مرت ساعات، وما زالت تقود سيارتها في الشوارع تبحث بعينيها عنه. لا يمكنها الاستيعاب، كيف فعلها ذلك المتهور؟ ومنذ متى وهو متهور بالأساس؟ لطالما كان نمطيًا جدًا، ولا يحبذ المغامرة أو الخروج عن المألوف، وهذا ما عهدته عليه طوال فترة إقامتها في القاهرة لجوارها. لولا حديث شقيقتها لها وتأكيدها الأمر لأكثر من مرة لما صدقت. المرعب في الأمر أنه قد مر يومان كاملان حين رحل تاركًا مصر. إذا فهو صار له يومان الآن في الشوارع.
ذلك الحقير.. بالبداية يرفضها بطريقة أكثر من مهينة، والآن يجعلها تموت قلقًا عليه بكل لحظة تمر عليها. لا، والأدهى من هذا وذاك أنه يضعها في محل الشعور بالذنب تجاهه، ووضعها في موضع المذنبة الآن أمام الكل. نابغة عصره هذا، الذي حينما قرر التمرد لمرة فعلها بالطريقة الأصعب والأخطر. لو كان يريد التمرد، لما لم يقبل بها زوجة وكفى نفسه وكفاها كل هذا العذاب. ولكن كيف! كيف تسير حياتها بهدوء وتمضي الأمور بسلاسة؟
لا يمكنه، فهو عاشق للكآبة والبؤس. يرفض الحل الأسهل، والآن يحملها ذنبه ويقتلها من الحيرة والقلق عليه. وقفت تضرب رأسها بيأس على طارة القيادة. لم تصل لحل بعد كل ذلك، حتى الشرطة والمستشفيات لم تساعدوها. وهي تعلم لن يقدموا العون أو يكثفوا جهودهم لأجل شخص عربي ومسلم أيضًا.
عادت أدراجها للبيت، لتريح جسدها ساعة واحدة حتى يتسنى لها مواصلة البحث عنه. تبًا له، ستبحث عنه كما لو كان طفلًا صغيرًا وقد فقدته في شوارع المدينة المزدحمة. *** وصلت البيت تجر قدميها جرًا، بالكاد تستطيع السير. لكن ما إن وطأت قدميها داخل البيت حتى أغمضت عينيها بضيق شديد وهي تستمع لصوت صراخ ذلك البغيض على والدتها بحده:
"اسمعي فيولا، لقد صبرت كثيرًا، ولكنك على ما يبدو قد نسيتِ حجم المبلغ الذي أقرضتك إياه. يمكنني الزج بكِ في السجن الآن ولن تري الشارع طيلة حياتك، لذا توقفي عن التلاعب والمماطلة." تقدمت فيولا منه مترددة: "صدقني سيد ألبير، لقد انقطعت كل سبل التواصل بيني وبينها. أتعتقد أني لا أرغب في إتمام الأمر؟ أي أم تلك التي ستمانع زواج السيد ألبير فيكرت من ابنتها؟ وأي عريس سيكون أفضل منك؟
ولكني حقًا لا أستطيع التحكم بها أو فرض أي سيطرة عليها. بالأساس لا أستطيع التواصل معها." حاولت نغم الاختباء منهما كما تفعل دوماً، لكن ألبير قد لمحها بعينيه الصقر خاصته. فقال: "وهذه الصغيرة؟ ألم تكن عندها منذ فترة قصيرة؟ بالتأكيد لديها كافة التفاصيل التي أريد." وقفت نغم وهي تجاهد كي تصلب طولها وتتصدى له رافضة، ولكن سبقتها فيولا وهي تقول:
"صغيرتي متمردة. على ما يبدو أنها وفية لشقيقتها أكثر من أمها. وفية لدرجة الغباء، لا تعلم أنها تمنع عن شقيقتها منابع الخير كله." قلبت نغم عينيها بملل ثم قالت: "منابع خير لها أم لك يا والدتي العزيزة؟ لا أصدق ما تفعلينه حقًا." أبعدت عينيها عن فيولا ونظرت لألبير مترددة: "وأنت سيد ألبير، ما سر إصرارك الشديد على غنوة رغم كونك تستطيع الزواج بعشرة مثلها؟ ألم تفكر يومًا ما في أمر الديانة؟
فكما تعلم، شقيقتي مسلمة وأنت مسيحي.. أخبرني ما الحل بنظرك؟ هل ستقبل تغيير ديانتك؟ فالمسلمة لا تتزوج بغير المسلم أبدًا." ابتسم ألبير بثقة ثم جاوب: "أنا مسيحي متدين جدًا، ولن أتخلى عن ديانتي مهما حدث." نغم: "وهي أيضًا لن تفعل." هز كتفيه ورد ببساطة: "الزواج المدني يا صغيرة.. الزواج المدني جمع شمل كل الأحبة."
