جلست تنظر للبحر بشرود. ما من شيء يتمثل فيه الأمان حالياً، هي حتى باتت لا تتوقعه في أحد. فحتى والدها اتضح أنه كان على علاقة بشخصيات مشبوهة، وربما بل من المؤكد أن جزء من ماله غير شرعي، ترجو ألا يكن كله. التفت تنظر خلفها تلبية لذلك الصوت الذي يناديها، فوجدت ذلك الشرطي الذي اقترب منها بخطوات رشيقة حتى بات خلفها مباشرة يقول: "آنسة لمى، إنتِ لازم تتحركي معانا دلوقتي." رمشت بأهدابها بتشوش. ما زال عقلها معطل للآن.
رمقته باستنكار وسألت: "أتحرك معاكوا؟ ليه؟ هو أنا متهمة مثلاً؟ "لأ مش قصدي... أقصد إننا لازم نقفل المكان هنا. البيت من المفروض أنه حصل فيه جريمة قتل ولازم يبقى تحت تصرفنا ومراقبتنا لفترة، يعني حضرتك ما تقدريش تستني هنا. كمان في تحقيقات لازم تكمل، حاجات كتير المفروض تحصل. ونظراً لحالتك بقترح تيجي معايا أوصلك وبلاش تسوقي." وقفت منتصبة تنظر له بجمود ثم قالت: "معايا السواق.. شكراً لذوقك.. تقدر حضرتك تتفضل وأنا هحصلك."
حمحم بإرتباك. لرغبة ما بداخله أراد توصيلها معه، ولرغبة ما أيضاً أوقفها يسأل بفضول شديد: "آنسة لمى." "أفندم." "هو هارون الصواف يعني مش ظاهر؟ بقالنا يومين في تحقيقات وتشريح جثة، المفروض إنكم مخطوبين." بابتسامة متألمة ردت عليه بنبرة ساخرة: "ما جاش عشان هارون الصواف خطيبي بيتجوز دلوقتي، عقبال عندك." اتسعت عينا رضوان فقد تفاجأ بما قالت، بل وتفاجأ أيضاً بطريقتها التي نطقت بها الخبر.
كان ما زال على وقفته متفاجئاً لتلتف إليه بعدما سارت خطوتين وقالت له: "هاجي معاك.. أنت ممكن توصلني، أوكي." رفع أنظاره لها، تفاجئه مجددًا مرة تقبل ومرة ترفض، وما قصة خطيبها الذي يتزوج هذا. هز رأسه وهو لا يجد ما يقوله وتقدم معها ناحية سيارته ليغادر بها المكان بعدما تأكد من استتباب الوضع.
جلس على طرف المقعد وهو يهز قدميه من الغيظ والغيرة. لا يجد ما يفرغ فيه غضبه سوى ذلك المسكين الجالس على المقعد المجاور، ضربه كف جديد على مؤخرة عنقه. ليصرخ "دونجل" بألم: "آآآآآآآآآآه." "إتصل بيه تاني." "مش بيفتح الاتصال." "حتى لو عمل بلوك أدخله من ميل تاني وأنت هتغلب يعني." إصطك دونجل أسنانه بغيظ ونفاذ صبر من غباء نظيره ثم ردد بكلمات متقطعة من شدة الغضب: "أدخله من صفحة تانية ليه وهو ما عملش بلوك يا بن آدم...
هو بس مش بيفتح الاتصال، وخلاص. هرشني يعني أي اتصال من أي صفحة أو ميل تاني هيعرف إنه أنا وبرضو مش هيرد، هو اللي مش عايز يرد، إفهم بقى." زاد جنون ماجد وهتف بغضب: "يعني إيه يعني مش عايز يرد." زم دونجل شفتيه بحقد يردد: "آه. ما طبعاً حد يبقى معاه المزة دي، ولوحدهم ويرد على حد. يالا بالسم الهاري، ما هي أصلها بتبقى أرزاق." فلتت أعصاب ماجد ووقف وهو يقبض على تلابيب قميص دونجل، يرجه في يده مردداً: "تقصد إيه؟ انطق."
