك، ثم اقترب الخطوة التي قد ابتعدتها هي، وقال بأنفاس ملتهبة: "غنوة، أنا بحبك، وعايزك، وإنتي كمان يا غنوة، إنسي اللي فات، وليكي عليا يا ستي إني هحاول أنسى." غنوة: "تحاول. الله على كرم أخلاقك." هارون: "شوفتي، ولعلمك دي أحلى حاجة فيا." حاولت إبعاده حتى ولو انشًا،
وقالت: "قولتيلي ابعد عني." لكنه كان مستمرًا فيما يفعل، يمد يده إلى حجابها، ينزعه عنها برفق وتمهل شديد، كأنها لم ولن تعترض. انتهى من فك حجابها، يفكك خصلاته الكثيفة حول وجهها المستدير، ينظر لها متأملًا ببُله: "قمر، حبيبتي قمر، ولو إن لسانها طويل شوية." لم تيأس رغم خيانة جسدها لها، وظلت تحاول المقاومة، تردد بصوت لين مهزوز: "ابعد عني يا هارون."
لكن هارون لم يبتعد، وإنما زاد قربه بعدما استمع لنبرة صوتها التي تنافي ما رددته. حديثها يأمر بشيء، وجسدها الذي يشعر به منصاع له ينفذ شيئًا آخر. ضمها له بذراعيه لتلتحم بجسده العاري، فتشعر بقشعريرة لذيذة انتقل مداها إليه، يشعر بها مستلذة، تحاول الاعتراض. تنهد بحرارة، وبعدها ردد بصوت رخيم: "إنتي بتحبيني وأنا متأكد، أنا عمري ما ضحكت على نفسي، بعرف اللي قدامي من نظرة عينه بس." كلماتها أثارت غيظها،
وابتعدت عنه بحدة تقول: "انت هتعيش، ده أنا لفاك في جيبي من أول يوم قابلتك فيه، فاكر يوم الأسانسير، ولا فاكر اللي قبله؟ ابتسم باتساع وثقة يردد: "لا طبعًا مش ناسي، إنتي اللي شكلك ناسيه يومها أنا قولت إيه." تذكرت على الفور واشتعلت عيناها تردد: "فاكرة لما عرضت عليا أكون عشيقتك؟ هارون: "براڤو عليكي، ذاكرتك قوية." غنوة: "يا بجاحتك."
هارون: "هو أولًا لما تحبي تضايقيني أو تشتميني ما تقوليش يا بجح أو بجاحتك، لأن ده وسام على صدري أساسًا، أنا هارون البجح وليا الشرف." غنوة: "أنعم وأكرم." هارون: "ثانيًا يا مراتي يا حلوة، دي مش بجاحة مني، أنا بس بضربلك مثال حي، لأنك وإنتي واقفة معايا ساعتها كنت شايف في عينك إنك مش بتحبيني ولا حاجة، وإنتي ساعتها ما كنتيش بتحبيني، تنكري؟ غنوة: "لأ." هارون: "براڤو، فينا بجاحة من بعض." غنوة: "لم نفسك واحفظ أدبك."
زم شفتيه وهز كتفيه مستنكرًا يردد: "أنا مش عارف ليه شايفة البجاحة وحشة، دي حاجة لذيذة أوي." صكت أسنانها بغيظ، فقال: "ما علينا، أنا مبسوط إنك ما أنكرتيش. ساعتها إنتي كان في دماغك خطة، بصراحة وبجاحة ببجاحة يعني، أنا كنت فاكرة طمعانة فيا، بس طلعتي طمعانة في قلبي." قال الأخيرة بنبرة لعوب ماكرة وهو يغمز لها بعينه اليسرى. واستطرد في الحديث: "هدف سامي وهدف نبيل كمان."
احتضنها له يقول: "بس بعدها إنتي حبيتينى يا غنوة وأنا عارف، حتى أنا نفسي بدأت أغير نوايايا ليكي ومبقتش الحكاية مجرد لعبة، لأ، أنا بقيت فعلاً بحبك وعايز أتجوزك. لما نظرت عيونك ليا اتغيرت غصب عنك وإنتي مش واخدة بالك، أنا كمان اللي جوايا اتغير واتبدل، وده هو اللي حصل فعلًا لو مهما حاولتِ تقاومي وتنكري." أبعدت نفسها عنه وقالت بكل ما تملك من قوة: "بس أنا مش بحبك يا هارون يا صواف."
