تقدم يسبقها ليرى من ذا الذي سولت له نفسه أن يأتي إليها في بيته ويطلب لقياها. وهي كانت خلفه تسير متخبطة، وبالفعل تسأل: من سيأتي لها ببيت هارون؟! وصلا إلى البوابة الحديدية الضخمة التي تفصل بين الشارع العمومي وبين فيلا آل الصواف العتيقة، لتتسع عينا غنوة الجميلة بذهول وهي تبصر أمامها حسن. كيف ولماذا جاء هنا؟ ومن أين عرف أنها هنا تحديدًا؟
أما هارون فقد اشتعلت به نيران الغيرة، تعصف به خصوصًا وهو يرى ذلك الوسيم يقف أمامه عينه على امرأته وينتظرها. على ما يبدو أن أحدهم على وشك ارتكاب جريمة. ما أن أوشكا على الاقتراب منه حتى تقدم حسن يردد: غنوة أنا كنت... لكن قاطعه هارون وهو يقبض على تلابيبه مرددًا: أنت اتجننت ولا مش باقي على عمرك؟ هي حصلت تجيلها لحد هنا... ده أنا هشرب من دمك. بقوة وغضب، فك حسن يد هارون من عليه وقال: لم نفسك واتكلم على قدك.
حاولت غنوة التدخل مرددة: بس يا هارون سيبه عيب كده. نظر لها هارون بغيظ وحديثها لم يثنه عن ما يريد، بل زاد من حدة غضبه وغيظه، يردد من بين أنيابه: انتي تسكني خالص... ليكي روقة... بتدافعي عنه؟ طب اصبري بقا عليا. حسن: ولا أنت عويل يالا ولا تقدر تعمل حاجة. وهارون لم يكن ينقصه كلمات حسن المتحدية له، فبالأساس غيرته نار تحركه. كور قبضة يده كي يسلم بها على وجه حسن الوسيم، لكن صرخة غنوة: خلااااص... كفاية يا هارون...
إيه هتضرب واحد في بيتك. ذكية... بل مذهلة... تستطيع اللعب واستغلال الظروف، ملتفة إلى أدق التفاصيل. فبالفعل كلمتها تلك كانت كفيلة لأن يتراجع هارون عن لكم حسن. الذي قال بغضب أكبر: مستني إيه ما تضرب. زجرته غنوة مرددة بصوت يابس: جرى إيه يا حسن أنت عايزها مجزرة هنا ولا إيه. لكن ورغم خلو صوتها من أي نعومة أو ميوعة، لكن كل ذلك لم يرضِ ذاك المتملك الغيور. ونظر لها بغضب يردد من بين أسنانه: لا أتقصعي شوية كمان كده مش كفاية...
وإيه يا حسن دي؟ بتطقي اسمه ليه من الأساس. لم تكن لتصدق ما تراه عيناها أو تسمعه، ولأي درجة قد وصل هو. لكن حسن لم يسمح بهذه الفرصة أو يعطيهم المساحة، بل قطع عليهم كل ذلك حين ردد: غنوة... أنا عايزك في موضوع مهم. تبًا له... ألا يتعلم أو حتى يتعظ؟ لما يشعل ثورات ذلك البركان وهو بالأساس على وشك الانفجار. وبجملته تلك فجره. فنسي هارون أي شيء وكل شيء وانقض عليه كي يبرحع ضربًا: غنوة؟ غنوة؟
اسمها ما يتنطقش تاني على لسانك، أنت سامع. لكن حسن لا يقل عنه قوة ولياقة، وتفادى الكثير من ضرباته وسدد له البعض في مشادّة تحولت إلى شجار عنيف. حاولت غنوة بإستماتة فصله. وهارون مازال يردد: غنوة وعايزك في موضوع... الاتنين في نفس الجملة؟ ده انت واخد حبوب شجاعة بقا. جذبت غنوة هارون لعندها بأعجوبة وقالت: بسسسسس. كان هارون يتنفس بسرعة وغضب، وهي تقول لحسن: قولي كنت عايز إيه وإيه جابك لهنا. حسن: مش قبل ما أربيه وأعلمه الأدب.