رمشت نغم بأهدابها وهي تتخيل رد فعل غنوة لو استمعت لحديثه. لم تستطع التحكم في تلك الضحكة التي فلتت منها وهي تتخيل أيضًا رد فعل تلك السيدة التي تدعى أشجان على حديثه هذا. بل نظرت لعنق ألبير من الخلف تتخيل أشجان وهي تصقعه عليه بخفها المنزلي ذي الوردة الكبيرة، وألبير يفر صارخًا في حارتهم الضيقة وأحباب الله خلفه يزفونه بأروع زفة تليق بمقامه الرفيع. توقفت رغماً عنها على صوت ألبير يصرخ بها: "علام تضحكين؟ أتستخفين بي؟
التفت يوجه حديثه لفيولا وقال بحده: "لن أصبر كثيرًا، وأريد عنوان زوجتي الآن. لقد حجزت بالفعل على أول طائرة ذاهبة للقاهرة." نظرت فيولا لابنتها وقالت: "أخبريه نغم، ولا تخافي." لكن نغم ظلت ثابتة على موقفها وقالت: "لن أفعل، وليحدث ما يحدث." فصرخ ألبير في فيولا بغضب يردد:
"اسمعي، لقد صبرت كثيرًا.. كثيرًا جدًا، وهذا ليس بطبعي إطلاقًا. على وعد منك بتمهيد الأمر لها، ولكنك طوال تلك المدة لم تفعلي. والآن أنا أقف أتوسل لتلك الصغيرة أن تمن علي بعنوان زوجتي. فلتعلمي جيدًا فيولا أني قادر على الوصول لها ولكل تفصيلة قد تخصها، ولكني انتظرت لأرى الدعم منكِ لأعرف هل أنتِ معي أم ضدي." فهتفت فيولا على الفور: "معك طبعًا سيد ألبير، معك. وهل سأجد عريسًا لابنتي أفضل منك؟ نظرت فيولا لنغم بشراسة وقالت:
"نغم فتاة جيدة وستخبر والدتها بكل شيء الآن، أليس كذلك عزيزتي؟ ردت نغم بإصرار وثبات: "كلا أمي." همت فيولا بالصراخ عليها، ولكن أوقفها صوت جرس الباب. ذهبت لتفتح لتجد شابًا أسمر وسيمًا يقف أمامها بحالة رثة، والإنهاك واضح جدًا على محياه يردد: "مساء الخير.. مش ده بيت نغم؟ اتسعت عينا نغم بصدمة. أيعقل؟ بينما فيولا تنظر له باستغراب تسأل بلكنتها الأجنبية: "من أنت؟ وماذا تريد من نغم؟
لكن نغم كانت قد هرولت سريعًا ناحية الباب، تتأكد من صدق حدسها.. إنه بالفعل حسن بشحمه ولحمه. *** جلست في غرفتها تغمض عينيها تحاول الحصول على القليل من الاسترخاء. ما مرت به في الفترة الأخيرة ليس هينًا إطلاقًا. لم تستطع الجلوس مع أسرتها. للحقيقة، لم تشتاق لهم أو تشعر بأي نقص طوال فترة احتجازها في قصر فلاديمير. ليسوا بأهل لها تمامًا، أهل بصلة الدم فقط، ولكن يالقلب والروح فلا.
