كانت مشاجرة عنيفة والأصوات عالية، الكل يحاول التدخل لفض ذلك النزاع القائم على لا شيء. تجمهر عدد غفير في الشارع والشرفات يتفرجون على ذلك المشهد المسرحي. لا يعلم أي منهم تفاصيل كثيرة سوى أن "الست أشجان" تتشاجر مع أحد سائقي سيارات الأجرة. وقد حاول عدد لا بأس به التدخل أو محاولة إسكات أشجان قليلاً لكنها لم تسمح لأحد بذلك أو حتى تعطيه الفرصة. بل ظلت ممسكة بتلابيبه تهزه يميناً ويساراً تقلل من قيمته وهي تهتف بصوت عالٍ:
"والله لو عملتوا إيه مش هسيبه الناقص ده، هو إيه سكتنا له دخل بحماره، أربعين جنيه إيه اللي عايزهم، أربعين عفريت أما يبقوا ينططوه.. ليييه ولا على إيييه." بينما السائق الذي غرته قواه مسبقاً وظن أنه لن يقدر عليه أحد، كان كالخرقة البالية بين يدي أشجان بعدما أهانت كرامته شر إهانة. يردد نفس الجملة من أول ما بدأ الشجار: "أنا مش عايز أمد إيدي عليكي." جذبت ياقة قميصه بصورة أكثر عنف ومهانة، ترددت بتجبر:
"لأ مد.. وريني.. ما تمد." وغنوة بجوارها تحاول إثنائها عن كل ما يحدث، فلديها ما هو أهم. غنوة: "يا ستي سبيه بقا ولو على الأربعين جنيه أنا هدفعهم خلينا نشوف اللي ورانا." لكن أشجان كانت ما تزال تقبض على تلابيب السائق في وضع الاستعداد كي تضربه بجبهتها في جبهته. حين ردت عليها رافضة بشده:
"تديله إيه هما الخمسة وعشرين جنيه اللي خدهم وبس ويحمد ربنا ويبوس إيده وش وضهر كمان، ده الناس بقت جشعة أوي، ومن قدره ماشي ورايا لحد هنا وأنا وليه عزبة ووحدانية." ضحك عدد من الجمهور رغم عنهم، فالتفت تبصر من ضحك هذا بحدة ليكتم الكل ضحكاته. فتدخلت غنوة بتوسل: "يا ستي سبيه بقا أبوس أنا إيدك، أنتي ناسيه المصيبة اللي عندي في البيت." توقفت أشجان لدقيقة تفكر ثم قالت: "ماشي.. هسيبه بس عشان أنا رجلي وجعتني من الوقفة مش أكتر."
أبعدت يداها عن قميصه واستعدت لكي تبتعد وهي تقول: "ما تبقاش تعمل كده تاني." تقدم أحد الرجال يعطيه زجاجة ماء ليشرب وهو يقول له: "خد إشرب يا ابني خليك تمشي." التقط منه السائق زجاجة الماء يرتشف منها القليل وقال بأنفاس مضطربة لاهثة: "وربنا ما رضيت أمد إيدي عليها عشان واحدة ست ولو إنها مش ست أوي يعني." استمعت إليه، من حظه العسر أنها استمعت إليه. لقد كادت أن تغادر أخيراً، لكنها استمعت لما قال. وعادت تهجم عليه وهي تردد:
"سمعتك.. سمعتك.. هي مين دي اللي مش ست أوي يا سليل سيد قشطة أنت، والله والدرافيل بقت تتكلم يا ولاد، دي القوالب نامت والإنصاص قامت." غنوة: "خلاص بقا.. كفاية.. قولتلك سبيه ورانا مصيبة." انتبه لها أحد الواقفين وردد بصوت مشدوه: "مصيبة؟ مصيبة إيه يا غنوة يا بنتي؟ ارتبكت غنوة لكن حاولت أن تظهر متماسكة وقالت سريعاً: "لأ ولا حاجة، ده الأكل شاط.. يلا أشجان عشان نشوف صرفه يالا سيب الراجل بقا." ألتفت أشجان ونظرت للسائق قائلة:
"انكتب لك عمر جديد واتنجدت من تحت إيدي.. لو شوفتك النواحي دي تاني هتبقى ليلتك سودا سامع.. يلا.. يلا زق عجلك واتكل على الله." تعجل الرجل في المغادرة سريعاً، فتلك السيدة رهيبة فعلياً وقد أضاعت له يومه في الشجار على أجرة زيادة لم يأخذها بالآخر. وهي سارت باتجاه البيت تدخل وهي تستمع لغنوة تردد بعصبية: "بقا أنتي واقفة ساعة تتخانقي على عشرة جنيه زيادة يا مفترية." فتحت الباب ودلفت للداخل وهي تردد:
"الله مش كنت بأمن تربة للمعدول." صدح صوته يقول: "ياااه بنفسك، كنتي بتوصلي على التربة بنفسك." تقدمت تنظر له بشماتة سعيدة جداً ثم رددت: "وأنا هعملها لأغلى منك يعني، ده مشوار الهنا والسعد، بقالي كام سنة نفسي أمشيلك المشوار ده." هارون: "فيكي الخير فيكي الخير." انتبهت غنوة وأشجان على وجود نغم تقف لجوار هارون فقالت: "نغم.. مش كنتي بتقولي مسافرة." نغم: "أيوه بس رجعت عشان في موضوع مهم جداً وضروري لازم تعرفيه."
لكن غنوة لم تكن تبالي بالموضوع الذي عادت لأجله، كل ما سيطر عليها لحظتها هو الحزن الشديد وقالت برفض: "والله.. أممم ده شكله موضوع مهم أوي اللي خلاكي تأجلي سفرك وترجعي، بس على فشوش يا نغم، امشي إطلعي برا.. أنا مش عايزة أعرف الموضوع ده." صدم هارون كثيراً من ردة فعلها لكن نغم كانت متفهمة جداً وقالت: "غنوه.. إفهيميني.. أنا مشيت غصب عني... أنا قلبي اتكسر وكان لازم أسيب هنا."
حاولت غنوة مجاهدة الدموع لكن على ما يبدو لم تفلح، وقد حانت منها رغماً عنها. نظرة ناحية هارون رددت بعدها: "فعلاً؟ قلبك اتكسر؟! ما أنا يومياً قلبي بيتكسر.. ما قولتش همشي وأفارق ليه.. جيتي من الأول ليه.. ما أنا كنت عايشة.. كنت عايشة ومتأقلمة وأخدت على كده وأنا عارفة إني لوحدي، جيتي انتي ليه وليه خلتيني أتعلق بيكي." زرفت الدموع رغماً عنها تحت أعين هارون الذي لم يحيد بنظره وتركيزه عنها، يشعر ويتفهم ما تقوله.
