الوضع مذرى للغاية، يبدو أنه قد وصل للحد معها. برود عينيها يوحي أنه قد فقد بغبائه كل الفرص. تلك العينان الباردتان اللتان يتعرف عليهما لتوه، فعينا نغم القديمة كانت تشع سعادة وشغف كلما رأته. صوته يثير بهجة في وجهها الذي يستحيل للأبيض المشرب بالحمرة. ذلك الوجه وتلك الملامح التي كانت ولا تزال أجمل من أجمل منظر طبيعي يمتع النظر والعين.
لكن تلك التي تقف الآن بأعين فقدت الشغف والمجون تجاهه لا يعرفها. ظن فتحها للباب والسماح له بالدخول لهو موافقة غير منطوقة منها. لكن ما يراه لا يبشر بذلك مطلقاً، خصوصاً حينما أشاحت بوجهها عنه وكتفت ذراعيها حول صدرها، تسأل بوجوم: "أنت لسه هنا بتعمل إيه؟ قولت لك ارجع على بلدك." تقدم منها بلهفة يردد: "من غيرك مش ممكن." التفتت توليه ظهرها وقالت بحزن كبير: "فات الوقت يا حسن، صدقني أنت بتضيع وقت على الفاضي."
أقترب منها أكثر ولف حتى أصبح هو مقابلها، يقول برجاء: "أنا بعت إلى ورايا واللي قدامي وجيت على بلد لا أعرفها ولا تعرفني، ولا عارف أنطق كلمة واحدة مع أهلها عشانك. أنا نمت في الشارع عشانك، مش عارف أكل أو أشرب من ساعة ما جيت بردوا عشانك. أنتي مش عارفة أنا إيه اللي بيحصل لي كل ليلة ولا بقضيها إزاي بس متحمل عشانك."
أسبلت جفنيها بألم، لما هو مصمم على إلقاء كل حمولته على عاتقها هي. هو من فعل ذلك بحاله، هو من وصل بها وبنفسه لتلك النقطة... نقطة اللاعودة. ضحكت بألم. لطالما أحب ضحكتها، لكن تلك لم يتمنى رؤيتها يوماً. خصوصاً وأن ما سيتبعها لن يكن ساراً أبداً. بالفعل، تحدثت بكل ألم وقالت:
"أشطر واحد في الدنيا في إنك ترمي كل الذنوب اللي كنت أنت السبب فيها على الطرف التاني. ارجع بالذاكرة لورا شوية وافتكر لو نسيت. أنت خذلتني بدل المرة ألف، أنت مش صعبان عليا خالص. ياريت تطلع من هنا على المطار وترجع بلدك لأن المرة الجاية أنا مش هفتح لك الباب تاني." هم للتحدث من جديد كي يرجوها، لكنها تقدمت من باب البيت وفتحته، ثم هتفت بقوة: "اطلع برا يا حسن."
ظل ثابت في مكانه، لم يتحرك، منصدم كلياً من شخصية تلك النغم التي يراها. لقد كانت كالبسكويت الناعم بين يديه بالقاهرة، فما الذي تغير؟ هل طبيعة الطقس غيرت من ملامح شخصيتها فأصبحت باردة كما طقس بلادها؟ وأمام صمته التام، قالت مجدداً بقوة: "قولت لك اطلع برا."
تقدم بخطى حثيثة يتحرك ناحية الباب، ينظر لها باستعطاف عل قلبها يرق عليه، لكنها كانت تنظر بعيداً عن عيناه. لن تعطي مجال لابتزازه العاطفي أبداً. أصبح على أعتاب البيت فأغلقت الباب بقوة، ثم سمحت لنفسها أخيراً بإطلاق صراح دموعها المحبوسة في عينيها. تزحزحت أقدامها من تحتها شيئاً فشيئاً حتى جلست أرضاً تبكي وتشقق.
المؤلم في الأمر أنه كان يقف بالخارج يستمع لبكائها، ويعلم تمام العلم أنه هو السبب لما وصلا إليه الآن، وأنه أيضاً يتوجب عليه التحمل. لن يعود إلى بلادها إلا بها، إنه العهد الذي اتخذه على نفسه وهو يغادر مطار القاهرة.
سار في الشارع يعد النقود المتبقية معه، يعيش على الفاكهة وبعض الحلوى. الطعام هنا غير مضمون، لا يعلم مصدره وهل هو حلال أم لا. ولا يعرف أسماء الأشياء، هو فقط يشير للبائع على ما يريد ويأخذه. أمواله أوشكت على الانتهاء، لا يعلم كيف يتصرف.