سحبت نفسًا عميقًا، ربما هو.. لن تنكر، فلا أحد معها الآن. سحبت نفسًا أعمق لتشعر برائحته تتخلل صدرها. هل باتت تحلم به أم أصبح يخترق خيالها وتشعر بأنفاسه قريبة منها؟ انتفضت مذعورة على يد تسير بخفة على وجنتها، وفتحت عينيها لتبصره جالسًا بجوارها بالفعل يبتسم لها بعينين لامعتين ثم قال: "وحشتيني، أخيرًا نورتي بيتك." لكنها قابلت حديثه بوجه متجهم وقالت: "دخلت هنا إزاي وإمتى؟ مش المفروض تستأذن." تنفس بعمق ثم قال:
"طيب بصي، خلينا نحاول ننسى اللي حصل. أنا عارف إني غلطان والله مش هتتكرر تاني، وحياتك عندي." نظرت له بسخرية ثم أشاحت بعينها بعيدًا عنه، فقال بلين واضح: "أنتي عارفة إنك أغلى حاجة عندي، تقريبًا ما أملكش غيرك." رفعت رأسها بحدة ثم قالت: "ومين قال إنك تملكتي أصلاً؟ أخذ يقترب في مكانه منها وهو يمرر أصابع يده على كفها مرسلًا لذة حلوة في قلبها وهو يردد:
"هيُحصل، أنا عارف إن ربنا هيبعتلي عوضي. من أول يوم شوفتك فيه كنت عارف إننا هنوصل لهنا." سخرت مجددًا من حديثه وقالت: "عوضك؟ أما إنك بجح بصحيح.. مش مكفيك كل الملايين اللي عملتها من ورا عيلة الدهبي لحسابك لوحدك؟ ده أنت في ظرف كام شهر بقيت تنافس شركتهم." التوى ثغره بابتسامة مشرقة ثم قال: "لحقتي عملتي تحرياتك عني وحسبتي حسبتك، بس على العموم دي حاجة مبشرة، معنى كده إنك بتفكري في عرضي." فيروز: "عرض إيه؟ ماجد:
"تعالي نتجوز يا فيروز، وخبط لزق كده من غير ما نشرح لهم أنا مين وأنتي مين وإننا مش أخوات. أنا مش هاممني أوي وعارف إنك أنتي كمان مش هامك." وقفت فيروز عن مقعدها تنفض يده ثم كتفت ذراعيها حول صدرها وقالت: "شكلك ناسى إنك مديت إيدك عليا وضربتني وشتمتني وكمان شككت في أخلاقي، والأهم من كل ده إنك ناسى إني مش بحبك أصلاً." صك أسنانه في بعض بصمت يحاول التحكم في أعصابه، ولكن لم يفلح كثيرًا. وقف وجذبها من ذراعها مرددًا:
"يعني أنتي مش بتحبيني؟ نظرت له بتوتر ثم قالت: "لأ." صمت لثوانٍ ثم قال: "أنا لو مش حاسس إنك مش بتحبيني ولا عمرك ممكن تحبيني صدقيني مش هضيع وقت من عمري معاكي." جعدت ما بين حاجبيها تسأل: "قصدك إيه؟ ابتسم عذوبة وبلا حديث جذب رأسها لصدره يحتضنها، وللعجب أنها استكانت في أحضانه فقال:
"مش معنى إن طريقي ليكي طويل إن مافيش خالص، لأ فيه، وفيه حاجات كتير أوي. إنتي هتبقي ليا يا فيروز وهييجي الوقت اللي تبقي أم أولادي، أنا متأكد.. أنتي بس إلى عنيدة وقلبك أسود حبتين." حاولت التملص من بين ذراعيه مرددة: "أبعد عني يا ماجد." أغمض عينيه مبتسمًا ثم قال: "ما غطيش شعرك لما دخلتي يعني زي ما بتعملي دايمًا! اتسعت عيناها تدرك أنها لم تفعل. اتسعت ابتسامته وقال: "شكلي مش أنا بس اللي متأكد."
هم ليحتضنها من جديد، ولكن فتح الباب على حين غفلة ليطل عليهم محمود ويرى قربهم من بعض ويسأل: "هو فيه إيه؟ ارتبكت فيروز كثيرًا، إلا أن ماجد لف ذراعه حول كتفها وضمه له يردد: "كنت بتكلم معاها وأطمن عليها، أشوف الراجل ده ضايقها مثلًا؟ فقال محمود باستدراك: "أيوه صحيح.. ده راجل مريب، قاعد تحت وبيقول إن فيه معاد بينكوا."
