يقترب بشفتيه من شفتيها دون تفكير. يمد يده يكشف ملابسها عن مقدمة صدرها وهي متسعة العين، متوقفة العقل. علت أنفاسه وأصبحت كاللهيب يلفح بشرتها التي ظهرت أمامه. اتسعت عيناه وطار عقله لحد الجنان. كان يتلاعب بها في البداية، يريد بث الرعب بقلبها كي تتوقف عن استفزازه. لكن بمجرد ما ظهر له جلد بشرتها الأبيض ودخل في أنفه رائحة جسدها، اختل عقله وجن جنونه.
اقترب بالفعل، ولامس شفتيها بشفتيه يهم كي يقبلها كما يتطلب جسده، بل إنه ينهار متضرعاً كي يفعل. كانت حاضرة الذهن والتصرف. استغلت انهيار جسده أمامها وقبضت بسرعة على تلابيب قميصه، تستدير بسرعة الضوء مبدلة الأدوار. تحاصره هي بين جسدها والحائط. عيناها تلمع كالشرر المتطاير، تصك على أسنانها بغل تردد: "إيه رأيك يا أخويا يا حبيبي لو أصرخ دلوقتي وألم البيت كله وأقول إنك بتتحرش بيا؟
كانت عيناه متسعة، لا يعلم هل من صدمته بحديثها... يعلم أنها قادرة وتفعل. أم لأنها حرمته تلبية نداء جسده المنهار تحت أقدامها؟ أمام صدمته وابتلاعه رمقه، شعرت بالانتشاء. تبتسم وهي تكشر عن أنيابها، تربت بكف يدها على كتفه عدة مرات مرددة بما يكفي من التهديد مع الإهانة: "ايوووه... شاطر يا كوكو، اتقي شرّي أحسن. مرة تانية لو فكرتني قطة شوارع وهتقدر تتحرش بيا ولا تزنقها شمال ويمين، أنا ساعتها هوريك القطة دي ممكن تعمل فيك إيه."
أغمض عينيه يأخذ نفسه بعد هوجة مشاعره تلك التي تحكمت في جسده وأشعلت بها نار لم تنطفئ بعد. ما زالت عينه تزوع منه لصدرها المكشوف نسبياً وشعرها المنسدل حول وجهها يزيد بهاءه. اعتدل في وقفته بصعوبة، يبتلع رمقه، يمد يده يغطي مقدمة منامتها. فابتسمت تردد بتشفّي: "ايوه كده الأدب فضلوا عن العلم." أشار لها كي تتقدم وهو يردد بوقاحة: "لأ ده عشان طول ما انتي قدامي كده مش بعرف ألم على نفسي، وأنا عايز أتكلم معاكي كلمتين بجد...
يمكن نتفق." قلبت عيناها بملل واستهتار به، فهي بمركز قوي. رفع حاجبه الأيسر يخبرها: "إيه مش عايزة نتفق؟ نظرت له وهي تكتف ذراعيها حول صدرها بتحدٍ تردد: "لأ.. اتفاقنا ما يلزمنيش." التوى شقه بابتسامة وقحة يردد: "أنا عارف إنك ذكية ودي تاني حاجة عجباني فيكي." شملها من أصابع قدمها من منامتها التي تحدد خصرها صعوداً إلى صدرها ثم إلى شفتيها، عيناها الرمادية وشعرها الليل. ثم بوقاحة فجة أكمل:
"طبعاً انتي عارفة إيه هي الحاجة الأولى." مد يده يهم كي يتحسس وجنتها بحرارة يكمل: "من أول مرة شوفتك فيها." أحبطت محاولته في لمسها، تزيح كفه بعنف عنها تردد: "يمكن عشان من أول لحظة عارف إننا مش إخوان ولا حتى في صلة قرابة بتجمعنا." اللمعت عيناه بلمعة غريبة ثم ردد: "كنت فاكرك هتلفي وتدوري كتير." ابتسمت باستفزاز وتشفٍ تردد متسائلة: "من بعد الفراولة؟ أكملت سريعاً وعيناها تلمع هي الأخرى: "تؤ.. ما ظنش." أخذ نفس عميق وردد:
"صح." صمت دقيقة كاملة في حرب من النظرات بينهم، إلى أن ابتسم هو يردد: "قلتلك من شوية إنك فعلاً ذكية." رفع يديه عالياً علامة استسلام يردد: "أنا بنفسي أشهد لك بكده، وبقولك يا فيروز انتي ذكية، وذكية جداً كمان." بابتسامة واثقة رددت: "كويس إنك عارف." ابتعدت خطوة ثم أعطته ظهرها تهم كي تتركه، لكنه خطى خلفها يقبض على ذراعها وجعلها تلتف له يردد: "امشي يا فيروز، امشي."