تقدم هارون كي يلكمه مجددًا: تربي مين ياض... تربي مين ده أنا... قاطعته غنوة تحاول إنهاء تلك المهزلة: قول يا حسن كنت إيه؟ تذكر حسن مهمته الأولى والأهم من العراك مع ذاك التافه جدًا من وجهة نظره، فلمعت عيناه وهو ينظر لغنوة ثم قال: عايز عنوان بيت نغم. بدأ هارون يستغرب نوعًا ما، وغنوة صدمت لثوانٍ ثم تحدثت: ما أنت عارف... دي رجعت ألمانيا. تراقص الدمع في عينيه وقال بينما ينظر أرضًا محاولًا إخفاءه وإخفاء
ضعفه المفضوح أمامهما: هسافر لها... هروح وراها إن شاء الله أروح الصين... مش هسيبها يا غنوة... أنا... أنا بحبها... من يوم ما مشيت وأنا مش أنا. نظرت له غنوة بضيق وغيرة ثم قالت: أنت تعرف إن أنا مش طايقاك. كان لا يزال ينظر أرضًا لا يقوى على رفع عينيه بها خصوصًا بعد كلماتها تلك، لكنه رد عليها: عارف... عارف إن نغم سافرت بسببى. ردت عليه غنوة بضيق شديد: لولاك ولولا موقفك السلبي معاها وشخصيتك الضعيفة كان زمانها معايا دلوقتي.
حسن: عندك حق... أنا غلطان وغلط كبير كمان... بس صدقيني ناويت أصلحه... أنا كلمت حد من صحابي يشوف لي فيزا وهبيع اللي ورايا واللي قدامي وأسافر لها، يمكن ده يعفر لي عندها شيء من اللي عملته. تراجع هارون عن غضبه وغيظه في ظل كل ما سمعه للتو، فقد أصبح من ظنه عدو ما هو إلا زميل... كلهم واحد في كار العشق. حنّ صوته قليلاً ووجه حديثه لحسن: ولا... مش محتاج أي مساعدة؟ أنا أعرف حد ممكن يخلص لك كل حاجة بسرعة.
لكن حسن سيظل حسن حيث رد عليه قائلاً: كفى نفسك. زم هارون شفتيه يحاول كظم غيظه ثم قال له: تصدق أني غلطان وابن كلب عشان فكرت أساعدك. أوقفته غنوة بعدما بحثت في هاتفها مطولًا ثم قالت: أهو... ده العنوان. دونه حسن على هاتفه ثم قال لها: شكرًا. نظرت له غنوة بعدم تقبل ثم قالت: لو مش قد الخطوة دي الله يخليك بلاش تاخدها... نغم مش ناقصة. حسن وبعينيه إصرار شديد: مش هسيبها... مهما يحصل يا غنوة... نغم ليا أنا وبس. هم كي ينصرف
لكنها استوقفته مرددة: أنت عرفت مكاني منين؟ حسن: أهل الحارة كلهم تقريبًا مالهمش سيرة غيرك... سلام. غادر سريعًا وغنوة تردد: يا مصيبتك يا غنوة اتفضحتي... عم صالح اتفضح وسط الحتة كلها. التفتت لهارون كي تلقي على عاتقه كل التهم، لكنها وجدته متيبس الوجه، مظهره مخيف. ثم قال بهدوء: ممكن أفهم بقا في إيه؟ غنوة: زي ما سمعت. هارون: قولت انطقي. غنوة: أنت كمان هتعلي صوتك عليا مش كفاية اللي عملته... أنت إزاي يا بني أنت تعلم كده.
جذبها هارون من مرفقها وسار بها للداخل يردد: لااا... ده انتي يظهر كده الأدب مش نافع معاكي... اتقضلي معايا بقا. كان يجرها خلفه وهي تتحرك بخطوات واسعة كي تجاري خطوات قدميه الواسعة رغما عنها حتى دلفا للداخل حيث كان كاظم يجلس مقابل أشجان. وكانت الصدمة من حليف غنوة وحتى هارون حين وجد أشجان تجلس بجواره أرضًا وهو يتحدث لها وبيده صورة لشخص يحكي تقريبًا لها قصته. أشجان: لأ لأ يا أخويا لأ...
