الفصل 47 | من 54 فصل

رواية شط بحر الهوى الفصل السابع والأربعون 47 - بقلم سوما العربي

المشاهدات
18
كلمة
4,915
وقت القراءة
25 د
التقدم في الرواية 87%
حجم الخط: 18

تقدم بخطى ثابتة، مختال بنفسه كثيراً، يلتوي شدقه بابتسامة ساخرة حتى اقترب من ماجد الذي جلس بثبات هو الآخر، بل ويضع قدم فوق الأخرى. رفع فلاديمير إحدى حاجبيه بإعجاب، ثم ردد وهو يجلس بأريحية: "عجباني ثقتك دي يا ماجد، بس خلي بالك.. أوقات الثقة الزيادة بتقتل صاحبها." وكعادة ماجد، يخترق صلب المواضيع، لا يحبذ أبداً اللف أو الدوران، يقبلها فقط من حبيبته اللئيمة ذات القلب الأسود التي وقع بعشقها، لكن عداها هي لا يتقبل أو يسمح.

لذا وعلى الفور اعتدل في جلسته وأزاح قدمه عن الأخرى، وجلس بعدما تقدم برأسه قليلاً للأمام، دليل على المواجهة والحسم تحت أعين فلاديمير الذي يراقب كل حركات جسده ويفسرها. تحدث ماجد بقوة: "أنا جاي لك وعايز نتفق، قولي عاوز توصل لإيه وإلي عايزه مدته أد إيه وتخلص." ابتسم فلاديمير ابتسامة متهكمة وعلق ساخراً:

"مش بقولك عاجبني ثقتك في نفسك، بس يا عزيزي ما تتكلمش بثقة في حاجة تفوق قدرتك وتتعدى حدود نفوذك وإلا هتبان أهبل زي ما بتقولوا." وقف عن كرسيه وذهب لبار صغير يفتح زجاجة من الخمر ويصب له كأس بينما يكمل: "أنت دخلت في لعبة اسمها لعبة الموت." وضع كم قطعة من الثلج في كأسه وظل يقلبها بأصبعه ثم وضعه في فمه يلعقه وردد بعدها: "والاسم ده مش جاي من فراغ، مش هفسر لك كتير عشان في ناس كده لما بتعرف بتتعب، ولكن....

يكفي أني أقولك إنها سميت كده لأن اللي بيدخلها مش بيقدر يخرج منها غير بموته، الموت بس هو اللي ممكن يخلصك يا ماجد." حاول الظهور بمظهر الثابت وسأل: "أنا ما دخلتش حاجة، كل اللي كنت عايزه هو شحنة كبيرة لدهب وألماسات، كنت عايز أهدي بيها أختي.. فيروز." زم فلاديمير شفتيه وقال: "وما سألتش كل ده هيحصل إزاي؟ مد قدمه على الأريكة وقال:

"أنت طلبت من مختار يعديها لك، ومختار عمل كده بس اللي ما تعرفوش إن مختار كان راجلنا هنا في مصر، ماسك مصر وليبيا وفي الفترة الأخيرة لعب بديله معانا في كام صفقة وآخرها بتاعتك." أحسّت قليلاً من كأسه ثم قال وهو يشير بإصبع السبابة: "كل الكلام والتفاصيل دي مش من المفروض خالص أنك تعرفها... بس أنا ليا مزاج أقولها لك، عارف ليه؟ ماجد: "ليه؟ وقف فلاديمير والتف حول كرسي ماجد حتى وقف خلفه ووضع يده على كتفه مردداً:

"لأني أصطفيتك، اخترتك من ضمن سبعة وستين شخص كانوا مرشحين مكانك وكمان مضمونين عنك لأنهم رجالتنا من زمان وأنت لا مننا ولا مضمون ومع ذلك أنا مصمم عليك." اتسعت أعين ماجد، الأمور تخرج بعيداً عن حدود سيطرته، لقد قدم لهنا يريد تسوية الأمور وقد لجأ للتفاوض مدام خصمه عنيد هكذا لكن لم يحسب لقرارات فلاديمير أي حساب.

