الفصل 44 | من 54 فصل

رواية شط بحر الهوى الفصل الرابع والأربعون 44 - بقلم سوما العربي

المشاهدات
22
كلمة
4,472
وقت القراءة
23 د
التقدم في الرواية 81%
حجم الخط: 18

بعد أمسية رائعة حظى بها معها على سطح السفينة وحدهم، استيقظ بابتسامة مشرقة عرفت طريقها لوجهته وحدها لا إرادياً. باشر في فتح عينيه وهي تلازمه، يتمطى بكسل شديد، ليفتح عينيه على صوت صديقه الذي بدأ يردد: "سيدي يا سيدي، إيه الروقان ده! تنهد ضياء براحة ثم ردد بصوت عذب سعيد: "صباح الخير." جاوبه رائف بحاجب مرفوع: "يا صباح الروقان والمزاج العالي، قولي إيه سر الاشراق اللي أنت فيه ده، وكنت فين طول الليل، كلارا قلبت عليك الدنيا."

وقف عن سريره وقال: "شششششش.. أنا صاحي مزاجي عالي ومش عايز وش ولا زن خالص، وبصراحة صوتك مزعجك." أشار رائف على نفسه وردد بصدمة: "أنا صوتي مزعج؟! دلوقتي بقا مزعج يا سعادة البيه! ابتسم ضياء ورد عليه: "أوي، أنا كنت مخبي عليك من زمان بس جه الوقت اللي لازم أصارحك بيه بالموضوع ده." ذهب للمرحاض سريعاً وهو يضحك بسعادة تاركاً صديقه خلفه يتفنن سبّه بكل السباب النابي الذي يعرفه. بعد دقائق خرج من المرحاض وقد بدل ملابسه ثم قال:

"أنا مش هرد عليك، مش ناوي أعكر مزاجي خالص بصراحة." هم ليتحرك ويخرج من الغرفة لكن أوقفه رائف قائلاً: "استنى عندك الأول، قبل ما تروح لازم تبقى عامل حسابك وتعرف، كلارا متضايقة منك جداً ومستحلفة لك." هز كتفيه بلا اهتمام وقال: "تمام تمام... أوعى بقا من طريقي أنا خارج." خرج سريعاً ورائف من خلفه متعجباً لأحواله. صعد ضياء عدة طوابق حتى وصل إلى المطعم، أنه ميعاد الفطور، متوقع أن يجدها هنا.

دلف للداخل سريعاً، وجد كل الرفاق مجتمعين، تبعه رائف الذي تقدم خلفه بسرعة. ظل ينظر هنا وهناك لكنه لم يجدها، اقتربت كلارا منه وهي تلاحظ عينيه تدور في المكان وعلى ما يبدو تبحث عن شخص ما، تمسحت في جسده مرددة بدلال: "كنت فين حبيبي، معقول كده تسيبني زعلانة منك." ضمها له وقال بابتسامة لكن باله مشغول: "معلش، راحت عليا نومة." كلارا: "مش كنا متفقين هتنام عندي امبارح." وقف وقد نفذ صبره يقول: "يوووه.. أوعى."

وقف ينفضها عنه بلا مراعاة لمشاعرها أو منظرها، وهي تشعر وكأن قلبها قد شق نصفين، لا تعلم ما هو الذنب الذي اقترفته في حياتها حتى تغرق في عشق شخص مثل ضياء. وهو لا يهتم، يبحث الآن على من شغلته وشغلت تفكيره. في غرفة تقى ونادين. كانت قد انتهت من تضفير شعرها على شكل جديلة فرنسية ونادين تقف بالقرب من الباب مرددة: "أنا خلصت، هطلع أنا واستناكي، أوكي؟ نظرت لها تقى في المرآة تهز رأسها: "أوكي."