أغمض كل من ماجد وفيروز عينيهما بضيق. يتذكران ما حدث وقت وصولهما للقاهرة، وأنه كان على علم بكل ما خطط له ماجد، وعلى متن نفس الطائرة معهما في غرفة جانبية مغلقة. وقد تركهما على وعد بلقاء آخر وهو مطمئن، فعلى كل حال لن يستطيعا الهرب منه. فقال ماجد: "طيب أنزله وأنا جاي وراك، ماعلش." محمود: "أنا عندي شغل، جدك قاعد معاه. خلص يلا وانزل، سلام." غادر محمود، فالتف ماجد لفيروز وقال:
"مش عايز ألمح طرفك برا الأوضة طول ما الزفت ده هنا، سامعة؟ هزت رأسها موافقة ثم سألت: "هتعمل معاه إيه؟ ابتسم عليها يذوب بها عشقًا ومال ليقبل جبينها ثم قال: "همرجحه." أنهى حديثه بغمزة عابثة وغادر سريعًا وتركها وهي لا تفقه شيئًا. *** ترجلت من سيارة الأجرة وقد تمكن الغضب منها وسيطر على عقلها، تستحلف لذلك البجح وتتوعده. فقد مر الليل كله، وللآن لم تعد غنوة للمنزل ولم تبت فيه. ماذا يعتقد هو؟
أيٌّ يعتقد أنها بلا أهل أو شخص يُحسب له ألف حساب؟ حسنًا، هو من جلبه لنفسه، هي ستريه. اقتربت من البوابة الحديدية تصرخ في الحارس: "أنت يا بلدينا، افتح لي المخروبة دي." اقترب منها الرجل يردد: "جرى إيه يا ست، كل يوم والتاني هابة علينا زي زعابيب أمشير كده ليه؟ أشجان:
"بقولك إيه، أنا مش طايقة نفسي ولا شايفة قدامي، مش عايزة أطلع زهقي عليك أنت. أنت مالكش ذنب، وبقول سيبه لأصحاب نصيبه، روح ناديني للي مشغلك.. ولا أنت حر، اقف بقى وخد اللي فيه النصيب." أشاح لها الرجل بيده مرددًا بضيق: "لا، وعليه، أنادي عليهم حاضر." وبعد دقائق عاد وخلفه كاظم بوجه متهلل. اقترب منها وكاد أن يتحدث ليجد أشجان تصرخ في الحارس: "أنت يا راجل أنت، أنا مش قولت لك ناديني للي مشغلك، جايب لي الكهنة ده ليه؟
اقترب كاظم منها مرددًا: "ما أنا اللي موجود، والموجود يسد." رقصت أشجان رقبتها له مستخدمة ذراعيها وهي تقول: "مش كل الموجود يا عنيا." كاظم: "أخص عليكِ، أديتهالي في قلبي." أشجان: "جاك وجع في قلبك، ما تختشي على دمك وتصلب طولك مالك سايب على نفسك كده." اتسعت ابتسامة كاظم وقال: "هو حد يشوف صفايح الزبدة السايحة دي ولا يسبش على نفسه؟ أشجان: "لأ، وأنت الصادق ده من ركبك السايبة." وضع كاظم راحة يده على صدره يردد:
"الدهن في العتاقي، خلي بالك." أشجان: "اللهم طولك يا روح.. قصره... أنا مش جايه أتسار، أنا جايه للي ينسك في قلبه ويتعمى من نواظره، للي اللهي يتخفى اسمه.. ابن أخوك." كاظم: "هارون." لتردد على الفور: "قطع وقطعت سيرته." هز رأسه بجنون منها وسأل: "عمل إيه بس، مين مزعل الزبادي بالقشطة؟ أنا عايز أفهم." نفد صبرها فهتفت فيه بحدة: "أنت وبلاويك بقى، أنا مش حمل مناهدة. البت فين؟ كاظم: "بت مين بس؟
لو قصدك غنوة فهي ماجتش هنا ولا حتى هارون، حتى بص عربيتها مش راكنة من إمبارح." ضربت أشجان على صدرها وقالت: "يلهاوي، أما البت فين؟ هات العواقب سليمة يا رب." ثم بدأت تتحرك مغادرة وهي تفكر بحيرة وقلق أين تسأل عنها وتجدها. وهرول كاظم خلفها سريعًا يتبعها، لم يشأ تركها بمفردها وانتهزها فرصة كذلك. *** أول ما رآها عادت الحياة لعينيه اللتين انطفأت من الحزن عليها بعد رحيلها يردد بلوعة واشتياق: "نغم." وقفت أمامه
