دلف للبيت يجر قدميه جرا. كل شيء أصبح يزيد الثقل على صدره وهو من الأساس منهك القوى، متعب القلب، لا يوجد شيء مبشر أبداً.
صعد الدرج وقد بلغ تعبه ذروته حتى وصل لحلقه. مر من على غرفة تلك الساحرة الشريرة صاحبة العيون الرمادية والخطط الجهنمية. أطبق جفنيه بقوة يرغم قدميه على التحرك بعيداً ناحية غرفته. هو بحالة غير جيدة إطلاقاً ولا يضمن ردة فعله، خصوصاً أن تلك الجميلة غير هينة إطلاقاً. يجب أن يكون منافسها دائماً يقظاً فطيناً وإلا ستأكله.
فعلى ما يبدو هي تعلم ما تفعله جيداً ولا سبيل للمزاح أو العبث. إذاً من الجيد تجنبها الآن حتى يستعيد كل تركيزه. يجب تجنبها فهو بحضرتها لا يفقد تركيزه فقط بل يفقد عقله وثباته الانفعالي. تتحرك داخله مشاعر هوجاء ستقوده للجحيم حتماً.
دلف لغرفته يغلق الباب وهو يستند عليه مغمض العينين بأرهاق يفكر. ساحرته هي.. وهي تعلم، تعلم ما يشعر به في حضرتها. هي بنفسها كشفت لعبتها له بمنتهى الوضوح وكأنها.. وكأنها تتحداه ألا ينهار أمام جمالها، واثقة من قوة تأثيرها. السؤال هنا والذي راوده بقوة.. كيف وصلها شعوره وجعلها واثقة منه بكل ذلك التأكد؟ فلأن هو لم يواجه نفسه ولم يسألها ماذا يريد منها. يجب أن...
قطع تلك اللحظة الضرورية والفاصلة في حياته خروج ندى من المرحاض تلتف برداء ما بعد الاستحمام الأبيض القطني. تجلس على حافة الفراش تضع كريم مرطب على جلدها تردد دون النظر لوجهه: خلصت لف مع البتاعة دي، ياريت تلبس بسرعة عشان خطوبة ابن خالته. أخذ نفساً متعباً، مرهقاً وردد بفتور دون أن ينظر لها: تتكلمي عنها كوبس بعد كده، فاهمة؟ هبت من جلستها تردد:
انت بتكلمني أنا كده عشان واحدة من الشارع لا نعرف لها أصل ولا فصل، لمجرد كلام عبيط أي حد ممكن يألفه عادي، تضمن منين أن البنت دي مش نصابة؟ أبوك مثلاً عمل DNA؟ التف ينظر لها بأعين لامعة، وكأنها أهدته حلاً رائعاً، يبتسم لها وهو يسأل أين غاب ذلك الحل عن عقله. ابتسم لها يردد وهو يتقدم يميل عليها يقبل رأسها: براڤو عليكي، أنا إزاي فاتتني حاجة زي دي. رفعت رأسها بكبر ثم اهتز ثباتها لثوانٍ تسأل:
أنا سمعت إن هارون صاحبك اتعرض لمحاولة قتل وحد حطله سم في العصير. رفع عينيه التي يملأها الازدراء والمقط يشملها من أصابعها حتى رأسها بنظرة مشمئزة: ما شاء الله، وعرفتِ كل الأخبار وانتي قاعدة مكانك! ارتبكت بوضوح تستدير تعطيه ظهرها كي تخفي عليه ارتباك ملامح وجهها تردد: ال..الل..النادي كله بيتكلم عنه.. انت عارف، هارون نجم مجتمع والكل بيتكلم عنه.
أغمض عينيه يهز رأسه بتعب وابتسامة سخرية تتشكل على شفتيه ببطء. حتى المواجهة لا يريدها، لا يهتم حتى. تقدم يجلس على عقبه بعدما جلست فجلس أمامها يمسك أطراف شعرها كأنه يتأملها شارد بها ثم سأل مباغتة: قوليلي يا ندى. انتبهت له تتوقف عن دهن قدماها فسأل: انتي اتجوزتيني ليه؟ مطت شفتيها بملل، تتوقعه سيتكلم بشيء مهم نوعاً ما، نظرت له باستخفاف وردت: إيه مناسبة السؤال ده. وقف يظهر طوله الفارع ينظر لها من أعلى ويقول:
مناسبته أني ولا مرة سألتك انتي اتجوزتيني ليه؟ ابتسمت بتهكم ترفع حاجبها الأيمن وتباغته هي: وأنت اتجوزتني ليه يا ماجد؟ ابتسم هو الآخر يردد بثبات درامي: الحب يا ندى، الحب.