اتسعت عيناها بغل تنوي الصراخ عليه، لكنه أحبط محاولاتها يردد سريعاً: "أنا عارف عايزة تقولي إيه، بس اسمعي كلامي وامشي، امشي وأنا هرجعك." تقدم خطوة يحتجزها مجدداً وهو يقول بينما يمرر عيناه على شفتيها ووجهها بشغف يكمل: "هرجعك وانتي مراتي." صدمت من نواياه، لا تأمن أحد وخصوصاً هو، لكنها تكاد تقسم أنه يتحدث بصدق، صدق شديد بل مجنون. بالأساس نظرته لها مختلة. يبتلع رمقه بصعوبة ولا يستطيع إبعاد عيناه عنها. أكمل بوله ونفس متهدج:
"أنا عايزك يا فيروز، عايز أتزوجك." كانت تجاهد كي تستفيق من هيمنته عليها وتعمل عقلها، بينما هو يردد: "حليها انتي وامشي." أزاحت يديه التي تثبتها على الجدار خلفها بعنف محاولة الإبتعاد عنه تردد: "ده في أحلامك." جذبها لعنده في وقفته مجدداً واقترب منها حتى انعدمت المسافات يناظرها بشغف خطير، بينما هي نظرتها متحدية مستفزة. وتحدث بنفاذ صبر وهو يمسك ذراعيها يهزها يقول: "انتي إيه مابتفهميش." عادت له نفس
اللمعة وتهدجت أنفاسه يكمل: "طب مابتحسيش." ابتسمت ابتسامة شامته تقول بفحيح: "بقا عايز تتجوز أختك.. بتوصلني انت لهدفي بسهولة يا ميجو.. أنا كده سهل قوي أحطك في مستشفى المجانين." صرخ بها بشراسة وجنون: "انتي عارفة إننا مش إخوات." التوى ثغرها بابتسامة مستفزة متحدية ثم اقتربت من أذنه مرددة: "خلاص... اثبت إن انت مش انت... نظر لها نظرة طويلة غير محددة المشاعر ثم اقترب منها ظنته سيقبل وجنتها.
لكن اتسعت عيناها بصدمة وهي تدرك أن هدفه أذنها يهمس داخلها بفحيح: "طب ما أثبت العكس." ابتعد عنها يناظرها بتحدٍ، يكتف هو ذراعيه حول صدره يشملها بنظرة متغطرسة. وهي تنظر له بعمق تحاول الوصول لمقصده وما يدور بخلده. رمشت بأهدابها وعقلها يعمل في كل اتجاه تسأل: "مش فاهمة قصدك." بابتسامة متسلية يتلاعب بأعصابها يستلذ بذلك لأول مرة، فمنذ عرفها وهي من تفعل. وعلى ما يبدو أنه أخيراً قد تبدلت الأدوار وحان وقته كي يحرق هو أعصابها.