كفاية حاكم إني دمعتي قريبة ومش بتحمل... قطعت قلبي. همست غنوة لهارون بذهول: هو في إيه؟ رد عليها هارون كذبًا: ما أعرفش... ومش مهم أعرف دلوقتي... خلينا فيكي انتي يا هانم... قدامي على فوق. دفعها للأمام أكثر من مرة يوجهها حيث غرفته الواسعة. دفشها برفق للداخل ثم دلف هو الآخر وأغلق الباب من خلفه. تراجعت خطوات للخلف تراه وهو يغلق الباب فتقول: إيه؟ في إيه؟ أنت بتقفل الباب كده ليه؟
كانت تتراجع للخلف بينما هو يتقدم منها بخطوات بطيئة مثيرة حتى اقترب منها وبات كل منهما يتنفس أنفاس الآخر. ابتسم بإنتشاء وهو يشعر بتذبذب وتوتر جسدها مما يدلل على تأثرها به... بل تأثر شديد وليس عادي. زاد من ضغطه عليها حين اقترب منها يلامس وجنتها اليسرى بشفتيه يمررهما عليها حتى وصل لأذنها ببطء وإثارة ثم همس لها بنبرة ساخنة: وحشتيني... إيه... ما بتفهميش؟ طب بلاش، ما بتحسيش؟
تلك اللحظات الفاصلة طوال طريق شفتيه من وجنتها لأذنها كانت كفيلة لإذابة كل الجليد الذي حاولت التحفظ عليه ليكون سلاح ردع ضده وضدها إذا لزم الأمر. ذابت بين يديه وهو يشعر بإنصهارها الذي أثلج قلبه وأكد له كل ظنونه. ضمها له وهو يردد: ليه بتبعدي وأنا عايز نقرب... قولي إيه يريحك وأنا أعمله. استمر في همسه المثير بينما يده امتدت تفكك حجابها وتكمل: بس قولي أي حاجة ما تفرقنيش عنك. ابتعد عنها ينظر لها نظرة كاملة بعدما حرر
خصلاتها الغزيرة يردد بوله: أنا مش هايب الموت. قبض وجهها بين كفيه وأردف: وكنت يوميًا بتعرض للقتل ولا مرة فكرت أعين حراس. أخذ نفس عميق وحرر وجهها يمد ذراعيه يضمها كلها لأحضانه وهو يهمس بجوار أذنها: بس دلوقتي غير... كل حاجة فرقت لما دخلتي حياتي. زاد من ضغط ذراعيه يضمها له وكأنه يطبعها على جسده يسحق عظامها: أنا عايز أحافظ على حياتي على قد ما أقدر، عايز أعيش كتير أوي، عمر طويل... عشان أعيشه معاكي.
كانت تتحرك طواعية بين ذراعيه يقلبها كيفما يريد وجسدها ينصاع لمالكه منفذًا. إعلان غير مصرح، لكنه الأقوى من نوعه... لن يفيد ما سيردده اللسان منكرًا. هارون مالكها ومليكها وهي فقط تكابر. ابتسم بخفة لشعوره بكل هذا واقترب منها يقبلها وهو يبدأ في فك أزرار قميصها وتتسلت يداه تدريجيًا إلى مقدمة عنقها ثم إلى مقدمة نهديها. *** كان كاظم يقترب من أشجان رويدًا رويدًا وهي تردد: إثبت مكانك لا تولع.
