تقدم بخطى ثابتة يقترب من والدته التي ولته ظهرها واستدارت تختفي تنتظره بالداخل. أخذ نفسًا عميقًا وهو يكمل سيره ناحية الداخل، حيث دلف ووجدها تجلس على أحد المقاعد المستديرة تنظر له بوجه يابس ممتعض، تظهر أمارات عدم الرضا على قسماته. زم شفتيه وهو يتوقع القادم، يسحب نفسًا عميقًا ويزفره على مهل، ثم اقترب يسحب مقعدًا له بجوارها، ثم يردد بهدوء وتروٍّ مرددًا: مالك بس يا أم حسن؟ ضحكة ساخرة صدرت عنها وهي تردد بنزق:
يعني مش عارف يا عين أمك! قلب عينيه بتعب ثم ردد: أفهم بس انتي معترضة ليه؟ قلبت رأسها باستنكار تشيح ببصرها عنه، ثم عادت تنظر له بغضب مرددة: المصيبة والوكسة الكبيرة إنك مش شايف إن في ١٠٠ سبب وسبب. صمتت ترمق ملامحه المنتبهة تنتظر ما تقوله، ثم أكملت: عمرك ما سألت أنا مش بطيق البت دي ولا أمها ليه؟ طب عمرك ما سألت غنوة أمها سابت أبوها ليه؟
دي وليه عاملة زي السوس لما يعرف طريق خشبة عفية بينخرها ويفضل يأكل فيها لحد ما يسبها مخوخة وبعدها يروح يشوف له عود خشب تاني ينخر فيه... بلاش تسمع مني أنا، أنا وحشة وكارهة البت وكارهة الجوازة، روح اسأل غنوة عن أمها هي سيد مين يحكيلك الصدق. سحب حسن نفسًا عميقًا ينظر بتمحيص لأمه ثم قال: طب أصدقك إزاي يا أم حسن وأنتي بنفسك قبل كده فاتحتيني في موضوع غنوة وقلتي بصريح العبارة كده إنك مرحبة؟ إيه اللي فرق دلوقتي؟
بلا حاجة لوقت كي تفكر، تحدثت سريعًا برد جاهز فعليًا لديها تقول: لا في فرق يا ضنايا.. فرق إن قبل سابق كان الكلام على غنوة، بنتنا ومتربية وسط بناتنا وأبوها راجل صالح، ما عشتش مع أمها ولا توعى عليها يعني ما لحقتش تشرب من طبعها، ولو إن قلبي كان متوغوش من إنها تبقى وخداه بالوراثة...
بس لقيتك ميال، قلت خلاص يابت بلاش تقفي في النص. لكن نبات الليل ونصحى نلاقيك بقدرة قادر مغير رأيك ورايح جاي ورا البت الملونة دي، أهو ده بقى اللي خلى مخي يشت من مكانه. سقط في هوة سحيقة من المشاعر والأفكار حين مست أمه تلك النقطة. لا يعرف فعليًا ما الذي حدث له منذ رآها، لقد جاءت وقلبت معها حقًا كل الموازين. يشعر حيالها بأشياء أخرى غير تلك التي يشعر بها ناحية غنوة.
تقريبًا على يدها عرف معنى كلمة عشق. ناحيتها وفور رؤيتها فقط تندلع بداخله نار وبراكين، يفقد السيطرة على نفسه حين الغضب خصوصًا حين يغار. يريد ضمها له وتتسول له نفسه فعل أشياء حقًا مريبة، يريدها بجانبه بشكل غير طبيعي، تثير جنونه، غيرته، تثيره هو شخصيًا. أما غنوة فشعوره ناحيتها اتضح له، اتضح أنه مختلف. شعور إنسان نبيل وقيم، شعور بالدفء والاحتواء والحماية أيضًا. أما تلك الجنية الألمانية فشعوره ناحيتها بعيد عن أي نبالة أو قيم. عض على شفته السفلى وهو يتخيل فقط.