لن يستطيع الغرز بقدميه أكثر في ذلك الوحل، فهو يريد الخلاص بأسرع وقت وأقل الخسائر الممكنة ليأتي هذا وبكل بساطة يخبره أنه أصطفاه. التفت له وقال باندفاع: "بس أنا مش موافق." ابتسم فلاديمير وقال ببرود مستفز: "مين قالك إنك مخير.. حبيبي أنت تنفذ وبس ومش مسموح بأي خطأ كمان." بهت وجه ماجد وسأل بتيه: "وليه أنا، زي ما قلت أنا مش منكم ولا عندي الخبرة ولا العلاقات بتاعتكم برجالتكم لأن أساساً ده مش كاري، دي كانت صفقة وعدت."

فلاديمير: "إزاي بس، ده صميم شغلك، أنت بتشتغل في إيه، مش في الاستيراد والتصدير يبقى صميم شغلك ولا لأ." صرخ فيه ماجد: "ليه أنا؟! ابتسم فلاديمير وقال ببرود: "ذكائك يا ماجد، ذكائك، الشخص اللي يفضل 33 سنة قادر يخدع أسرة كاملة إنه ابنهم وشوية بشوية يبقى ماسك كل فلوسهم وشغلهم يبقى مش شخص عادي." اتسعت أعين ماجد من الصدمة وبقى بمكانه متخشب، لا يقوى على إبداء أي رد فعل هو فقط سأل بحلق جاف: "أنت عرفت منين."

ضحك فلاديمير دون صوت والتف يجلس على كرسيه مردداً: "بقولك شغلنا مش سهل ومش أي حد يدخل فيه وإصطفيتك يبقى أكيد جبت كل المعلومات عنك، وعرفت مين أهلك ومين أخوك." دق قلب ماجد برعونة وسأل بلهفة: "مين؟ زم فلاديمير شفتيه للأمام وهو ينقر بأصبعه على أنفه كأنه يفكر مستلذ بعذاب الماثل أمامه يردد بصفاقة: "همممم، أقوله ولا لأ، أقوله ولا لأ." أشار له وقال كأنه يضحي: "هقولك." وقف عن مقعده يردد:

"مش عندكم هنا بتقولوا قدم السبت عشان تلاقي الحد، وأنا هعمل كده." كان يتحدث ببرود شديد منتشي بالعذاب الذي يراه في أعين نظيره ثم قال: "بس بشرط." ماجد بلهفة: "إيه هو؟ ابتعد فلاديمير عنه وقال: "فيروز، شرطي فيروز." احتدت عينا ماجد وقال: "طلع فيروز من اتفاقنا." هز فلاديمير رأسه رافضاً وقال: "مش هينفع، عجباني وعايز اخدها، أبعد عنها يا ماجد، أنا عيني عليكوا في كل مكان، أبعد أحسن ما أكرهها فيك." اهتز فك ماجد من الغيظ وحاول

إخفاء غضبه وغيرته ثم سأل: "مين أهلي." فلاديمير: "أخوك شخص مشهور أوي.. أكيد تعرفه، مغني وممثل عالمي، أمريكي." صرخ فيه ماجد: "مين قولي." تحدث فلاديمير ببرود: "جوزيف.. جوزيف دينيرو (بطل رواية الملكة) اتسعت عينا ماجد لحد الحدق، لا يصدق ما تسمعه أذناه، تقريباً تعطل عقله عن العمل نسبياً وفلاديمير ينظر له بابتسامة ساخرة شامتة. خرجت من غرفتها في الصباح تتلفت حولها كمن فعل فعلة منكرة.

منذ ليلة أمس وهي لم تستطع النوم، موقف لا تتمناه لألد أعدائها. تسأل ما هو الشيء الذي قد يفعله شخص كي يجعل شخص آخر يصاب بالزهايمر. ترى هل إذا ضربته بأي معدن قوي على رأسه قد تفلح في إصابته بفقدان الذاكرة أو حتى فقدان آخر كم يوم بها وستكون راضية مرضية حيال ذلك. قد تفعل أي شيء لتتمكن من جعله ينسى تلك الهيئة التي رأها عليها.