أكملت غنوة بعدما مسحت دموعها وقالت بشيء من الحدة والقوة: "بس تعرفي.. الغلط مش عندك لوحدك.. أنا اللي كان لازم أرفضك من البداية وأعرف إن زيك زي أمك، هوايتكوا إنكم تعلقوا قلوب الناس بيكم وتستلذوا بشوفتهم وهم بيتعبوا ويتعذبوا بسبب بعدكم وانسحابكم من حياتهم، أنتي بتعملي نفس اللي أمك عملته في أبويا زمان." نغم: "يا غنوة أنا.... قاطعتها غنوة صارخة بها:
"مش هسمع منك كلام.. اطلعي برا.. انتي لا عندك قلب ولا بتحسي زي أمك بالظبط... نسخة منها." كلماتها الأخيرة ذكرت نغم بنفس الحديث السام الذي بخه حسن في وجهها، فخرجت عن شعورها وصرخت فيها: "وهو أنا بس اللي زي أمي؟ انتي كمان بنتها وواخده نفس الطباع حتى الشكل وطبقة الصوت." غنوة: "اخرسي." نغم: "لأ مش هخرس.. إيه زعلتك الحقيقة؟ انتي زيها بالظبط.. مش ده هارون اللي كنتي دايبة فيه دوب." غنوة:
"دي قصة طويلة انتي ماتعرفيش عنها حاجة.. انتي ما عيشتيش ربع اللي أنا عيشته." تدخلت أشجان: "ما نسيب بقا الغسل الدفنه اللي ورانا ونقعد نجيب تاريخ أمكم من أوله، أيييه في إيه؟ أشارت على هارون ورددت بغيظ: "أنا مش هرتاح ولا يهنالي بالي غير لما الواد ده يرتاح على جنبه اليمين في التربة اللي أنا اخترتها له بنفسي." مالت عليه وقالت بشماتة وتشفي: "أما أنا يا واد اختارت لك حتة تربة في مقابر الصدقة إنما إيه." هارون:
"مقابر صدقة.. أخرتها في مقابر صدقة." أشجان: "هو الموت كمان فيه أنعره، هو كفن وتربة زي كل الأموات، بس نقول إيه ما أهو ابن آدم مخلوق نمرود." شمرت عن ذراعيها تقول: "استعيني على الشقا بالله." لكن هارون قد باغتهم بضربة من جبهته في جبهتها جعلتها ترتد أرضاً وشهقت على أثرها نغم وغنوة. غنوة: "انت فكيت نفسك أزاى؟ نظرت لنغم التي رفعت كفيها كعلامة إخلاء مسؤولية وقالت:
"والله هو اللي قال لي أفكه وبعدها ما أبينش إني فكيته، ما كنتش فاهمه حاجة افتكرتكم بتهزروا مع بعض." لم تتاح لغنوة الفرصة كي تسبها حيث باغتها هارون بأن وضع يده على فمها كمم وحملها على ذراعيه يغادر بها يستقل السيارة السوداء التي توقفت للتو أمام باب البيت. فوضعوا فيها غنوة قسراً دون أن ينتبه عدد كبير بما حدث وغادرت في لمح البصر. كانت تصرخ بصوت مكتوم من كفه التي تمنعها. اقترب من أذنها وقال من بين أسنانه:
"اخرسي خالص واسكتي أحسن لك." صمتت برعب مما تراه في عيناه. التوى جانب فمه بابتسامة شريرة وقال: "أيووه.. تخرسي خالص وتقعدي كده بينك وبين نفسك تستعدي للي جاي عشان اللي جاي سواد.... سواد يا غنوة... ولا أقولك يا غنوتي." ابتسم بسماجة وقال: "لأ أنا أقولك الأحسن، يا زوجتي الجميلة." نزع كفه من على فمها ثم اعتدل في جلسته يستند بظهره ورأسه على المقعد الخلفي للسيارة. ثم أخذ نفس عميق يردد بصوت أمر لكنه هادئ:
"مش عايز من هنا لحد ما نوصل أسمع لك صوت.. فاهمه." فوراً سمعت صوته انتفضت من مقعدها والتفت حول الطاولة تتعثر في المقاعد الكثيرة المحيطة بالمائدة بطريقة استرعت انتباه فلاديمير الذي يتابعها بأعين صقر. ووقفت أمام شاشة الهاتف تتسمع إلى صوته يردد: "مرحباً سيد فلاديمير، ما رأيك، لم تكن تعتقد أنني قد استطعت الوصول إليك بنفسي، وحدي وبهذه السرعة." ابتسم فلاديمير وردد:
"للحقيقة.. نعم.. دعني أسجل إعجابي بفريق عملك، عمل جيد جيد يا صديقي فمن يصل بهذه الطريقة إلى الحساب الشخصي الخاص بي فهو خارق الذكاء." تدخل دونجل في الشاشة وقال بابتسامة مغترة: "شكراً لك سيدي." ثم أكمل بنظرة ملتاعة: "كله لأجل العيون الرمادي، يرخص لها الغالي والله." بسرعة كرد فعل طبيعي دون التفكير سدد له ماجد ضربة قوية مغتاظة ثم نظر إلى فلاديمير الذي جعد ما بين حاجبيه وقال يدعي الغباء والجهل: "ماذا قال ذلك الصبي." ماجد:
"لا عليك ودعنا ندخل بصلب الموضوع." فلاديمير: "ولكني مصر على فهم قصده." وقفت دونجل بتعثر وقال له بعدما تأوه بألم: "آآآه... لا عليك سيدي.. إنها مواضيع أسرية.. فأنا مجبر على تحمل ذلك البغل فقط كونه شقيق الفتاة التي أنوي بإذن الله الزواج بها." فلاديمير: "ماذا؟ تتزوج من؟ صرخ ماجد يقول: "هل سنترك كل شيء ونصب كل حديثنا حول زواج كلايكما." هنا واقتربت فيروز أكثر حتى ظهرت مع فلاديمير في الشاشة.
كانت تقف بعيداً عن كادر الكاميرا لكنها تراه، شيء ما حركه لتجعله يراها، لا تعلم هل لترضيحه بإشباع عينيه بها أم لتقتله بزيادة شوقه لها. وحينما لاحت صورتها أمام عينيه تقف خلف فلاديمير كأن الزمن قد توقف به، لمعت عيناه بدمعة مزيج من الاشتياق والفرحة يردد: "حبيبتي... وحشتيني أوي." تدخل دونجل يقول خلسة: "وأنا." كانت تنظر له بأعين صامتة تماماً بها من الاتهام ما يكفي لأن تبدو كرصاص اخترق صدره. انتبه الكل
على صوت فلاديمير الذي ردد: "من هذا أيضاً." قالها يقصد ذلك المعجب الولهان الذي تقطر عيناه قلوباً وهو يبصر فيروز أمامه. تحدث دونجل بزهو وفخر: "أنا مهند والشهره دونجل سأصبح بإذن واحد أحد خطيب تلك الجوهرة الحسناء التي انتزع من قلبك كل إحساس وخير حين فكرت باختطافها... هذه؟ أتُخطف هذه؟ كيف طاوعك قلبك يا رجل بحق الله؟ كيف؟ قل لي كيف؟ بدأ الغضب يشتعل في صدر فلاديمير الذي قال لماجد: "بماذا يهذي هذا الجحش." دونجل:
"لآآآ.. لقد تمت إهانتي.. لن أصمت.. لن أصمت." ماجد: "كفااااااا." صمت الكل وبقي هو ينظر في عين فيروز التي ما تزال تواجهه بنفس النظرة وسألها: "فيروز.. عاملة إيه يا حبيبتي؟ جاوبت عليه بجمود: "بجد؟ بتسأل؟ أنا المفروض أكون ميتة دلوقتي بعد اللي عملته فيا وجالك قلب تعمله ولا بعد كلامك اللي قولتهولي." أغمض ماجد عينيه يطبقهما بقوة شديدة وهو يردد: "أنا آسف.. آسف.. حقك عليا.. الغيرة عمتني يا حبيبتي.. ال...