ليستفيق على صوت والدته وهي تردد بقنوط: اللي واخد عقلك يطفحه يا نضري. رفع عينيه ينظر لها وجدها ترمقه بجدية وهي تكمل: كل بقا اللي أنا قولته ده كوم واللي جاي كوم تاني. بملامح على وشك البكاء قال: هو لسه فيه تاني يا أمي؟ استوت على مقعدها تضع يديها على فخذيها وتميل للأمام قليلاً ثم قالت: آه يا خويا، فيه. ماسألتش نفسك أم الغندورة متجوزة واحد ألماني إزاي؟ ضيق ما بين حاجبيه ينظر لها يسأل عن مقصدها، فقالت:
يا دي الخيبة اللي ابني البكري فيها. صحصح مع أمك كده. انت عمرك ما سألت هي ديانتها إيه؟ رمش بأهدابه من صدمة لم تكن على خاطره مطلقًا، يسأل باستنكار شديد وكأنه يريد الوصول لنتيجة واحدة حين ردد: هتكون إيه يعني يا أمي، ما هي غنوة مسلمة زيها زينا. بهتت ملامحه وهو يسمعها تمتص شفتيها الاثنتين معًا ثم رددت: صحيح، الخلف بخت. زمت شفتيها بحسرة ثم ردد بضيق:
غنوة أمها أصلًا ما كانتش مسلمة وهي أصلًا مصرية على خفيف. كان أبوها سفير برا وبيتُنقل من بلد لبلد. جت مصر مرة زيارة وشافت عمك صالح وكان اسمه الله على مقامه كده ما يتخيرش عنك، طول بعرض...
جته وكتفه يجر طاحونة، وقعت في هواه طوالي وفضلت حطاه في دماغها زي العيل اللي شبط في لعبة جديدة لحد ما قدرت بحسنها ودلالها توقعه. لأ ومش بس كده، دي كانت عندها استعداد تعمل أي حاجة بس تتجوزه، حتى لما لاقت إن دينها في مشكلة قالت عادي أدخل الإسلام. كان يسمعها وفكه متدلي منه يكاد يلامس الأرض من جنون الصدمة، غير مستوعب ما يلقى على أذنيه... يرمش بأهدابه متسائلاً: إيه؟ طب.. طب إزاي؟ وأهلها.. أهلها وافقوا؟ هزت رأسها نفيًا
وقالت: لأ طبعًا ما وافقوش بس هي كان كل ما الموضوع يتعقد زي ما تكون لذتها بيه بتزيد وبتتمسك أكتر... عاندت أهلها وجت لصالح، وهو كان راجل وابن بلد حس إنها بايعه الدنيا وشرياه فمفكرش كتير وعقد عليها... وإلى بعد كده كان لا يتكتب وينحكى يا نضري. وقفت عن مقعدها وتركته متخبطًا، يرفع رأسه لها حينما استشعر صمتها، ينظر لها يحثها على الحديث مرددًا: كملي، إيه اللي حصل بعد كده؟ وقفت توليه ظهرها ثم قالت:
دي تفاصيل ما أعلمش عنها الكثير، تقدر تسأل غنوة هي ممكن تقولك لو حبت وكمان عشان تتأكد. اقتربت منه تربط على كتفه العريض وهي تردد: أنا أمك وعايزالك الصالح، صدقني...
البت دي نسخة من أمها. مش هقف أشوفك بيتعمل فيك زي صالح والمرض يركبك وانت في عز شبابك عشان واحدة كانت جايه تقضي إجازة سعيدة، ولما تخلص الإجازة تبقى عايزة تنهي كل حاجة وترجع لأصلها. دي واحدة تربية خواجات بعادات غير عاداتنا. البنات عندهم مش زي عندنا خالص، في كله، حاجات كتير لساني يعف إنه يقولها... فاهمني يابني؟ تركته وغادرت وهو مشتت متخبط، يبدو كمن يقف على مفترق طريق لا يستطيع إنهائه ولا يمكنه العودة حيث نقطة البداية.
وقف بفتور عن مقعده وبدا كمن يدور حول نفسه. شعر باهتزاز هاتفه فمد يده يخرجه من جيب معطفه الثقيل ليجد اتصالًا من حبيبته. ظل ينظر للشاشة بمشاعر مبعثرة متخبطة، لكن صوت والدته مازال صداه في أذنه بالقوة التي جعلته يدور في دوامة مغلقة. جلس على الفراش لجوارها متمددًا يحتضنها، له يبعثر خصلات شعرها، ولكن، لكن كان متكئًا برأسه يتوسد أحضانها يتنهد بخفوت يفكر بإستكانة. شعرت أن صمته قد طال ولم تعهده مهذبًا هكذا حتى ظنته غفى.