حاول دونجل تخليص نفسه منه ويبعد قميصه عن قبضتي ماجد: "إيه يا عم حاسب، أنت هتتشطر عليا أنا؟ وبعدين خلاص ده هيبقى أبو نسب، حتى شبهك بعيون خضرا وأشقراني، يعني هتبقوا عيلة فلة. الدور والباقي عليا بعد ما المزة طارت من إيدي." تضاعف غضب ماجد: "قصدك إيه يالا." "أنت هنجت؟ كل شوية قصدك إيه قصدك إيه... إيه مالك؟ ما الكلام شارح بعضه، مش بيرد علينا عشان مستفرد بالمزة ومش عايز حد يقاطعهم."
اشتعل صدر ماجد بالغيرة والغيظ يزداد وهو بالفعل يتخيل ما هو ممكن أن يحدث عندهما الآن. عند فيروز. كانت ما زالت واقفة والغضب ينهش بقلبها وعقلها لا يرحمهما. لم تكن تلاحظ ذلك الذي وقف عن مقعده بأعين لامعة براقة واقترب منها حد الالتصاق، يحك جسده بها، واضعاً أنفه على وجنتها يردد بحرارة: "أتمنى يكون اللي قولتيِهِ صحيح."
لتوها فقط انتبهت لاقترابه الخطير منها هكذا، بل واتسعت عيناها بصدمة خصوصاً وقد سمح لنفسه بأن يمد ذراعيه ويحاوط خصرها بحميمية شديدة وهو يسحب نفسًا عميقًا محملًا برائحتها. انتفضت تحاول الابتعاد عنه لكنها لم تفلح، فقد شدد من قبضته لها يبتسم بانتشاء زادته تمنعها. فقالت هي: "إيه اللي بتعمله ده؟ أبعد عني." لكنه لم يمتثل لأمرها، بل همس بجوار أذنها بنبرة قريبة من الهوس: "أنتِ عجباني يا فيروز...
عجباني عيونك اللي خطفتني وخدودك المدورة اللي زي خدود الأطفال، ولا جسمك... جسمك رهيب... عجباني يا فيروز... عجباني أوي وحلفت لأجيبك عندي وتبقى معايا في نفس الأوضة ونفس السرير." كانت تستمع له وهي تنتفض برعب، تتسع عيناها شيئًا فشيئًا وهي تستمع بصدمة لوصفه الوقح لها. ابتلعت لعابها برعب وقالت بابتسامة مهزوزة: "أنت كمان جان و... وسيم وكمان أتركتاڤ." التوى شدقه بابتسامة مغتره ثم قال: "عاجبك؟ بكل براعة
أتقنت التمثيل وقالت بوله: "أوي." تهلل فرحًا وقال: "مش حلو تقوليها بالكلام، بفضل تقوليها بالفعل. فوق في أوضتي أو هنا لو تحبي، متوقع أنا هتكوني حاجة فوق الخيال، أنا نفسي عمري ما جربتها." كانت تنهار داخليًا. الأمر مأساوي، وبمرور الدقائق يتعقد أكثر ولا تملك بيدها سوى الحيلة الفطرية بداخلها. فابتسمت بتوتر وقالت: "لاااا، كله إلا الحرام، أه وأنت عارف." زاد من ضمه لها وهمسه أيضًا يردد: "عايزة تتجوزيني؟
رمشت بأهدابها تحاول فقط الاستيعاب، يتحدث كما لو كانت الآن تركع تحت أقدامه تتوسله وتطلب الزواج من شدة هوسها به وهو سيفكر. لتجيب سريعًا نافية: "لأ، مش هينفع." "ليه؟ "أنا مسلمة." "زواج مدني." "ما هو ده حرام بردو." "موافق أدخل الإسلام عشانك." استغربت رد فعله وسألت بصدمة: "هتسيب المسيحية بسهولة كده؟ لينفي ببلادته مرددًا: "نو... أنا مش مسيحي." ضربت على صدرها تقول: "يهودي؟ أنا كنت حاسة... المعاملة دي معاملة يهود."
"نو حبيبتي، ولا حتى يهودي... أنا ابن الطبيعية." شحب الدم من وجهها تردد بفم مفتوح: "إسم الله على مقامك.. صبرتي ونولتي يا فيروز." "ودلوقتي قربي مني أكتر، عايز أحس بيكي." حاولت التحلي بالقوة وقالت له: "قولت لك مش هينفع غير بعد الجواز." أخذ نفسًا عميقًا وقال: "أوكي، نص ساعة نروح نتجوز ونيجي." لكنها رددت بصوت مهزوز: "لاا.. الجواز عندنا له شروط وأنا بنت بنوت لازم ولي." ضيق ما بين حاجبيه وقال: "بنت بنوت؟ جاوبته: "عذراء."