بجسد متخشب لا تصدق وسألت: "إيه اللي عمل فيك كده؟ أنت بقالك يومين في الشارع؟ جذبته من يده سريعًا وقالت: "تعالي، أدخل أدخل." دلفت وهو معها سريعًا وأغلقت الباب لتسأل فيولا: "من هذا؟ نغم: "فيما بعد سأخبرك." نظرت إلى حسن وقالت: "أنا بقالي يومين بدور عليك في كل الشوارع.. عرفت إنك وصلت لهنا من يومين.. إزاي قدرت توصل لهنا؟
سكت مترفعًا عن البوح بكم الذل والهوان والويلات التي ذاقها حتى يستطيع الوصول لعندها أخيرًا، وهو لا يعرف كلمة ألمانية واحدة. كل ما يملكه هو عنوان المنزل مدونًا على ورقة. نظر لنغم وقال: "كان معايا ورقة مكتوب فيها العنوان بالألماني.. غنوة كتبتهولي." عند ذكر اسمها اعوجت رقبة الذي يتابع كل ما يحدث بملل. اتسعت عيناه بصورة مرعبة. ثم بدأ يقترب من حسن خطوة فأخرى يردد: "هل تعرف زوجتي؟ نظر له حسن بجهل وسأل نغم: "هو فيه إيه ماله؟
نغم: "ولا حاجة.. بيسلم عليك." التف وابتسم لألبير بإرهاق يقول: "الله يسلمك." لكن ألبير زادت عصبيته واتجه إليه يلف كفيه حول عنقه يردد بغضب: "سؤالي واضح، لما تتهرب منه؟ هل تعرف زوجتي؟ انتفضت نغم هلعًا عليه ووقفت تحاول إبعاد ذلك الثور عن حسن مرددة: "كف عن جنونك هذا، وكف أيضًا عن تلقيبها بزوجته، فهي لم تتزوجك." التف لنغم يقول دون أن يترك عنق حسن: "سيحدث عزيزتي، هي مسألة وقت لا أكثر." ثم بدأ يهز في جسد حسن قائلاً:
"قل لي أين هي، لا أريد قتلك." تقدمت فيولا وتحدثت هي إلى حسن بعربيتها التي لازالت تعرفها: "هو بيسأل عن غنوة، بنتي، لأنها... تعتبر خطيبته." هز حسن رأسه وكأنه قد تعطل عن العمل، كما جهاز الكمبيوتر بالضبط حينما يحدث له (error) مخطوبة ومتزوجة في نفس الوقت! كيف؟ ومن هذا المعتوه وما ذلك الجنون الذي يتملكه ويتحدث به؟
وبقوة كبيرة استطاع تسديد ضربة قوية بقدمه في معدة ألبير جعله يرتد للخلف، ثم منحه لكمة رائعة ترنح على إثرها ألبير قليلاً ثم قال: "كيف تجرؤ.. كيف." هم ليكي يضربه من جديد، ولكن توقف الكل على صوت صراخ نغم: "كفى." توقف حسن وهو يلهث فقالت:
"سيد ألبير، مكثك هنا وجدالك معي لن يعود عليك في النهاية بأي نفع صدقني، وما هو إلا مضيعة لوقتك الثمين على حد قولك. وإن أردت غنوة فأنا آخر شخص يمكنك الاستعانة به، أنا لن أسلمك شقيقتي ولو قطعت لحمي إربًا." اعتدل ألبير في وقفته يقول: "وهل سترضين بسجن والدتك؟ نظرت فيولا لابنتها تطلب العطف وصمتت نغم لثوانٍ ثم قالت:
"من أقدم على فعل يتحمل نتيجته، لقد ذبحت ابنتها مرة وهي طفلة لا تفقه شيئًا، والآن فقط تذكرتها لأنها أصبحت ذات نفع كبير! صعقت فيولا من حديث ابنتها، بينما ألبير يقف يقرأ الوضع وذلك الإصرار الواضح بقوة في عينيها. تلك الفتاة لن تتراجع وتنفذ ما يطلبوه. لذا تنفس بعمق ثم قال لها بصوت فيه بصيص من الترجي: "لكني أعشقها وأتمناها، ألن تساعديني؟ نغم:
"لا تظن أبدًا أنك تستطيع خداعي بصوتك اللين الضعيف هذا سيد ألبير، سمعتك الطيبة تسبقك." هم متفهمًا بعدما التقط نبرة السخرية في حديثها. رفع إحدى حاجبيه وقال: "سأسافر غدًا للقاهرة، لست بعاجز ولا أنا من لا يستطيع التوصل لما يرغب. هي بضعة أيام قليلة وسأعود وهي بالطبع معي.. اعتبري هذا وعدًا مني لك يا صغيرة." ابتسمت له بسماجة تردد: "حظ جيد سيد ألبير... لقد أنستنا كثيرًا."