توقف على بعد أقل من خطوة يمد يده ناحية سرواله فاتسعت عيناها بصدمة وذهول تردد: أنت بتعمل إيه يا جدع أنت... جرى لمخك حاجة ولا إيه؟ لكنه كان مستمرًا وهي تصرخ: قسما بالله أصوت وألم عليك الناس. لتتفاجأ به يخرج هاتفه من سرواله يشهره في وجهها على صورة إحداهن. نظرت له بتذبذب ثم قالت: استغفر الله العظيم... شوف وأنا اللي فكرتك.... بطرت باقي حديثها وهي ترى اختفاء العبث من عينيه واحتل مكانه سحابة من
الحزن الصامت فرددت بخفوت: أنا مش عارفة آخرة دماغي القذرة دي إيه... استغفر الله العظيم. كان صمته غريبًا بالنسبة لها، فنظرت له بتردد ثم سألت: مين دي؟ جاوبها على الفور بكلمة بحزن أكبر: دي تقى... بنتي. اتسعت عيناها بصدمة وضربت على صدرها تردد: أنت عندك بت، وعروسة كده إسم الله. هز رأسه وهو ينظر عبر الهاتف لصورة تقى بينما يردد مؤكدًا: أيوه... عندها عشرين سنة.
كانت تنظر له بذهول وترقب، فيما التفت هو خارت قدماه فجلس أرضًا وما زال ينظر لصورة ابنته بحزن. وأشجان تراقبه وهي لا تفقه شيئًا وتريد إشباع فضولها، فتقدمت تجلس لجواره وبداخلها بعض الشفقة ناحيته ثم سألت: وهي فين يا خويا؟ جاوبها بصوت مهزوز: عايشة مع أمها. أشجان: انتوا اتطلقتوا من كتير؟ أغمض كاظم عينيه ثم جاوبها بعد أن زفر نفسًا عميقًا مثقلًا: من عشرين سنة بردو. أشجان: هو انتوا كده دايما؟ ما بيعيشلكوش نسوان؟ نظر
لها كاظم بطرف عينه ثم قال: هي اللي ما تتعاشرش. أشجان: شوف مين اللي بيتكلم؟ كاظم: عندك حق... أنا ما فيش حاجة علمتني الأدب غير رميتي في السجن... هارون فاكرني زعلان منه، ما يعرفش إن الود ودي أروح أبوس دماغه على عملته دي، هي اللي فوقتني. عاد لينظر أرضًا بحزن ثم ردد: بس بعد فوات الأوان... بعد ما كنت خسرت بنتي. رغم عن أشجان تعاطفت معه وظهرت طبيعتها التي لا تتخير عن سيدات حيها، وبدأت
تربت على كتفه وهي تردد: ليه بس بتقول كده كفا الله الشر؟ هي جرى لها حاجة؟ كاظم: اتجوزت غصب عنها. شهقت أشجان سائلة: إزاي وليه؟ كاظم: اللي حازز في نفسي إنها جت تستنجد بيا لأول مرة في حياتها وأنا خذلتها. على الفور تشنج وجه أشجان وابتعدت عنه لإنها تردد في وجهه بامتعاض: إخص الله يخيبك. زادت معالم الحزن على وجهه وهو ينظر لها بجانب عينه ثم عاود النظر لصورة تقى. عضت أشجان باطن فمها من الداخل ثم قالت: طب هي اتجوزت مين؟
رد كاظم بصوت مختنق: إلوريث. أشجان: إيه؟ وريث إيه؟ عاد برأسه للخلف ثم قال بحزن: وريث إمبراطورية شديد... تسمعي عنها؟ جعدت أشجان ما بين حاجبيها وهي تردد: بيتهيألي. كاظم: ده يا ستي يبقى ضياء عاصم شديد... ابن اخت طليقتي... وابن خال تقى. أشجان: طب ما حلو ده، يبقى بيحبها. نظر لها كاظم بجانب عينه ثم ضحك مهمومًا وعلق ساخرًا: هههه والله ضحكتيني، لا بيطيقها ولا بتطيقه... دول جوزوها له عشان يربطوه ويضمنوا رجوعه.
