الفصل 48 | من 54 فصل

رواية شط بحر الهوى الفصل الثامن والأربعون 48 - بقلم سوما العربي

المشاهدات
22
كلمة
4,580
وقت القراءة
23 د
التقدم في الرواية 89%
حجم الخط: 18

وقفت في وسط الجمع المحتشد تقسم ألا تمرر ما يحدث. أما ذلك العجوز ذو الأقدام الذائبة فتقسم إن تسحق عظامه، هذا على فرض أنه مازال يمتلك عظام من الأساس. فهل قدم إليها كي يضعها أمام الأمر الواقع؟ يعتقد أنه يستطيع ذلك. لا، والله، فهو لم يعرفها بعد. ليتحمل إذاً، هو من جني على حاله. تقدمت منه تردد: -بقا أنت مفكر نفسك ممكن تعرف تدبسني؟ -تدبس مين يا روح الروح، ده أشجان، مش كنت تسأل عنني قبلا. غمز له بعينه يردد عابثاً:

-والنبي إنتي اللي روح الروح يا حتة بوغاشة، وأنا قاتل الليلة دي هتجوزك يعني هتجوزك، من الآخر كده أنا يا قاتل يا مقتول. شمرت عن ساعديها وهي ترفعهم عالياً: -تبقى مقتول، طلبتها ونولتها، تعالى لي بقا. اتسعت عيناه برعب وهو يراها تهم لتنقبض عليه حرفياً، تنوي ضرب جبة رأسه بجبتها، فتراجع خطوتين وهو مزهول يردد بصراخ: -جري إيه يا رجالة، هضرب وأنا في منطقتكم ولا إيه. فهتف المعلم زناتي بغضب:

-جري إيه يا ست أشجان، ما يصحش كده، الراجل في منطقتنا وعيب يحصل فيه كده. أشجان: -هو مش كان عامل فيها أمثل من شوية؟ خاف وكش ليه دلوقتي؟ أشهر كاظم إصبعه في وجهها وهو يردد: -خلي بالك أنا ممكن أسوي الهوايل، بس أنا اللي ابن بلد وأفهم في الأصول وعارف إنه ما يصحش أمد إيدي على واحدة ست، وخصوصاً يعني لو كانت الست بتاعتي. اهتزت شفتيها من شدة الغيظ والغضب: -سيدة من؟ هل يرغب في فوران دمها أم إصابتها بشلل رباعي؟

فتقدمت منه وهي تقول: -ست بتاعت مين يا راجل يا ربع كم يا بواقي التصدير يا فرز تالت أنت، ده أنت وإيمانات المسلمين لو شوفتك ماشي على الحيط برضه مش هوافق عليك. مسح كاظم على صدره بحيث أصبحت تلك هي حركته المعتادة كلما رآها وقال: -طب ليه بس كده، والنبي شاري. التف ينظر للمعلم زناتي ثم قال له: -ما تحضرنا يا معلم، أنت سكت ليه، قولها إني اللي شاري ما نبيعهوش، وكسف الطبيعة وحش. تنهد زناتي وهو يهز رأسه ثم ردد:

-لا حول ولا قوة إلا بالله، أنا كان بودي أوفق راسين في الحلال، بس زي ما أنت عارف كل شيء بالخناق إلا الجواز بالاتفاق، وهي لازم ولا بد تكون موافقة. التف إلى أشجان سألها: -وإنتي موافقة يا ست أشجان؟ ردت عليه سريعاً دون الحاجة للتفكير وقالت: -لأ، ويلا.. قوله يزوق عجلة من هنا، مش عايزين قلبت دماغ كل ساعة والتانية. التف زناتي إلى كاظم الذي تحولت معالم وجهه للحزن الشديد وقال له بأسف: -ما علش بقا، كل شيء قسمة ونصيب.