اهتز فكه بغضب، ولكن لم ينطق بالمزيد، بل غادر سريعًا وكله إصرار على الذهاب بأقصى سرعة لمصر والعودة بزوجته. التفت فيولا تصرخ في وجه ابنتها: "هل ارتحتِ الآن؟ ثم التفت تنظر إلى حسن وتسأل بعدها: "ومن هذا أيضًا؟ وماذا يصنع هنا؟ نغم: "اتركينا وحدنا إذا سمحتي." هتفت فيولا معترضة: "ماذا؟ نغم: "ماذا أنتِ؟ نظرت فيولا بتقزز وملل ناحية حسن ثم قالت: "سأغادر فقط لأني لا طاقة لي بما يحدث أو سيقال."
بالفعل غادرت فيولا وصعدت لغرفتها، بينما التفت نغم لحسن تسأله بامتعاض: "إيه اللي جابك هنا؟ اقترب منها حسن يردد بلهفة: "وحشتيني.. وحشتيني أوي يا نغم.. أنا جيت عشانك، أنتي ما تعرفيش أنا حصلي إيه في بعدك." كان يتحدث وهو يقترب منها بلهفة يقلص المسافة بينهما، ولكنه توقف بصدمة أمام حركة يدها الصارمة التي تأمره بالتوقف والثبات في مكانه محافظًا على تلك المساحة التي صنعتها. ثم قالت بوجه متيبس: "جاي تعمل إيه يعني مش فاهمه؟
ابتلع لعابه بصعوبة من طريقتها اليابسة معه في الحديث. حاول إجلاء حلقه يبحث عن صوته ثم قال: "مش فاهمه إيه نغم، أنا جيت عشانك، عشان أقولك إني كنت غلطان واعتذر لك." زَمّت شفتيها للأمام قليلاً علامة على أنها لا تستسيغ الحديث، ثم قالت بجمود: "تعتذر لي؟ على إيه؟
يمكن مثلاً على إني أنا اللي كنت بقرب منك وبآخد كل الخطوات ناحيتك وإني أنا اللي بدأت وسرحت عن مشاعري ناحيتك، أو على إني أنا اللي رخصت نفسي وعرضت عليك الجواز وأنت رفضت، أو على إنك ولا مرة أخذت أي خطوة، أي خطوة ناحيتي، ويوم ما أخذتها فأنت مشيت ما قربتش." كان يستمع لها بقلب مفطور يعلم أنه مخطئ، ولكن جاء إليها نادمًا يتمنى المغفرة وقال باستعطاف: "نغم، ما تقصيش عليا وما تنسيش تربيتي، إحنا كده وتربيتنا كده." نغم: "والله؟
وهارون مش نفس البيئة ونفس البلد وصابر ومستحمل كل بلاوي غنوة؟ الغلط عندك أنت، في شخصيتك أنت." اقترب منها يقول مترجيًا: "يا نغم.. ده أنا عملت كل ده عشانك." صرخت في وجهه بكل ما بداخلها من غضب وكبت: "هو إيه اللي عملت كل ده عشانك؟ أنا عملت اللي مافيش أي حاجة كانت تتعمل وأنا ماعملتهاش، وأنت عشان سافرت من بلد لبلد كده خلاص؟ لأ، مش خلاص وأسفك مرفوض. اتفضل اطلع بره وارجع على أول طيارة تاني لبلدك." اقترب أكثر حتى ما عاد هنالك
أي مسافة بينهما يردد: "نغم، اسمعيني بس." أشاحت بيدها ناحية الباب وصرخت فيه: "برااا." لأول مرة تلمح الدموع في عينيه يتوسلها وهو يردد اسمها: "نغم." تحركت ناحية الباب وفتحته وصرخت فيه: "قولت لك برا.. أسفك مرفوض." ظل مكانه لثوانٍ أملًا منه في تغيير رأيها، ولكن ملامح وجهها المنزعجة لم تتغير وصرخت مرة أخرى: "قولت لك اطلع برا ارجع بلدك واتجوز واحدة أمك تختارها لك."