فهزته برفق تناديه: هارون.. هارون إنت نمت؟ أخذ نفسًا عميقًا يظهر عليه الراحة وهو يقول: لأ يا حبيبتي صاحي. جعدت مابين حاجبيها باستغراب شديد ثم سألت: أصلك ساكت خالص ومش طالع لك صوت فكرتك نمت. تحدث بخفوت يغلب على صوته التراخي والكسل: لأ بس حضنك حلو قوي.. خلاني عارف أفكر وأربط الخيوط ببعض. ضحكت ساخرة وقالت: ههههه ماشي يا سيدي. لكن على ما يبدو أنها لم تكن مزحة، فقد تحدث بخمول لكن عقله نشط:
مش بهزر، أنا فعلاً استكانت كده بقالي فترة وحاسس جسمي ريح ومخي نشط وعارف أفكر قوي. رفع رأسه عن أحضانها ينظر لها مرددًا: طلعتي جبّارة وصعب الاستغناء عنك. رفعت حاجبًا واحدًا ثم رددت: وأنت كنت عايز تستغنى عني ولا إيه؟ بلا تفكير أو لف ودوران ردد: أيوه كنت ناوي بس ما عرفتش. اتسعت عيناها بصدمة من صراحته الوقحة، تبتعد كم إنش عنه ليجذبها لعنده ويتوسد أحضانها مجددًا بالإكراه، ثم قال وهو يغوص برأسه على صدرها:
دي حاجة ما تزعلش.. ده أحلى من أحلى اعتراف بالحب.. إنتي بقيتي إدماني. رفع رأسه ينظر لها مبتسمًا ببوله: وأماني. نظرت له بترقب وعدم رضا وهو يكمل بعد تنهيدة طويلة وشرود: زي ما قولتلك من شوية انتي بقيتي أكبر من إنك حبيبتي. فصل حديثه يزيد من ضم نفسه لجسدها وهو يمرمغ رأسه في أحضانها رغم شعوره بتخشب جسدها بين يديه وردد:
كنت بشوفك بنت حلوة وجذابة وبعدين بقيت بشوفك حبيبتي وبسرعة بقيت فعلاً عايز أتزوجك، ولما قربت منك وبقينا بنتكلم بقيت أشوف فيكي أبويا بمخه اللي يوزن بلد وأمي بأناقتها وحنيتها، يعني انتي بقيتي اختصار للدنيا عندي يا غنوة. رفع رأسه عن أحضانها ينظر لها بأنفاس لاهثة يراها تحدق فيه بصدمة وذهول، ثم ردد متسائلاً مرة أخرى بخوف وتوجس: غنوة؟ إنتي بتحبيني بجد مش كده؟ ابتلعت ريقها تومئ برأسها إيجابًا أكثر من مرة ليردد مجددًا بصوت به
من الخوف والترقب الكثير: أمال ليه بحس كل ما المسك أن جسمك متخشب، حتى دلوقتي أهو جسمك بين إيديا متخشب، متشنج. بللت شفتيها لا تعلم بماذا تجيب ليبتسم عليها ويزيح خصلة متدلية بروعة على غرتها لكنها تحجب رؤية وجهها الجميل عنه، فوضعها خلف أذنها وهو يحدق فيها ببوله ثم يردد بفخر وانتشاء: أنا عارف إنه عشان أنا أول راجل يلمسك وإنك مش متعودة على كده ودي حاجة لوحدها بتوديني في داهية. هزت رأسها أكثر من مرة سريعًا تؤكد فكرته
وأنها السبب فقط ليكمل: بس يا حبيبتي لازم تتعودي عليا إحنا بقينا متجوزين خلاص وأول ما نطلع من هنا هنخليه جواز عند مأذون كمان. ابتسمت تردد بنبرة ذات مغزى: عجبتك يعني ودخلت مزاجك فهتحول الجواز لشرعي؟ بهت وجهه وداهمت ذاكرته ذاك المشهد بالمصعد حين ردد على مسامعها نفس الكلمات وها هي تعيدها بالحرف على أذنه كأنها لم تنسى... أخذ يرمش بأهدابه متسائلاً: غنوة.. مش معقول؟
إنتي لسه فاكرة.. أنا كنت متضايق منك بس عشان شغلاني أوي وأنا ما كنتش شفتك غير كام مرة، عصبتني فكرة إن في حد مسيطر عليا كده وأنا مش فارق له... بس دلوقتي لأ.. أنا بحبك أوي وعايزك تشيلي اسمي قدام الناس كلها ونعمل بيت وأسرة كبيرة. كانت تستمع له بملامح يابسة يرى بها حزن على تعرف خاطئ وبداية أكثر من سيئة، يتعرف على صفة جديدة بحبيبته ذات القلب الأسود والذاكرة الحديدية.