ظلت تتلفت حولها، تتمنى عدم لقياه، لقد استيقظت مبكرة قبل ميعاد استيقاظ الجميع كي تتناول أي شيء في المطبخ وتخرج بعدها للجامعة فلا ترى أحد ولا أحد يراها. هبطت الدرج بهدوء، حتى وصلت إلى بداية المطبخ. وقفت تقبل يدها ظهر وبطن، لقد فلتت منهم جميعاً. تشعر أنها قد أتت شيئاً إثماً. تنفست بهدوء فهي تشعر وكأن جميع من بالبيت يعرف بما حدث وليس يوسف فقط، لذا تمنت ألا تقابل أي شخص بهذا البيت على الأقل اليوم ربما نسي هو.

أخذت نفس مرتاح وضغطت على زر الكهرباء وهي تردد: "بسم الله الرحمن الرحيم." لتشهق متفاجئة وهي ترى يوسف بشحمه ولحمه يجلس على أحد كراسي المطبخ عاري الصدر تماماً. فسارعت بإغلاق الضوء مرددة: "صدق الله العظيم." همت كي تفر سريعاً لكن لزمت يدها بيد غليظة شديدة، تمكنت من قوتها أن تجذبها للداخل بحيث أصبح ظهرها ملامس لباب الثلاجة وهو يقف مقابلها هي يحشرها بينه وبين الثلاجة.

وعلى ضوء خافت قادم من الرواق الذي يسبق المطبخ تمكن من التأمل في ملامحها بهذا القرب المريب. يحرك عينيه على جمالها الرقيق الساحر بداية من شفتيها الصغيرة المنتفخة ذات اللون التوتي ثم وجنتيها المستديرة الممتلئة والتي تلمع كالأطفال صعوداً إلى عينيها الجميلة ومن ثم يهبط مرة أخرى بعينيه لشفتيها التي تتحدى من يماثلها تحدي سافر أنه لن يستطيع مقاومتها. ثم حاول التحدث بنفس متهدج ممزوج بكل ما يشعر به الآن: "إيه شوفتي عفريت."

لم تستطع الجواب ولا الرد كل الردود تبخرت وكذلك الحديث، مظهرها الذي رأه عليها البارحة لا يفارق مخيلتها تتمنى لو كان قد نساه فهي تشعر بالخجل الشديد. لكن للأسف هو لم ينسى، لم ولن ينسى، فهي تتمنى لو نسى بينما هو لم ينم ليلته بسبب ذلك المظهر وبقى ساهراً يفكر بها ويتخيلها. وآخر محاولاته كانت الماء المثلج.. نعم، الماء المثلج الخارج لتوّه من المبرد.

فجلب وعاء كبير وجلس يشرب منه تارة وتارة أخرى يرش على صدره ربما هدأ وغفى الساعات المتبقية على الصباح. وحينما لم يتلقى منها رد سأل: "ما تردي عليا، مش بكلمك؟ حاولت إخراج صوتها وسألت: "هو... أحمم، هو أنت فاكر حاجة من أمبارح." سؤال غبي، فهل يا ترى هي غبية لهذا الحد أم أنها ساذجة. عض على شفته السفلى وسأل: "حاجة إيه بالظبط اللي عايزاني أفتركها، أمري أمر." زاد تخبط قدميها وقالت بخوف شديد:

"أمر لله، بس لو تسيبني أعدي يبقى كتر خيرك." ابتسم بجانب فمه وقال: "وهو أنا ماسكك." جاوبته بتهكم مخفي: "لأ هو بس صدرك العريض سد فتحة الباب فلو تكرمت يعني أعدي." وأخيراً نظر على جسده وجسدها ليرى فارق الحجم المضحك فهو بالفعل عريض الجسد جداً وهي لجواره بحجم اليمامة البيضاء. حك جانب أنفه وهو يضحك قائلاً: "أنتي اللي صغيرة أوي." لترد بلهفة: "أوي والله ومش أدك."