بجسد مثقل وقلب مكسور تحرك ببطء ناحية الباب، ألقى عليها نظرة أخيرة طويلة ثم تحرك متجاوزًا الباب، فالتفت تصفقه خلفه وتقع أرضًا منهارة. *** وقف يضع يده على فمه في محاولة جديدة فاشلة لكبت ضحكاته، لكنه لم يستطع وهو يرى غنوة سطحت تلك الشقراء أرضًا، تجلس على معدتها بكل أريحية تضربها بغل وجنون، والأخرى تستغيث وقد تحولت غنوة كليًا تضر الفتاة وتجذبها من شعراتها التي تتباهى بها وهي تصرخ فيها:
"عارفة لو شفتك مقربة ناحيته تاني هعمل فيكي إيه، هكسر لك إيد يمين ورجل شمال يا شمال وأخليكي تمشي تزوقي في الشوارع، أنتي فاهمة؟ حاولت الضحية الصراخ مستنجدة: "آه... ابعدي عني.. ابعدي عني يا بتاعة أنت.. آه، الحقيني يا هارون، خلصيني من المتوحشة دي." اشتعل جنون غنوة وذهب عقلها كليًا وصرخت فيها: "وكمان بتقولي اسمه؟ أنا هعرفك إزاي تنطقيه تاني." زادت ذروة غضبها خصوصًا وهي تراه يحرك قدميه ويقترب ملبيًا طلبها، فهتفت بحدة:
"اثبت مكانك وإلا والله هخليها خراب يا بيت خراب، أنت لسه ما تعرفنيش أنا مجنونة." حاولت الفتاة تخليص نفسها منها مرددة: "مجنونة على نفسك، أوعي بقولك... آه... هموت.. الحقني يا هارون." لكن هارون لا يستطيع التحرك من شدة استغراقه في الضحك بطريقة هيستيرية تزداد مع زيادة جنون غنوة كلما نطقت تلك العقربة اسمه بميوعتها المستفزة.
وبلحظة خاطفة استطاعت تلك الشقراء تخليص نفسها من تحت غنوة بصعوبة وحاولت الوقوف، لكنها من شدة الضرب كانت كلما وقفت سقطت، وغنوة تقف كي تجذبها لعندها من جديد وتشبعها ضربًا علها تستريح. لكن الفتاة كانت تسير بأقصى قدرة لديها وهي تعرج على قدميها تفر خارجًا، وغنوة تهم بالركض خلفها كي تلحقها وتضربها من جديد لولا يد هارون التي تمسكت بها بقوة وهو لا يزال لا يمكنه التوقف عن الضحك، يرد من بين ضحكاته وجسده المهتز
وهو يقبض بكل يد على ذراع: "أهدي خلاص، مشيت." نظر على أصابع يدها وأظافرها التي تحولت إلى مخالب، وهو يرى خصلات صفراء معلقة بين أصابع كفيها: "إيه ده، هههههه قلعتي شعرها." ضربته بغل مرددة: "أنت بتضحك على إيه.. أنت ليك حساب تاني وروقة لوحدك." حاول التوقف عن الضحك ينظر لها بعينين لامعتين ومد يده يهندم خصلاتها المشعثة أثر معركتها ورد بفرحة: "بتغيري عليا يا غنوتي." ضربته بكلتا يديها في معدته فتأوه بصمت وهي قالت:
"أنا ولا بغير عليك ولا تهمني أصلًا، ولو شفت واحدة مقربة منك قسمًا بالله لانتف شعرها شعرة شعرة، وأنت بقى هتتنفخ وتتسلخ وأوزع لحمك في أكياس زي خروف العيد." تحركت كي تغسل وجهها وترتب شعرها، وهو ينظر لأثرها بذهول: "خروف العيد! وبعدين بقى في أنثى الجوزاء اللي أنا وقعت فيها دي." تحرك خلفها سريعًا وذهب للمرحاض الذي وقفت فيه تغسل وجهها بالماء البارد ليقترب منها وبيده المنشفة يحتجزها بين جسده والحائط. أشاحت بوجهها بعيدًا
عنه وقالت: "أبعد عن وشي الساعة دي أحسن لك." مد أنامله لوجنتها يحرك وجهها كي تنظر له، وبدأ يجفف لها وجهها بخفة وتأنٍ بينما يتأمل ملامحها البديعة التي انتشرت فيها الحمرة من العصبية والغضب، يرتكز بعينيه على أكثر ما يعشقه فيها وهي عيناها المرسومة ببراعة من الخالق سبحانه وتعالى. وسأل مجددًا: "بتغيري عليا؟
أشاحت بوجهها بعيدًا عنه فأقترب منها بهدوء يلتقط شفتيها يقبلها بهدوء شديد. يشعر بها مستجيبة تذوب معه فضمها له أكثر وهي زادت من ضمه لها كذلك. ابتعد عنها بعد لحظات يردد بصوت خافت: "طب وليه بقى وجع القلب، أنا تعبت من لعبة القط والفار دي، تعالي نعيش مع بعض، لو أنتي مش محتاجاني في حياتك أنا محتاجك." أغمضت عينيها بتعب وقالت: "وتفتكر أنا مش عايزة؟ مافيش حد قوي طول الوقت، بس أنا مش عارفة أتخطى حكاية بابا."