أغمض عينيه بتعب وجلس على أعتاب أحد الدكاكين المغلقة، ينظر على بيتها حيث يكمن أمله في الحياة. ثم رفع رأسه للسماء يسأل العون والفرج، لكن رغماً عنه غفت عيناه وارتخى جسده من شدة التعب والإجهاد مع النوم القليل.
ولم يستفق إلا على صوت رجل عجوز يضربه بشيء ما. فتح عينيه متفاجئاً ونظر لما يحدث حوله ليجد عجوزاً تخطى السبعين بجسد ممتلئ بعض الشيء وظهر محني يضربه بعكازه الذي يتكئ عليه وهو يتحدث بلكنته الألمانية. لكن حسن لم يفقه كلمة واحدة مما يتحدث بها هذا العجوز وظل يردد: "أنا آسف، نمت غصب عني.. نمت غصب عني."
زاد العجوز في عصبيته خصوصاً وهو لا يفهم على ذلك الشاب، وظهر ذلك جلياً على ملامحه وهو يشير بعصاه على المحل المغلق. فتحرك حسن سريعاً بعدما فهم أنه يجلس الآن أمام محله. أبتعد تحت أعين العجوز الغاضب وتحرك قليلاً حتى جلس أمام بيت نغم مباشرة.
مر اليوم طويلاً وهو على وضعه ينتظرها، ربما تخرج ويتحدث إليها من جديد. وذلك العجوز يراقبه، يراه حينما يقف منتصباً حينما تخرج تلك الشابة الصغيرة من شرفتها، ففطن أنه عاشق ذائب الهوى. ضحك بحنكة وصمت قليلاً إلى أن وجد طريقة للتواصل معه مادام لا يفقه لغته.
أخرج هاتفه الذكي وتحدث إلى شخص ما، فأتى إليه بعد نصف ساعة ولم يكن سوى حفيده ذو الخمسة عشرة عاماً يحكي له قصة ذلك الشاب. وبينما يجلس حسن على الرصيف مقابل بيت حبيبته، تفاجأ بذلك العجوز ومعه فتى صغير يقفان أمامه. تحدث الفتى له وهو بالطبع لم يفهم، لذا أشهر هاتفه في وجهه وقد اعتمد موقع جوجل للترجمة، يكتب ما يريد بالألمانية والموقع يترجم، فقرأ حسن: "هل أنت هنا من أجل حبيبتك؟ نظر له بصدمة وهز رأسه إيجاباً.
كتب له الفتى من جديد: "بأي لغة تتحدث؟ أخرج حسن هاتفه وهو يشعر بانتصار عظيم بعدما أهداه ذلك الفتى الحل المثالي للتواصل هنا. فعل مثله بالضبط وكتب له: "أنا مصري، وأنا هنا من أجل الفتاة التي أحبها ولا أعرف أي لغة سوى العربية."
ظلوا على نفس المنوال حتى عرف العجوز وحفيده قصته. تهلل وجه حسن بفرحة عارمة حينما عرض عليه العجوز العمل لديه ووافق من فوره، فهو في هذه الحالة سيحصل على مال جديد من العمل ويضمن وجوده بجوار حبيبته ويستطيع مراقبتها في كل الأوقات. ***
جلس على كرسيه في حديقة البيت ينتظرها. تخطت الساعة الثامنة ليلاً وهي لم تعد بعد. رغماً عنه وبلا أي سبب محدد، يأكله غيظه بل ينهش أحشاءه نهشاً. ظل يأكل بواطن فمه من الغل والغضب حتى وثب منتفضاً ما أن استمع لبوق سيارة الأجرة يعلن عن وصولها. تقدم لعندها بخطى ثابتة لكنها مخيفة حقاً. جف حلق زينب ما أن اقتربت سيارة الأجرة تراه وهو يجلس مترقباً متحفزاً لشيء ما، ثم وقف عن مقعده ما أن فتحت باب السيارة لتردد داخلها: "آآآه...
