داخل بيت الدهبي كان الوضع متأزم وغير مستقر على الإطلاق. الكل يتجه بأنظاره لفريال التي تقف بأعين تقدح شرر. ترى تلك الصغيرة ولم يمضِ على دخولها البيت عشرة دقائق وقد قلبت البيت رأسًا على عقب فوق رأسها. الكل مسلط نظره عليها بنظرات اتهام وصدمة. وتلك الفتاة صاحبة العيون الرمادية، التي لم تكره مثلها يومًا، تقف مستغلة انصراف أنظار الكل عنها، تنظر لها نظرة ساخرة مستفزة. "إنها هي، هي! " مرڤت بكل تفاصيلها.
تلك الخادمة الوضيعة التي أتت، وبظرف أيام سرقت اللب من عقل زوجها، أسرته دون مجهود أو وقت حتى. كان يلتهمها بنظراته، تلك النظرات التي كانت تحمل الكثير من اللهفة والجنون الكافي لكشفها، خصوصًا من قبل زوجة عينها على زوجها بحضرة فتاة بارعة الجمال، تمتلك من الليونة والرقة الكثير. ولم يمضِ وقت طويل من مراقبتها لهما حتى كشفت السر الكبير. ابن الحسب والنسب، زوجها متزوج زواجًا غير شرعي عليها، عليها هي. تزوج عليها خادمة!
كانت النار مستعرة بصدرها وقلبها ينضح غلًا وكرهًا شديدًا. فريال هانم ابنة عمران بيك يتزوج عليها زوجها، وممن؟ بمن استبدلها وفضل عليها؟ خادمة؟!! ياللمصيبة... إنها كارثة حقيقية. للآن لا تشعر بأي ندم على أي مما أقدمت عليه وارتكبته. لكن الآن هي تشعر بالخطر، لقد انقلب الكل عليها، ينظرون لها باتهام سافر. بنظرات غاضبة مصدومة تقدم منها محمود، الخطوات الفاصلة بينهما حتى توقف أمامها مباشرة يتحدث بأعين مظلمة:
"إيه اللي فيروز بتقوله ده؟ معناه إيه الكلام ده بالظبط؟ شخصية ليست سهلة كي يهتز ثباتها هكذا بسهولة، فريال وتد مغروس بأرض صلبة لا تهتز من تحتها بسهولة. من هذه الصغيرة كي تهزها لمجرد تفوهها لتراهات بلا أي دليل بيّن، إنها فريال عمران. بمنتهى الثبات والقوة رفعت رأسها وأنفه عالياً تردد: "كلام إيه يا محمود يا حبيبي؟! هزت كتفها الأيمن، يلتوي شدقها وهي تردد باستغراب شديد: "وفيروز مين دي أصلًا؟!
اهتز الفك العلوي لشفتيه من شدة غضبه، أخذ نفسًا عميقًا وردد: "فيروز بنتي يا فريال." تصنعت الغضب الممتزج بالصدمة والاندهاش تردد: "انت متجوز عليا يا محمود، لأ وكمان خلفت؟!! كانت تتابع الموقف بدقة عالية، تلتقط أدق التفاصيل، خصمها غير عادي أو هين إطلاقًا. لمعة قوية غشت عينها من القوة والثقة. إن كانت تلك فريال، فهي أيضًا كذلك فيروز، ولنرى لمن الغلبة والقوة.
نظرت أرضًا تفكر لثوانٍ وهي تعلم، مهما كان الشخص قويًا، ثابتًا، ذكيًا، لكن شعور الظلم والغلب يدفع أكثر وأكثر للتفوق. لذا أخذت نفسًا عميقًا تتقدم، تريها من هي فيروز ابنة ميرفت. تصنعت ارتعاش أطرافها بجدارة تستحق الأوسكار.