قاطعه دونجل يردد ببلاهة: "حبيبتك إيه وغيرة إيه.. أنا ليه حاسس إني في حلقة من حلقات العشق الممنوع... لأ استنى.. غلطان غلطان." ضرب كفاً بآخر وقال: "شوف يا أخي الدماغ القذرة لما تشتغل... يعني واحد وأخته ما لازم تبقى أخته وحبيبته يعني.. صحيح يا ولاد إن بعض الظن إثم." زفر فلاديمير بضيق وملل بعدما قلب عينيه وردد بنفاذ صبر: "خلصتوا؟ ولا لسه شوية." جعد ماجد ما بين حاجبيه باستنكار بينما ردد دونجل:
"أوباااا.. ده طلع ابن بلد أهو وبيتكلم زيينا." ماجد: "يعني بتتكلم مصري وقاعد واجع قلبنا من الصبح... رجع فيروز واللي ليك خده ولو إني مش عارف هو إيه فعلاً." فلاديمير: "اها بس مين قالك إني لسه عايز الألماسة بتاعتي، أنا مكتفي باللي معايا." قال الأخيرة وهو ينظر بوله ناحية فيروز، نظرة جعلت فك ماجد يهتز بغضب وغيره ونفور وصرخ فيه: "هو فيه إيه بالظبط ولا إيه الحكاية؟ فلاديمير:
"زي ما فهمت بالظبط، أنا موافق اتنازل عن صفقة الماس وأهديها لزوجتي فيروز وكمان الألماسة." صرخ دونجل: "زوجة مين، ده أنا أروح فيكوا في داهية، أنا قتيل الجوازة دي." فلاديمير: "يستحسن الشيء ده يسكت وأنا من جهتي هسيبه عايش بعد اللي قاله على زوجتي." ماجد: "زوجة مين أنت أكيد اتجننت.. مين قالك إن ده ممكن يحصل أصلاً؟ فلاديمير ببرود: "إيه سبب اعتراضك؟ وكعادة ماجد الشكاكة والمتورة رفع نظره يوجه حديثه إلى فيروز متسائلاً باستهجان:
"شايفك ساكتة يعني على غير عادتك ولسانك الطويل؟! أعوجت رقبة فلاديمير يرفع رأسه يبصر فيروز بفرحة وهيام ثم قال بصوت يرقص فرحاً: "ده دليل على إنها موافقة، أنا كمان وصلتني معلومات عن لسانها الطويل." بينما فيروز تقف متسعة العين مكسورة الفؤاد. مجدداً... مجدداً يكررها ماجد، الشك.. إنه الشك مجدداً. أقرب وأسرع شيء يفعله، لم تنسى حتى الآن وهو حتى لم يبرر فعلته ويبدي ندمه حتى سرعان ما جدد وكرر الأمر.
بينما ماجد لم يكن يبصر دمعها جيداً، حبه الشديد لهو كره ملتهبة تعصف بداخله بغيرة، غيرة تفتعل أخطاء فادحة لا تغتفر بسهولة. صرخ بلا تفكير أوقفته الغيرة يهتف: "ما تردوا عليا، هو أنا بكلم نفسي، تعرفها من امتى." رفع عينيه المتهمة بوضوح وسألها هي: "ما تردي انتي يا هانم، يعرفك منين يخليه يخطفك عشان شغل انتي مالكيش دعوة بيه؟ ومن أمتى؟ إيه اللي يخليه واصل للمرحلة دي؟ وانتي... انتي فين لسانك اللي مابيرحمش؟ شايفك ساكتة يعني؟
أطبقت جفنيها بقوة تكافح دموعها ثم فتحتهما مجدداً تسحب نفس عميق ثم رددت ببرود: "تفتكر هيكون إيه غير الحب يا ميجو يا أخويا." اتسعت عيناه بصدمة بينما تهلل وجه فلاديمير فرحاً وضرب مهند وجهه بكفه مردداً: "طارت المزة." كانت صامتة تماماً بترقب طوال الطريق الذي لم يستغرق الكثير من الوقت أو يحتاج ذاكرة قوية لحفظه ولا معلومات للتعرفه.