مد يده يداعب خصلات شعرها، ثم قربهم من أنفه واستنشق عبيرهم، وردد ببُله: "لأ، والله بتحبيني يا حرم هارون الصواف." صرخت فيه: "فوق بقا، أنا مش مراتك." فردد كي يسايرها: "ماشي يا حبيبتي، مش مراتى ولا حاجة، كده حلو." حديثه البارد أثار عصبيتها، فصرخت فيه: "انت بتاخدني على قد عقلي، شايف إني عيلة صغيرة ولا عبيطة؟ قبلها قبلة خفيفة وسريعة يردد: "أحلى عيلة صغيرة وعبيطة شوفتها في حياتي." اهتز فكها العلوي من زيادة استفزازه لها،
وقالت: "أمّم، طب أحب أصدمك وأقولك إني مش مراتك ولا حاجة يا باشا." هارون: "بجد؟ أمال المأذون وكتب الكتاب اللي أنا جيت عشانه بيتك، يا بنت اللذين عرفتي تجرجريني صح." أخذت نفسًا عميقًا تبتسم بانتشاء وشعور رائع يتسللها كلما شعرت أنها غلبته في أي أمر مهما كان تافه، وقالت بحبور: "كتب كتاب إيه اللي بتتكلم عنه؟ يا حبيبي، هو إيه تاني؟ رفع حاجبه بتوجس وقلق، نبرتها اللعوب
الواثقة أثارت حفيظته وسأل: "كتب كتابنا، أنا مش جيت لك وجبنا المأذون." غنوة: "يا خسارة يا هارون، كنت زينة الشباب." هارون: "أنا مبحبش الهزار بتاعك ده." غنوة: "وأنا هيهزر معاك بتاع إيه؟ تكونش جوزي مثلاً وأنا ماعرفش؟! زادت عصبيته وأوشك صبره على النفاذ، يصرخ فيها: "بطلي أسلوبك ده وقوليلي قصدك إيه؟ ما فيهوش هزار الموضوع ده." غنوة: "وأنا قولتيلي إني مش بهزر، إحنا ماتجوزناش أصلاً." هارون: "نعمم؟ ده أنا أروح فيكي في داهية."
غنوة: "تؤ تؤ تؤ، مش عايزة استعجل على الداهية ولا تشغل بالك بيها، أنا هوديك بنفسي بعد ما آخد قلب أبويا." لكنه لم يبالِ كثيرًا، تركيزه منصب على شيء واحد: "ردي عليا، قصدك إيه؟ مش عايز أتجنن عليكي، يعني إيه مش مراتى وما اتجوزناش؟! غنوة: "زي ما سمعت، ما اتجوزناش، أنت مضيت على حاجة؟ شوفت المأذون حتى؟ عاد بذاكرته للخلف يحاول أن يتذكر، وهى ساعدته حين قالت: "أنا خدرتك قبل ما يحصل أي حاجة بالشربات بتاع أشجان، فاكر؟
اتسعت عيناها بصدمة وغضب، تتذكر أن ما تقوله قد حدث، وهو بالفعل آخر ما يتذكره عن ذلك اليوم، ولا يذكر أنه قد وقع أي عقود أو شيء من هذا القبيل. نظر لها بغل وغيظ، شعور أنه مغفل يوصله إلى قمة الجنون. أبغض شعور لديه وقد أوصلته له غنوة لأكثر من مرة وليست واحدة. فأقترب منها بخطوات ثابتة يردد بأعين مشتعلة: "بقى أنا تضحكي عليا وتستغفليني كل ده، وكمان في الآخر يطلع مافيش كتب كتاب."
كان كلما تقدم منها خطوة تعود هي بذعر للخلف خطوات، ترى الشر منبثقًا من عينيه، وقد نجح في إثارة رعبها، بينما يردد: "براحتك، كتب الكتاب ده كان عشانك، لكن أنا بكتب كتاب أو من غيره بعتبرك مراتي فمش فارق معايا كتير يعني." ردت عليه بينما تحاول الهرب منه: "قصدك إيه؟ أجابها وهو مستمر في الاقتراب منها محدد الهدف: "يعني أنا عايزك من أول يوم شوفتك فيه، وإنتي دلوقتي في بيتي، تحديدًا في أوضتي، وثانية واحدة وهتبقي على سريري."
اتسعت عيناها بصدمة ورعب، فأبتسم بظفر وقال: "عايزك تنسي الدنيا بقا وتغمضي عينك، ولا ماتتعبيش نفسك وتحاولي تنسي، أنا هنسيكي يا روح هارون." حاولت الفرار من بين يديه سريعًا لتذهب ناحية الباب، تقبض على مقبض الباب تحاول فتحه لتكتشف أنه مغلق بالمفتاح. التفت برعب لتجده قد حاصرها بين جسده والباب وذراعيه حولها يلفها بهما، يردد: "هتروحي مني فين بس يا روحي، أنا مش ناوي أعتقك من إيدي النهاردة، وما صدقت اليوم ده جه."