وتقدمت تحتضن ظهر والدها بحركة تعلم أنها ستولد داخله براكين من الشعور ناحيتها بوجوب توفير الأمان والدعم، متلازم تلقائيًا بالغل والغضب الشديد من الماضي المر، والحاضر الذي يحاول تعويضه ويشعر ناحيته بالإثم والشرك. تغرس أظافرها في معطف محمود تطلب منه الحماية الغريزية الواجبة على أي أب ناحية ابنته. فما الحال لو كانت ابنته مظلومة منه ومن الجميع ظلم شديد لسنوات.
المصيبة أن ذاك الذي يقف هناك بعيدًا ورأى كل ردات فعلها ونظراتها الخبيثة تجاه فريال بوضوح، إلا أنه اهتز داخليًا كالزلزال، وشعور بالحماية والاحتواء ناحيتها يتدفق كسيل جارف، ظهر بوضوح على انفعال عينيه. حاول بصعوبة الثبات بمكانه، وألا يذهب لها يحتضنها ويهدئها. أما تلك الماكرة الصغيرة كانت تخبئ وجهها في ظهر والدها، تشهق بصوت كأنه حقيقي، بل وخارج من أعماق قلب مذعور ملتاع تردد:
"أنا أمي حكتلي كل حاجة حصلت زمان أول ما كبرت، الست فريال خطفتها يومين بعد ما اتفقت مع ابنها وعمل نفسه عنده استدعاء ولي أمر في مدرسته." اتسعت عين ماجد ينظر للتي كان يريد احتضانها بين ذراعيه منذ ثوانٍ، وهي تتبلى عليه دون أن يرف لها جفن. التف جسد محمود نص لفة، ومعه فيروز بظهره، ينظر على ماجد المصدوم مما يقال عنه. لتتسع عين محمود ومعه ماجد وهما يستمعان لها تكمل بغصة بكاء واضحة:
"وماما سمعتها وهي بتقول للرجالة اللي خطفوها إنهم ينفذوا الأوامر بالحرف، لأن دي تعليمات مصطفى بيه." كانت الطامة الكبرى والصدمة التي لا قبلها ولا بعدها، وهو يسمع بأذنه أن والده شارك بيده في كل هذا. يبتعد خطوات عن الكل، وهي خلفه تتباعًا، ينظر للجميع وهو يهز رأسه بصدمة يردد: "مش مصدق... مش قادر أصدق، عيلتي كلها عملت فيا كده، طب ماجد وهقول عيل صغير وسمع كلام أمه وهو مش مدرك، مش عليه ذنب، لكن انت...
انت يا بابا، إزاي تعمل كده؟! اقترب عدة خطوات من والده، بينما توقفت فيروز بمحلها تتصنع النظر أرضًا بخوف وقهر. تحدث محمود أمام مصطفى المصدوم: "إزاي جالك قلب تعمل كده فيا، بعد ما عرفت إنها حامل." صرخ به محمود بغضب يردد: "عملت إيه وحمل إيه؟ كلام إيه الفارغ ده... انت أكيد اتجننت... معقول أبوك اللي حاجج بيت الله وملس على بابه يعمل كده؟ صرخت فيروز بقهر حقيقي تصرخ به: "أيوه حصل، الست هانم دي قالت كده لأمي بلسانها...