ده جايلى أنا بقا." ترجلت من السيارة وقد جف حلقها تماماً وهي تراه يقترب بهيئته الغير مبشرة تلك. لم يتثنى لها غلق باب السيارة ولا حتى شكر السائق، فقد أغلق هو الباب بحدة وعنف وصرف السائق بغلظة. وما أن غادرت السيارة حتى حاولت التحرك نحو الداخل كأنها غير معنية بأي شيء. وبفعلتها تلك زادت من غيظه وكأنه ينقصه. تقدم خلفها حتى أوقفها من ذراعها يردد: "هوى أنا قدامك." ابتلعت رمقها بصعوبة وقالت: "هو في حاجة يا أستاذ يوسف؟
نظر لها من أسفل قدميها حتى شعرها، يطيل النظر على مواطن جمالها، ثم قال: "أستاذ؟ بقيت أستاذ دلوقتي." حمحمت بصعوبة وقالت بإيحاء عله يلتزم حدوده: "احترام الكبير واجب بردو، ولا إيه؟ عادت لتذكره بالفوارق بينهما مما زاد غضبه. زم شفتيه مهمهما ثم قال: "لأ، حيث كده بقا تقولي لي يا دكتور يوسف. ما أنا نسيت أقولك أني زميل." زينب: "أنعم وأكرم."
أشعلت غضبه على الأخير وهي هكذا تجيب باقتضاب متجنبة أي خطأ كي لا تغضبه فيطول الشد والجذب. النية واضحة... ترغب في سد أي سبيل للحديث بينهما. تظن أنها هكذا تتجنب المشاكل، لا تعلم أنها تزيد من غضبه وغيظه منها. فلتت أعصابه وقال: "مالك بتقفلي في الكلام كده؟ لا تكوني مفكرة إني واقف مستنيكي عشان واقع في هواكي." اتسعت عيناها بصدمة وقالت: "أنا ما قصدتش." هتف فيها بغلظة:
"ما انتي لازم تكوني ما تقصديش، لأن دي حاجة بعيدة عن أحلامك أصلاً. أنا يوم ما أبص أكيد هبص لواحدة زيي ومن مستوايا. كيفي مش جاي على الفلاحين نهائي يعني. وأنا واقف دلوقتي ومستني سيادتك من بدري عشان أعرفك إن جايلي ضيوف مهمين ومش عايز أي غلط. يعني لو مش بتفهمي في الأتيكيت يا ريت ما تطلعيش من أوضتك وتفضحيني." أغمضت عينيها تحاول امتصاص غضبها. لا تحبذ الصمت ولن تفعل. تفضل رد الإهانة دوماً. سحبت نفس عميق
وابتسمت باستفزاز ثم قالت: "أنا ملاحظة إن عندك مشاكل مع الفلاحين، شكلهم معلمين فيك أوي. قولي وسرك في بير، حد منهم عمل فيك حاجة وأنت صغير؟ اتسعت عيناه بصدمة، أصابته في منتصف جبهته. لقد احمر وجهه وبرزت عروقه لدرجة أنها ندمت على ما تفوه به لسانها السليط. هم ليقبض على عنقها بكفه الغليظ وقد انسحبت الدماء من وجهها من هيئتها، لتأتي النجدة المتمثلة بالعم يحيي والده، والذي تقدم سريعاً يسحبها من أمامه ويضعها خلف ظهره مردداً
بغضب: "يوسف، في إيه؟ أنت اتجننت؟ هتف يوسف بغضب: "بابا لو سمحت ما تدخلش." هز يحيى رأسه بجنون وقال: "ما أدخلش إزاي؟ ده بأمارة إيه يعني؟ التف لزينب وقال بهدوء: "اطلعي انتي أوضتك يا بنتي." همت لتتحرك، لكن يوسف أوقفها مردداً: "مش هتطلع غير لما أنا أخلص كلام." يحيى: "بجد؟ يعني هتكسر كلمتي؟ نظر لأعين ابنه وهو يحدث زينب: "اطلعي يا زينب." هرولت زينب سريعاً، ويوسف يقف غاضباً بشدة. تقدم يحيى من ابنه عدة خطوات ثم قال:
"يا ريت اللي فهمته يكون غلط." اهتزت عينا يوسف وسأل: "هو إيه اللي فهمته؟ يحيى: "ولااا... أحنا رجالة زي بعض يعني لازم تبقى عارف إني فاهمك كويس. بلاش تنسى إن البنت دي أمانة عندي." ابتلع يوسف ريقه وسأل مجدداً: "تقصد إيه يعني مش فاهم؟ تنهد يحيى بغضب ثم قال: "بتصيع عليا يا ابن يحيى، بس ماشي. أقصد إن لو ليك شوق لحاجة قول لابوك وأنا أجيب كل حاجة بالأصول." رد يوسف على الفور مستنكراً: "شوق إيه وأصول إيه؟
لاااا دي دماغك راحت لبعيد أوي." التف يوارى توتره بينما يردد: "أنا بس كنت بنبه عليها تتصرف عدل قدام ضيوفي، مش عايز إحراج قدام صاحبي ومراته. مش ناقص شغل فلاحين أنا." ابتسم يحيى وقال ببساطة: "لأ، حيث كده أنا هنبه عليها ما تنزلش ويستحسن ما تشوفش وشها نهائي طول ما أنت في البيت. إيه رأيك؟ أنا أهم حاجة عندي راحتك، ده أنت الولد الوحيد." اهتز فك يوسف من الغضب الذي فشل في إخفائه وقال: "أيوه... يكون أحسن بردو."