فتحت نادين الباب لتخرج لتشهق مصدومة وتغلقه بسرعة فالتفت نادين على مقعدها تسأل بقلق: "مالك في إيه؟ اقتربت منها نادين تردد: "ضياء، شكله بيدور عليكي وجاي على هنا، مش بتقولي جالك هنا امبارح، يعني عارف طريق أوضتك." ارتبكت تقى وقالت: "يا نهار أبيض." تمسكت بنادين وقالت: "بقولك إيه، انتي مش هتسبيني وتخرجي، انتي فاهمة." ابتعدت نادين عنها سريعاً وقالت بتلاعب وخبث:

"وأنا مالي يا أختي، واحد ومراته ميصحش أتدخل ما بينهم أبداً، ده حتى حرام." اتسعت عينا تقى برعب وهي ترى نادين تبتعد باتجاه الباب تناديها: "نادين، زفتته." بينما نادين تلوح لها بيدها مغادرة: "سكسكيوزمي.. باي باي يا قطة." خرجت وهي غير مبالية بسباب تقى لها، بينما هرولت تقى تجمع أغراضها وتجلب رباط شعرها كي تنهي به جديلتها تستعد كي تلبس حذائها بإهمال كي تخرج قبلما يدلف هو لعندها.

كادت أن تفعل لكنه تلقاها عند الباب، توقفت مرتبكة عيناها متسعة. ابتسم بجانب شفتيه معجباً بطلتها ينظر لقدميها التي لم تدخل في الحذاء الرياضي بالكامل وجديلتها التي لم تُضفر إلا لنصفها وبيدها رابطة شعر بشكل طفولي لذيذ. اقترب منها عدة خطوات عادت على أثرها هي للخلف مما سمح له بالدخول وأغلق الباب خلفه أيضاً. ظل يقترب منها وهي تعود للخلف بقلق حتى اصطدمت بحافة الفراش فوقفت. نظر لها نظرة شمولية وهو يود أكلها كلها ثم قال:

"كنتي خارجة كده خلاص يعني؟ شكلك مستعجلة." حمحمت تحاول إخراج أي حديث من حلقها لكن لم تستطع. شهقت بخفوت وهي تشعر بكفيه على كتفيها يضغط عليهم كي تجلس ففعلت وتفاجأت به يجلس بجوارها ملاصقاً لها حرفياً، ثم تناول جديلتها يكمل تضفيرها لها وهو يقول: "من كتر ثقتك في نفسك وفي جمالك خارجة وإنتي مش مكملة أي حاجة." ابتسم لها ثم قال: "حقك، إنتي جميلة أوي."

رفعت عينيها عن الأرض تنظر لأصابعه التي تجدل لها شعراتها، يثقل تنفسها وهي تشعر بأنفاسه قريبة منها جداً، ثم ارتفعت بعينيها لوجهه فوجدته ينظر لها بتيه مردداً وعينه تجوب كل ملامح وجهها: "أجمل ما شافت عيني." لم يعطها الفرصة لتستوعب كلماته كي وهو يصنع الصدمة الأكبر بعدما جلس أرضاً على عقبيه يربط لها رباط حذائها الأبيض. نظر لها برضا ثم قال: "كده بقينا جاهزين." مد يده لها فوقفت بارتباك، اقترب منها مبتسماً ثم سأل:

"مافيش حاجة عايزة تقوليها لي؟ استغربت ما يقول، سقط قلبها بين قدميها، هل كشف أمرها وينتظر منها هي أن تبادر وتحكي. بقيت صامتة بخوف إلى أن اقترب من أذنها مردداً: "يعني مثلاً إنتي وحشتيني أوي، إنتي بقا إيه؟ ظل منتظراً لأي جواب منها وسأل: "إيه؟ مافيش أي حاجة خالص كده! حمحمت بارتباك واحمر وجهها من قربه المهلك منها، فاتسعت ابتسامته مردداً بتنهيدة حارة: "إنتي ليه حلوة كده."