وإنها مالهاش حد تستنجد بيه." وقفت وحدها في اتجاه... بينما كانت باقي العائلة المحترمة في ناحية مقابلة لها. ناظرت الجميع بكرة وغل تكمل: "خصوصًا إن اللي سلمتيه نفسك بورقة مقطوعة من كراسة، قطع الورقتين دول، مافيش أي حاجة تثبت إنك كنتي متجوزاه أصلًا... والباشا الكبير نفسه هو اللي أمر بحبسك... هتعملي إيه يا مسكينة ولا تروحي فين." صرخ مصطفى بغضب شديد يضرب الأرض بعكازه: "إيه الكلام الفارغ ده... أمك أكيد غلطانة." صرخت
فيه بنفس قوته ويمكن أكثر: "قصدك أمي بتكدب... في واحدة بتكدب وهي بتموت يا راجل يا مفترى يا ظالم يا عيلة واطية يا ولاد الكلب." اتسعت عين الكل وهم يستمعون سبها الواضح لهم، صرخ بها مصطفى: "اخرسي يا قليلة الأدب، في واحدة متربية تكلم جدها كده... أما إنك ناقصة تربية صحيح." تقدمت خطوات تصرخ فيه وهي تشيح أمامه بيداها وأصابعها متشنجة مفرودة: "أنا مش ناقصة تربية... أمي وأبويا ربوني أحسن تربية وعلموني ما أظلمش حد."
نطق محمود يصرخ بها: "أنا اللي أبوكي مش حد تاني." صكت أسنانها بغل تردد: "لأ... أنت مش أبويا ولا أعرفك." بادر مصطفى يردد: "تتكلمي مع أبوكي بأدب." فيروز بازدراء: "انت بالذات تسكت خالص." احتدت عين مصطفى يردد بحده: "اتكلمي بأدب مع جدك يابنت.. وإن كانت أمك ماعرفتش تربيكي أنا هتصرف." لهنا وفقدت السيطرة، اتسعت عيناها بغضب اغمق معه ننها الرمادي، فقد جسدها القوة وهرب من عقلها الفكر والثبات.
تشنج جسدها وأخذت تصرخ في الكل بلا استثناء وبجنون مثير للريبة والشفقة: "ماتتكلمش عن أمي... ماتجبش سيرتها على لسانك... أمي أحسن منكوا كلكوا... بدل ما تفكر إن الهانم هي اللي جابت اسمك في الموضوع وهي اللي ظالمة بتفترى على أمي... انت راجل ماتعرفش ربنا... وانتوا كلكوا عيلة زبالة... أنا بكرهكوا... عمري ما كرهت في حياتي حد غيركوا." كانت تصرخ وهي تشيح بيدها وأحيانًا تضعها بجانب أذنيها علامة على فقدان السيطرة على النفس.
هوى على أثره قلب ماجد وكذلك محمود، الذي تقدم منها يحاول تهدئتها، فحالتها مريعة جدًا، فحتى مصطفى صدم وصمت مما يراه وبدأ يراجع نفسه حقًا، يشعر بخطئه. بينما فريال تتابع كل شيء بدقة شديدة وتركيز، وندى تصرخ داخلها مصدومة، فبأي عائلة قد وقعت هي وتزوجت، تربط اسمها عائلتها الكريمة بهم. تقدم محمود منها، لكن قدم ماجد قد سبقته، يحاول احتضانها مرددًا بحنان بالغ: "أهدى يا فيروز أهدى... تعالي."
هم ليحتضنها بلهفة يتمنى ذلك جدًا، لتمد ذراعها على طوله تضرب صدره بكفيها مرددة بغل: "أبعد إيدك ياض... أبعد عني... ابعععد." تسمر مكانه ومازالت أحضانه مفتوحة لها برجاء وأمل خاب. ليتقدم منها محمود يحاول هو، ربما استجابت، يراها وهي مازالت متشنجة وفي حالة مريعة تردد: "ابعدوا عننننى... محدش يقرب مني." أخذت تضرب الأرض بقدميها بعلامات الانهيار العصبي ولسانها لا ينطق سوى جملة واحدة كررتها عشرات المرات:
"أنا عايزة أمشي من هنا... خرجوني من هنااا." صرخ مصطفى بهم: "اتصرفوا بسرعة... شكلها مش طبيعي." تقدم محمود يحتضنها، يحاول تثبيت ذراعيها وهي تقاوم، لكنه مصر يردد: "أهدى... اهدى يا حبيبتي... خلااص بابا هنا معاكي... أهدى خالص." رغمًا عنها ثبتها بأحضانه، يصرخ بماجد: "اتصل هات دكتور يا ماجد بسرعة." كان ماجد يقف متخشبًا يشعر بالضعف حيالها، فلم ينتبه أو يتحرك، ليصرخ به محمود مجددًا: "ماااجد.. اتحرك.. أختك هتروح مني."