هز كاظم رأسه وهم ليتحرك قبلما تصدح صوت ضحكة رقيقة قادمة من وسط المتجمهرين. أغمضت أشجان عيناها بغضب، خصوصاً وهي تتوقع هوية صاحبة الصوت التي اقتربت تقول: -معلوم هيكون لأ، انفد بجلدك يا أخويا، خد ديلك في سنانك وقول يا فكيك، هي دي ليها في الجواز، دي مابيعيشلهاش رجالة، كل ما تحط عينها على راجل تجيب أجله. توقف كاظم مستغرباً مما يقال ومن هذه السيدة، بينما تقدمت أشجان متهورة تردد بصياح:

-لمي لسانك يا أم حسن، أنتي يا أختي حاطة نقرك من نقري ليه، أنا لو منك أروح أشوف ابني الحيلة اللي طفشته من جنبي بسبب عمايلي السودة. نظرت لها أم حسن بغل، أشجان ضغطت على جرحها الغائر دون رحمة، لذا ستضغط هي أيضاً على جرح عمرها وبدأت تدور حول الجمع المتجمهر في حلقة وهي تصفق بيديها مرددة:

-هييجي، مسيرة يرجع لحضن أمه، مش هسيب بنت فيولا تخطفه، أهو حتى عشان ما تبقاش بنت فيولا علمت عليا زي ما أمها علمت عليكِ زمان، فاكرة ولا تحبي أفكرك، ولا تكونيش فاكرة إني مش فاهمة سبب لزقتك لغنوة ولا رفضك للعرسان. اصفر وجه أشجان وبهت، أم حسن لا تلعب بنزاهة مطلقاً، لما تفتش في جروح الماضي. بينما أم حسن لم تكتف بل نظرت إلى كاظم وقالت:

-روح شوف حالك يا أستاذ، دي زي ما تكون اتعقدت من الجواز ولا عمرها هتفكر في رجالة تاني، مش ناقص لها غير عملية وتقلب دكر. خيم الصمت على الجميع وكلهم مبهوتون من تمادي أم حسن في حديثها مع أشجان، لطالما كانا في نقار متواصل لكن لم يصلا يوماً لهنا. الكل عينه على أشجان ما بين الشماتة والتعاطف. ليصدح صوتها عالياً وهي تقول: -العملية دي تعمليها إنتي يا أم حسن، وساعتها تعالي هخليكي تشهدي على عقد الجواز.

اتسعت أعين أم حسن من الصدمة والغضب، وكذلك كاظم ولكن من الفرحة، وهو يسأل: -عقد جواز مين؟ تقدمت منه تشبك ذراعها في ذراعه مرددة: -عليك يا سيد الناس. اتسعت عيناه وظل متخشب الجسد، رغم أنها تشبكت به كالعرسان، وقالت للمعلم زناتي: -ابعت هات المأذون يا معلم. تحركت وهي تجبر كاظم على السير معها وهي ما زالت شابكة ذراعها بذراعه تردد: -عقبال عندكوا جميعاً، تعالوا اتفضلوا فوق.

أخذت تسير للداخل وهي تطلق الزغاريد لنفسها في الهواء، وكاظم حقاً مصدوم. *** دقات عالية على الباب أيقظتها مفزوعة من نومها العميق، تنظر حولها يميناً ويساراً تبحث حتى عن صديقتها نادين لكن لم تجدها. والدق على الباب ما زال متواصلاً، بل قد زاد حدة وعنف. اعتدلت من على الفراش ووقفت كذلك، ومن شدة الدق المتواصل لم يتسنى لها حتى ارتداء خف قدميها. ذهبت باتجاه الباب وهي تسأل: -مين؟ ليجيبها ضياء بصوت واضح عليه الغضب المكبوت:

-أنا ضياء، افتحي حالاً. اتسعت عيناها وبالفعل فتحت الباب سريعاً لتراه أمامها وقد احمر وجهه من الغضب. وتقدم يقبض على ذراعها بكفه يسحق عظامها وهو يهزها بين يديه الغليظة مردداً: -مش بتردي عليا ليه من ساعة ما كنا مع بعض، فضلت أتصل بيكي مش بتردي وبعدها اتقفل خالص. هيئته بالفعل مخيفة، بخرت أي ذرة شجاعة داخلها وردت كاذبة: -الفون فصل والله. لكن على ما يبدو أن تلك الإجابة لم ترضيه، وبدأ يردد:

-لأ ما فصلش، ده مقفول، وبعدين أنا امبارح ما سمعتش رد منك على كلامي. رمشت بعينيها تسأل: -كلام إيه؟ زاد غضبه، فهل نست أيضاً؟ هتف بحده: -كمان نسيتي، نسيتِ اعترافي ليكي وإني بحبك، أنا ضياء شداد اللي عمره ما اتعلق بحد ولا قال الكلمة دي لحد يوم ما أقولها ليكي تسبيني وتمشي وتيجي تنامي، المفروض يكون عندك رد على اللي قولته. كان يهزها يميناً ويساراً بعنف، وقد انغرست أصابعه في لحم ذراعها يسحق عظامه من شدة غيظه، فردت بصوت متألم:

-آآه، دراعي يا ضياء، أنت بتوجعني. انتبه على ما يفعله بها ونظر لذراعها المكشوف وقد بدأ يستحيل مكان قبضته للون القرمزي الذي سيتحول فيما بعد للأزرق. فمد يده برفق يدلكها لها معتذراً. والآن فقط حانت منه نظرة عليها وعلى ثوبها الرمادي قصير الطول مجسم للجسد يحتضن تفاصيلها المثيرة، جعلت الدماء تغلي في رأسه وقد سال لعابه عليها.

فبدأ يتقدم بخطوات بطيئة حتى وقف خلفها يحتضنها من ظهرها الذي أصبح مقابل صدره، وبدأ يدلك بكفه على ذراعها المكدوم ويحتضنها بالذراع الآخر مردداً بينما يقبل رأسها وهو مغمض لعينيه: -حقك عليا، أنا بس اتجننت لما اختفيتي كده، إنتي جننتيني من ساعة ما شوفتك، في حاجة مش طبيعية بتحصل. أغمضت عيناها مبتسمة، ليس استمتاعاً بل هي شامتة.

في العادي لا تسير الأمور هكذا، ول سرعة تعلقه بها تدخل رباني، فبالطبيعي لا يقع رجل لامرأة خلال أيام ويصبح لها كل هذا التأثير عليه، خصوصاً لو كان رجلاً مثل ضياء ذو التاريخ المسائي الحافل والمشرف. كل ما يحدث وعلى ما يبدو أنه ما هو إلا تخليص ذنوب، لا تشعر حياله بأي شفقة أو حتى تردد، هو يستحق ما يحدث أو سيحدث.

لكن مع ازدياد وتيرة أنفاسه الساخنة وشعورها للتو فقط بانخفاض كفيه من على ذراعها وبدأ يتحسس معدتها، بدأت تنسى نوعاً ما ولانت بين يديه متذكرة أنه زوجها حتى لو لم يكن يعلم أنها هي تقي ذاتها. شهقت بخجل وهي تشعر بشفتيه تهبط على وجنتها ثم ينتقل للثانية كأنه يوزع قبلاته على كلا الوجنتين بالعدل والتساوي، ويديه تزيد من ضمها له. فذابت كقطعة القشدة حينما تتلامس مع جسد ساخن.

شعور سمحت لنفسها بأن تجربه خصوصاً وهو زوجها ونصف مصر تعلم أنها متزوجة من ابن خالها. وسمعت صوته المختلط بأنفاسه المتهدجة يردد من بين قبلاته: -إنتي حلوة أوي يا جيجي، لما بشوفك ببقى مش مسيطر على نفسي. كلمة واحدة كانت كفيلة لأن تهوي من فوق تلك القمة الوردية التي صعدتها معه منذ لحظات، هي بالنسبة له جيجي التي يعشقها على زوجته، وليست تقي التي طالما تنمر عليها وأُرغم على الزواج بها.

تزامن مع دخول نادين من الباب الذي لم يحسن غلقه من شدة انشغاله بها. شهقت عليا بخجل وهي تراهما بهذا الوضع. فانتبه كل من ضياء وتقي، بينما نادين بدأت تردد: -أنا أسفة، كان المفروض أخبط.. بس الباب كان مفتوح. خرجت سريعاً وأغلقت الباب خلفها، وتقي تضع كفيها على وجهها تخفيه بهما، سحب ضياء نفس عالٍ يحاول تخطي الموقف. وأبعد كفيها عن وجهها يردد: -ما تخبيش وشك عني. هزت رأسها تقول: -مكسوفة أوي منها ومنك ومن نفسي.