ضحكت.. ضحكت بألم على سخرية القدر، هل الآن فقط أصبحت حلوة في عين من كان السبب في كل نوباتها النفسية. تباً بل سحقاً له، لا يستحق أي شفقة أو رحمة، يحرم العشق على أمثاله. فهم صمتها الحاقد على أنه خجل فقرص وجنتها الممتلئة مردداً: "وأحلى من جمالك بقا كسوفك، خصوصاً لما يبان على خدودك اللي محتاجة تتاكل أكل دي." ابتسمت باهتزاز، تبخل عليه حتى بالابتسامة ثم قالت: "كنت جاي هنا لحد، صحابك في أوضة من الأوض اللي جنبنا؟

قرص وجنتها الثانية ثم قال: "لأ، جايلك مخصوص، مش عارف أقعد من غيرك، فيها حاجة دي؟ لم تكن متجهزة للرد على حديثه الصريح، زاد عليها الأمر وهو يقول لها: "كمان شوية المركب هتقف في أول بلد، بتفضل واقفة طول اليوم عشان تسمح للركاب لو عايزين يعملوا تور في كل بلد تقف عندها، عايزين ننزل من غير ما حد ياخد باله." سألت باستنħجان: "ليه." اقترب منها يتنهد بلهفة: "مش عايز حد منهم ييجي معانا، عايز أبقى معاكي لوحدي، أوكي؟

صمتت لا تعرف بماذا تجيب لكن على ما يبدو أنه لا ينتظر الرد. *** كانت تسير في الشوارع لا تعلم إلى أين تذهب، منذ ليلة أمس وهي مختفية، قلبها يأكلها عليها، غنوة بمثابة ابنتها التي لم تلدها. كانت تضرب كفاً بأخرى وهي تسير في الحارة قاصدة بيتها تتفقده ربما عادت. شعرت بظل خلفها يتبعها منذ فترة، التفتت بعصبية ترفع حاجبها الأيمن مستنكرة بعدما التفتت ولم تجد أثر لأي شخص خلفها.

سحبت نفساً عميقاً وتعمدت السير لعدة خطوات إلى أن توقفت ورأت ظل لشخص ضخم قليلاً يتوارى خلف عمود عريض لأحد المحلات. سارت ببطء شديد إلى وصلت له وقبضت على ملابسه تهزه فيه للأمام والخلف مرددة: "بقا مش مكسوف على شيبتك بذمتك، دي عمايل راجل كبير، طب أعمل لآخرتك ده انت رجلك والقبر." حاول نفض يدها عنه يقول بإعتراض شديد: "لاااااا، مين ده اللي رجله والقبر، بعد الشر عليا." تركت ملابسه وهزت رأسها تصيح: "إيه هتعظم على اللي خلقك؟

اقترب برأسه منها متحرشاً يردد: "لأ بس أنا مش هموت دلوقتي، أنا حاسس قلب المؤمن دليله." صدرت عنها ضحكة رقيقة مستهزئة تردد: "حوش حوش، أبو كاس بقا مؤمن، اختشي على دمك ده انت حتى صاحب تربيزة." ذم شفتيه وهو يسب هارون بداخله بالتأكيد هو من أخبرهم على إدمانه لعب القمار. نظر لها بنظرة غير بريئة، يدلك كفه على صدره مرددا: "طب ما لو تكسبى فيا ثواب، وأتوب على إيدك، ربيني من جديد." نظرت له بنزق ثم صاحت:

"يا نوغة، قال على رأي المثل بعد ما شاب ودوه الكتاب." رفض ما قيل رفضاً قاطعاً واعتبره يمس كرامته وصاح وهو يشيح بيده عالياً: "لاااااا، ده كله إلا كده، ده مين ده اللي شاب." ابتسم بزهو يعدل ياقة قميصه وأكمل: "طب ده أنا حتى بفكر أخش دنيا وأتجوز." أشجان: "تتجوز؟ يا راجل أختشي على دمك، ده يلا حسن الختام بدل ما تقول أعمل لآخرتي تقول أتجوز، ومين دي اللي هترضى بيك يا نضري." ابتسم باتساع وجاوب: "إنتي." صاحت بأعلى

صوتها في قلب الحارة تردد: "إيه إيه.. إيه إيه، ده انت الظاهر عليك اتخبلت في مخك، قال إنتي قال، ده انت راجل برا ورجل جوا، ده انت اللي في سنك بيقول للدنيا سلامات، قال أتجوزك قال.. روح شوفلك تربى ترمي فيها." رد بأسف مصطنع: "ليه بس كده، ولا عشان زبدة سايحة يعني هتتنكي عليا، بس حقك، حقك تتدلع يا جميل وأنا صابر أوي وبالي طويل." صرخت أكثر ولم تستطع الصمود أمامه: "يالهووووي، ضغطي علي منه، هيجلطني، تعالى لي هنا."