رفع إحدى حاجبيه، ماذا تقصد بحديثها هذا، وكأنه قرأت ما بدأ يجول في صدره ناحيتها. عاود النظر لجسدها الصغير مقارنة به ثم سأل: "أنتي عندك كام سنة؟ فجاوبت على سؤاله بسؤال من شدة خوفها وطريقة احتجازه لها الآن: "ليه؟ قرب وجهه من وجهها ليتنعدم المسافات وسأل مرة أخرى بإصرار: "عندك كام سنة يا زينب؟ تلعثمت في الرد وخرج جوابها بصعوبة: "عشرين." نظر لها نظرة شاملة ثم تنهد تنهيدة حارة وقال: "فعلاً صغيرة." ابتعد عنها كي يفسح

لها الطريق وقال بإذعان: "شوفي كنتي رايحة ف... لم تنتظر ليكمل جملته وإنما فرت هاربة كأنها تهرب من الجحيم، تتسابق مع الريح ليوقفها صوته وهو يناديها: "زينب." وقفت بمكانها وبدأت تلتف له رويداً رويداً بخوف وقلق تسأل دون كلام كأنها تسأل ماذا هناك. فقال هو بحدة: "أنتي رايحة فين بدري كده؟ جاوبته وهي ترتجف: "متفقة مع صحاب ليا نذاكر قبل المحاضرة." زم شفتيه بعدم رضا وسأل:

"هممم صحابك، وهتروحي إزاي بدري كده لا معاكي عربية ولا في تاكسيات شغالة دلوقتي... اقفي مكانك ما تتحركيش هلبس وأجي أوصلك." لتتحدث بسرعة وخوف ظاهر في نبرة صوتها: "لا لا.. لأ، مافيش داعي تتعب نفسك." رفع إحدى حاجبيه وقال بتحد: "لا مافيش تعب أنا بحب أسوق بدري والشوارع فاضية." فقالت: "ما هو.. لسه هتلبس وتأخرني." يوسف: "اللي قولته تنفذيه بالحرف أنا مش بستأذنك أو باخد رأيك فاهمة، اقفي هنا لحد ما أجيلك."

تحرك سريعاً وهي تقف خلفه وقد تحول الخزي والخجل إلى غضب شديد تردد: "إيييه هو ده، هو عمال يؤمر ويتأمر كده ليه؟ تنهدت بتعب فهي وبعد ما حدث بالأمس تريد إلا تتواجه معه أو تراه ويراها لذا كانت تتهرب منه لكنه على ما يبدو مصمم.

لكنها لن تنصاع ولتتجنبه عله ينسى لذا فرت سريعاً تستقل السيارة التي اتفق والدها مع صاحبها لأن يقلها يومياً براتب شهري وقتما تريد وقد خابرته منذ نصف ساعة وكان يقف منتظرها وما أن خرجت حتى تحرك بها سريعاً. ليخرج يوسف من شرفة غرفته وهو يرتدي إحدى أكمام تيشرته على استعجال بعدما استمع لبوق السيارة، فضرب حافة الشرفة بغضب حينما تأكد أنها قد تمكنت من الفرار من بين يديه، بالتأكيد تفعل شيئاً خاطئاً ولا ترغب لأي شخص بأن يكتشفه.

هذا ما هداه إليه تفكيره الناضج الحكيم حيال ما فعلت زينب. وجلس ينتظرها حتى تعود، لقد كبر الموضوع في رأسه حتى استفحل وأقسم على عدم تمريره. بزغ الفجر وبدأ الشروق وهو مرابط لها كأنه أقسم على ألا يفلتها من يده. جلس معها على حافة السفينة يشاهدون ذلك المنظر الرائع الذي تمر من عليه. جبال مزهرة بالخضار مع سحر البحر الأبيض المتوسط ورياح هادئة ناعمة تداعب خد حبيبته التي تجلس الآن في أحضانه بين ذراعيه.

يتمنى لو يتوقف الزمن هنا عند هذه اللحظات، تمنى لا انعزلا عن كل شيء وانفصلا وحدهما عن الجميع. أغمض عينيه وبدأ يمرّمغ أنفه على طول وجنتها الناعمة يردد: "يا ريتني كنت عرفتك من زمان وحبيتك." تلاشت بسمتها الجميلة وهوت من فوق قمة عالية بل شاهقة الارتفاع، قمة صعدتها هي بنفسها ليلاً وقد سمحت لحالها بأن تحيا تلك اللحظات الجميلة معه وتجربها ربما لن تحظى بها فيما بعد.