تحرك ماجد سريعًا يتصل بسكرتيرته كي تتصرف بسرعة وتطلب له طبيبًا. بينما تحرك محمود بها لغرفة المكتب الكبيرة الموجودة ببهو البيت. وهي مازالت تحاول المقاومة، تضرب بيدها كغريق يصارع أمواجًا عالية، حقًا لا ترى من معها ولا يطمئنها صوته الذي يردد: "أهدى يا حبيبتي أنا بابا." هي بالفعل لا تراه، فقد انهارت أعصابها وتداعى تركيزها.
وظل الوضع لمدة لا بأس بها، ترفض حتى التمدد على الأريكة المبطنة باللون النبيذي الفخم المصنوع من قماش تركي فاخر. صرخ محمود في ماجد وقد انفلتت أعصابه هو الآخر: "فين الدكتور اللي قولتلك تطلبه." كانت أعصاب ماجد مضطربة أيضًا ومشاعر مختلطة متناقضة تفور بداخله، فتحدث بلهفة: "كلمت مرام السكرتيرة تشوف حد حالًا." مصطفى رأسه بنفاذ صبر يردد: "اتصل استعجله ولا شوف غيره."
كانت ندى تجلس تشاهد ذلك الفيلم العربي قديم الطراز بملل وسأم، تلاحظ لهفة زوجها على شقيقته بطريقة لم يظهرها لها ليوم واحد حتى. تستمع لصوته يحدث سكرتيرته التي لطالما حدثها بمنتهى المهنية، يصرخ بها الآن: "فين الدكتور يا مرام أتأخر ليه؟ مرت عيناها على ملامحه العصبية المتوترة بعدما صمت لثوانٍ يسمع ردها وعاود الحديث: "هو فين ده اللي داخل عليا ماحدش جه."
صمت فجأة وهو يستمع رنين جرس الباب، لترفع ندى حاجبها الأيمن بزهول وهي تراه يهرول بطريقة أشبه للركض يفتح الباب. توقف أمام الباب بصمت لثوانٍ وهو يمرر عينيه على ذلك الرجل عريض المنكبين، قوي البنية، أشقر اللحية والشعر بعيون زرقاء. اهتز فكه بغضب يسأل هل جلبت له مرام طبيبًا من البرازيل أم أمريكا؟
لم يحركه سوى صوت محمود الصارخ ينادي عليه، لكن تركيزه مع ذلك الماثل أمامه يبتسم مرددًا بنبرة مخملية كأنه بدأ في مباشرة علمه يحدث مريضًا ممدًا على الأريكة المفرودة وهو يقول: "مساء الخير." هز ماجد رأسه بنفور يردد: "أهلًا." ابتسم الطبيب مستغربًا وقال وهو يمد يده للسلام: "أنا أنس شفيق دكتور أمراض نفسية وعصبية." تقدم مصطفى خطوتين بعكازه يردد هو بدلًا عن ذلك الصنم: "نورت يابني اتفضل.. دخلوا يا ماجد."
لكن ماجد مازال ينظر له بعدم تقبل رهيب، فردد مصطفى مجددًا: "ماااجد... دخل الدكتور." أفسح ماجد للطبيب على مضض يشير له على الداخل، يسير معهم حيث فيروز التي جلست بصعوبة وبعد محاولات على الأريكة، ليس استجابة لطلب والدها بل جسدها كان قد أنهك حقًا وفقد كل قوته على الوقوف أو مواصلة الصراخ ولا حتى الحديث.