ثم تحرك سريعاً ناحية الداخل، ويحيى يكبت ضحكاته بصعوبة. صعد سريعاً وأغلق باب غرفته خلفه. جلس على طرف الفراش وهو يغلي من الغضب ويتوعد لها داخله، يردد: "ماشي، بتتحديني؟ أنا هوريها." وقف سريعاً وذهب لغرفة شقيقته التي انتفضت من على الفراش تردد: "في حاجة يا أبيه؟ اقترب منها وقد اختفى المنطق من الوجود بنظره، وقال أمراً: "اتصلي عليها." نظرت له نور كأنه معتوه وسألت: "هي مين؟ يوسف: "الهانم اللي مؤانسة معاها."
سألت نور على الفور: "قصدك زينب؟ وهي كانت عملت لك إيه بس؟ دي حتى دايماً بتحاول على قد ما تقدر تتجنبك." لم يهدئه حديثها كما قصدت، بل زاد من غضبه وقال: "لأ خلاص ما تتصليش، انتي تجيبي رقمها." توقفت لا تدري ماذا تفعل، فصرخ فيها: "يالااا." أعطته رقم الهاتف وبدأ في الاتصال، لكنها لم تجب. فقالت نور على الفور، ربما ينصرف عن صديقتها بغضبه: "ماعليش، تبقى أكيد نامت." نظر لنور شزراً ثم قال: "تمام أوى."
التف مغادراً، ولكن ليس لغرفته، إنما اتجه لآخر الرواق حيث غرفتها. فتح الباب يقتحم الغرفة ليجدها هادئة خالية. ثوانٍ ووجدها تدخل من شرفة غرفتها تصرخ في وجهه بعدما ارتاعت من وجوده، وهو فقط ينظر لها نظرات مبهمة. *** جلس على أريكة مريحة في بهو الفندق، يعطي للجالس أمامه مبلغاً لا بأس به مردداً: "هذا نص المبلغ، والنصف المتبقي حين تجلب لي عنها كل المعلومات الخاصة بها منذ ولدت وحتى الآن."
التمعت عينا ذلك السمين الجالس أمامه وهو يرى حجم المبلغ ويقدره دون العد. مد يده كي يضعه بأحضانه مردداً: "أوامرك كلها مطاعة سيد ألبير، فقط ذكرني ما اسمها؟ التمعت عينا ألبير بشغف وهو يردد: "غنوة، غنوة صالح." هز الرجل رأسه وقال: "أمهلني أسبوع واحد فقط، وسأتي لك ومعي الخبر اليقين." ألبير: "ثلاثة أيام فقط." فقال الرجل معترضاً: "ولكن يا سيدي." هتف ألبير بحدة: "انتهى النقاش، ثلاثة أيام لا غير. والآن انصرف."
بالفعل انصرف الرجل سريعاً، وارتشف ألبير المتبقي من قهوته ثم وقف كي يغادر ويصعد لغرفته. لكنه اصطدم في جسد صغير. جعد ما بين حاجبيه وهو ينظر لتلك الفتاة التي رفعت رأسها تعتذر: "آسفة سيدي." هز رأسه بكبر ثم تحرك ناحية غرفته. أغلق الباب وبدأ في خلع ملابسه كي يحظى بحمام منعش. فتش عن هاتفه ولكن لم يجده، بدأ يتذكر أين تركه. آخر ما يتذكره أنه كان موضوعاً أمامه على الطاولة، وقد وقف ووضعه في جيبه إلى أن اصطدم بتلك ال...