فبعد دقيقة من صمت يعد كضغط نفسي يوتر به الأجواء أكثر ردد: "قولتلك إني بعترف إنك ذكية، ومش ذكاء عادي وأنا بتعجبني البنات اللي كده بس... صمت يزيد من الضغط النفسي ثم زم شفتيه وكأنه مشفق عليها يكمل: "تفتكري الذكاء لوحده كفاية؟ العلاقات والسلطة والفلوس والنفوذ... كل دي حاجات مهمة من غيرها البني آدم ولا حاجة." فعلياً؛ لقد نجح في إثارة رعبها. لن تنكر على الأقل بينها وبين نفسها وسألت محاولة الحفاظ على ثباتها
الانفعالي أمامه ببراعة: "حلو.. إيه بقا اللي ممكن تعمله؟ تقدم خطوة حتى وقف أمامها ثم ردد: "لو ما مشيتيش بالذوق همشيكي أنا بالعافية." ملس بأنامله على خصلاتها وردد بعشق: "وارجعك بعدها." ابتسم بمجون يكمل: "وانتي بتاعتي.. بالعافية برضو، هتبقى حرم ماجد الدهبي." كانت تعلم بمدى نفوذه، وحاولت كسب الوقت تتلاعب على نقاط ضعفه التي انجلت لها بوضوح. تتصنع بوادر الرعب والترقب بينما تسأله: "انت تقصد إيه؟ بأعين متلاعبه وقحة ردد:
"انتي عملتي تحليل DNA؟ اتسعت عيناها متفاجئة لكنها حاولت الثبات وقالت: "ولا يهزني، اعمله الصبح." ابتسم بأعجاب ثم ردد: "مش بقولك ذكية بس.. أنا أصلاً كنت حابب أبقى بعلمك كل حاجة على إيدي.. وده أول درس يا نونتي." لكز عقلها عدة مرات بسبباته يردد: "دائماً وانتي في سباق مع حد لازم تبقي عارفة أسلحتك إيه، وإيه هي أسلحة اللي قدامك وقدراته، وقدرتك إيه وقدرته هو إيه." التوى شقه بابتسامة ساخرة يكمل:
"كمان لازم ماتنسيش إنك لو ذكية فأنا كمان ذكي." ارتسم الرعب بوضوح على وجهها تردد: "لأ.. انت أكيد مش هتعمل كده.. مستحيل." ابتعد يتجه كي يفتح الباب مغادراً، لكنه توقف قبلما يخرج منه ونظر لها مردداً: "فكري في عرضي ليكي يا فيروز، كده كده أنا خلاص مش هسيبك فكوني ليا من غير مشاكل وعيشي في عز بيت الدهبي براحتك، بلاش سكة العند عشان طويلة وأنا هكسب في النهاية.. لأن باختصار مهما كنتي ذكية فأنتي ضعيفة قدامي قوي."
ألقى لها قبلة في الهواء مع ابتسامة خالية من التلاعب، بل كان بها من اللهفة والتمني ما يكفي يردد: "فكري." ثم غادر وتركها تهوي بجسدها على الأريكة خلفها تحاول تهدئة جسدها، تعيد ترتيب أفكارها. يقسم أن يخرج كل غضبه هذا عليها، تلك الفتاة التي نجحت في الوصول به لتلك الحالة المزرية. غاضب بل ناقم عليها. تعدت الساعة الثالثة عصراً وللآن لم تأتيه أو حتى تتصل تطمئن عليه. لا بل والأكثر أنها تغلق هاتفها تمنعه من الوصول إليها.