تقدم أنس بخطى ثابتة يرى تلك الفتاة الجميلة تجلس على طرف الأريكة تضع راحتي يدها بجوار جانبيها وقدمها تتدلى بالكاد تلامس الأرض لقصر قامتها. تميل بعنقها حيث تخفض رأسها أرضًا، تنظر تحت قدميها، وهي تتنفس بصعوبة وعدم انتظام، صدرها يعلو ويهبط باضطراب. أجلى صوته الرخيم يردد: "مساء الخير."
رفعت عيناها الرمادية كأنه كان ينقصه، رمش بعينه وتمسك بمهنيته لأقصى حد، يجلي أي شيء عن تفكيره، وهم كي يبتسم لها، لكن امتقع وجهه وهو يستمع لصوتها الذي اصطبغ بطريقة أولاد الشوارع بالضبط: "وده مين الطري ده كمان." سر ماجد كثيرًا من وصفها هذا، ينظر على المدعو أنس يرى امتقاع وجهه بحرج، فحاول كتم ضحكاته. وبادر محمود يتحدث وبنيته تهدئتها: "ده دكتور أمراض نفسية وعصبية عشا...
قاطعته وهي تنتفض من مكانها وقد عادت لها الشراسة مجددًا تصرخ فيه: "اييييه... ااااااه هي دي الخطة بقا... عايزين تطلعوني مجنونة، وأدخل مصحة حلوة كده أتكهرب فيها لحد ما أموت هناك مش كده." كانوا يستمعون لها بزهول، ومحمود ردد سريعًا: "إيه يا بنتي إلى بتقوليه ده، وأنا لو عايز أعمل كده كنت هدور عليكي ليه، ما انتي كنتي بعيد ومش عايزة حاجة، وكمان مكتوبة باسم راجل تاني يعني مش خايف تورثيني."
صمتت قليلًا تنظر له بملامح مترقبة مستهجنة، كلامه منطقي لكنها لا تستطيع الوثوق به. مد يده يردد برجاء: "ثقي فيا مرة." نظرة بنفور ليده الممدودة ثم قالت بكره واضح: "سبق وأمي وثقت فيك، ضيعتها، البنت مش هتغلط غلطة أمها تاني." أطبق محمود قبضة يده يضم أصابعه على بعض بندم شديد، يتراجع خطوتين وهو يردد بخزي: "عندك حق يا بنتي." نظر للطبيب يقول: "طيب خلي الدكتور يكشف عليكي حتى عشان تهدى."
رفعت رأسها تنظر للطبيب، صمتت لثوانٍ، وبإذعان غير متوقع وافقت. أنس نفسه كان متوقع رفضها، ظن أنه سيحاول معها لوقت طويل، لكنه صدم بموافقتها. ابتلع ريقه يحاول السيطرة على الموقف وحدث الحضور قائلًا: "طيب لو سمحتوا تسيبونا لوحدنا." هز محمود ومصطفى رأسهم بالقبول، بينما ماجد رفض بشدة تواجدهما معًا وحدهما بغرفة مغلقة يردد: "لأ طبعًا أنا هفضل معاها." نظرت له بجانب عينها تردد: "أنا مش عايزة وش جنبى."