غنوة: "لو قربت مني هصوت وألم عليك الناس." هارون: "ناس مين اللي هتلميهم بس يا حبيبتي، مافيش هنا غير كاظم، وأراهنك إنه بيحاول يتصنت علينا دلوقتي." غنوة: "يا عيلة قذرة." رد عليها هارون وهو يداعب خصلات شعرها: "أوي، إحنا في عيلة، في القذارة والبجاحة إيه ما قولكيش." حاولت أن تتوسل له مرددة: "لو سمحت عشان خاطري... اللي انت عايزه ده حرام." هارون: "مين قال كده؟ إنتي مراتي."
غنوة: "يا دي النهار الأبيض، هو أنا مش قولتي لك اللي فيها لحقت تنسي." هارون: "تؤ، إنتي اللي نسيتي إننا اتجوزنا عرفي وإنتي مضيتي على العقود بكامل إرادتك، وهو الجواز إيه غير إيجاب وقبول." غنوة: "وإشهار." هارون: "ما أنا جيت لك، جيت لك يا بنت الناس عشان نعمل الإشهار وإنتي اللي ما عجبكيش وعارضتي، يعني العطلة من عندك، شوفتي بقا هارون حبيبك طيب قد إيه ونيته صافية وخير." صرخت فيه بجنون: "ما تقولش حبيبى." ابتسم
والتصق فيها أكثر يردد: "لأ، حبيبك، إنتي بتحبيني، وأوي كمان، غنوة إنتي مش شايفة نفسك عاملة إزاي قدامي دلوقتي، ومش شايفة جسمك اللي بيقرب مني لوحده، طبيعة، ربنا بيخلق كل زوجين في الدنيا دول بيدوروا على بعض." ضمها له بهدوء شديد، وهي استكانت بين أحضانه مستسلمة رغماً عنها، فكل ما يقوله صحيح، وهي فقط تقاوم مقاومة واهية ومكشوفة، حتى أنها واهية. زاد من ضمها له مبتسمًا وهو يشعر بها تعشقه لكن تقاوم، يردد بجوار أذنها: "ششش...
إنسي كل اللي فات وكفاية تفكير وسيبى نفسك ليا." أغمضت عينيها إثر همسه الذي أثار فيها قشعريرة قوية، وقد خارت قواها وخانها كل شيء فيها، حتى عقلها وذكريات والدها والعهد الذي اتخذته. تتخدر بين ذراعيه وهي تشعر به يفكك أزرار قميصها، ويده تتسلل بخبث إلى بشرتها الغضة من الداخل، يردد في أذنها عبارات تذيب الحديد. هو كذلك كان مخدرًا كليًا ومغيبًا عن الواقع.
وبينما هو مازال مستمرًا في فك قميصها، جعد ما بين حاجبيه وهو يستمع لصوت جلبة قادمة من بعيد من الخارج. أصوات متداخلة تقترب شيئًا فشيئًا، يستمع أحدهم يردد اسمه. أقترب الصوت أكثر وبصورة أقوى، جعلت غنوة تستفيق على فداحة ما فعلت وأنها كادت تستسلم له. أبعدته عنها بعزم قوتها وهرولت ناحية شرفة غرفته لترى ماذا هناك، وهو الآخر يتبعها.
لتتسع عينا كل منهما بصدمة كبيرة، آخر شيء توقعه، بالفعل آخر شيء. فهو حرفيًا على شفا الجنون وهو يبصر أمامه بيته تلك السيدة التي تدعى أشجان وهي تتقدم جيشًا من رجال ونساء الحي، واقفة فوق إحدى عربات النقل الصغيرة بيدها مكبر صوت تردد فيه هتافات وعبارات كثيرة، ويردد كل رجال الحي من خلفها. ظلت أشجان تردد سبابها والجمع من خلفها يردد. خرج إليهم حارس البيت يقول: "إنتوا مين وعايزين إيه؟ ردت عليه أشجان في
مكبر الصوت كي يسمع الكل: "عايزين اللي مشغلك، عايزين بنتنا، مش هنمشي من غيرها، مش كده يا رجالة؟ رد عليها الجميع: "كده." تولت أشجان المهمة ورددت: "إنت ياللي ماتتسمى ياللي اسمك هارون، اطلع لنا هنا، بت يا غنوة، أنا جيت لك أهو، عملك حاجة يا بت؟ بينما هارون يقف يحاول فقط أن يستوعب، لم يحاول إبداء أي رد فعل، بل هو حاليًا في مرحلة محاولة الاستيعاب، أن ما يراه يحدث بالفعل على الحقيقة وليس بفيلم عربي. صرخت غنوة عاليًا كي تجذب
أنظارها وهي تلوح بذراعيها: "أشجاااان، أشجاااان، أنا هنا يا أشجان." تعالت دقات على باب الغرفة، فذهب سريعًا وفتحه، وجد كاظم هو من كان يدق، يقف وهو لا يستطيع تمالك نفسه من الفرحة يردد وهو يتراقص: "غزال مصر القديمة جه برجله، عندنا تحت، عاااا." نظر له هارون باستياء وردد: "عااا؟ دي بتصيح لابن أخوك؟ هو ده اللي مخليك مش عارف تقف على بعضك ومسيب مفاصلك؟ ده بدل ما تروح تشوف الفضيحة اللي هي بتحاول تعملها وتوقفها."