زاد من ضمها له وقال: -أنا هشيل عنك كل الحرج. نظرت له مستفهمة تسأل: -إزاي؟ قرص وجنتها ثم قال: -بالليل هتعرفي، بس دلوقتي تغيري وتعالي عشان ناكل مع بعض، ما أنا ما أكلتش عشان مستني الهانم بتاعتي، عشر دقايق وتكوني قدامي، أوكي؟ هزت رأسها موافقة وهي تبتسم: -أوكي، هغير بس وأجيلك. تقدم ناحية الباب بصعوبة ثم التفت لها مردداً: -طب ما أستنى يمكن تحتاجي مساعدة. اتسعت عيناها وصرخت فيه: -امشي يا ضياء. غمز لها بعينيه عابثاً ثم قال:

-أنا أقصد عشان لو احتاجتي تشدي سوستة ولا تقفلي زرار وأنتي لوحدك، ف أنا في الخدمة يعني. لكنها هتفت بحده: -ضياااااء. ابتسم لها مردداً: -خلاص خلاص، بس ما تتأخريش عشان كل ما بتتأخري بتلكك وأجيلك هنا وأنتي حرة بقا. خرج من عندها وأغلق الباب لتتلاشى نهائياً ابتسامتها المزيفة وحل محلها المقت الشديد. وبعد خروجه بثوانٍ دلفت نادين تردد: -مشي خلاص. بقت تقي تنظر لها بصمت، بينما نادين تقدمت مرددة: -بس إيه ده إيه ده؟

إيه اللي أنا شوفته ده؟ قال وتقولي لي مش طيقاه وسبب عقد حياتي، ده انتي كنتي دايبة في حضنه زي الشيكولاتة السايحة. بقيت صامتة تماماً، لن يفيد البوح ولن يتمكن منه من اعتاد الكتمان، خصوصاً والأمر معقد المشاعر والتفاصيل. فهي ربما لن يتسنى لها معايشة ذلك الشعور في المستقبل، تعلم جدها جيداً وتعلم ردات فعله لو طلبت الطلاق كما سبق وفعلت فرفض أيضاً. كانت تعلم أنه من المتوقع أن مصيرها سيصبح مثل قطعة الأرض البور أو (البيت الوقف)

، فلن يعطوها حريتها من ابنهم ولن يتقبلها ضياء كزوجة، خصوصاً فور علمه أنها تقي وليست جيجي. والأكيد أنها كذلك لن تتقبله كزوج، فهو يومياً يخونها، والمؤلم أنه يخونها معها، لم ترَ في عينيه ولو لدقيقة واحدة أي لحظة ندم أو تراجع، ولا حتى تفكير في تلك البقرة التي عقد قرانه عليها وتجلس في بيت العائلة بالقاهرة. الكثير والكثير من المشاعر المتناقضة التي لم يفهمها أحد بالتأكيد، هي وحدها من تفهم.

لذا التزمت الصمت وبقت تستمع لها بصمت تام، وما أن اقتربت منها حتى قبضت على ذراعها بغيظ تردد: -إنتي غبية ولا راضعة إيه وإنتي صغيرة؟ نادين: -من لبن أمي والله، ده أنا حتى فضلت أرضع سنتين. زادت تقى من قبضتها على ذراع نادين وقالت: -يبقى هو ده اللي سخن مخك. نادين: -في إيه بس، إنتي صاحية من النوم تقولي لي يا شر إشطر، أنا عملت إيه؟ بدأت تقى من شدة غيظها تهز نادين يميناً ويساراً بغل وهي تردد:

-هو إيه اللي أنا أسفه كان المفروض أخبط؟ إنتي دخلتي على واحد ومراته أوضة نومهم، هتكشفينا بغبائك الله يخربيتك. صرخت فيها نادين: -ما إنتوا متجوزين فعلاً، واللي عملته كان بديهي لأني عارفة إنكم متجوزين. زادت تقى غيظاً وقالت: -بس هو مش عارف، إنتي كده بتلفتي انتباهه يا غبية. حاولت نادين إفلات ذراعها من قبضة تقى تردد بتألم: -آآه، أوعي إيدي يا مفترية. تقى بغيظ: -تستاهلي قطعها والله. صرخت نادين:

-الله، في إيه، اتكسفت، أعمل إيه يعني؟ أنا بنت ناس برضه، وبعدين أنا أصلاً قلبي مش مرتاح من ناحيته، لا يكون افتكرك وعرف كل اللي بنعمله. توقفت تقى عن غضبها وبدأت تفكر فيما قالته نادين مرددة: -أنا كل حاجة فيا اتغيرت وهو أساساً كان نادر لما يشوفني وأشوفه، لأ.. لأ يا نادين أنا إحساسي عمره ما كذب عليا، ضياء ما عرفنيش. صمتت نادين وقالت: -هو للدرجة دي أعمى القلب والنظر؟ أغمضت تقى عيناها بألم فقالت نادين:

-لو كده بجد يبقى ما يستاهلش أي رحمة وأنا معاكي في أي حاجة إنتي ناوية عليها. احتضنتها تقى وقد أدمعت عيناها: -والله إنتي الحاجة الوحيدة اللي مصبراني على كل القرف اللي في حياتي يا نادين. بدأت نادين تربط على كتفها تهدهدها مرددة: -إنتي أختي يا بت، ده أنا أروح معاكي جهنم. ابتعدت تقى تنظر لها بابتسامة ماكرة وقالت بنبرة صوت تخفي في طياتها الكثير: -لأ أنا مش هروح جهنم أنا هبعت لها ناس. فصدحت ضحكة عالية عن نادين التي قالت:

-نقرأ له الفاتحة بقا مقدماً. ضحكت تقى هي الأخرى وقالت: -اقري له إنتي، ملوش عندي لا فاتحة ولا رحمة، أنا رايحة أغير هدومي عشان مستني، نتقابل على العشا. *** وقفت لمى تنظر بغل لتلك التي تقف في منتصف أملاكها تحتضن الرجل الذي انتشلته منها انتشالاً، بل واستغفلتها واستخدمتها متلونة كما الحرباء كي تصل له، والآن تقف بذلك الوضع الفاسق بمقر عملها هي ووالدها.

الغريب أن هارون.. ملك العالم في التبجح، كان منحرجاً من ذلك الوضع أو هو منحرج لغنوة إن صح التعبير، لم يشأ أن ترى وهي معه بذلك الوضع وسط الموظفين العاملين معها. فتح أزرار بدلته يحاول أن يخفيها داخلها لتباعته بحركة يدها وهي تتمسح بكفها على صدره، غير مبالية لذلك الجمع ولا ترى إن هنالك أي ضرورة تجعلها تشعر بالعار، بل نظرت لـ لمى وقالت ببرود: -مش تخبطوا قبل ما تدخلوا.

هز رأسه بمجون، هو فقط يحاول الاستيعاب، يسأل.. أين كان مختفي ذلك الجانب العابث بشخصية غنوة وكيف استطاعت إخفاءه. بينما الموظفون أولاً تغامزوا على ذلك الوضع الذي ضبطوهما به، لكن الآن وقفوا مبهوتين مما يسمعونه. وتحدثت لمى بغيظ: -ده إيه البجاحة الخام اللي أنتي فيها دي، ده بدل ما تتكسفي على نفسك ولا تتمني الأرض تنشق وتبلعك، تقومي تردي وتقولي كده، إيه ما بتتكسفيش. ضحكت غنوة وقالت:

-أتكسف ليه، واحدة واقفة في حضن جوزها لا عيب ولا حرام. لمى: -هو بقى جوزك إمتى وإحنا ما نعرفش؟ ضحكت غنوة ضحكة سمجة وقالت: -كتبنا الكتاب ومش فاضل غير الفرح، بس أكيد أكيد هعزمك، ماهو ماحدش هيشيل لي الشمع غيرك. ضحك هارون، لم يستطع كبت ضحكته، هو بالفعل مبهور من تصرفاتها الأخيرة جداً. بينما لمى تأكل بواطن فمها من الغيظ ثم قالت: -حتى لو، جوزك ده في البيت مش هنا، في شركتي. غنوة: -وإنتي سايبالنا فرصة نتلم على بعض؟