على ما يبدو أنه قد اعتاد سريعًا على طريقتها السوقية بالحديث وأصبح يمرر لها بعض كلامها وتصرفاتها. يكتّف ذراعيه حول صدره بإصرار ليتحدث أنس: "خلاص يا آنسة... صمت بجهل وقد تجعد ما بين حاجبيه، لترفع عيناها له قاصدة أسره، ثم وبصوت مغاير لما حادثت به ماجد قالت برقة: "فيروز." اهتز فك ماجد بحنق منها، وازداد أكثر وهو يتسمع ذلك الواقف لجواره يردد: "بسم الله ماشاء الله." حدثه ماجد بفظاظة: "في حاجة يا بابا؟ ارتفع حاجب
أنس لتلك الإهانة يسأل: "أفندم!! بتقول حاجة؟ تحدث ماجد بحدة يقول: "أصلي شايفك بتعاكس أختي وأنا واقف... في حاجة؟ رمش أنس مرتين ثم حمحم بجدية: "لأ مش قصدي والله أنا... قاطعه ماجد بنفاذ صبر يريد لذلك الموقف أن ينتهي سريعًا وقد شعر بانسحاب محمود ومصطفى، فردد: "طيب لو سمحت اتفضل شوف شغلك." حاول أنس التحدث إلى فيروز وجذب أي حديث منها، لكنها كانت بحالة سيئة، فأخرج أحد علب الأدوية من حقيبته يعطيها لها، ثم وقف يحدث ماجد:
"هي دلوقتي هتاخد القرص ده يهديها شوية وبعدها هتنام، بس هي أعصابها تعبانة وعندها كذا مشكلة لازم تيجي العيادة أكتر من جلسة." كانت فيروز قد استكانت برأسها للخلف على ظهر الأريكة وقد ارتاحت قليلًا، تنظر للسقف المنقوش بأعين مازالت مستيقظة، يصلها حديثهما. نظرت عليهما بلا اهتمام وتلاقت عيناها بأعين ماجد المتلهفة، لكنها أشاحت عيناها ببرود وعدم اهتمام عنه، تعاود النظر للسقف.
أغمض ماجد عينيه بألم عليها، ثم أشار للطبيب كي يخرج معه ويطمئن الجميع. جلس يتحدث معهم يخبرهم بشكل مبدئي حالتها وأنها تحتاج للمتابعة مع طبيب نفسي، وأنه من الضروري أن تذهب لعنده كي يستطيع التحدث معها وتشخيص حالتها بهدوء ومن ثم حلها. تركهم بعدها وانصرف، ليستدير محمود للنظر إلى فريال ينوي محاسبتها، فمنعه مصطفى قائلاً: "مش وقته.. نطمن على البنت الأول وبعدها الكل له حساب طويل."
قالها وهو يرفع حاجبيه معًا دليلًا على أن محمود نفسه سيحاسب. بينما انسَل ماجد من بينهم يذهب إلى المكتب ويفتح الباب يقترب منها، يجدها قد غرقت في نوم عميق أثر القرص الذي تناولته من دقائق. يقترب منها بدقات قلب عالية يهتز شدقه بابتسامة ناعمة خاصة.. ذات وميض خاص.. خاص جدًا. ينظر على جمال ملامحها وصغر جسدها، يميل على جبهتها يطبع قبلة عميقة طويلة يسحب فيها من أنفه رائحة جسدها ليغمض عينيه.
رفع وجهه وابتسامته تتسع أكثر وأكثر، مازال ينظر عليها، لولا دخول محمود للغرفة يطلب منه أن يصعد بها لغرفتها كي ترتاح أكثر بنومتها. _كانت تجلس معه تراقبه وهو يلتهم قطع اللحم بتلذذ وعينه عليها هي يبتسم، فتهتز جفون عيناها بأهدابها تبتلع ريقها بصعوبة. نظر لصحنها الممتلئ، لم يخدش من طريقة تنسيقه في التقديم شيء، لم تأكل للآن. مط شفتيه بعتب يردد: "مش بتاكلي ليه؟! لم تدري بما تجيب.
مد يده مرة أخرى ناحية يدها يشعر بنبضات قلبه تفذ مجددًا. سب نفسه داخله بقوة، فعندما يمد يده ليمسك يدها يفعل ذلك كي يجعلها تذوب ذوبان مما تستشعره بفعله وتتوه عن العالم، فيجد نفسه هو من يحدث به ذلك. ما هون عليه هو رؤيته لها قد أسدلت عيناها ثم فتحتهما تنظر له نظرة بها من البريق ما يكفي لجعله يهيم بها مرددًا: "تخيلي مجرد أنك موجودة معايا نفسي اتفتحت، أمال لو أكلتي معايا بقا."