ابتلع ريقه بصعوبة ثم ردد بمزاح محاولًا قلب دفة الحديث وإلهاءها عن تلك الذكرى السيئة فيتخذ منها سبيلًا للمزاح وهو يدعي فك أزرار قميصها مرددًا بعبث بينما يقترب أكثر منها بحرارة: بس إن جيت للحق من ناحية إنك دخلتي دماغي وعجبتيني فأنتي دخلتي دماغي.. أوي. أخذ ينظر على جسدها وهو يستكشفه مرددًا: أوي أوي أوي يعني.
لينقلب المزاح جدًا بعدما ثار جسده وهو يشعر بها بين يديه وبدأت حرارة أنفاسه تزداد حتى أنه بدأ يتوقف عن الشرح يقبلها بشفتيه عوضًا عن استخدامهما في الحديث... دب الهلع في أوصالها وهي تشعر به يهجم عليها بقوة مضاعفة متناسيًا أمر جرحها تمامًا يهمهم باسمها من بين قبلاته. بدأت تحاول دفعه عنها وهو مستمر في محاولته وهي تردد بصعوبة: هارون.. هارون فوق.. فوق يا هارون أنت مش في وعيك... هارون.. ما تخوفنيش منك.
لكنه لم يستطع الاستماع لها، منكب ينهال عليها وشعر فعليًا بفقد السيطرة. يرفع رأسه لشفتيها يذيقها ببعض مما يشعر به فتصمت تائهة بقبلة منه، رحمها من قوته التي فاقتها صوت عويل أشجان وهي تصرخ: يا خراااابااااااااااااااااااي، الحقونا يا ناااااااس، يالهووووى... هياكلها، هيبلعها.. إلحقونا. تقدمت تقبض على ملابسه من الخلف تجذبه بكل ما أوتيت من قوة بعيدًا عنه تزامناً مع تجمهر بعض الممرضات وأشجان تصرخ: الحقونا من وحش الغابة ده...
أوعى تشيل إيدك من على البت. كان يرفع رأسه عنه لكن يحميها بذراعيه يصك على أسنانه وهو ينظر على طاقم التمريض المتجمهر بفضل سياح تلك السيدة ثم ينظر لها بغضب مرددًا: إنتي اتجننتي، إيه الفضايح دي، واحد ومراته مالك إنتي بينا، أصلًا المفروض قبل ما تدخلي علينا تخبطي. اتسعت عيناها تضرب على صدرها مرددة: كمان؟
أما إنك بجح وعينك باكسة بصحيح، زيك زي الشايب العايب اللي هناك، بقا من قدرك وبجاحتك هتخليني أنا اللي أخبط عليك يا بجح يا اللي بايع دمك. تقدمت إحدى الممرضات متطوعة تردد: حقي يا ست أشجان مالكيش حق، إنتي محقوقة له، صراحة عيب تدخلي كده بين الراجل ومراته وتفرجي عليهم الناس. نظر لهم شذرًا وهو ينظر على غنوته التي تلتقط أنفاسها بصعوبة وردد بغيظ: ما علش يا حبيبتي حقك عليا أنا. ثم استدار بغضب ينظر لأشجان مرددًا:
شايفة وشها جاب ألوان إزاي. نظرت عليها أشجان ثم صكت أسنانها تردد بغل: كويس إن لسه عندك نظر وشايفها مش حملك يا طور إنت. بهت وجهه يشير على نفسه وهو يردد: أنا طور؟ اقتربت منه بغيظ تحاول إزاحته عنها وهي تردد: أبعد عن البت مش عارفة تتنفس وانت كابس على نفسها كده. نظر لها شذرًا يردد: بقولك مراتي وأنا حر فيها. أشجان وهي مستمرة في محاولة إبعاده:
مراتك إيه يا أبو مراتك، دي حتة ورقة يا عين خالتك لو قطعناها تبقى خلصت، انت صدقت نفسك... أوعى كده عشان النفس يبقى رايح جاي في قلب المكان. أمام شحوب وجه حبيبته ومظهرها وهي لا حول لها ولا قوة ابتعد مرغمًا وهو يردد: ده أنا لو ليا حما مش هتبقى زي دي أبدًا. توقف بغضب وهو يسمع صوتها يردد: خد الباب في إيدك وانت خارج. شفته السفلى بغيظ ثم ردد: وماله حاضر... بس راجعلك تاني.