بل كانت تحفظه عن ظهر قلب، إنه منزل الصواف العريق، يرجع أصله إلى مؤسس تلك العائلة منذ قرابة المئة عام ورثه الابن للحفيد. وبينما يشق السائق بالسيارة للداخل كانت هي تنظر لذلك البارد الجالس بجوارها وقالت: "إحنا جايبين هنا نعمل إيه؟ رد عليها بكلمة واحدة: "بيتي." صكت أسنانها بغيظ وقالت بينما تكور قبضة يدها بغيظ وغل: "ما أنا عارفة إنه بيتك." وضع نظارة الشمس على عينه مما زاده وسامة وردد بوقار ساخراً بينما ينظر أمامه:
"آه صحيح ما انتي معاكي تاريخي كله وخط سيري." مد يده فتح باب السيارة بجواره وقال أمراً: "انزلي." ترجل من السيارة ينتظرها لكنها لم تمتثل لأمره وتفعل، فاستدار حول السيارة يفتح الباب لها وقال بغضب: "إيه ساعة هستناكي.. مش قولت انزلي." لكن غنوة لم تكن خائفة إلى حد كبير، لا يوجد لديها ما يمكن خسارته فردت عليه بأعين قوية: "وأنا برضو سألتك جينا هنا ليه؟ بإعجاب برع في مداراته ردد بجمود: "أظن عندك ودان، وأنا قولت ده بيتي."
غنوة: "هو أنا سألتك انت هنا بتعمل إيه؟ أنا سؤالي واضح.. أنا هنا بعمل إيه؟ وضع كفيه داخل جيوب بنطاله وقال ببرود: "ما هي دي إجابة السؤالين، أنا هنا ليه عشان ده بيتي.. انتي هنا ليه؟ رفع صوته عالياً وقال: "عشان أنا هنا وده بيتي." عاد يخفض نبرة صوته ومال على أذنها يكرر: "عرفتي انتي هنا ليه؟ رفع صوته مرة أخرى جعل صوته يهز الأركان وردد: "عشان انتي مراتي يا هانم." صدح صوت يردد متهللاً: "إيه ده؟ أنت اتجوزت يا واد يا هارون؟
التف ليبصر عمه يخرج من باب البيت فجعد هارون ما بين حاجبيه وسأله باستنكار: "عمي؟ أنت خرجت امتى من المستشفى؟ كاظم: "لاقيت مالهوش لزوم بعد ما غزال مصر القديمة بطل يروح." هارون: "غزال مصر القديمة مين؟! لم يتخذ ثواني حتى فهم وقال بغل: "عمي... لو عايز تفضل عمي وأنا ابن أخوك بجد تنسى الست دي نهائي." كاظم: "ليه كده بس.. مش قولتلي عندك استعداد تعمل أي حاجة عشان أسامحك وأرجع كاظم بتاع زمان." هارون بغيظ:
"ومالقتش إلا الحرمة السعرانة دي؟ ردد كاظم بوله بينما يعض شفته السفلى: "ماهو عشان كده.. حرشه." تقوصت شفة هارون السفلى بتقزز وردد: "يخربيت مزاجك يا عمي." التف ونظر إلى غنوة التي ما تزال تجلس في المقعد الخلفي وصرخ فيها: "إيه.. هتفضلي قاعدة.. مش قولت لك انزلي." غنوة: "وأنا قولت لك مش نازلة." هارون ببرود: "يا سلام.. أوى أوى.. أشيلك." صرخت برعب وقالت: "لأ لأ خلاص.. هنزل هنزل." ترجلت من السيارة بسرعة فقال:
"أيوه كده.. الأدب فضلوا عن العلم." غنوة: "يعني انت ولا متربي ولا متعلم." اهتز فكه وصك أسنانه يردد بغيظ مكظوم: "لمي لسانك عيب... عيب تطولي لسانك على جوزك." غنوة: "جوز مين انت صدقت نفسك." تدخل كاظم بذهول متسائلاً: "إنتوا صحيح اتجوزتوا.. أنا كنت حاسس من أول يوم شفتك معاها في القاعة أيام خطوبتك الأولانية، أسد وغزال والله.. كان لازم تتجوزوا." هارون: "شكراً يا عمي." كاظم: "شكراً يا عمي؟! يا أخي مش حلوة.. مش مستطعمة."