برقت عيناه بفرحة والتوت زوايا فمه بنصر عظيم ثم سأل: "وولي؟ "شخص من عيلتي أو أقرب الأقارب أو حتى الجيران." ضحك بغموض وردد: "أوه... ده معناه إن لازم نروح مصر عشان يحصل كل ده." رددت سريعًا وهي تشعر بدنو هدفها: "بالظبط."
ابتسم بإستمتاع وصمت لدقيقة ينظر لها، وقد راقه ذكاؤها وطريقة تخطيطها مع صبرها، كأنها تحفر بئر بإبرة خياطة، وكم هي فِطنة وسياسية. دقيقة كانت كفيلة بأن تجعل دقات قلبها في تسارع مستمر خصوصاً وهي تبصر تلك الابتسامة غير المطمئنة بالمرة. تسمعه يردد بلكنته الإنجليزية: "أوه... تروقينني جداً يا صغيرة.. أتوق بشدة لرؤية أطفالي منكِ."
تخطى معدل دقات قلبها وهي تفطن بعضًا من كلماته التي استطاعت تكوين جملة شبه مفيدة منهم، أوحت لها بالمعنى المنشود بما يدل على كشفه لها. خصوصاً حين التصق بجسده على جسدها وهمس في أذنها: "وليه نروح لهم يا زوجتي الجميلة لما ممكن بالطيارة يجوا هنا." أنهى حديثه وابتعد عنها ينظر لها بإعجاب شديد كأنه يردد دون حديث: "شابو." لتردد بوجه شاحب: "اللي جاي سواد مش كده؟
ضحك جداً من قلبه عليها، يقرض بيده طابع حسنها ثم يغادر، و جلجلة قهقهاته تملأ المكان من حولها تزيدها رعباً. تقدم من جهاز الكمبيوتر خاصته ثم بدأ يعبث ببعض الأزرار الذي فتحت أمامه فيديو اتصال بالطرف الآخر في مصر، ليجد ماجد وكأنه غريق ينتظر قارب النجاة، يقف مقابل كاميرا الكمبيوتر كأنه سيخرج له من الجهاز، فضحك فلاد وقال بينما يقرب فيروز منه ويقبل يدها: "جهز نفسك حبيبي ماجد، راح أبعتلك طيارة خاصة بتجيبك لعندي بأقرب وقت."
صمت ثم رفع رأسه ناحية فيروز يردد بوله: "لحدي تكون ولي زوجتي الجميلة." "أنت بتتكلم سوري ولا مصري ولا إنت حكاية أهلك إيه." "أي لغة بتخيلها حبي." عاد ماجد خطوة للخلف يضع يده على رأسه يحاول الاستيعاب وردد: "أفهم بقى... تتجوز مين وزوجة إيه اللي بتتكلم عنها." ابتسم فلاديمير يرفع رأسه ناحية فيروز ثم قال بلكنته الإنجليزية بأعين تقطر إعجاب: "تلك الماكرة الجميلة."
اتسعت عينا ماجد بغضب وود لو أنه يصرخ بهم ويفرغ غضبه، لكن شيئًا ما أوحت به نظرة فيروز دون حديث جعلته يتوقف ويفكر بحلم وتروٍ، يحاول كبح جماح غيرته قليلاً وإعمال عقله، فهـدوء فيروز هذا يفهمه جيدًا، أصلاً أعلم الناس بها. لذا ابتسم بكياسة ثم قال بنفس اللكنة: "إذاً ستصبح صهري.. كم أسعدني هذا الخبر، متى سيحدث ذلك." نظر له فلاديمير نظرة ثاقبة ثم قال:
"في أسرع وقت، ربما غدًا، فأنا لا أطيق صبرًا على امتلاك تلك الجميلة، وما رأيته فهي شرسة جدًا وعنيدة ولن ترضى بما هو دون الزواج، ولن أخفي عليك عزيزي، فقد بت صهري، فأنا أكاد أصاب بالجنون كلما تخيلت نتاج زواجي من جميلتي الخبيثة تلك، بكل تأكيد سننجب شياطين حمراء ونغزو بهم العالم." ابتلع ماجد لعابه بصعوبة يحاول التحكم في غضبه وغيرته، ثم رفع أنظاره ببطء ناحية فيروزته يردد بصوت يملؤه الندم:
"لازم أتحمل، أنا فعلاً أستحق العقاب على تهوري في كل اللي حصل." بادلته النظرة كأنها تؤكد له ذلك. ربما ما يحدث ورغم خوفها الشديد وقلقها، لكن به شيء مريح، شيء أسعدها وأراحها لرؤيتها عقاب ماجد دون أي تدخل منها. لكنها لن تكتفي. لذا رددا على الفور: "لسه ما خلصناش يا... أخويا." أطبق جفنيه بقوة ثم فتحهما من جديد يردد بألم وصوت مختنق: "حقك.. يا حبيبتي وروحي.. هجيلك في أقرب وقت."