ما جيتي ورايا البيت نطيتي لنا فيه، وبعدين إيه اللي كل شوية شركتي شركتي، إنتي فاكراني مغفلة مثلاً، إنتي ناسيه إن جوزي شريك أبوكي في كل حاجة يعني أكيد الشركة دي من ضمنها. اللمعت عينا هارون وهو يدرك ذلك، إذاً يمكنه إزالة ذلك الشرط الجزائي العفن عنها. صدح صوت لمى الغاضب يرد لها كيدها: -أكيد، وإلا ما كانش قدر بنفسه يضيف الشرط الجزائي عشان يذلك.

خاف هارون كثيراً من تكرار لمى لحديثها وهو بالأساس يدعو الله أن يمر الأمر على غنوة ولا تدق بالحديد فوقه وقد تتغير وتبتعد ثانية بعدما ذاق حلاوة رضاها عنه، فقال بسرعة: -لمى لو سمحتي خلاص، وكفاية أوي لحد كده، الموظفين موجودين، يا ريت ما تنسيش إن ده مكان شغل. الآن فقط تذكرت لمى عملها، هي ما أن ترى غنوة حتى تتوقف عن التفكير العملي، الغل يصنع غشاوة على عقلها ويحجبه تماماً. لذا تحدثت بصوت مهني بحت:

-أحمم.. صح.. ياريت لو الأنسة خلصت شغلها هنا تروح تشوف باقي اللي وراها. صك هارون على أسنانه بغيظ، فهي للآن لم تعتقها، بينما غنوة تحركت للأمام وتصنعت التعثر في أحد المقاعد فصرخت متألمة. على الفور اقترب منها هارون: -مالك يا حبيبتي فيكي إيه؟ غنوة وهي تنظر لـ لمى: -رجلي يا هارون رجلي مش قادرة. اقترب منها يتحسس قدمها ثم قال: -طب تعالي.. تعالي أنا هشيلك.

وبحركة خاطفة حملها أمام الجمع الذي شهق مما يراه، وتحرك بها للخارج، بينما هي تخرج لسانها لـ لمى لتشعل غيظها أكثر وأكثر. *** وقف على سطح السفينة يشاهد، يغمض عينيه وهو يبتسم، كأنه يتذكر تلك المرة التي شاهدها فيها وهي واقفة بنفس الوضعية تاركة الهواء يداعب خصلات شعرها الطويل. سحب نفساً عميقاً واتسعت ابتسامته وهو يشتم رائحتها، ملئت المكان من خلفه وعلى ما يبدو قد سبقتها.

التف لها ووقف مبهوتاً، يسأل سؤالاً ملحاً، لما عليها كل مرة إيقاف نبضاته، ولما هي بكل هذا الجمال اللامحدود. بعمره لم تحركه أنثى هكذا كما تفعل "جيجي"، ولم يسبق وأن بادر باعتراف لأي أنثى عن حبه، بل لم يطلب من أي واحدة أن تظل لجواره. كان دائماً ملك اللعبة وهو من يحرك الجميع، لكن على ما يبدو أن الحجر الدائر لابد من ضربه. وقد ضرب على يد تلك الفاتنة.

ظل ينظر بإنبهار لفستانها الأخضر وهو يحتضن جسدها بليونته مضيفاً عليه وهجاً خاصاً، خصوصاً بعدما فردت شعرها على طول ظهرها. مد يده لها فتقدمت تشبك يدها بيده، لكنه أوقفها أمامه واحتضن ظهرها له من جديد. ضحكت بخفوت وقالت: -تيتانيك ده ولا إيه؟ جاوبها بهدوء وهو يتكئ بذقنه على عظام كتفها: -لو بتحبي تيتانك يبقى هو. تقى: -يعني ممكن تضحي بنفسك عشاني زي بطل تيتانيك؟ لم يستغرق وقتاً في التفكير إنما جاوب:

-البطل مات غرقان عشان البطلة. تقى: -اها. اتسعت عيناها وهي تشعر به يغرز أصابعه في لحم خصرها وهو يفترسه ليزيد من ضمها له مكملاً بنبرة مخيفة: -أنا لو هموت هاخدك معايا عشان ماسبكيش وييجي اليوم اللي ممكن تحبي فيه حد غيري، إنتي ليا لحد ما تموتي سواء كنت عايش أو لأ. التفت تنظر له، لم يكن يمزح بل عيناه بها تملك مخيف. حمحمت تجلي صوتها وقالت: -أحمم.. أنا جوعت يالا بينا عشان العشا. نظر لها نظرة شمولية ثم قال:

-أوكي، روحي غيري وتعالي. نظرت نقي لفستانها الرائع وقالت: -ما أنا لابسة أهو. قربها منه بحدة طفيفة وقال: -الفستان تلبسيهولي وإحنا لوحدنا، مش تظهري بيه قدام الكل. دبت الأرض بقدميها تقول: -يا ضياء بقا. لكنه قال بإصرار شديد: -شكلك صغيرة لسه وهتتعبيني معاكي، اللي قولته يتنفذ وإلا تفضلي قاعدة معايا هنا ومافيش مرواح لأي مكان. زفرت بغضب وقالت: -خلاص هغير، أوعى بقا من قدامي، أوووف.

ابتعدت من أمامه بضيق وضجر وهو يضحك عليها مردداً: -وزعة بس خاطفة قلبي. *** خرج من المصعد وهو يساندها، وما أن أصبحا أمام سيارته حتى ابتعدت عنه تسير على قدميها كأنها لم تكن تؤلمها، بل لقد ركضت لتفتح باب السيارة وتجلس بالداخل تحت أعين هارون الذي يناظرها بصدمة كبيرة. صعد هو الآخر لسيارته يقول: -أنتي رجلك مش وجعاكي؟ نظرت له بغضب شديد وقالت: -أنت هتاكلني بكلمتين، تعالي لي هنا، أنا عايزة أعرف إيه اللي أنت عملته ده.

ابتلع رمقه بخوف، كان متخوفاً من تلك اللحظة التي ستتحدث فيها عن مساعدته لـ لمى واتفاقهما عليها. فحاول التبرير: -غنوة أنا.... قاطعته بحده: -بقولك إيه، بلا غنوة بلا زفت، أنا كام مرة قولت ما تطلعش من البيت وإنت فاتح زراير القميص كده، إيه يا بيه، فرحان لي بشعر صدرك مثلاً. اتسعت عيناه وهو لا يصدق ما تسمعه أذنيه وسأل: -وات؟ جاوبت بحده أعلى وإصرار شديد:

-زي ما سمعت، والقميص اللي إنت لابسه ده أصلاً آخره باب أوضة النوم غير كده نو، خاف مني يا هارون أنا لما بقلب ببقى وحشة وغيرتي مجنونة. جذبها ليضمها وهو يضحك بجنون: -هههه.. مش مصدق بجد. غنوة: -يالا وصلني لشغلي. ابتعد عنها يقول: -إيه؟ شغل إيه ما إنتي لسه مخلصة. غنوة: -هقول إيه ما الاهتمام ما بيطلبش.. أنا بقالي فترة بأسس شغل لنفسي يا باشا، صح النوم. هارون: -شغل إيه، طب والمأذون؟ غنوة:

-هارون الله يخليك، ده أنا عملت الفيلم اللي فوق ده عشان أقدر أزوغ وأروح أباشره، أنا حاطة كل ما أملك في الشغل ده وبالليل نعدي على المأذون. ظل ينظر لها بصمت غير راضٍ أبداً عما يحدث. *** جلس بالحديقة ولم يذهب لأي مكان، والهام للآن لم تعد، أيكفي هروبها منه وكذلك تتأخر لهذا الحد. وقف عن كرسيه بلهفة وهو يرى سيارة أجرة تقف بجوار الحديقة وقد ترجلت منها زينب تسير بإرهاق شديد قاصدة الدلوف للداخل، لكنه أوقفها بصوته العالي:

-زينب.. استني عندك.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...