قبضت على ملابسه من جديد بغل وبدأت تردد: "إيه.. هي العيلة دي عايزة مني إيه، ابن أخوك من ناحية وأنت من ناحية، إيييه.. ناويين تموتنا بجلطة في الدماغ ولا ساكتة قلبيه." زاد من جلطتها ورفع لها ضغطها ببراعة وهو يردد باستفزاز: "الله، إيدك طرية أوي، هزّي فيا يا جميل ولا يهمك، بس براحة عليا عشان ركبي ما انتي عارفة." صاحت عالياً وهي تشعر ببداية ألم في كتفها: "يا خراااااااابااااى." قاطعها وهو يتلمس حقيبتها مردداً:

"تليفونك باينه بيرن يا زبدة." تركته بغضب فوقع فجأة منها لتردد: "امسك نفسك يا حزين، قال وناوي تتجوز، أصوم أصوم وأفطر على بصلة." جاوبها بسرعة: "وماله البصل، والله مظلوم ده مفيش أكله تنفع من غيره." جلبت هاتفها من الحقيبة ترد عليه: "صح بس مصنن.. ريحته مش ولابد، زي ناس كده إسم الله على مقامك." نظرت للهاتف منتبهة وترى تبصر رقم غنوة أمام عينها فجاوبت سريعاً بلهفة: "انتي فين يا بت من امبارح، قلقتيني عليكي." صمتت تستمع لردها

وعينها تتسع بغضب ثم قالت: "نعم نعم، بتقولي عند مين، طب اقفلي، اقفلي." أغلقت الهاتف سريعاً ثم نظرت لكاظم وقالت: "قوم أصلب طولك، ولا مش عارف." وقف سريعاً يقول: "مين قال كده، ده الدهن في العتاقي." نظرت له شزراً ثم قالت: "إخلص ومن غير ولا كلمة وديني للي يولع في دماغكوا." هز رأسه وقال بجهل: "هو إيه ده؟ صرخت فيه بغضب: "بيتكوا، بيتكوا يا خويا، هتخلص ولا أتصرف أنا." تحرك على الفور يردد بوجه متهلل:

"لأ هخلص طبعاً هو أنا في ديك الساعة، ده البيت هينور.. إن شاء مش هتخرجي منه المرة دي." قالت قبله تتحرك وهي تهز كتفها بكبر ودلال: "ده لما رجلك تسلم على قفاك." تحرك خلفها سريعاً وهو يرمق جسدها من الخلف يردد: "هتسلم إن شاء الله." لم تهتم له كثيراً كل اهتمامها بتلك التي على ما يبدو قد رضخت لخيار قلبها، بينما كاظم يفكر من أين سيجلب مأذوناً الآن وهل يسألها إن كانت تحمل بطاقة هويتها أم يصمت. ***

جلست تتابع الأخبار، تستمع بتركيز إلى مدير أعمالها الجديد الذي بدأ بسرد كل خطط يومها لكنها قاطعته بتحفز: "لأ لأ.. سيبك من كل ده، أنا عايزة أعرف الموظفة اللي اسمها غنوة صالح جت النهارده ولا ما جتش." توقف عن التحدث يرمش بعينيه ذات الأهداب الكثيفة وقال:

"مم.. مش عارف يا فندم، أنا مالي ومالها دلوقتي إحنا لازم ننظم سكادچول اليوم عشان نعرف نقدم إيه وإيه اللي ممكن يتأخر لآخر اليوم وبردو الميتنج اللي كمان نص ساعة لازم حضرتك تكو.... قاطعته بحدة وغضب تضرب بيدها على سطح المكتب وقالت بإصرار: "روح حالا شوف هي جت ومنتظمة في شغلها ولا لأ، ودور وراها تعرف لي لو مسببة أي أخطاء فاهم." صمت لثوانٍ يزم شفتيه بعدم رضا فصرخت فيه: "سامعني." تنهد بهدوء ثم قال بإذعان:

"سامع يا فندم، أي أوامر تانية؟ أشارت له لمى بعينها للباب وقالت: "اتفضل روح دلوقتي لو سمحت وتعالى بسرعة تعرفني." خرج من عندها وهو غير راضي تماماً عن ما يحدث، لقد أتى لها هنا في وظيفة مساعد المدير التنفيذي لشركة مختار جروب وليس كمرشد أو (عصفورة) على زملائه. ما أن فتح الباب حتى دلفت السكرتيرة ترغب في قول شيء لكن بادرت لمى تردد وهي تضع أصابعها على رأسها من الألم: "قولي لهم يجيبوا لي القهوة بتاعتي بسرعة." جاوبتها

السكرتيرة على الفور: "حاضر، بس.. في ظابط برا طالب يقابل حضرتك." جعدت لمى ما بين حاجبيها وسألت: "ظابط؟ عايزني أنا؟ ليه؟! السكرتيرة: "مش عارفة يا فندم." تنهدت لمى وقالت بتفكير: "طيب دخليه، خليني أشوف فيه إيه؟ هزت السكرتيرة رأسها إيجاباً ثم ذهبت للباب تقول لمن يجلس في مكتبها منتظراً: "اتفضل يا فندم." دلف سريعاً وعلى وجهه ابتسامة عذبة يقول: "صباح الخير." شهقت لمى بخفوت، رضوان... كيف نسيته؟

كان لابد وأن تتوقع أنه هو من يريدها. وقفت عن كرسيها تقول باحترام وهي تمد يدها له: "أهلاً أهلاً حضرة الظابط، الشركة كلها نورت." وقف أمامها بطوله المهيب وطلته الخاطفة للأنفاس يقول: "الشركة منورة بيكي." أشارت له على أحد المقاعد المقابلة لمكتبها وقالت: "اتفضل اتفضل." جلس وهي كذلك ثم نظرت للسكرتيرة وقالت: "اطلبي لنا اتنين قهوة لو سمحتي." نظرت لرضوان وقالت: "ولا الباشا يحب يطلب حاجة تانية." ابتسم رضوان بكياسة ثم ردد بوقار:

"لأ هي القهوة تمام." نظرت لمى لسكرتيرتها تعطيها الأمر بالذهاب، ففعلت وأغلقت الباب خلفها. ظل الصمت هو الأمر الواقع لمدة دقيقة كاملة كل منهما ينظر للآخر ولا يوجد من يبادر بالحديث. نظر لها بجانب عينيه ثم قال: "لأ مش هتكلم غير لما أشرب قهوتي، مصدع أوي." ضحكت بمرح على أفعاله، رضوان شخص متزن جداً في كل شيء، يوازن ما بين العصبية والهدوء، الهيبة والمرح، حتى في جماله متزن.

لا هو الوسيم وسامة قاتلة ولا هو ذاك المشعث، هو الوسط في كل شيء ولا يوجد فعلياً ألطف من هذا. كان ينظر لها شارد في ضحكتها الجميلة ثم قال: "أنا بصراحة معجب جداً بقوتك في مواجهة كل أمور حياتك، واحدة غيرك كان زمان اللي حصل معاها ده هدها، بس شايفك ما شاء الله، قاعدة في قلب شغلك ومالية مركزك ومدورة الشغل زي الوالد الله يرحمه، براڤو بجد." ابتسمت ابتسامة ساخرة، الحزن يملأ عينيها، من لا يعرف لا يدرك، الكل يحكم بالمظاهر.