وعلى حين فاجأه ضغط فلاديمير زر أنهى الاتصال، ورفع رأسه ناحية فيروز ينظر لها بشك إلى حد ما ثم قال: "مش شايفة إن علاقتكوا ببعض غريبة شوية." رفعت رأسها كأن نهج حياتها واحد (أفضل وسيلة للدفاع الهجوم) تردد عليه بثبات: "قصدك إيه؟ "طريقته معاكي مش أخ وأخته أبدًا... حتى وهو حاضنك أو مقرب منك." "وأنت شوفت كل ده فين؟ ده أنت مراقبني بقا." "أها وعيني عليكِ وعليه." صمت يضع يداه في جيوب سرواله ثم قال:
"على العموم جهزي نفسك بكرة هنتجوز." شملها بنظرة راغبة ثم قال بصوت متهدج حتى لو كان حاسمًا: "وحاولي تداري نفسك عني لحد ما أتجوزك، إحنا دلوقتي في لحظة مش بتحصل معايا كتير، أنا مش بالنبل ده أبدًا، ساعات كمان وأنا شارب ممكن أتهور عليكِ خصوصًا وإنتِ بالجمال ده قدامي." صاح مناديًا على السيدة التي عينها بخدمتها كي تأتي، وما أن حضرت حتى قال:
"رافقيها لغرفتها وإياكي من أي خطأ أو تغافل للحظة عنها، فهي ماكرة وخبيثة إلى أقصى حد." رفعت السيدة أنظارها لرب عملها وهي مصدومة نوعًا ما مما تفوه به، ليهز رأسه مجيبًا بكل تأكيد: "نعم هي كذلك، وهذا شيء من ضمن أشياء كثيرة تروقني بها." قال الأخير وهو يتفحص جسد فيروز بعينيه حتى كأنه يوشك على التهامها. ثم التفت للخادمة وقال بتحذير شديد اللهجة:
"احرصي على ألا يراها أحد، ولتغلق الباب عليها من الداخل جيدًا، وأنا سأشدد على الحرس بتحريم الدخول لهنا من الآن فصاعدًا، أفهمتي." هزت رأسها تنظر أرضًا ثم قالت: "نعم سيدي." هز رأسه يقول: "جيد." هم كي يغادر لكنه لم يستطع، واقترب يضم فيروز له، يطبق على أضلعها داخل أحضانه يردد: "سأشتاق لكِ حلوتي." جملته كانت واضحة الترجمة بالنسبة لها، فابتسمت مجيبة: "وأنت أيضًا، كن بخير لأجلي، أرجوك." رفع إحدى حاجبيه وردد:
"يالكِ من ماكرة ههههههه." أنهى حديثه ويقهقه عاليًا ثم قال: "سأتحرك مغادرًا الآن، فلو بقيت لثانية أخرى سألهمك بشهية مفتوحة، أقسم أن أفعل." غادر سريعًا وهي الأخرى تحركت مع تلك السيدة تعود لنفس الغرفة التي سكنتها مذ جاءت لذاك المكان. عادت خالية الوفاض إلى أرضها من جديد. أرضها؟ هل هذه هي أرضها أم هناك حيث حبيبها المتخاذل الجبان؟
باتت تشعر أنها ارتكبت خطأ كبير حينما حركتها مشاعرها المجنونة المتهورة وركضت خلفها كالبلهاء باحثة عن شيء ما لم تحدد ماهيته بالضبط. وها هي قد عادت من جديد بقلب انشق نصفين، نصف مع شخص لم يكن جديرًا بقلبها جرحت بسببه شقيقتها التي تركت معها النصف الآخر. شعورها بأنها غدرت بغنوة بسبب حسن يزيد من مقتها وسخطها عليه. دَلفت للبيت تجر حقيبتها جراً. فتحت الباب لتجد ڤيولا تقف منتصبة فور رؤيتها لها وقالت:
"حمدًا لله على سلامتك عزيزتي.. همممم.. هل انتهيتِ من سفرة الأحلام؟ قلبت نغم عيناها بملل وتعب لتقول: "لا لم أفعل، والدتي الحبيبة." صرخت ڤيولا عاليًا بمجون تهم بالصراخ عليها، لكن نغم بادرت بالقول: "فلتؤجلي صراخك على لما بعد، أنا الآن مجهدة وأريد النوم." همت كي تغادر لكن توقفت تسأل: "أين أبي؟ اشتقت إليه." وقبل أن تجيب ڤيولا ردت هي: "نعم نعم تذكرت بالطبع، هو كالعادة في العمل.. ما الجديد؟ طاب مسائكِ أمي."