خرج بعدما انفض ذلك التجمهر يغلق الباب خلفه فعلاً بغضب شديد. وقفت على أعتاب ذلك المخبز ترى علي وهو يجلس على مكتب مدير المكان. تجعد ما بين حاجبيها بزهول تسأل بعدم استيعاب متى ترقى وكيف حتى يجلس على مكتب مدير المكان مباشرة بهذه السرعة بعدما كان مجرد عامل أمام النار؟
شعرت بتوقف ماجد خلفها يستقر بصمت وهي تتلقى الصدمة الأكبر حين وجدت نفس تلك الفتاة تتقدم منه وتجلس على المكتب أمامه بدلال بل وتمط ذراعيها تحيط عنقه بهما تستند بجبينها على جبينه. تقدمت بصدمة يتبعها ظلها حتى توقفت على بعض خطوات منهما حيث ما زالا منشغلان عنها، ثم تحدثت بصوت مهزوم لأول مرة: إيه ده يا علي؟
انتفض علي كمن لدغته عقرب حتى أن تلك الفتاة ارتدت بإهمال إثر فعلته، ووقف ينظر لها وصدره يلهث من الصدمة غير المتوقعة وقد ضبطته بالجرم المشهود. بلل شفتيه بتلعثم يحاول إخراج صوته وإيجاد أي رد لكنه لم يفلح، ليحمحم بخوف وحرج ثم يحاول التحدث بلهفة ولوعة مرددًا: أنا... أنا هفهمك بس.. بس تسمعيني. كانت تلك الفتاة تقف خلفه مصدومة متسعة الفم، تراه في أول مواجهة مع حبيبته الفعلية ولم ينساها كما زعم. لكن تقدم ماجد يردد:
إيه بس يا عريس؟ ما تقول عادي. تسارعت أنفاسها وهي تسمع ما يقوله ماجد تردد بصدمة: عريس؟ عريس يا علي؟ احتدمت عيناه وهو ينظر لماجد بغضب جم مرددًا: وأنت مالك أنت، عمال بتنخرب ورايا ليه؟ صرخت به تردد: سيبك من كل ده ورد عليا أنا... إنت فعلاً اتجوزت؟ اتجوزت يا علي؟ صمتت ترفع أنظارها على تلك الفتاة التي تقف خلفه ترى الصدمة والخذلان يرتسمان على قسماتها، فرددت وهي تعود بأنظارها له: يا خسارة، فعلاً خسارة.
ولت هاربة تفر من أمامه وبقي ماجد أمام علي الذي قال بغل: أوعى تفتكر إنك خلاص كسبت، أنا مش هسكت... ومش هسيبها لك. ابتسم ماجد يردد بشماتة: الله، دي حكالك كل حاجة بقا... حلو.. جميل. علي بغل: أقسم بالله لأرجعها ومش هسيبك تتهنى بيها ساعة واحدة. اتسعت ابتسامة ماجد ثم ردد: مش فاضي أقف بقا أهددك وتهددني، بص أنا مش هعرفك غلطك وهسيبك أصلي فرحان أوي ولولا الملامة كنت أبوسك من بوقك. أوقفه علي بقوة يردد وهو يهمس في أذن ماجد:
ردي على اللي حصل هيوصلك قريب أوي.. فيروز دي بتاعتي. كل الحديث عادي، إلا تلك النقطة الحساسة، فعلى أثر تلك الكلمة التف له وسدد له لكمة جعلته يترنح أرضًا جعلت تلك التي ادعت الثبات تهتز وتذهب له تتفقده بقلب ملتاع عليه. ظل كاظم بمكانه ممددًا على الفراش يحدق في السقف بشرود إلى أن فتح الباب وتقدمت ممرضة بشوشة تردد: مساء الخير، في واحد صاحبك جاي يزورك.