أشجان: إزاي الكلام ده؟ تنهد كاظم ثم قال: كان بيتعلم برا وبعدها شبت في العيشة هناك... جت على هواه، راح عشان ياخد الليسانس من هناك، الأربع سنين بقوا عشرة. رمشت أشجان بأهدابها عدة مرات بتخبط ثم سألت: أنت يا راجل أنت عايز تجنني؟ منين بقاله عشر سنين برا ومنين اتجوزوا وامتى أصلا وبنتك كلها على بعضها عندها عشرين سنة؟ كاظم: اتجوزوا من سنتين، أبوه جوزها له بتوكيل منه وهو برا. أدمعت
عيناه وردد بصوت مشروخ: مش هقدر أنسى نظرتها ليا والدموع في عينيها وهي بتبص لي... كانت مكسورة، كانت بتبص لي تقولي الحقني حتى لو على آخر لحظة بس أنا ما عملتش أي حاجة، خذلتها... لدرجة... لدرجة إنها ما كانتش عايزاني أبقى وليها، وطلبت جدها يكون وليها مكاني. أجهش في بكاء مرير تراه أشجان لأول مرة وهو يكمل: ابن الكلب كسرها ورفض حتى يفتح فيديو يحضر كتب الكتاب ولا حتى يشوفها. أشجان: لأ لأ يا أخويا لأ...
كفاية حاكم إني دمعتي قريبة ومش بتحمل... قطعت قلبي. صمتت لثوانٍ ثم أكملت: بس ربك والحق ماتواخذنيش يعني... إنت غلطان. رفع عينيه لها ثم أكمل: عارف وماليش عين أتكلم... أنا حتى ماليش عين أشوفها، بس... بس هي طلعت أحسن مني وكانت بتيجي تزورني في السجن والمستشفى. أشجان: بنت حلال والنبي... فيها الخير... بس أنت ما قولتليش يا خويا، الولية أمها مالهاش عين تشوف وتميز إن بنتها مش ميالة للجوازة دي؟ دول حتى بيقولوا البت سر أمها.
رد عليها كاظم بأسى: أمها؟ ههههه، دي خطة عمرها وما صدقت إن كل ده حصل. لكزته أشجان في كتفه ورددت: ما انت بردك غلطان، إن ما كانش الأب هو اللي ينجد بنته في المواضيع اللي زي دي مين ينجدها ها؟ أسدل كاظم جفنيه بتعب ثم قال: البت كانت داخلة في حوار كبير... حوار كبير أوي... وجوازها من ابن خالها هدى اللعب حبة. أشجان: أنت بتتكلم بالألغاز كده ليه و... صمتت فجأة حين استمعت لصوت غنوة. *** بالأعلى عند هارون وغنوة.
كانت بين يديه قطة نعمة تتسمح به وتطلب المزيد وهي مغمورة في سيل قبلاته التي لم تتوقف. لتنتبه فجأة مصدومة، حين انسلبت يداه على جلد بشرتها الغضة من صدرها إلى معدتها المسطحة. لقد فكت أزرار قميصها وبقي مفتوحًا أمام ناظريه. كارثة بكل المقاييس، ابتعدت عنه مجفلة تحرر نفسها منه لتدرك هيئتها المزرية.
لقد فُك حجابها وانسدلت خصلاتها حتى تشعثت حول وجهها وعنقها وانخلع عنها المعطف وبقيت بقميصها الذي لم يسلم من العبث وفتحت كل أزراره أمام عينيه الجائعة المتلهفة. لتنتفض مذعورة تحاول لملمة مشاعرها المبعثرة وهيئتها المزرية تغلق ملابسها بسرعة وعدم ترتيب. وهارون يدرك موقفها يحاول إعادتها لما كانا عليه فيردد بلهفة: رايحة فين؟ جاوبته بخوف وتخبط: أوعى يا هارون سيبني.
لكنه تمسك بها وقال: مش هسيبك، أنتي مراتي، تعالي نكتب الكتاب ونتجوز... أنا بحبك يا غنوة. لكنها كانت ما تزال تحاول لملمة شعرها بأناملها المرتعشة: أنا لأ. وثب سريعًا يقف أمامها بصدره العاري لتنتابها القشعريرة في كل جسدها خصوصًا حين ردد: أنتي كدابة يا غنوة... أنتي بتحبيني وأنا عارف... أنتي ما شوفتيش كنتي إزاي بين إيديا... ما شوفتيش لهفتك عليا، انتي مني يا غنوة وأنا منك.