لكن بجملته تلك جعلها تستفيق وخرجت من حلمها الوردي قصير المدى، لقد ذكّرها ببساطة بما جاهدت كي تنساه ولم تقدر. هي ذكريات أقوى من النسيان بل هي ضد النسيان، فكيف تنسى الذكريات التي كانت العامل الأول والأساسي في تكوين شخصيتها التي هي عليها الآن. التفتت برقبتها فقط تنظر له بينما جسدها ما زال مقيداً بين أحضانه وسألت: "ما يمكن ما كنتش أعجبك." سحب نفساً عميقاً معبقاً برائحتها التي تثير جنونه وتريحها في

نفس الوقت وردد بقين تمام: "أكيد لأ،" أنا متأكد أنك كنتي طفلة زي القمر. زمّت شفتيها بغلّ مخفي وقالت: "لأ، ده أنا كنت تخينة أوي وعندي حبوب كتير في وشي وشعري مقصف و...... لم يتركها تكمل حديثها وإنما وضع يده على شفتيها يقول: "أكيد لأ طبعًا." حاولت التملّص من بين يديه غير مهتمة بانزعاجه وقالت:

"بس دي حقيقة كل بنت، كلنا بنعدّي بالفترة دي وخصوصًا أنا لأن ماما ماكنتش مهتمة بيا ومابقتش قادرة أهتم بنفسي وأظهر جمالي وأعالج أي مشكلة عندي غير لما بدأت أكبر وأفهم يعني من بعد الثانوية كده." ضمّها له مجددًا كي تعود لحضنه وقال: "طيب ما تقولي كده وأنتي قاعدة في حضني لازم تقومي يعني." احتضنها من جديد وقال: "أحكي لي بقى، مامتك ماكنتش مهتمة بيكي ليه؟ بالتأكيد لن تجيئه فحاولت المراوغة وقالت:

"نتكلم في الموضوع ده بعدين.. أنا دلوقتي جعانة أوي، أنت ما رضيتش نروح نتعشّى معاهم بالليل وأهو النهار طلع وأنا ما أكلتش." قرص مقدمة أنفها وقال: "حبيبي الجعان يا ناس، نص ساعة والفطار هيبدأ وكمان الباقيين هيصحوا، تعالي في حضني الشوية دول قبل ما الكل يصحى ويتجمعوا حوالينا ويبقى أزعاج." لم تعد تريد، خرجت من البلوّرة الوردية التي سكنتها معه طوال الليل بمحض إرادتها وبعد حديثه هذا استفاقت وخرجت منها.

أرادت إنهاء اللقاء وليذهب ورغباته للجحيم، من قال له أن كل ما يريده منها سيحظى به، يجب أن يتعوّد على ذلك. فوقفت بسرعة قبلما يحاصرها بين ذراعيه القويّة مجددًا وقالت: "أنا لازم الأول أخد دش وبعدين نفطر." نظر لها بتقييم خصوصًا فستانها الأبيض الذي يضيق على جسدها الممتلئ ورأى أن ما تقوله فكرة جيدة. ضياء: "كويس بردو عشان تغيري الفستان وما يتلبسش تاني."

رفعت إحدى حاجبيها من يظن نفسه، تلاشت نبرة الهيام التي رافقت جيجي التي رغبت بأن تحظى بوقت رومانسي حتى لو لم يكن صادقًا ويخصّها، من تقف الآن هي تقى... تقى المجروحة منه دائمًا فمن يظن نفسه هذا كي يأتي الآن ويَتحكّم بملابسها. لذا قالت بشيء من الحدّة: "نعم؟! تحفّز كليًا حين حسّ في حديثها ببصيص من الاعتراض والحدّة ووقف من مكانه مردّدًا بقوّة: "إيه ما سمعتيش، بقول الفستان ده وأي واحد نفس القصّة ما يتلبسش تاني." كتفت