وبكل برد ألقت لها قبلة في الهواء ثم ذهبت لغرفتها تاركة ڤيولا خلفها تستشيط غضبًا. ولم تمر دقيقة حتى أتاها الاتصال المنتظر من صوت قاسٍ نوعًا ما يقول دون مقدمات: "أين صور زوجتي؟ تلعثمت ڤيولا في الحديث لا تعلم بما تجيب: "أ.. أهلاً وسهلاً بك سيد ستيف، أنا أنا." قاطعها ستيف بنبرة قوية غليظة: "سؤالي واضح ڤيولا، أين صور زوجتي؟ أعتقد أنه يحق لي التقييم، لأعرف فيما دفعت أموالي." حاولت ڤيولا الظهور بمظهر القوة تردد:
"أعتقد لم تدفع أموالك وأنت معصوب العينين ولم تشترِ سمكًا في الماء، لقد سبق واطلعت على صور لها." "كانت بعمر أصغر من الآن." "خمس سنوات لن تشكل فرقًا." مررت يديها على جسدها كأنه يراها وقالت: "وكما تلعب فالقالب غالب، وغنوة هي الأقرب لي في الشبه حتى أكثر من نغم التي عاشت عمرها كله معي."
"فلتعرفي ڤيولا، لن أنتظر طويلًا، لست بذلك الحلم والصبر أبدًا، لكن؛ لأجل غنوة فقط فعلت، لكن لن أستطيع الاستمرار طويلًا، فأنا أحترق شوقًا لرؤيتها، وتعلمين كذلك علم اليقين أنني لست بحاجة إلى مساعدتك العظيمة، ولكنني أفضل تمهيد الأمر لها كما قلتي لا أن أقتحم حياتها هكذا، لذا؛ إن لم تفعلي شيئًا وسريعًا سأتدخل أنا، ولا تنسي هناك قسط جديد من القرض وجب تسديده خلال أيام قلائل، لذا وجب عليك التعجيل من أجلك لا من أجلي، فقصتي معها أمر مفروغ منه، غنوة لي وليست لأحد سواي ولا حتى لنفسها، مفهوم؟
ثم أغلق الهاتف في وجهها دون أن يترك لها فرصة للرد، فارتمت على الأريكة الموجودة خلفها لا تعلم ماذا تفعل، فهي على علم بما يستطيع فعله.
ما زالت تقف أمامه متسعة العين وقد توقف عقلها الذي بدأ يوبخها الآن على ما فعلت. أين كان عقلها حين وافقت على فكرة الزواج العرفي من البداية بل والتوقيع أيضًا واستأمانه على العقدين. كانت تظن أنها هكذا تشعره باستجابتها وأنها ذائبة فيه كذوبان قطعة سكر في كوب شاي أسود ولا تريد شيئًا منه تعشقه بحق، وأن الزواج العرفي سيجعلها قريبة منه في أوقات كثيرة وربما فلحت مرة في تنفيذ ما تريد. تراه ليس بزواج من الأساس وهو بالتأكيد لن يبادر بإشهاره، لينقلب السحر على الساحر. وورقتا الزواج العرفي اللذان ظنتهما شيئًا سيرغب بشدة في إنكارهما والتملص منهما ليأتي هو ويخالف كل التوقعات فيستخدمهما ضدها لابتزازها والضغط عليها.