أخذت تهز رأسها بتوتر وخوف، مصدومة من فداحة فعلتها وزاد عليها هو حين واجهها بالحقيقة فعلاً وقولًا. مما جعلها تفر هاربة سريعًا تهبط الدرج متخبطة في الجدران وهو يركض خلفها يحاول اللحاق بها حتى قبض على عضدها يجذبها منه: انتي ليه بتعملي كده؟ إيه اتخضيتي من نفسك؟ وإنك أنتي عايزاني وبتكابري، عايزة قلب أبوكي؟ تعالي وعيشي جنبه. كانت بحالة مزرية جدًا تردد بلا تركيز: أنا مش عايزك ومش بحبك ويوم ما أفكر أتجوز مش هتجوز واحد زيك...
أنا مش ناسيه كل اللي قلته عني، واللي حصل ده غلط... غلط كبير أوي... أنا أستحق العقاب عليه. شدد عليها يردد: أهدى... أهدى وبلاش في لحظة عصبية تقولي كلام كله غلط. لكنها صرخت فيه وقالت: اسمع... أوعى تكون فاكر إنك هتكسر عيني عشان لحظة ضعف، أنا همشي من هنا حالا... بلاش خيالك وغرورك يصورا لك حاجات مش حقيقية... أنت ولا حاجة أصلاً ولا حاجة ويوم ما أتجوز هتجوز واحد يليق بيا. تفاقم الغضب بداخلها وردد: تتجوزي؟
انتي عقلك في مخك وانتِ بتقولي الكلام ده؟ غنوة: أيوه... ومش بعيد أعزمك على الفرح ولا أقولك... أنا هخليك وليي، ما انت بقلب أبويا بقا. انتهى الحديث العادي والصبر كله وتقدم منها يردد بتهديد واضح: اللي قولته ده أنا هحاول أعمل نفسي ماسمعتوش لمصلحتك وعشان ده يحصل اطلعي دلوقتي على أوضتنا أحسن. وهل هي مجنونة كي تعود بنفسها، وهي التي كلما تذكرت ما فعلت رغبة بدفن نفسها حية. نزعت ذراعها من قبضته القوية وهمت كي تتحرك مغادرة، لكنه
استوقفها بقوة أكبر يردد: أنا سكت لك كتير وعديت كتير بردو بس لو خرجتي دلوقتي من الباب ده أنا مش عارف أنا ممكن أعمل إيه، بلاش تعادي هارون الصواف، فبكل هدوء ارجعي أوضتنا وخليني نتفاهم. أخذت تهز رأسها بطريقة هستيرية أظهرت ضعفها الشديد بحضرته والتي لم تستطع إخفائها عنه كثيرًا مما زاد من فرحته وإصراره على محاولة التفاهم معها.
أقترب منها يفتح لها أحضانه مرددًا: بلاش مكابرة يا غنوة إنتِ عايزاني والله ما مصبرني على قلة أدبك وظفارة لسانك غير كده. ما أن تلامس صدره العاري مع جسدها حتى انتفض جسدها نتيجة لإشعار تلقاه من عقلها ينذرها ألا تفعل، فهي بحضرته راضخة بالفعل. دفعته بقوة ليبتعد عنها وفرت تهبط الدرج سريعًا هاربة وأشجان تهرول خلفها تحاول فهم ما حدث. بينما هارون يردد متوعدًا: لو خرجتي من باب البيت مش هيحصل خير.
لكنها لم تستمع له، ترى أنها لو بقيت لن يحدث خير أيضًا، لذا أسرعت مغادرة وأشجان خلفها تستوقف أول سيارة أجرة وتصعد فيها مع أشجان التي تريد الاستفسار عن ما جرى. *** تقدم ماجد يصعد الدرج بسرعة رهيبة وهو يستمع لصوت استنجادها الصارخ الذي توقف فجأة مما زاد من رعبه عليها. دفش الباب بقدمه وتقدم ليصدم بفلاديمير المسجى أرضًا وهنالك شق برأسه تسيل منه الدماء.