زوى كاظم ما بين حاجبيه ينظر على الباب باستغراب، لتتهلل أساريره وهو يرى صديقه المقرب يدلف لعنده مرددًا: كاظومي، فينك يا صاحبي... كده تنسى صاحب عمرك؟ ابتسم كاظم وهو يرى طيف الشباب يعود له من جديد بدخول صديقه عليه يردد بعد فترة طالت به وهو صامت مرددًا: حامد المصري؟ تهلل وجه الممرضة تردد: إيه ده.. ده بدأ يتكلم أهو.. أنا هروح أقول للدكتور. خرجت تهرول من عنده بسرعة بينما اقترب حامد يجلس بجوار كاظم مرددًا: أزيك يا صاحبي.
نظر له كاظم بحزن. فقال حامد: عارف إنك زعلان، غيبت برا طولت. رفع عيناه ينظر لصديقه بحزن ثم قال: بس أنت عارف ليه. أشاح كاظم بوجهه بعيدًا عنه يردد باقتضاب: تستاهل. زم حامد شفتيه بحزن وهو يرى تشفي صديقه به دون مواراة ثم قال: شماتان فيا، ماعلش مانت ماكنتش مكاني. أغمض عينه يأخذ نفسًا عميقًا متعبًا، فنظر له كاظم متفحصًا ثم قال: إيه اللي رجعك يا حامد مش كنت مش ناوي ترجع غير وأنت ميت. أغمض حامد عينيه ثم قال: عزيز ابني
(ده بطل من رواية الملكة) نظر له كاظم باهتمام ثم قال: ماله؟ تنهد حامد وقال: عزيز بيحب الخادمة اللي عندنا. ضحك كاظم ساخرًا ثم قال: وطبعًا سبت ألمانيا وجيت عشان تعمل المستحيل وتوقف الجوازة دي. أسدل حامد عينيه وهز رأسه نافيًا ثم ردد بإصرار رهيب: لأ... ده أنا جيت مصر مخصوص بعد ما كنت حالف ما أرجعها إلا بموتي عشان أعمل المستحيل وأتمم الجوازة دي. اتسعت عينا كاظم وردد:
ده إيه اللي جرى في الدنيا ده انت سبت حب عمرك اللي بسببها سبت مصر عشان كانت مش ولا بد. وكأن بتلك الكلمة قد ضغط كاظم على جرحه، ما زال يتذكر حديث ابنها عنه وهو يخبره بأكبر صدمة في حياته، فحبيبته بائعة الهوى قد ماتت وهي ساجدة في رحاب الحرم المكي بعدما تاب الله عليها بعد زواجها من والده شيخ الأزهر الذي تابت على يده وأنجبت له حتى أنه أصبح شيخًا في الأزهر مثل والده (ضمن أحداث رواية الملكة هي كمان) بمنتهى القسوة والألم
بدأ يحكي له تلك القصة: أبويا أخد منها الولد بعد ما خلّفته ومارضيش يخليني أتجوزها، وبعد تلات شهور اتجوزت الشيخ منتصر وجابت منه جاد. شوفت يا كاظم مش كنت أنا اتجوزتها وكانت تابت معايا أنا كمان، شوفت هي ربنا رزقها بحسن الخاتمة وأنا وانت لسه تايهين في المعصية رغم إننا عجزنا خلاص. صدمة كاظم من حديث صديقه الذي أخذ يردد بجنون: ههههه شوفت.. شوفت ابني اللي أبويا خاف عليه لما هي تربيه حياته عاملة إزاي....