ذراعيها حول صدرها وقالت: "ده ليه إن شاء الله." لَزِمَ ذراعها بقوّة وقال: "يعني مش شايفه أنه مفصّل جسمك كله؟ ما ينفعش تلبسيه قدام حد." تقى: "ما أنا كنت لابساه قدامك دلوقتي." اقترب منها وهمس من بين أسنانه: "وهو أنا أي حد؟ تلبسيه ليا أه، قدام غيري ممنوع، فاهمة ولا أفهّمك." صَمَتَت تنظر له ولا تعلم لما صَمَتَت لكن الأكيد أنه لهدف غير بريء، ربما أرادت زيادة جرعة السمّ المَسْدوسة في العُثْل. فابتسمت له بخجل وقالت: "حاضر."

ثم فرت مغادرة وهو يلاحقها بنظراته التي مرّت على سائر جسدها من أسفل لأعلى يعضّ على شفتيه ويركل المنضدة المجاورة له بقدمه وهو يردّد: "أآآه.. تتاكل أكل بنت اللذيذ." وصلت غرفتها وهي تلهث، أغلقت الباب بالمفتاح وهي تبتسم بشرّ ثم عمدت إلى هاتفها وأغلقته وبعدها تمدّدت على الفراش لتذهب في نوم عميق مُقَرِّرَة عدم الذهاب له اليوم. ولتجعله يتلظّى بنيران الشوق والانتظار وهي هنا غارقة في فراشها المريح.

أغمضت عينيها ونامت وهي قريرة العين كونها تراه يحترق أمامها يوميًا نظير ما فعله معها قديمًا. صار له أكثر من يومين وهو ملازم لباب بيتها يجلس ينتظرها ربما مُنْت عليه بنظرة. لكنها لم تفعل ولا يعلم لما لم تخرج منذ دلفت للداخل، على ما يبدو قد أضحى مجنون أشجان كما يلقّبه صديقه العجوز. ثواني وتهلّل وجهه وهو يراها أخيرًا قد خرجت من البيت تهمّ لكي تتحرّك، لكن توقفت وهي تراه واقفًا لجوار أعمدة البيت في الشارع. فصَرَخَت فيه:

"يخيبك، أنت واقف عندك بتعمل إيه يا اللي ينخفي إسمك." كاظم: "ما بلاش يخيّبني دي وأنا داخل على جواز كده." ضحكت ضحكة رقيقة وقالت: "خيبة عليك وعَلَيْها أم بخت منيل إلي هتلبس واحد زيك." كاظم: "ما تقوليش على نفسك كده عيب." احْتَدَّتْ عيناها وصَرَخَتْ فيه: "بقولك إيه يا جدع أنت خد بعضك ولمْ عضْمَتَيْنَك المفشفشين وإتْكَلْ على الله، يالا زوق عجلك ألا وقفتك كده تجيب الفقر." تنهّد بتعب ثم قال:

"خلّي بالك أنا كده عملت اللي عليّا وكنت كويس للآخر وطالب الجواز بالزوق والأدب أنتي بقى اللي عايزة تشوفي الوَشْ التاني." على صوتها وقد نجح في إغضابها وبدأت تهلّل: "نعم نعم يا عين خالتك أنت كمان واقف بتهدّدني، حوش حوش والله وأبو ركب بايشه طلع له حس، بقى أنت هتعلى صوتك عليّا وتقلب على الوَشْ التاني ده أنا أشجان والأجر على الله، طب مش كنت تسأل عنّي الأول يا نَضْري بدل ما تيجي تبيع مايّة في حارّة السقايين."