كان لا يزال يقف مقابلها ينظر لها بتحدٍ سافر، فقطع كل ذلك الصمت صوت أشجان التي تحدثت عبر مكبر الصوت: "أنتِ يا بت.. واقفة كده ليه، يالا خلينا نروح." التفت غنوة وغمزت لها بعينها أن تصمت. فهمت أشجان بنباهتها المحدودة على الفور وتركت مكبر الصوت ثم هبطت من على السيارة بخفة ورشاقة تترجل على قدميها أمام كاظم الذي استقبلها يلوح لها بيديه: "براحة على الأرض عشان مش بتاعتنا." نظرت له أشجان شزرًا ثم قالت:
"إتهد يا راجل أنت، أنت ما فكك زقة." "أنا؟ ده أنا قلبي حديد." "ربنا يسامحك على الكذبة دي.. أوعى من سكتي.. أوعى." تخطته سريعًا تقف بجوار غنوة تهمس لها: "إيه يا بت.. بقا أنا لميت اللمة وأجرت العربية وجايلك وأنتِ واقفة متنحة؟ ما تتحركي يالا الناس واقفة مش فاهمة حاجة." لتجيب عليها غنوة هامسة: "هدي اللعب حبة، ابن الصواف بيهددني بالورق العرفي اللي معاه." "نهار أمه أسود." "ده هيبقى نهار أمي أنا اللي أسود."
"لا كده لازم ناخده على حجرنا، على الأقل لحد ما الناس المللمومة دي تمشي ونشوف هنعمل فيه إيه." "بالظبط." "طب يالا، خشّي عليه." التفت غنوة تحمحم مجلية صوتها ثم قالت لهارون: "أحمم... على فكرة آخر حاجة كنت أتوقعها منها وبتقول إنك هتعودني، كنت عارفة، كنت متأكدة، كل ده كلام، هو الكلام سهل أنا عارفة." ابتسم هارون وقال: "مش محتاجة تعملي كل ده خالص، أنا عندي استعداد تاخديني على حجرك وأنا زي الأهطل كده عادي." أُحرجت كثيرًا،
هندمت ملابسها تهمس لأشجان: "أحمم أحمم، شكله سمعنا." ضحك هارون وقال لأشجان: "يالا زي الشاطرة كده زي ما لميتيهم إسرفيهم." "عيني يا أخويا حاضر." نظر لها هارون وقال مستنكرًا: "من امتى الطاعة دي." ابتسمت له أشجان تقول بسماجة: "ده نظام لو ليك حاجة عند الكلب." مكملاً: "قوله يا سيدي." "بالظبط يا سيدي." بعد عشر دقائق كانوا يجلسون داخل البيت بعدما أصرت أشجان على مرافقة غنوة ورحب كاظم بذلك. "أظن إننا نتفق." "على إيه."
"هو إيه اللي على إيه، عايزين الورقتين اللي معاك." "ليه؟ "هو إيه اللي ليه، أنت هتلعب." "أنتِ اللي بدأتي اللعب يا حياتي." "ده أنا اللي هنهيلك حياتك بإيدي إن شاء الله." "أنا مش فاضي رايح شغلي.. لما أرجع نبقى نكمل كلامنا." وقف سريعًا يغادر لتقف أشجان بجوار غنوة مرددة: "هنعـمل إيه." "اصبري هقولك." وقف كاظم من مقعده يتمسح بها مرددًا: "بس.. بس." صرخت أشجان في وجهه: "إيه عايز إيه."
"ما براحة يا غزال.. أنتِ تملي طلقك حامي كده." "أه." "وهو ده اللي عاجبني فيكي... حرشة." "بقولك إيه أنا دماغي هباب مني ومش طالبة، قول عايز إيه وخلصني." "عايزك تخلي عينك عليا عشان هبقى حبيبك الفترة الجاية." نظرت له أشجان من أسفله لأعلاه ثم قالت: "بس يا راجل يا أبو ركب بايشة." "بس لذيذ.. وربنا لذيذ." نظرت لغنوة تقول بنفاذ صبر: "قدامي نشزف زفت أوضة نقعد فيها لحد ما تبان لها آخر."
في ساعة متأخرة من الليل تسللت كل من أشجان وغنوة إلى مكتب هارون بالطابق الأرضي، وبسرعة وخفة بدأت كل واحدة بالبحث في اتجاه. ليضاء النور فاجئه ويظهر هارون يهاتفه يسجل فيديو لتلك اللحظة وهو يردد: "إضحكي يا حبيبتي عشان الصورة تطلع حلوة."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!