ههههه وابنها، ابنها اللي أصغر من ابني طالع شيخ... شيخ في الأزهر يا كاظم وحافظ كتاب ربنا. صمت ينظر أرضًا ثم مسح دموع خانت عينيه وردد: بس مش هسيب اللي حصل زمان يحصل تاني يا كاظم مش هيحصل. صمت كاظم ينظر له بعدم استيعاب وردد: وإيه اللي حصل زمان بعزيز والبت اللي بيحبها؟ مسح حامد عينيه وأخذ نفسًا عميقًا يردد بجمود:
البت اللي بيحبها اسمها رحمة من نفس المنطقة بتاعت جاد أخو عزيز وهو اللي جاب لها أصلًا الشغل عند عزيز في الفيلا، وشكلها بتحبه وهو كمان ناوي يتجوزها. صمت بغضب فقال كاظم: طب خلاص يبقى ربنا يهنيهم.. ماتنساش أنه شقيق ابنك. لكنه صدم وهو يرى تحول ملامح حامد يردد بغل وإصرار:
على جثتي.. على جثتي يا عزيز، مش أبوه زمان انتصر عليا وياخد حب عمري وابنه ييجي دلوقتي ياخد حب أبو ابني، عزيز اللي بتقفله البلد على رجل بيبقى قدامها زي العيل الصغير يا كاظم، وأنا مش هسكت. كان يتقدم خلفها بسرعة يحاول اللحاق بها حتى استوقفها بصعوبة يردد من بين أنفاسه اللاهثة: فيروز.. استني. توقفت تحاول أن تبدو ثابتة تنظر له بصمت فقال: أنا عارف إنك مصدومة وإنها مش حاجة سهلة بس.. بس إنسي وخليكي في اللي شاريكي.
أخذ يقترب منها برفق حتى جذبها رويدًا رويدًا وبتشوش وضعت رأسها على كتفه وهو أطبق بذراعيه عليها بين أحضانه يغمض عينيه براحة وهو يشعر ببداية زوال كل العواقب واحد تلو الآخر ثم ردد بخفوت: تعالى أنسيك اللي حصل ده وأوريك المفاجأة التانية. كان يتحدث برفق وهو ما زال يضمها لأحضانه غافلاً عن تلك الكاميرا الصغيرة التي تصورهم راصدة كل شيء.
"حيث بلاد البرد والثلوج والرجال البيضاء ذو الملامح الباردة القاسية يجلس رجل ضخم الجثة عريض الكتفين ذو شعر أشقر غزير مرفوع ولحية خفيفة يزين نهاية كتفه عنقه وشم لافعى، يدخن سيجارة كوبي بيد وباليد الأخرى يرتشف كأسًا به نبيذ معتق ينظر بتركيز على تلك الصورة المعروضة عليه يستمع لمن يقف بجواره مرددًا: ها هو "سيد فلاديمير" يدعى ماجد الذهبي ويحمل الجنسية المصرية والأمريكية أيضًا.
ظل يركز بأنظاره على ماجد ولكن تلك الفتاة التي بين أحضانه استفزت شيئًا به، تتجه أنظاره لها يركز بعينيه على ذراعي ذاك الماجد وهو يضمها له، يزعجه الأمر فرفع رأسه قليلًا يحك ذقنه ثم سأل بانزعاج: ومن تلك الفتاة؟ ضحك الرجل ضحكة ذات مغزى زادت من انزعاج فلاديمير خصوصًا بعدما أردف الرجل: على ما يبدو أنها حبيبته سيدي. رمش فلاديمير بأهدابه يحرك شفتيه ثم ردد: ما اسمها. ابتسم الرجل له وردد: فيروز... فيروز سيدي.
نظر له فلاديمير بضيق ثم اخرسه بغضب وهو يسمعه ينطق اسمها بتلذذ ثم قال: إخرس.. واخرج من هنا الآن. هز الرجل رأسه بطواعية وهم لأخذ الحاسوب الذي يعرض عليه الفيديو، لكن فلاديمير استوقفه بحدة وردد باقتضاب: أتركه. ضحك الرجل ببرود ثم غادر سريعًا تاركًا خلفه فلاديمير يعود برأسه للخلف وهو يرتشف النبيذ من كأسه يردد بتلذذ: همممم... فيروز.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!