هارون: "هو إيه." كاظم: "هارون المؤدب البار بأهله... التاني أحلى.. هارون الواطي الزبالة." نظر هارون بوعيد ناحية غنوة وردد: "أنا شايف كده بردو." وفي لمح البصر مال عليها حملها بحيث تدلت رأسها من على ظهره وصعد بها الدرج غير عابئ بصراخها وكاظم من خلفه يردد: "يارتني بعرف أزغرط والله... حفيد الصواف بيتجوز يا ولاد." ظل يصعد بها الدرج وهي تصرخ فيه بغضب شديد.
سار بها من ممر لآخر حتى وصل إلى غرفته وأغلق الباب خلفه حتى أنها استمعت لصوت المفتاح يدور في الباب. ثم أنزلها أرضاً سامحاً لها بالصراخ: "انت يا بيه انت يا أستاذ.. انت فاكرها سايبة." نظر لها وضحك بصدق يقهقه عالياً ثم قال: "الله.. ما هي كانت سايبة من كام ساعة وكنتي هتموتيني انتي والولية اللي معاكي اللي عايزة تريحني على جنبي اليمين.. دلوقتي مابقتش سايبة وبقى في حكومة في البلد؟ اقتربت منه تقول بتهذيب شديد:
"صدقني.. أنا مش بكرهك ولا عايزة أذيك." نظر لها هارون بعدم استيعاب وقال: "يا راااجل.. صحيح ما كنتيش عايزة تأذيني، انتي كنتي ناوية تقتيليني بس." اقتربت منه خطوة أخرى تردد بنفس التهذيب تشرح لها بيدها ببساطة وسلاسة: "صدقني أنا فعلاً مش عايزة منك أي حاجة والله.. هما أربع غرز اتنين في اتنين هفتح بيهم صدرك من ناحية الشمال وآخد قلبك وبس والله." كان يستمع لها وهي تشرح بسلاسة وبساطة كأنها ستختلس ملعقة مكرونة من طبق كبير.
ضحك رغماً عنه وهو يردد بجنون: "يا سلام.. بالبساطة دي." غنوة: "أهو... شوفت." هارون: "انتي هبلة ولا عبيطة." تحولت ملامح وجهها للعضب الشديد ثم صرخت فيه: "لأ مش عبيطة... أنا فعلاً أقسم لك بالله ما عايزة منك حاجة غير قلب أبويا.. عشان أدفنه جنبه. أنا أبويا مش مرتاح في نومته." انفجر هارون في وجهها يصرخ بجنون: "ولما تاخدي قلب أبوكي يا غبية ما أنا كده هموت." صرخت هي الأخرى بدورها:
"ما تشوفلك قلب أي قلب تاني تشتريه بفلوسك، هو أنت هتغلب يعني." زم شفتيه وهو يشعر أن الحديث معها يأخذه باتجاه الجنون. اتسعت عيناها وهي تبصره أمامها يخلع عنه معطفه ثم من بعده شرع في فك أزرار قميصه فصرخت برعب: "انت بتعمل إيه؟! استمر في خلع ثيابه يردد: "الكلام معاكي هيوديني مستشفى المجانين عشان كده أنا شايف إن الفعل أحسن من العته اللي إحنا بنتكلم فيه ده." تراجعت للخلف برعب وهي تردد: "فعل إيه اللي بتتكلم عنه."
اخذ يقترب منها وهو يجيبها بشوق ورغبة: "واحد ومراته لأول مرة لوحدهم في أوضة نومه تفتكري هيكون إيه الفعل." فهمت ما يرنوا إليه وتملكها الرعب أكثر تصرخ عالياً خصوصاً وهي تراه قد تخلص من قميصه بالفعل وبقي أمامها يقترب منها كالفريسة التي أوقعها في الفخ وهو عاري الصدر.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!