رفع أنظاره بلهفة ليبصر حبيبته تحمل بيدها شمعدانًا من النحاس وصدرها ينتفض من تسارع وتيرة نبضاتها وأنفاسها المتلاحقة. اقترب منها كي يضمها له مشتاقًا قبل أن يطمئن وهو يردد: حبيبتي فيروز... أخيرًا رجعتي لحضني تاني. سكنت في أحضانه لثوانٍ لا تعرف هل بسبب رعبها مما حدث منذ قليل أم إنه الاشتياق، لا تعلم أو... لا تريد أن تعلم. لكنها دفعته بعيدًا عنها متجنبة عن عمد النظر داخل عينيه بعينيها، مانعة التقاءهما كعقاب بسيط.
حاول جذبها مرة أخرى يقول: حقك تزعلي مني، ممكن لما نرجع مصر تعملي كل اللي انتي عايزاه بس نطلع من المصيبة دي... انتي عملتي فيه إيه؟ قالها مشيرًا إلى جسد فلاديمير الملقى أرضًا. انتظر إجابتها التي لم تكن لتخرج، فيروز خصامها صعب جدًا، أصعب حتى مما يتخيله هو. قطع كل ذلك صوت تأوه فلاديمير الذي بدأ يقف بتخبط بمساعدة من رجاله. انتاب الخوف فيروز من جديد فيما صلب فلاديمير طوله بصعوبة يضع كفه موضع جرحه مرددًا: آآآه... جيد...
جيد جدًا صغيرتي... فقد كنت ثمل... آآآه لكن يبدو يدك ثقيلة قليلاً؟ أرجو أن يقل ثقلها في المستقبل، لكن لا بأس، عمل جيد... جيد جدًا... آآآه... أوه لقد حضر صهري العزيز. قال جملته الأخيرة وهو يبصر ماجد يقف أمامه بجوار فيروز. ليتحدث من جديد: جيد أيضًا، الآن نستطيع إنهاء كل مراسم الزواج. اجتاح الغضب جسد ماجد كله لكنه حاول السيطرة عليه وأن يتمسك بالصبر والحكمة ريثما يستطيع الفرار بحبيبته من هنا على الأقل، لذا اغتصب ابتسامة
عريضة على شفتيه وردد: لكن أعتقد أن لنا حديث طويل أولاً سيد فلاديمير. فلاديمير بأعين تلمع بالغموض: وأنا أيضًا أعتقد ذلك صهري العزيز، ولكن، يخيل لي أن الحديث لن يكن بغرفة زوجتي، أليس كذلك؟ صك ماجد أسنانه في الخفاء ثم قال مبتسمًا: نعم. فلاديمير: إذا... عمت مساء الآن وفي الصباح لنا لقاء آخر. قالها وهو يشير إليه للخارج كي يتقدم معه فسارا سويًا وخلفهما رجال فلاديمير الذي
التف برقبته يقول لفيروز: أغلقي عليكِ الباب جيدًا يا حلوتي. ما أن غادر الجميع حتى ارتمت بثقلها على الفراش لا تعلم ماذا سيحدث معها، لكن الشيء الأكيد هو أن خلاصها مع ماجد على الأقل سيعيدها إلى بلادها وهناك تستطيع التصرف على عكس التواجد ببلد غريبة كليًا مع رجل العصابات هذا. *** صباح يوم جديد على الجميع.
في حي الغورية تقدمت أشجان وهي تحمل في يدها صينية مستديرة عليها كوبان من مشروب الشاي بالحليب لجوارها بعض المخبوزات المصنوعة من السمن البلدي. وضعتها أرضًا لجوارها في الشرفة ثم جلست لجوارها تنظر على المارة ثم تنهدت تنظر لها مرددة: بردو مش هتقوللي حصل إيه؟ أسدلت غنوة جفنيها ثم قالت: مش كل حاجة ينفع تتحكي. أشجان: يا بنتي أنا بقالي 3 أيام من ساعة ما خرجنا من عند اللي ما يتسمى وأنا عمالة أسألك مش بتردي.