أجبرته على أن تصبح محور تفكيره يدور حولها ويطوف. فهو الآن يجلس على طرف سرير المشفى وقد جمع كل متعلقاته ينتظر صديقه كي يأتيه بسيارته. زمجر بغضب داخلي وهو يخرج هاتفه يعيد الاتصال به يتعجله وهو يردد: "الغبى ده اتأخر كده ليه؟ صدح صوت هاتف ماجد قريباً منه يقترب أكثر وأكثر إلى أن فتح باب الغرفة ودخل وبيده هاتفه الذي لم يتوقف عن الرنين ينظر لصديقه بحاجب مرفوع يردد: "لسعت خلاص يا هارون، ما قولتلك جاي في إيه؟
ليه الاستعجال ده كله؟ وقف يحاول التغاضي عن ألم كتفه يتحدث من بين أسنانه المصكوكة: "اتأخرت ليه يا زفت؟ زم ماجد شفتيه يردد ببرود وسخرية: "أنا ولا اتأخرت ولا حاجة أنت اللي مش على بعضك." ضيق عينيه بتركيز ثم سأل بشك: "فيك إيه؟ قول لي يمكن أساعدك." أخذ نفس غاضب وزفره عالياً ثم قال: "مش شغلك.. اوعى من وشي." تحرك خطوات ناحية الباب فأوقفه ماجد يسأل: "هو إيه اللي مش شغلي استنى هنا." تقدم خلفه ووقف أمامه ينظر له بتدقيق وسأل:
"إيه الحاجة اللي مخلياك مستعجل عليها للدرجة دي." صمت لثوانٍ يكمل: "وماتقوليش شغل عشان أنا عارفك." حرفياً إلحاح ماجد هو آخر ما ينقضه الآن، صك أسنانه بغضب مكظوم وردد بسماجة: "خليك في حالك يا ماجد.. تعرف ولا ماتعرفش." ضحك ماجد يهز كتفيه وردد: "ماعرفش يا صديقي مانت عارف." كان هارون يتحرك ناحية الخارج لكنه تذكر شيئاً ووقف فجأة يسأل ماجد: "ماجد صحيح، انت إيه حكايتك مع الفراولة." صدم ماجد فعلياً، فاجأه هارون.
اللمعت عيناه ببريق ينم عن تفاجئه وردد بنبرة مستغربة: "فراولة؟ فراولة إيه؟ زم هارون شفتيه وردد: "مش عارف الدكتور هو اللي قالي بعد ما كنت عندي ومشيت، وإنك قولتله إنك أكلت فراولة هي اللي عملت فيك كده.. الغريبة بقى إن الدكتور قالي دي حساسية بالوراثة." اتسعت حدقتا أعين ماجد، لم يتوقع أو يحسب حساب لحديث الدكتور مع صديقه، دائماً ما كان متحفظ كتوم.
لكن ذلك اليوم ألح عليه الطبيب في أسئلته وهو كان مفتقراً للتركيز والثبات بعد يومه مع فيروز. أكمل هارون يسأل سؤال بديهي: "هو عمي محمود ولا طنط فريال عندهم النوع ده من الحساسية؟ ابتلع رمقه يفكر، هارون يغوص في العميق، سر تافه لكن يخبئ خلفه الكثير والكثير. حاول التحدث بنبرة بها من السخرية والثبات ما يكفيان وردد: "يااه عليك يا هارون يعني أنت واقف وسايب اللي وراك عشان تسأل إيه علاقتي مع الفراولة؟!
"إيه يعني ضاربين ورقة عرفي من ورا ضهر التفاح، ده أنت تافه، أنت مش كان وراك مشوار ومستعجل عليه." رمش هارون بأهدابه متذكراً وقال: "آه صحيح." التوى ثغره بابتسامة وقحة وردد: "وبالنسبة للورقة العرفي أنا اللي هكتبها النهارده." تقدم تاركاً ماجد الذي التقط أنفاسه بعد حديث هارون عن مرضه الوراثي. ضيق ما بين حاجبيه يفكر عن أي زواج عرفي يقصد وبمن. هرول خلفه يحدثه وهارون ما زال يتقدم نحو المصعد ووقف ينتظره فسأله ماجد:
"عرفي إيه اللي تقصده، أنت هتتجوز؟! وصل المصعد وفتح الباب فولج هارون داخله ومعه ماجد يضغط على زر الطابق الأرضي في حين أكمل هارون: "أيوة، ومالهاش عندي أزيد من الجواز العرفي لا تكون بتحلم بأكثر من كده." هز ماجد رأسه بعدم فهم يحاول التذكر وسأل: "هي مين أصلاً؟ وصل المصعد ففتح هارون الباب بيده السليمة يصك أسنانه وهو يردد: "غنوة." تقدم ماجد خلفه يسأل: "إلى كنت بتكلمني عنها؟ هي لسه معصلجة معاك، طب ما ترميلها قرشين."