وهو صادق، من يراها يجزم بأنها قوية واستطاعت تخطي كل شيء وهي الآن تجلس في قلب عملها تتابع شغلها وتنجز فيه أيضاً. ولا أحد يعلم أو يتوقع أنها هنا كل شغلها الشاغل مراقبة وعد أنفاس غنوة، هارون نفسه لا تهتم له أو يفرق معها كثيراً وإن حدث وشكل فرقاً فحتماً لأنه يتعلق بوجود غنوة. تلك الفتاة، لقد ارتبط مصيرهما معاً، لن تتركها وشأنها، الأمر أصبح شخصياً إلى الحد الذي لا حد له.

خرجت من شرودها على صوت الباب يفتح ودلف من بعده أحد السعاة يحمل صينية عليها أكواب القهوة مع المياه، وضعها وانصرف. ارتشف رضوان القليل من فنجانه ثم قال بتلذذ: "واو، حتى القهوة هنا بيرفكت.. أنا كده هاجي كل يوم آخد قهوتي الصبح عندك قبل ما أروح الشغل، إنتي مش متخيلة الشغل في القسم بيجيب لي صداع وقرب يجيب لي قراع." ضحكت لمى ثم قالت: "لأ يبقى لازم تيجي تشربها معايا كل يوم عشان تبقى مصحصح كده ومركز، ده كله إلا خدمة الوطن."

قهقه عليها ثم قال بسرعة: "أنا كمان شايف كده." صمتت تنظر له، بحديث ضمني كأنها تقول بلا حديث (ها سمعاك، جاي في إيه) فهم عليها سريعاً، لم تكن نظرتها تحتاج للتفسير، حمحم بارتباك ثم قال بعدما وضع فنجانه: "أنا كنت جايلك بخصوص قضية معالي الوزير الله يرحمه." فقالت باهتمام: "هي بقت قضية؟ مش قولت لي هتتقيد ضد مجهول! صمت لثوانٍ متنهداً ثم قال: "حالتك ساعتها ما كنتش تسمح إنك تعرفي، ده غير إن في تفاصيل جديدة ظهرت."

سألت باستنħجان: "زي إيه؟ رضوان: "زي إن في حد من الكبار... الكبار أوي، تقدري تقولي كده إنه الراس الكبيرة بتاعتهم دخل مصر من يومين وده له معاني وتوقعات كتيرة أوي وللأسف كلها مش حلوة." فردت بعصبية: "طب ومستنين إيه، ما تقبضوا عليه! تنهد بتعب ثم قال: "بـتـهـمـة إيه؟ جاي يزور الأهرامات مثلاً؟ صمتت تنظر له فقال من جديد: "الفترة الجاية لازم تاخدي بالك من أدق التفاصيل وأنا دايماً هكون على اتصال بيكي ولازم كمان....

قاطعهم دق مهذب على الباب ودلف من بعده مدير أعمالها ينظر لها بصمت. كأنه قد قرأ الوضع وتفهم لذا قرر تأجيل الحديث فيما طلبته، لكن هي لم تتفهم أو تصبر وسألت: "ها عملت إيه؟ جعد رضوان ما بين حاجبيه مستغرباً وبقي منتبهاً باهتمام لحديثهم حيث رد عليها الواقف بالباب: "ماجتش النهاردة يا فندم والمفروض أن في ميتنج مهم هي تنظمه بس للأسف ماحصلش." وقفت بعصبية وقد فارت أعصابها بنجاح ما أن تعلق الأمر بغنوة وقالت:

"اتصلوا بيها تيجي فوراً، شكلها نسيت نفسها، بعد نص ساعة عايزة كل حاجة تكون تمام ولو ما حصلش تعرفني.. اتفضل نفذ." ذهب من أمامها سريعاً، لم يعمل معها ليومين على بعض وبدأ في سب حاله كونه تقدم لتلك الوظيفة بل ودعا ربه أن يُقبل بها. فيما التفت رضوان للمى وقال: "في مشكلة؟ حاولت سحب نفس عميق ثم قالت: "لأ تمام تمام." وقف بهدوء ثم قال:

"طيب أنا بقول تيجي معايا دلوقتي عشان تتابعي مجريات القضية، في حاجات كتير لازم تاخدي بالك منها عشان أنا متأكد إنه هيحاول يتواصل معاكي." لم يكن كل تركيزها معه، ولا حتى جزء منه، هي فقط تضم قبضة يدها تفكر في تلك الحرباء البجحة التي تجرأت في كل أفعالها إلى أن وصل الأمر بها لأن تستهتر علناً بلمى مختار. نادى عليها رضوان: "لمى.. آنسة لمى." انتبهت له من بعد شرودها تردد: "هااا! كنت بتقول حاجة؟ فرد بحِلم:

"بقولك إنه أكيد هيتواصل معاكي لازم تيجي معايا القسم نتناقش في الموضوع ده." لكنها لا تستطيع ترك غنوة وشأنها هكذا خصوصاً الآن فقالت: "أكيد هيحصل، هفضّي كل مواعيدي في يوم وأجي." تنهد باستسلام ثم قال: "تمام، منتظرك.. ممكن بس رقمك عشان أنسق معاكي المواعيد، إنتي عارفة معظم شغلي بكون مش في المكتب." تبادلا رقمي هاتفيهما على الفور وذهب بعدها ليتركها تجلس والنار تأكل أحشائها تخطط لتلك الحقيرة. ***

وصل بسيارته داخل بيت الصواف، ترجل منها والتف حول السيارة يفتح لها الباب مردداً: "نورتي بيتي يا غنوتي." ترجلت هي الأخرى مبتسمة تشبك يدها في يده قائلة: "شكراً." تقدمت لجواره حتى دلفا للداخل، أغلق الباب ونادى إحدى الخادمات يسأل عن عمه فأخبرته أنه قد خرج. تقدم من إحدى الأرائك يجلس عليها بأريحية وضمها له بقوة فسقطت لجواره، احتضنها بسرعة وهو يضحك بسعادة مردداً: "خير ما عمل، أخيراً يا غنوتي هستفرد بيكي." ثم قذف لها قبلة

في الهواء فنهرته بحدة: "ولاااا." هارون: "إيه بس." ضحكت مكملة: "ما بحبش البوس على الهوا." ضحك متفاجئ من الجانب الآخر المستتر الذي لم يكن يعرفه بغنوة، ذلك الجانب العابث الخالي من الحياء. صفق بكفيه يردد: "الله، طلعت سافلة، أنا بحب كده أوي." قربها منه أكثر ثم قال: "بلاش على الهوا." ابتعدت عنه تصيح: "انت فاكرني عيلة هتضحك عليا، نعمل إشهار الأول، وعايزة فرح.. كبير، وفستان، لأ اتنين فيرست لوك وسكند لوك." صاح عالياً:

"إيييه إيه. حيلك حيلك، ده هياخد وقت كتير أوي، أنا بقول النهاردة نكتب الكتاب وننزل خبر على كل الصفحات والمواقع، أظن مفيش أكبر من كده إشهار." وضعت يدها في خصرها تسأل: "طب والفرح؟ والفيرست لوك والسكند لوك، ده أنا غنوة صالح أشطر ويدنج بلانر في مصر كلها." حاول الاقتراب منها كي يحظى بحضن منها:

"عادي يا حبيبتي، باب النجار مخلع، كل اللي بتقوليه ده هياخد وقت كتير وأنا خلااااص مش قادر، الحقي روحك بدل ما ألحق أمسك نفسي عنك ونبقى نعمل الإشهار في طهور ابننا." هم ليقترب منها لكنه توقف كمن صعقته الكهرباء على صوتها، ومن غيرها، عفريت حياته وكابوسه الأزلي تصيح عالياً: "شيل ايدك عنها جاك كسر إيدك." ضحكت غنوة وهو عض كفه ندم وقهر يصرخ: "منك لله."

في نفس التوقيت وقف ألبير أمام أحد الضباط في مطار برج العرب في الإسكندرية، يختم له جواز سفره ثم ابتسم في وجهه مردداً: "Welcome to Egypt."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...