أخذت نفسًا تهدئ به ثورانًا عنيفًا يجتاح صدرها يزيد خفقان أيسرها، تنظر له نظرة لم تسبقها فتاة بها، تجعله أسيرًا لها ولعيناها. ترك شوكته من يده وتهور ينطق بما في قلبه مجردًا من أي نوايا: "غنوة." ترك لنفسه متعة نطق اسمها بارتياح وتلذذ يعلو صدره بأنفاس عالية يتنفس بسعادة بعدما مسك يدها الحرة باليد الأخرى، يرى توسع عيناها أكثر وأكثر بتفاجئ ثم قال:
"أنا حاسس بحاجة كبيرة أوي ناحيتك، بحب أشوفك، بحب أكلمك، ممكن تسمحيلي أقرب منك أكتر." أسدلت جفناها لثوانٍ ثم وبنعومة سحبت يداها من بين كفيه، تأخذ نفسًا عميقًا، ثم نظرت له تتحدث بحاجب مرفوع: "مجئى معاك هنا كان لحظة تشتت وضعف." صمتت تزم شفتيها تهز كتفيها تردد: "يمكن مننا إحنا الاتنين، لكنه غلط." لا يعلم من أين له بذلك الحزن الذي غمره وهو يسألها بلهفة: "غلط ليه يا غنوة، أنا مشدود ليكي من أول مرة اتقابلنا فيها، فاكرة؟
هزت رأسها تقول: "انت راجل خاطب وخطيبتك إنسانة قمة في الذوق والأخلاق، ده أنا اللي منظمة لكم خطوبتكم، وبعدين انت لسه شايفني أول امبارح." ابتسم يهز رأسه ثم عاود محاولة لمس يدها بإصبعه الصغير يتسلل لكفها المضمومة وهو يقول: "لمى بنت ناس وزوق جداً لكن ده مش كل حاجة عشان الإنسان يكون مبسوط وانتي عارفة، وحصلت الخطوبة لأني ماكنتش لسه أعرفك." ابتسم أكثر يهز رأسه بلوع وندم مرددًا: "آه لو كانت مقابلتنا اتقدمت يوم واحد يا غنوة."
تنهد عاليًا ثم قال: "بالنسبة بقا لأني لسه شايفك امبارح وبقولك كده فهو ده الطبيعي، هو كده يا يحصل الانجذاب من أول لقا يا مع السلامة تتحطي في الفريند زون.. تبقى ضمن لستة المعارف أو بالكتير ضمن الصحاب اللطاف... انتي عارفة أنا أعرف لمى من أكتر من خمس سنين عمري ما حسيت بينا كده، ولا حتى أقل." كانت تستمع له بتركيز ثم قالت: "أمال اتخطبتوا إزاي؟! ابتسم ابتسامة باهتة ثم ردد:
"أنا أكتر حد مناسب ليها وهي أكتر حد مناسب ليا وأحنا الاتنين عارفين كده، لاء وعارفين إن كل طرف فينا عارف إنه التاني عارف شعوره." استطاع إصبعه الصغير التسلل لكفها المضموم يفتحه ينظر لها بابتسامة رائعة ثم ردد: "طيب هقولك... إيه رأيك تديني وتدي نفسك فرصة؟ نظرت له بتردد فلاحقها بلهفة في الحديث: "غنوة ارجوكى فكري كويس، واديني فرصة أقرب منك." ترقرق الدمع بعينيها أثر حديثه الذي خطف قلبها، ثم رفعتهم بعبوس تردد:
"بس انت من شوية... قاطعه بلهفة يردد: "حقك عليا، كانت لحظة تهور." صمت يتناول الكف الأخرى وأكمل: "عشان خاطري يا غنوة وافقي." رمشت بأهدابها عدة مرات تنظر أرضًا، ثم رفعت عيناها له تبتسم بحلاوة أثلجت قلبه وأخذ صدره يعلو يهبط مجددًا من فرط المشاعر، يميل على كفها يلثمه بقبلات متعددة، جعلت يدها وجسدها كله يرتعش. فابتسم لرعشتها التي عززت بداخله شعور الثقة والزهو من سيطرته وحضوره اللذان فعلا بها كل هذا.