أخذ هارون نفس عالٍ بضيق وقال: "شكلي هضطر أعمل كده فعلاً." التف له يردد بغضب: "بس هو مليون واحد، ده آخرها عندي مش هدفع أكتر من كده." ماجد: "طالما عايزها أوي كده هزهم حبة، واهو كله لمزاجك." نظر له هارون شزراً وقال: "هو أنا بلاقي الفلوس دي في الشارع، كتير عليها، هي تمامها مليون واحد.. واوعى بقى من سكتي." تركه هارون وتحرك ناحية سيارته التي جلبها ماجد، لكن صوت ماجد العالي أوقفه يراه وهو يتقدم منه مردداً:
"انت رايح فين وسايبني.. أنا مش معايا عربية، خدني معاك، اهو حتى أتفرج وأقولك تسوى مليون ولا أكتر." لا يعلم من أين طفى ذلك الغضب داخله وردد بصوت عالٍ: "ماجد.. لم نفسك في إيه." رفع ماجد حاجب واحد يردد بعبث: "الله وفيها إيه ما طول عمرنا بنتشارك الحاجات دي، اشمعنى المرة دي واخدها على صدرك أوي كده؟! أخذ نفس عالٍ ثم ردد بصبر وهو يغمض عينيه: "امشي يا ماجد من قدامي." حاول ماجد التحدث فردد هو بنبرة أعلى: "قلت امشي."
ماجد ببرود: "امشي انت، أنت اللي معاك العربية." هارون: "صح عندك حق." فتح باب سيارته العالية يصعدها بصعوبة بسبب ألم ذراعه ثم تحرك بها سريعاً. ترك ماجد يقف خلفه يفكر فيما سيفعله متذكراً ما يخطط له. وصل لعند مقر شركات ML التي يملكها مختار وتديرها ابنته لمى. صف سيارته ودلف للداخل بقوة يبدو أنه قد نفذ صبره. حاول أن يبدو هادئ رزين كما اعتادوه، لكن لم يفلح أو يدوم كثيراً فقد بدأ يسأل عنها الموظفين، كلما رأى أحدهم سأله عنها.
ومعظمهم أجمع على عدم معرفتهم بها. كان يقف في المصعد يغمض عينيه يتمتم يغضب: "اتجننت خلاص على آخر الزمن يا هارون، ماشي تسأل عليها زي العيل اللي تاهت منه أمه، وبتسأل الموظفين والنهاردة أول يوم شغل ليها، ما طبيعي ما حدش يكون لحق يعرفها، وحتى لو عارفينها هو معقول هيبقى معاهم خط سيرها هنا؟ خلاص جننتك؟! مع كل حركة، كل اختفاء، كل شعور بالأختناق من لهفته عليها وأفعاله الخرقاء، جعله يتصرف بهوجائية بعيداً عن حدود المنطق.
يزداد غضبه منها ووعيده لها، هي من أوصلته لهكذا حاله. وصل لمكتب لمى ولم يجدها هي الأخرى، يسير في الرواق يبحث عن لمى كي يسألها عن غنوة. أغمض عينه مجدداً بغضب يسب نفسه للمرة المئة وواحد، تلك الفتاة تجعله الأم يسير بحثاً عن خطيبته التي أتم خطبته عليها من أيام كي يسألها عن فتاة تعجبه. يرى لأي درجة قد أوصلته هي. لمح لمى تسير في أحد الأروقة قادمة من مكتب ما. سار لعندها بقوة مردداً: "مساء الخير." ابتسمت متفاجئة ورددت:
"هارون؟! مساء النور." شهقت برعب تسأل: "إيه اللي في كتفك ده." صدم.. تباً له.. أثناء لهفته عليها لم يتذكر أو يفكر في إصابته التي أخفى أمرها عن الجميع. يبدو أنه قد وصل لحالة مزرية. حمحم بخشونة ثم قال: "حادثة بسيطة امبارح.. المهم أنا كنت عايز أسألك على... قاطعته برعب وأعين متسعة تسأل: "تسأل عن إيه بس، حادثة إيه اللي بسيطة وانت بالشكل ده." صدح صوت خشن مستغرب ينادي: "هارون؟!