حاول التحدّث بصوت منخفض يحذّرها: "وَطّي صوتك يا شيجو خلينا نتفاهم." ضربت على صدرها تُرَدِّدْ: "وكمان بتقولي يا شيجو؟ طب يالاهوووووووووااااى." في ثواني اجتمع عدد كبير حولهما وسأل صاحب محل النجّارة والأخشاب: "خير يا ست أشجان في إيه.. حد اتعرّضلك ولا حاجة؟ هَمَّتْ لكي تتحدّث لكن سبقها كاظم الذي قال: "كويس إنك جيت يا ريس وأحضرنا، إسم الكريم إيه." فجاوَبَ الرجل: "زناتي." كاظم:

"أنعم وأكرم، مِتْ الآخر كده يا معلم زناتي أنا جاي أستنجد بيكم من الست.. أنا جيت وطلبت القُرْب على سنّة الله ورسوله يبقى عيب؟ رفع زناتي كفه شَاهِدًا وردّد: "لا عداك العيب، بس الأصول والشرع بيقولوا إنها لازم توافق." كاظم: "ما وافقت.. سبق ووافقت وروحت دفعت دم قلبي أيشي شبكة ولَبَسْ، قوم تيجي بعد ده كله وتقول لأ غيّرت رأيي ده كلام؟ كانت على شفا الجنون وهي تسمع كلماته الكاذبة وبدأت تصرخ فيه:

"شبكة إيه ولَبَسْ إيه يا جعان يا عريان أنت ده أنا أكْسِيكْ وأكْسِي بلد من عينتك." دَارَى ضحكته وقد أقسم إنه إمّا قاتل أو مقتول هذه الليلة فقال: "أنا عارف أنك زعلانة وغيرانة عليّا بس والله أنا ما أعرف الست دي." جَحَظَتْ عيناها، عن أي سيدة يتحدّث هذا فقالت: "ست مين يا جدع أنت يا أبو عين بجَحْحَحْ هو أنا أعرفك أصلاً." تجاهلها ونظر لزناتي يقول له:

"أنا عارف إن قلبها أبيض وما تقصْدِشْ بس أنا بقى بصراحة غلبت منها كل شويّة تقلب عليّا كده فأنا جيت هنا لأهل حارتها عشان أكْتُبْ عليها وساعَتْها أعرف لها صَرْفَهْ." اتَّسَعَتْ عيناها خصوصًا وهي تسمع زناتي يعلّق: "والله راجل محترم وشاري لآخر لحظة وبصراحة عَدَاهْ العيب يا ست أشجان." تهلّل وجه كاظم وقال: "أنا بقول نجيب المأذون بقى." توقّف بسيارته أمام مجمع الشركات التي أصبحت تابعة للمى.

العَضْبُ يفتك به، لقد تمادَتْ كثيرًا وللحقيقة أنه يودُّ ضرب نفسه مئة كفٍّ وكفٍّ لأنه هو من ساعدها بكل ما تفعله بغنوة الآن. فمنذ غادرت معها وهي مَسْحُولَة في العمل ولم يرَها أو يستطع محادثتها وأخبره العاملون داخل المكان ممن يميلون بانتمائهم إليه أن لمى تصُبُّ عليها المهام كدلو الماء ولم تأخذ حتى قسط الراحة المَكْفُولَ لكل الموظّفين.

ترجَّلَ من سيارته وسار للداخل وبَقْبَلَهْ خوف كبير من ردّة فعلها بعدما فضحَ لمى مَخْطَطَهْ وأنه من ساعد وعمل على كسر أنفها. ظَلَّ يبحث عنها بعينيه ما دام هاتفها بعيد عنها وهي تعمل هنا وهنا بناءً على أوامر السيدة لمى، لكنه لم يجدها. استَشَاطْ غيظه وبدأ يسرع في خطواته ناحية مكتب لمى. في نفس اللحظة التي خرجت فيها غنوة من غرفة الاجتماعات التي تسبق اللَمَّرَ المؤدي لمكتب المدير التنفيذي. لتهتِفْ بنبرة لَعُوبْ:

"المزّ ده تايه ولا إيه، أموت فيك يا مِتْأَنْتَكْ." انتَبَهْ لها مَشْدُوهْ بأفعالها الأخيرة وكأنه يتعرّف عليها من جديد. وكردّة فعل هوجائيّة على أفعالها التي باتت تثير كل خلاياه دَفَعَهَا للداخل وأغلق الباب يتقدّم وهي تتراجع بابتسامة مُتَلَاعِبَةْ مَغْوِيَةْ تُرَدِّدْ: "تحرّش كده في عز الضُّهْرْ أنا ممكن أصوّتْ على فِكْرَهْ." توقّفتْ حينما اصطدم رأسها بالحائط وقد تم احتجازها بنجاح بين جسده والحائط فقالت:

"الله الله.. ده تحرّش رسمي فَهْمِي نَظْمِي يعني، طَلْ حَيْثْ كده بقى ما تجيب بوسة." نظر لها وهو للآن فعلًا مستغرب ومنتظر لردّ فعلها على ما قالته لمى فسأل: "غنوة، هو أنتي مش زعلانة منّي." عَضَّتْ على شفتها كأنها تحولت لشخص مُتَحَرِّشْ وقالت: "بقى حد يزعل من جوزُّوا بردو، أه صحيح.. فين المأذون يا ولا." رَمَشْ بعينيه وسأل: "يعني مش زعلانة من كلام لمى اللي قالته عشان الشّرْط الجَزَائِيْ." نظرتْ له بلا مُبَالَاةْ وقالت:

"دي بت بغلّ، بتعمل كده عشان تفرّق بينا بس إحنا ما حدّش يفرّق بينا أبدًا.. يا عمري." ظَلَّ يرمش بعينيه، هل هو يحلم أم أصبح مُخْتَلْ ويَتَهَيَّأُ له أشياء وأفعال ليست موجودة من الأساس؟! أم أن تلك الواقفة أمامه ليست غنوة، أو هي غنوة لكن بعدما ذهب عقلها فسأل: "غنوة أنا بتكلم بجد، وبعدين... قاطَعَتْهُ هي وهي تقول:

"لأ لأ أنت مش عاجبَنِّي خالص، فيك إيه مالك مضيق كده، فَكْ يا شبح خلّينا نتبسّطْ، مش لو كنت كمّلتْ أكل المكرونة بالبشاميل بتاعتي كان زمانها مَرْوُقَةْ عليك دلوقتي وعَادِلَةْ مزاجك، لكن هنقول إيه منها لله اللي اللهِي ربّنا يقِلْ راحتها وبختها ما سَبْتْلَكْشْ فُرْصَةْ تَدُوقْهَا حتّى." أنهتْ حديثها بغَمْزَةْ عَابِثَةْ وقالت: "بس مَلْحُوقَةْ ولا تشغّلْ بالك، ما تجيب بوسة بقى." نظر لها بجنون وقال:

"هو أنتي غنوة اللي أنا أعرفها؟ فقالت: "لعِلْمَكْ أنا جوايا جَتَّةْ بَادْ جِرْلْ كده مَدْكِنَاهَا لِلْحَبَايِبْ." ابتَسَمْ على حديثها فقالت: "وأنا ماليش حبايب غيرك يا بَطْطَةْ." داعَبْ وَجْنَتَهَا وقال: "والله أنتي اللي روحي يا غنوة، خلّيكي دايمًا قريبة منّي لأن أنا فرحان بيكي أوي، أخيرًا رضيتي عنّا، بكلمة منك بنسى تعبُّنَا كلُّهْ، بس شكلك أنتي اللي تعبانة." عَضَّتْ على شفتيها بغيظ تُرَدِّدْ:

"بنت المِجْنُونَةْ مُشَغِّلَانِي والطَّوْرْ اللي داير في ساقيْهْ، كنت بحضِّرْ لِاجْتِمَاعْ عِنْدَهَا دلوقتي... بس كويس إنك جيت أصْلَكْ كنتْ وَاحِشْنِي، ما تجيب حضن بقى، ولا أقولك هات بوسة."

ضَمَّهَا لَهْ سَرِيْعًا فهو في حاجة إليها أكثر منها ثم رفع رأسها يُقَبِّلْهَا لتَشْهَقْ مُتَفَاجِئَةْ وهي ترى الباب قد فُتِحْ على مصراعيه وتدرك أنها الآن بهذا الوضع أمام معظم موظّفي الشَّرِكَةْ ومُدْرِيْ الأقْسَامْ وعلى رأسهم لمى التي أخذت تُرَدِّدْ بغيظ: "الله الله."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...