سعيد جدًا بقبولها فتح بابًا للتواصل بينهما، لو ما كانت تشعر بأي شيء ناحيته لما وافقت، علاوة على احمرار وجهها، لمعان عينيها واحمرار وجهها كله. قطعه عن سحر تلك اللحظة اتصال من ماجد يخبره أنه يريد مقابلته جدًا، ويطلب منه إرسال رسالة له عبر تطبيق واتساب بالمكان المتواجد به. فرد عليه هارون بسماجة: "لأ.. مش فاضي.. وبطل غتاته واقفل دلوقتي."
في العادة كان ماجد يفهم معنى ومغزى تلك النبرة فيستجيب ويغلق الهاتف بعد إلقائه على مسامع صديقه عدة جمل صفيقة، لكن هذه المرة ردد ماجد بتعب وإصرار: "هارووون.. بكلمك جد." ذهب المرح عن وجه هارون وحل محله القلق يردد: "مالك في إيه؟ ماجد بصوت واضح عليه الضياع: "لما أجيلك." هارون: "طيب تمام اقفل هبعتلك لوكيشن." أغلق الهاتف معه ينظر له بقلق، قطعه صوت غنوة تقول: "طيب أنا لازم أمشي."
ظهر الضيق على محياه يسب صديقه ألف مرة، فلولاه لجلست أكثر. حاول الحديث معها يقول: "طيب ليه، استنى أنا حابب أعرفك عليه، ده أقرب صاحب ليا." هزت رأسها تنظر في هاتفها باهتمام وترقب ثم قالت: "مش هينفع لازم أمشي حالًا.. أختي الصغيرة لوحدها في البيت." مط شفتيه بيأس ثم قال: "طيب حتى أوصلك." رددت برفض تام: "لأ طبعًا مستحيل أنا ساكنة في منطقة شعبية، مش ممكن أبدًا، وبعدين صاحبك على وصول." صمت بضيق ثم قال يحاول مط وقت وجودها
معه بأي طريقة ثم قال: "طيب كملي أكلك." ابتسمت لينشرح صدره وهو يسمعها تقول: "هاكل معاك حاجة بسيطة عشان مش عايزة أزعلك." ابتسم بعذوبة، حديثها يربت على قلبه وروحه التي تشعر بالوحدة وهو بلا أهل أو أقارب. جلست تتناول الطعام بهدوء تبتسم له بعينيها الأكثر من رائعة، ثم وقفت بعدما مسحت فمها ويدها تقول: "لازم أمشي بقا." حزن مجددًا يشعر ببرودة غريبة مريبة لمجرد أنها ستغادر، مط شفتيه يقول: "طيب هتروحي إزاي؟ ردت عليه ببساطة:
"أي تاكسي." هارون: "طيب هاجي معاكي أوقفلك واحد." ابتسمت له باتساع تقول: "أوكي." تقدمت بجواره تسير وهي تمنحه ابتسامة رقيقة خجولة ثم تنظر أرضًا محمرة الوجه، وهو لا يزحزح عينيه من عليها حتى خرجا وتوقفت سيارة أجرة سريعًا تزامنا مع توقف ماجد بسيارته. ترجل منها يقترب من هارون يراه يودع فتاة صعدت لسيارة أجرة غادرت سريعًا. تقدم منه تزامنا مع اقتراب النادل يريد إخباره شيء ما، فتحرك له هارون بخفة.
ليصدم الكل بطلقة مجهولة المصدر اخترقت صدره وسقط سريعًا وسط بركة كبيرة من الدماء.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!