رقص كاظم فرحًا يصفق بيديه مهللاً وهو يردد: "ما أنا جايلك عشان كده، قشطة يا واد، مربااا، مربا يا واد يا هارون." صك أسنانه ورد عليه بينما كور قبضتيه: "ابعد من سكتي يا عمي أحسن بلاش أرجعك هارون القديم معاك." رد عليه كاظم سريعًا ولكن وهو يتحرك أمامه بهرولة: "ابعد إيه؟ ده أنا قتيل الليلة دي، وهسبقك كمان." تحرك سريعًا ومن بعده هارون، تلحقهم غنوة التي جلبت حجابها وذهبت سريعًا، فبالتأكيد ستستطيع الفرار من هنا.
خرج ثلاثتهم ليهلل أهالي الحارة حينما أبصروا غنوة أمامهم، ورددت أشجان في مكبر الصوت: "الواد ده عملك حاجة يا بت؟ قولي ما تخافيش." هارون: "هو أنا مش قدامك أهو ما تكلميني عادي، هسمعك على فكرة، إيه لازمته الكلام في البتاع اللي في إيدك ده، حد قالك إني أطرشيت؟ ردت عليه أشجان في مكبر الصوت من جديد عند عمد مادام يضايقه وقالت: "لأ لسه، بس ما تقلقش، هطرش وتخرس كمان وتنشل عن قريب وعلى يدي بإذن واحد أحد." هارون ساخرًا: "على يدك؟
طموحة أوي." أشجان: "وقسمًا بالله ما حد هينول الشرف ده غيري." عض كاظم شفته السفلى وردد: "أموت أنا." أشجان: "سكت الراجل الكهنة أبو ركب دايبة اللي جنبك ده." كاظم: "لأ، أنا ركبي مش دايبة، ده أنا جامد أوي." هارون: "استنى إنت يا عمي دلوقتي." كاظم: "لأ مش هستنى، لازم أوريها إن ركبي مش دايبة وإني مش كهنة." أشجان: "بقولكوا إيه، كل ده مش قصتي، إحنا عايزين بنتنا عشان نروح." غنوة: "خلاص يالا، أنا جايه معاكم."
خطتت بقدميها كي تتحرك، لكنه جذبها من ذراعها بقوة وقال: "تعالى هنا، إنتي رايحة فين؟ غنوة بقوة: "إيه، هروح." هارون: "قلبك قوي أوي، فاكرة إن التجمع الحلو ده في صالحك؟ جعدت ما بين حاجبيها تنظر له بترقب، بينما هو زم شفتيه باستياء مصطنع وقال: "للأسف يا زوجتي الجميلة، التجمع ده ضدك." غنوة: "نعم؟ هارون: "أمّم، فبكل أدب وهدوء كده تدخلي بيتك، مش عايزين شوشرة." غنوة: "بيتي إيه؟ أنا بيتي هناك." رفع هارون حاجبه
الأيسر وقال بتهديد واضح: "بيتك هنا، بيت جوزك يا روحي اللي هو أنا، إنتي بنت بلد وعارفة تفكير ولاد البلد، مش هيبقى حلو أبدًا لما أطلع الورق العرفي اللي معايا، هتبقى فضيحة يا روحي، طب إنتي يرضيكي؟ يرضيكي سمعة عم صالح تتمرمط في التراب." كان يقولها بتبجح شديد يتصنع حرصه الشديد عليها. وغنوة تقف متسعة العين مصدومة بالفعل، غير قادرة على اتخاذ أي رد فعل من الصدمة، فما قاله هو ما لم تحتسب له حساب أثناء وضع خطتها الذكية تلك.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!