صك أسنانه بغضب ساحق وهو يتذكر ابتسامة تلك الفتاة، بدت كما لو كانت قد ربحت رهاناً للتو. ارتدى قميصه مرة أخرى سريعاً وخرج من غرفته يقسم ألا يتركها. *** فتحت الباب وتقدمت وهي لا ترى أمامها من التعب. اليوم كان كارثياً بالفعل. توقفت وهي تراه يجلس أمامها ينتظرها، وعلامات عدم الرضا بادية على ملامحه. تنهدت بتعب وهي تتقدم منه، جلست لجوارها مبتسمة رغم تعبها وقالت: "حبيبي زعلان مني ولا إيه؟ أشاح بوجهه بعيداً فقالت:
"معقول هارون زعلان من غنوته؟ التف ينظر لها بحدة وقال: "ما غنوته سيباه طول اليوم مش بتسأل عنه، وكمان فوتي ميعاد المأذون." ضربت مقدمة جبهتها بيدها وقد تذكرت للتو ثم قالت: "أوبس، إزاي أنسى حاجة زي دي بس؟ أنا آسفة يا حبيبي." هارون: "لو كان الموضوع مهم عندك كنتي افتكرتيه." غنوة:
"والله مهم وأوي كمان، بس لو تفتكر بردو وإحنا قاعدين في العربية بعد ما نزلنا من الشركة قولت لك هبقى مشغولة لمدة أسبوع عشان بوقف شغلي الجديد على رجله." هتف فيها بحدة: "نعم، أسبوع؟ طب وأنا، وجوازنا؟ ده أهم من أي شغل." تمسكت غنوة بكفيه ترجوه بإلحاح: "عشان خاطري يا حبيبي ولو ليا غلاوة عندك، تستنى عليا الأسبوع ده بس. أنا حاطة اللي ورايا واللي قدامي في الشغل، يعني لو حصل حاجة لا قدر الله هبقى ضعت."
انتفض واقفاً ينظر لها بغضب وردد مستنكراً: "كل فلوسك وتضيعي؟! أنا مش مرتاح لك يا غنوة، انتي ناوية تتجوزيني ولا دي خطة جديدة من خططك." اتسعت عيناها بصدمة، ثم أغمضتهما بهدوء تحاول ابتلاع كلماته. سحبت نفس عميق ووقفت حتى أصبحت أمامه تبتسم بهدوء ثم قالت: "ماعليش، أنا هعدي اللي قولته وهخلق لك ألف عذر، بس لو سمحت يا هارون بلاش تشكك فيا كل شوية وتخلي الماضي واقف بينا. أنا أصلاً بحارب عشان أنساه."
عصف الألم داخله وهو يسب نفسه ولسانه الذي تفوه بما قاله وأحزن حبيبته. وضع كفه على وجنتها وقال معتذراً: "أنا آسف، حقك عليا. بس كلامك عكس اللي بتقوليه. كل شوية بتتهربي من ميعاد المأذون وقولت ظروف، بس دلوقتي بتقولي شغلي ولو خسرت هضيع زي ما تكوني بتأمني نفسك بعيد عني. ناسيه إن جوزك عنده اللي يكفيكي وزيادة." غنوة: "اللي عندك ده بتاعك." هارون: "وأنا وإنتي إيه؟ غنوة: "أنا اتعودت على الشغل وإني ما أمدش إيدي لحد أطلب فلوس."
ردد بصدمة: "حد؟ أنا حد؟ شوفتي إنك مش صادقة في كلامك." أدمعت عيناها على الفور وقالت: "تاني يا هارون، بلاش تحرجني كل شوية. أنا مش وحشة أوي كده، أنا بني آدمة بردو وبحس. بلاش تبقى أنت والزمن عليا. معقول مش ملاحظ جناني بيك وأد إيه بحبك؟ ده أنا بحسك ابني البكري اللي بحبه وبموت فيه." صرخ فيها بجنون: "ما هو ده اللي هيجنن أهلي، التغيير ده هبلني." زمت شفتيها بتعب ثم قالت: "أنت بس اللي لسه مش عارف غنوة كويس."
اقترب منها وتناول كفيها قائلاً: "يا غنوة، عايز اتجوزك بقا. أنا مبقتش قادر وانتِ مصعباها عليا وبتقولي لازم مأذون وفرح." تنهدت بتعب ثم قالت: "ممكن الوضع كله غلط، أنا لازم أرجع بيتي في الحارة لحد ما نعمل الفرح، ماينفعش أفضل قاعدة هنا كده." هتف برفض تام: "ترجعي فين؟ ده على جثتي، أنا ما صدقت." ترك يديها وهو يزفر بغضب ثم قال: "خلاص أسبوع أسبوع بس خليكي هنا. أهو نص العمى ولا العمى كله."