التف وأخذ نفس عالٍ بضيق، آخر من يود رؤيته الآن هو مختار الذي تقدم يقف أمامهم يسأل باستغراب: "هارون! إيه اللي حصل لك يا ابني؟! هارون: "حادثة بسيطة." اللمعت أعين مختار وردد: "مش تبقى تاخد بالك يا بني.. حوادثك كترت أوي." ضيق هارون عينيه بشك وعدم راحة انتابته فجأة يسأل: "شكلك تعرف عني كتير ياباشا." التوى شدق مختار يردد بعدما هز كتفيه: "أكيد مش خطيب بنتي، لازم أبقى عارف كل أخبارك."
صمت ثوانٍ بينما حرب النظرات بينه وبين هارون لم تتوقف. لكن صوت لمى استرعاه وهي تسأل: "ما قولتليش ليه يا هارون إنك تعبت، إزاي ما عرفش حاجة زي كده؟ ما زالت عينه في أعين ذلك الثعلب يردد: "ما حبتش أقلقك عليا." سألت هي بشك: "وكنت جاي تسأل عن إيه؟ إيه أصلاً ضروري أوي بالنسبة لك يخليك تنزل وانت بالشكل ده؟ رمش بعينيه يبحث عن حجة، مهما كان وقح لكنه لم يستطع فعلها. أخشوشن صوته ثم قال بثبات:
"في شغل مهم بيني وبين الباشا لازم يخلص وما فيش وقت." أومأت لمى برأسها لكن مختار أبداً لم يقتنع يرى أعين هارون هنا وهنا تبحث عن أحدهم... شخص مهم جداً بالنسبة له بكل تأكيد. كانت لمى هي أول من كسر ذلك الصمت تقول: "طيب أنا في مكتبي عن إذنكم."
غادرت سريعاً مابين اهتمام وعدم اهتمام، موضوعه في خانة غير صحية، لا تعلم هل هي تهتم لأمر هارون فهي خطيبته وقد سبق وقبلت بذلك أم لا تهتم كونها معجبة بآخر، لكن أولاً وأخيراً هو خطيبها ولو لم تكن تريد لما وافقت، أم..... أم إنها لم تقدر حبها لزيدان إلا بعدما خطبت لآخر، أم يقع جزء كبير من اللوم على زيدان السلبي كونه يقف بعيد متفرج لا يملك سوى نظرات تمطر قلوب دون أي فعل منه!
بابتسامة مستفزة وأعين كالصقر نادى مختار على هارون وهو يراه ما زال يفتش بعينه كل الأروقة يردد: "إيه هنفضل واقفين كده، يلا على مكتبي، هو مش انت جاي لي أنا عشان شغل بردو ولا إيه؟ هارون شفتيه بضيق ثم قال: "آه آه أكيد طبعاً اتفضل يا باشا."
أشار له مختار بابتسامة مستهزئة مستفزة كي يتقدم معه للمكتب، يقسم أنه لم يأتِ من أجل عمل ولا أي شيء من هذا القبيل، وقد تأكد من ذلك بنفسه بعدما دلفا للداخل وبدأ هارون يتحدث في اللاشيء إلى أن أنهى الحديث وغادر. خرج من مكتب مختار غير مرتاح له، شيء ما به أصبح لا يأمن ذلك الرجل، هو من الأساس لا يأمنه بدليل أنه يقبض على أشياء كثيرة تدينه مثلما يفعل هو، لكن الأمر الآن تعدى قصة أوراق، شيء أكبر.