التفت غنوة تنظر لها بحزن وكادت أن تتحدث لولا رنين هاتفها يعلن عن وصول رسالة جديدة فتحتها ليتحول وجهها من الهدوء للغضب. فسألت أشجان: في إيه؟ غنوة: أمممم... بدأ اللعب القذر أهو. جعدت أشجان ما بين حاجبيها وسألت: لعب إيه يا بت ومن مين؟ لكن انتفضت كل منهما على صوت صراخ قادم من أحد البيوت. أشجان: يا ندامتي... ده صوت الولية أم حسن... تعالي نروح نشوف في إيه. *** في قصر فخم وكبير استيقظت تلك الصغيرة على صوت رنين هاتفها.
أزاحت شرشف السرير من على وجهها وجاوبت على الهاتف بخمول: ألو. أتاها الرد من صوت أنثوي غاضب: انتي لسه نايمة يا تقي هانم، اصحي كده وفوقيلي ما أنا مش هيتحرق دمي لوحدي. استقامت تقى بنصف جلسة على الفراش ثم قالت: إيه اللي حصل على الصبح يا نادين. نادين: اللي حصل يا باردة إن سيادتك نايمة وأنا عمالة أتعارك مكانك. هزت تقى رأسها باستغراب وقالت: عشاني أنا؟ مع مين؟ ولا ليه أصلًا؟
نادين: مع باقي شلة النادي بسبب صور البيه اللي المفروض إنه جوزك... منزل صورة ليه وسط مليطة حريم في أسبانيا وكام واحدة بقا نزلوا تريقة على جروب الواتساب... انتي مش فاتحة ولا إيه. ردت تقى بكلمة واحدة: ومش هفتح... سلام يا نادين. أغلقت الهاتف في وجه نادين التي ما زالت تصرخ في وجهها، ونظرت أمامها بأعين باردة أو أصبحت تتقن البرود. لتستقم بعدها واقفة تستعد لتبديل ملابسها.
بينما في نفس القصر لكن بالأسفل حيث غرفة مكتب الجد جلس على مكتبه وبجواره ابنه الكبير يصرخون في وجه حفيد تلك العائلة عبر شاشة الكمبيوتر: مش هتتلم بقا... وعلى الملأ يا وسخ... طب راعي شعور مراتك... ده انت متجوز قمر. ليجيب ضياء ببرود شديد: قمر؟ ضحكتني والله يا جدي... هههه هي تقى العجلة أم حبوب شباب وشعر متنتف قمر... دي بشعة... حتى عشان كده مش حاطة ولا صورة ليها على أي تطبيق حتى الإنستجرام. الجد: ده لما كانت عيلة صغيرة...
دلوقتي كبرت وأحلوت أوي... انت بقالك عشر سنين ما شوفتهاش... أنت مسافر وهي لسه عيلة ومن يومها ماشوفتهاش. ضياء بنفاذ صبر: جدي لو سمحت... أنا خلاص عملت اللي طلبته مقابل اللي أنا عايزه فخلاص محدش بقا كل شوية يقعد يعمل كده ويضايقوني... وأه أنا اللي مش عايز أشوفها... أنا لازم أقفل دلوقتي عندي شغل... سلام. أغلق هو المكالمة من جهته لينظر الجد ناحية ابنه ثم يقول: شكلنا غلطنا غلطة عمرنا يا عاصم.
قطع كل ذلك دقات خفيفة على الباب وبعدها دلفت تقى بجمالها الهادئ وشعرها الطويل يتحدى حديث ضياء عنها بتحدٍ سافر، فتلك الطفلة الصغيرة هي الآن على النقيض تمامًا بتلك الآنسة الحسناء... بشرتها بيضاء لامعة ووجنتاها منتفخة وقوام ممتلئ بمنحنيات مثيرة يبرزه تناسق ملابسها العصرية. ابتسم لها الجد وقال: تعالي يا تقى يا حبيبتي. تقدمت بهدوء ثم قالت: جدو أنا عايزة أطلق.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!