ضحكت بصمت وهمت لتتحدث، لكن قطع كل ذلك فتح الباب ودخول كاظم وهو متمسك بذراع أشجان يرد بصوت عالٍ: "يا نجف بنور يا سيد العرسان يا سيد العرسان يا قمر ومنور على الخلان اه يا نجف اه يا نجف حلو يا نجف... ااه... حلو ومدلع من يومك إسم الله عليك ملو هدوووو." قاطعته أشجان وهي تحاول نزع ذراعها من تحت ذراعه تردد: "ما تسيب إيدي بقا هو أنت قافش حرامي." ردد هارون بحيرة متسائلاً: "هو في إيه؟
تقدم كاظم يشيح بيديه وهو يقدم لهم أشجان قائلاً: "تعالي، تعالي يا بطتي، تعالي ورييهم." ضربته في معدته بغيظ فتأوه بألم ثم قال: "بوغاشه، قسماً بالله بوغاشه وعليها زبيب، أموت أنا في السمن البلدي." صرخت فيه أشجان: "ما تتلم بقا يا راجل أنت وانت سايب من بعضك كده خلينا نشوف حل في الشبكة السودة دي." كاظم: "حل إيه اللي نشوفه بس يا ملبن." صرخت فيه بغيظ: "بقولك إيه، بقولك إيه، أنت هتشتغلني؟ أنت نسيت اتفاقنا ولا إيه؟
بقولك إيه، المولد انفض خلاص والنمرة اتعملت، يعني كانت خالتي وخالتك واتفرقوا الخالات. ودلوقتي خلينا نخلص ونطلق وعيشة تبعد عن أم الخير." أقترب منها وقال وهو يتحرش بها بعينيه: "لأ ده عيشة هتبان في حضن أم الخير خلاص." احمرت عيناها وقالت: "ولااا... إنت نسيت اتفاقنا." كاظم: "ولااا... كل ده ولا... بس ماشي هعديها لك... عروسة جديدة وبتدلع وكده... بس إتفاق إيه اللي كنتي تقصديه؟ آآه قصدك نتجوز قدامهم وبعدها نطلق؟ أشجان:
"ما أنت فاكر اهو." رد كاظم بهدوء: "لأ ما أنا راجل واطي أصلاً." هتفت بصدمة: "إيه؟ ضرب ببرود: "والله زي ما بقولك كده، واطي وماليش كلمة. ده أنا حتى سمعتي معروفة." أشجان: "لأ... ده انت ماتعرفنيش، ده أنا لحمي مر... هتطلق يعني هتتطلق." كاظم: "لابد أن أدخل بكي." رفعت حذائها وهي تصرخ فيه: "تدخل بمين ياللي يدخل عليك ملك الموت، تعالى لي بقا."
بدأت تركض خلفه وهي تشهر حذائها في الهواء تقسم أن تلقنه درساً معتبراً. كل ذلك تحت أنظار غنوة وهارون اللذان ينظران لهما لا يفقهان شيئاً، فسأل هارون: "هو في إيه يا عمي؟ قال له كاظم وهو يصعد السلم هرباً من أشجان التي تركض خلفه: "أصل أنا وأشجان اتجوزنا." اختفى أعلى الدرج وهي خلفه، ووقف هارون لجوار غنوة يستمعان لأصوات التكسير والضرب، وهارون يردد: "وات؟ غنوة: "مين دول اللي اتجوزوا؟ ***
كان يقف منتظراً إياها، وكالعادة يسبقها عطرها الذي اختلط مع رائحة هواء البحر. التفت لها لينبهر ككل مرة من طلتها. اختفت ابتسامته وهو يرى الدموع في عينيها فسأل: "مالك يا حبيبتي؟ نظرت له تقى بدموع خادعة ثم قالت: "أنا هنزل في أول بلد المركب تقف عندها، وآخد طيارة من المطار أرجع مصر." وقع قلبه بين قدميه واصفر وجهه، وفكرة ابتعادها عنه تخنقه، خصوصاً لو كان اختفاؤها مفاجئاً هكذا. وسأل: "وإزاي ده؟ وإزاي؟ نظرت له وقالت بألم:
"شكلك نسيت إني مكتوب كتابي يا ضياء... توقف الزمن به وهو يقف لأول مرة يجرب شعور العجز وقلة الحيلة. وهي تنظر له بتشفٍ تبتسم داخلياً برضا تام.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!