لمح منير مدير الـ HR يمر من أحد الأروقة ويدلف لمكتبه. أنير عقله يخبره أنه ربما لديه معلومة عنها مثلما فعل مسبقاً. دلف لعنده فوقف منير باحترام يردد: "هارون باشا، أهلاً أهلاً ده المكتب نور والله." هز هارون رأسه وردد: "شكراً يا منير." ابتلع منير رمقه يدعو ويبتهل ألا يطلب منه شيء يخص قطة الشوارع تلك. لكن لم يستجاب لدعائه فقد تحدث هارون بثبات: "فاكر البنت اللي جبت لي رقمها." حمحم منير يفرك ظهر عنقه وهو يردد بخوف:
"إلا فاكرها." ناظره هارون بغيره شديدة لكن هذه المرة يتخللها شك كبير وردد بعدما أخشن نبرته: "قصدك إيه؟ اتسعت عيناه مذهولاً وهو يرى منير يتحدث متوسلاً: "أبوس إيدك يا باشا، انت عارف أنا عيني ليك واخدمك برموش عينيَّ وده مش أول تعامل بينا." ضيق هارون ما بين حاجبيه وهو يسمعه يكمل: "بس الله يخليك ابعدني عنها، دي رهيبة، حضرتك مش عارف عملت فيا إيه عشان بس اديتك رقمها، فظيعة، فظيعة ياباشا."
ارتياح غير عادي وفخر غزى جسده بارتياح يخرج من صدره وابتسامة حلوة تنمو تدريجياً، أخذ نفس عميق محاولاً كبت فرحته برد فعلها حتى لو عليه هو وقال: "تمام، اسمع كلامها، وإياك، سامع إياك تدي أي حد معلومة عنها." حمحم مبتسماً وأكمل بعدما هز كتفيه وهندم معطفه: "غيري طبعاً." رفع منير يديه مستسلماً وردد: "اعذرني ياباشا انت حبيبي بس العمر مش بعزقه." هارون: "ياسيدي خلاص، بس هي فين حتى؟ منير: "وحياتك يا باشا ما أعرف."
زفر بغضب يزم شفتيه معاً ثم وقف قائلاً: "ماشي يا منير، سلام." خرج من المكان كله بعدما يأس من معرفة أين هي. جلس في سيارته يغمض عينيه بتعب يفكر أين يمكن أن تكون أو حتى ما هو عنوان بيتها، يفكر هل سيذهب بنفسه إلى منطقة عشوائية كهذه حتى لو من أجلها؟ انتفض على رنين هاتفه يأمل أن تكن هي لكن ذهبت كل أحلامه سدى بعدما شاهد الاتصال من رقم غريب. أخذ نفس عميق ثم فتح المكالمة يقول: "ألو." أتاه الرد من صوت ذكوري يردد:
"ألو.. هارون الصواف؟ هارون: "أيوة." رد الطرف الآخر: "أنا مأمور قسم مدينة نصر، انت عارف إن عمك محجوز عندنا على ذمة قضية ولسه التحقيقات شغالة بس هو بقاله كذا يوم تعبان وفي المستشفى وحالته بتسوء يوم عن يوم." رمش هارون بعينيه مصدوماً يفكر ثم قال: "بقاله كذا يوم؟! يعني أول امبارح كان فين؟
المأمور: "في المستشفى، قاطع أكل وشرب، بصراحة هو من ساعة ما كنت عنده ومشيت ودي حالته حتى رفض إننا نبلغك بس دلوقتي الحالة ساءت أكتر وكان لازم حد من أهله يعرف وتقريباً مالوش حد غيرك." خرج نفس متعب من فم هارون يكاد يبكي، تأكد.... عمه بريء من محاولات قتله، لم يبادر بأذيته بينما هو فعل وألقاه في السجن، حتى لم يكلف نفسه عناء البحث أكثر حول الموضوع.