ثم ولاها ظهره وغادر تاركاً الغرفة. حاول، يدعو ويبتهل ألا يصادف تلك الداهية الجميلة الآن، يجب عليه تجنب رؤيتها. بحضرتها تنهار كل حصونه وهي على ما يبدو باتت تعلم وتستغل ذلك جيداً، بل وتحسن فعله، لذا يجب عليه تجنبها حتى يخطط ويرتب للقادم فهي خصم يحتاج لتخطيط، يقسم ألا يخسر أي شيء. ابتسم وقد اقشعر جسده لمجرد التخيل يكمل حديثه مع نفسه "خصوصاً هي". صباح يوم جديد.
وقفت غنوة تنهي ارتداء ثيابها تنظر لها نغم بتأمل. فعلاً تنسيقها لملابسها مثير للإعجاب، لحسن كل الحق كي يعجب بها. تنهدت بحزن على ذكر سيرة حسن، لا تستطيع نسيان صدمته الكبرى وحرجه من تلك الطريقة التي تحدثت بها معه، كانت فظة إلى درجة كبيرة، لم يكن يستحق على أي حال.
رمشت بجفونها ترى غنوة قد انتهت من ارتداء فستان من الكروشيه لونه أصفر بدرجة مريحة للعين وعليه جاكيت جلد من اللون الأخضر. مالت أرضاً تجلب حذاء جلدي ذو كعب باللون الأخضر أيضاً. ابتسمت لها في المرآة وهي تلاحظ نظراتها من خلفها من خلال انعكاس صورتها تبتسم، فابتسمت غنوة بحنان وتوقفت عن لف حجابها تستدير لها ترى تشوش وتخبط بعينيها، يظهر عليهما التيه والحزن أيضاً. كذلك نومها المتواصل لساعات جعل الشك والخوف بقلبها يزداد، تعرف هذه النوعية ممن يهربون من مشاكلهم وحزنهم بالنوم.
اقتربت تجلس لجوارها على الفراش تردد بابتسامة حنونة: تعرفي أنك قعدتي معايا أسبوع ولحد دلوقتي ولا مرة كلمتيني عن نفسك، مع أني حكيت قدامك حكاية هارون. ضحكت نغم وقالت وهي تغمز بعينيها عبثاً: بس ما قولتيش كل حاجة على فكرة، ولا فاكراني مش واخده بالي. ضحكت غنوة وكذلك نغم التي أكملت: بس أنا قولت أسيبك للوقت اللي تحبي تحكي فيه كل حاجة، برضو إحنا بني آدمين ومهما كان الشخص قريب مننا بس. صمتت لثوانٍ ثم ترددت شارده:
في لحظات حلوة وخاصة جداً، ساعات بنحب نحتفظ بيها لنفسنا... إحنا وبس. عاودت النظر لغنوة تكمل جدياً مبتسمة: وده أبسط حقوقك على فكرة. شملتها غنوة بنظرة واحدة وهي تبتسم ثم قالت: ياترى مين فينا الكبير أنا ولا انتي، إيه النضج والعمق ده؟ ضحكت نغم ثم رفعت حاجبها تردد: اممم بتزوغي صح؟ بنفس الشكل تبعاً لعوامل وراثية رفعت غنوة حاجبها أيضاً تردد: اممم لو في حد بيزوغ هيبقى انتي يا نغومتي، أنا اللي سألت، انتي ما كنتيش بتسألي.
حمحمت نغم تستدرك حالها ثم رمشت بأهدابها تقول: ها.. آه، كنا بنقول إيه؟ أكملت غنوة بتسلية تتلكأ في كل حرف وهي تعيد سؤالها بصيغة أخرى: كنت بسألك عن نفسك وحياتك، وكمان عايزة أعرف إيه اللي حصل معاكي وليه عاملة تنامي كتير كده كإنك من اللي بيهربوا من زعلهم في النوم؟ لا تعلم ما حدث لكنها قالت بمراوغة: انتي دلوقتي هتتأخري على شغلك، كفاية إنك ماروحتش امبارح اللي هو أول يوم، كمان عايزة تتأخري النهاردة؟! قومي يلا بلاش لعب.