صمت بتعب ثم سحبها خلفه بهدوء حتى وصل للحديقة من جديد، جلس وجذبها لتجلس في أحضانه ثم قال بتروي: "طيب تعالي نتكلم بالعقل." تنهدت قائلة: "عارفة هتقول إيه، مش أنت اللي موته ولا أنت اللي أخدت قلبه بإرادتك ولا حتى طلبت ياخدوا قلبه أو من غيره، وإنك كنت متخدر وبين الحياة والموت. عارفة كل ده وياما قولته لنفسي الفترة اللي فاتت، بس كل مرة بقرب منك ببقى ناقمة على نفسي وكرهها وبحس إني اتسامحت في اللي حصل لأبويا." زَمّ
شفتيه بعجز ثم قال: "طيب تيجي نحسبها حسبة تانية، مش يمكن كل ده حصل عشان نبقى مع بعض وقلب أبوكي يفضل ينبض جنبك؟ وماعلش لو اللي هقوله كلام قليل الذوق والإحساس بس هو لازم يتقال واسمعيه مني، اللي عرفته إن أبوكي كان مريض كلى في مرحلة متأخرة والاتنين كانوا متدمرين، هو ماكنش هيعيش سوى أيام معدودة." همت لتصرخ فيه غاضبة بتقزز، لكنه أحبط محاولتها وأكمل:
"عارف إن الأعمار بيد الله وإن حتى لو فدى ما يبررش أبدًا اللي حصل معاه، بس ربنا بيمشي الأقدار في طريق يخدم بيها أصحابها. مصر فيها 102 مليون، اشمعنى أبوكي بالذات اللي أخد قلبه." صمتت بعجز وقد توقف عقلها عن التفكير. نظر لها بصمت ثم تنهد مرددًا:
"أنا من حبي ليكي لسه لا حاسبتك ولا حملتك حساب كل الكوارث اللي سببتيها في حياتي، أنا اتسممت واتضربت بالنار كذا مرة، سجنت عمي بسببك وخسرت صاحب عمري بردو بسببك، ده غير الصفقات اللي راحت عليا مع لمى وأبوها، بس بقول كل ده يهون قصاد إنك معايا." لكن مرة أخرى لم تجب. فوقف عن مقعده وردد بحزم:
"أنا هقفل البيت وأرجع لك عشان نمشي بس على بيتي سواء كان عاجبك أو لأ، خلاص خلصت فترة الدلع وأنا طولت بالي عليكي، قولت أسيبك تستوعبي بس أنا خلاص عايز حقي فيكي ومش هفرط فيه. لو أنتي بقى متنازلة عن حقك فيا فدي مشكلتك." تركها بمفردها وذهب يلملم أشياءه ثم عاد ليجدها باقية في مكانها بصمت. مد يده لها قائلاً بلين: "يالا." وقفت بهدوء وتحركت معه دون جدال، فجلس بالسيارة يشبك يده بيدها وهو في طريقه للعودة إلى منزله. ***
وقفت أمامه تنظر له بتذبذب ثم ردت متلعثمة: "و.. وأنا هعرفك منين؟ ثم لثانية تبتلع غصة مريرة بحلقها ثم سألته بقوة: "أنت تعرفني؟ شرد في ملامحها الرقيقة وردد: "لأ، بس.. حاسس إني أعرفك أو... رفعت إحدى حاجبيها وسألت: "أو إيه؟ هز رأسه بتشتت ثم قال: "مش عارف." مد يده للسلام وقال: "إيه رأيك نتعرف على بعض ونكون صحاب." مدت هي الأخرى يدها وبابتسامة ذئب صافحته مرددة: "موافقة." ابتسم لها لأول مرة في حياته كلها بعذوبة وقال:
"تعرفي إنك حلوة أوي." زادت ابتسامة الثقة على شفتيها وقالت: "شكرًا." صمت لثوانٍ فقالت باستغراب: "طب إيه؟ هتفضل واقف هنا كتير؟ نظر حوله فقالت هي: "أنت في أوضتي." ابتسم مستدركًا ثم قال: "طيب ممكن تغيري ونسهر لوحدنا." شدد عليها في الحديث مجددًا: "لوحدنااا." هزت رأسها موافقة فابتسم بسعادة بالغة وقال: "أنا مستنيكي برا، ماتتأخريش عليا." هزت رأسها بابتسامة عريضة ترمقه وهو يخرج من الغرفة متوعدة له بالكثير.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!