دارت الدنيا به ينزل الهاتف من على أذنه تدريجياً يبحث بل يستجدي وجود شخص واحد فقط... غنوة.. أين هي الآن كي يشكي لها كل ما بصدره. ما يُفعل به وما فعله هو وذلك الشخص الذي يريد حياته، يريدها الآن حقاً. تنهد بعمق يصك على أسنانه بعجز لا يعلم أين يذهب أولاً؟ أيذهب ليرى عمه، ذلك المسكين الذي ظلمه دون أي تريث أو تدقيق، أم يذهب لمن يجد بها راحته يلقي بما في قلبه ربما يستريح. ضرب مقود السيارة بيده ثم مال
لينام عليه يردد باحتياج: "انتي فين يا غنوة.... "انت فين يا ماجد لحد دلوقتي." كان هذا صوت فريال يخرج بغل من بين أسنانها المصكوكة تتحدث بخوف نظراً لذلك التجمع العائلي خلفها بناء على أمر مصطفى كبير العائلة، فكما قال يجب أن يحاسب كل شخص بما فعل في الماضي. رد ماجد عليها بهدوء شديد ثم قال: "أهدى بس مش عارف إيه اللي معصبك أوي كده؟! استشاطت غضباً من بروده تردد:
"انت إيه البرود ده، بقولك عاملين قاعدة والكل هيتحاسب، البت دي شكلها عارف كتير ولو نطقت هنضيع أنا وأنت." زمرت شفتيها بغل تردد: "أنا مش عارفة إزاي سمعت كلامك سبتها عايشة لحد دلوقتي." زجرها بغل يردد: "فريااااال، لو حد مس فيروز بحاجة مش هتقدري تتوقعي رد فعلي، انتي ليكي إن كل حاجة تفضل ماشية تمام، لكن فيروز لأ، فيروز لأ، لو حد مسها أنا هقلب الليلة كلها." زاد الغل بقلبها وهي تجد إصبعها تحت أسنانه تردد:
"ماشي.. هتعمل إيه بقا في التحقيق ده." تحدث بمنتهى البساطة يقول: "أنا جاي أقلب لهم القاعدة دي حالاً أنا على الباب خلاص." بالفعل دق جرس الباب وذهبت الخادمة تفتح له فدلف للداخل يقبض على مجلد ورقي بيده يرى الكل مجتمع حتى ندى حاضرة. ابتسم بتلاعب يقول: "الله الله إيه القاعدة الحلوة دي، متجمعين عند النبي إن شاء الله." لم يهتز ثبات مصطفى إنما تحدث برزانة: "القاعدة دي عشان آن وقت الحساب، والكل هيتحاسب."
خص محمود بنظره حادة وأكمل: "وأولهم ابني الكبير اللي ضحك على عقل عيلة صغيرة واستغلها عشان غلبانة وكمان رمى لحمه، ومرات ابني اللي كذبت وقالت إني ورا كل ده و... قاطعه ماجد يردد: "جدّي... أنا آسف على قطع كلامك بس مش آسف على اللي هقوله ده، بس أنا أمي مظلومة." اتسعت أعين مصطفى وكذلك فيروز تترقب القادم، وبالفعل التف لها ماجد يشير عليها ثم قال: "البنت دي هي اللي كذابة، هي مش بنت محمود الدهبي أصلاً." وقفت تصرخ به عالياً:
"انت كذااب." ابتسم لها وكأنه يقول إنه قد سبق وطلب التفاوض معها وهي رفضت. أخرج أوراق من ذلك ثم قال: "بابا جابها ودخل بيها هنا بس ما فكرش يعمل لها DNA." صمت خيم على الجميع فأكمل هو: "اعذرني يا بابا إني أخدت الخطوة مكانك، بس كان لازم أتأكد، للأسف فيروز مش منا خالص وادي نتيجة التحاليل." هب الكل من مقعده أنظارهم مسلطة كالسوط على فيروز المصدومة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!