ابتسمت غنوة تردد بتسلية وإعجاب: لأ براڤو، بتزوغي تاني. حمحمت نغم ثم قالت: لأ مش بزوغ وهحيلك، إيه رأيك نخرج أنا وانتي النهاردة، انتي عارفة أنا ماعرفش لسه حاجة هنا وكمان فرصة نخرج مع بعض. صمتت ثوانٍ وأكملت بخبث: كمان ماليش مزاج إنك تروحي النهاردة للشخص ده. صمتت تضيق عينيها بتذكر تسأل: أأ.. هو كان اسمه إيه؟ غنوة: هارون. ضحكت نغم وقالت: لأ اسم مميز.. أأأ ..سمعت الاسم ده قبل كده حاجة كده ليها علاقة بالستات برضو.
ضحكت غنوة هي الأخرى تردد: أيوه هارون الرشيدي، بس لعلمك التاريخ جار على حق الراجل ده وركز على ذكر علاقاته بس هو كان حاكم محارب وله فتوحات كتيرة مش دايماً التاريخ بيبقى صادق، في حكام كتير وكمان شعراء وأدباء ظلمهم النقاد والمؤرخين لأهداف مالية وكمان سياسية وفكرية فماتاخديش معلوماتك منهم. نغم بسأم:
ايييه.. ده كلام كبير، أنا واحدة مخها على قدها ماحبش أدخل الحاجات العميقة دي، المهم إنك هتخلصي شغلك ومش هتروحي عنده النهاردة.. اوكى. ابتسامة شيطانية تكونت على شدق غنوة بعدما فهمت على شقيقتها ورددت بعد غمزة من عينها: فهمتك، لأ حلوة وعجبتني، هعمل كده. نغم وهي تبتسم مثنية على شقيقتها: جدعة، يلا عشان ماتتأخريش.
مالت غنوة تلتقط حجابها من على الفراش تلفه جيداً ثم تناولت حقيبتها وخرجت بحماس تلقي لنغم قبلة في الهواء تلوح لها بيدها وتتجه بعده لاستلام عملها. دلفت للداخل وقبل أي شيء كان لديها مكان مهم عليها الذهاب له. دقة عالية منها على أحد المكاتب يتبعها صوت يأذن بالدخول، ففتحت الباب ودلفت. تقف وهي تنظر بغضب مكظوم لذلك الرجل، يجلس بهدوء على مكتبه يرتدي بذلة عملية جسده متناسق وشعره اقترب من الشيب لم ينظر لها حتى الآن يردد بعنجهية:
أفندم. حينما لم يأتيه الرد رفع عينيه لها ينظر بتركيز وسأل: في حاجة يا آنسة؟ تقدمت خطوتين ثم سألت: استاذ منير مش كده؟ زم شفتيه باستغراب وجاوب: أيوه. هزت رأسها تقترب خطوة أخرى تسأل وهي تضع كفيها على المكتب تواجهه بتحقيق: وحضرتك بقا مدير الـ HR ولااااا.... غمزت بعينها علامة استحقار وأكملت: بتعرف الدنيا على بعضها؟؟! اتسعت عيناه بقوة وهو يدرك مغزى حديثها الفج المهين بكلمات منتقمة، وهب من كرسيه يردد بغضب:
انتي يا أستاذة انتي، انتي مين أساساً وازاي تتجرأي أصلاً وتكلميني كده. التفت حول مكتبه تتحدث بشراسة مرعبة محذرة بطريقة دبّت الرعب في أوصاله: أنا غنوة صالح اللي اديت رقم تليفونها لهارون الصواف، راجل وطالب رقم واحدة يقوم يديهولوا، واحدة المفروض إنها استأمنت سيادتك عليه. أصبحت قريبة منه للغاية بصورة زادت رعبه جعلته يبتلع ريقه بصعوبة ويهوي بجسده جالساً على مقعده بينما هي تقترب منه أكثر تشهر أصبح سبابتها
في وجهه وتكمل بتحذير ناري: عارف لو حصل وعملتها تاني ووصلت معلومة عني ليه ولا لأي حد أنا ممكن أعمل فيك إيه؟ طب عارف أنا بكل بساطة دلوقتي لو روحت للأستاذة اللي بتقبض معاليك وحكيت لها هتعمل إيه، انت مش بس شخص غير مؤتمن لأ، ده انت بتساعد الشخص اللي المفروض إنه خطيبها في الوصول لبنات غيرها، اسرح وتخيل أنت بدماغك بقا. استقامت ببطء وقد نجحت في رعبه مكملة:
لأ ومش بس هقول كده وبس، أصلها مش حاجة جامدة أوي تستاهل العقاب أنا هزود وهزود وأقول إنك جيت عرضت عليا حاجات بطالة وهو اللي كان باعته، ومهما كانت لمى طيبة وبنت ناس بس هي ست وانت عارف غيرة الستات يا صديقي... ناااار. وقفت ترمقه من علو وهو مرعوب، منكمش بكرسيه وأكملت:
ما كنتش أحب تبقى دي بداية التعرف بينا خالص يا أستاذ منير، بس للأسف أنا بتحول لوحش لو حد جار عليا، ودماغي لما بتشتغل بتبقى سم، وانت عملت كده.. المرة دي جت بسيطة مجرد رقم تليفون، فهعديها بمزاجي واكتفي بفلت نظرك، لكن ارجوك، ارجوك ماتخلينيش أشغل دماغي عليك. تحدثت بطيبة وبراءة شديدة تكمل: أنا مش بحب آذي حد يا أستاذ منير صدقني.
ابتلع منير ريقه من تلك غريبة الأطوار، ذات الوجه البريء والخصال الشرسة، ما الذي تقوله بعدما فعلته به منذ ثوانٍ. هز رأسه يردد بخنوع: من غير ما تحلفي صادقة أنا حتى شوفت بنفسي. ابتسمت له حتى ظهرت أسنانها وأنيابها مصطفة فوق بعض: طيب الحمد لله.
ثم غادرت بخطوات قوية واثقة، تاركة منير فقط يحاول الاستيعاب، لكنه يقسم بأغلظ الإيمان أنه لن يلعب أبداً في أي شيء يخص تلك الفتاة، إنها مجنونة ولا يستطيع حتى توقع ما يمكن أن يبدر منها. يعشق المال حقاً، لكن أموال هارون لن تنفعه لو أخرجت جنونها عليه. لديه الكثير من العلاقات والمعارف يمكن أن يستغلها بعيداً عن هارون وتلك المختلة، العمر ليس للعبث أبداً.
جلس وهو متكئ على فراشه بظهره يشعر الغضب. كل دقيقتين تقريباً يرفع يده السليمة ليرى كم الساعة الآن. لما تأخرت، ألن تأتي؟ لكنه متأكد أنه بات يشكل شيئاً كبيراً لها، واثق من حاله وقدراته ووضعه جداً، من تلك التي تقاوم هارون الصواف. دقت الممرضة الباب ثم فتحته ودلفت بابتسامة مرددة: معاد تغيير الجرح. انتبه لها يومئ برأسه بكبر دون حديث وهي باشرت بمهمتها في هدوء. بينما كانت أصابع يده تضرب على الفراش من شدة توتره فقالت له:
خليك هادي الموضوع مش محتاج التوتر ده، مجرد تغيير وتعقيم للجرح. نظر لها منتبهاً... فهل هو متوتر؟ نظر لأصابع يده وانتبه إلى حالته وقد تفاقم الغضب أضعاف، هل استطاع مجرد تأخيرها قليلاً جعله بتلك الحالة؟ لم تتأخر كثيراً ما زلت الساعة الحادية عشر صباحاً، صك أسنانه وهو يسأل نفسه إذا ما كل هذا التوتر والغضب. انتهت الممرضة تقول بابتسامة رزينة: شوفت خلصنا أهو، وبعدين حضرتك أسبوعياً بتجيلنا وفيك حاجة. ضحكت وهي لا تستطيع
التحكم بنفسها مكملة: وبعدين ده حضرتك قربت تبقى صاحب مكان. رمقها بنظرة غاضبة أوقفت ضحكتها برعب. صمت لثوانٍ يشيح بنظره عنها مشمئزاً وهي همت كي تفر سريعاً من أمامه لكنه ناداها فجأة: مافيش حد سأل عني؟ التفت له بتوتر تكمل: للأ.. ما... ماهو ماجد بيه حذر أي حد أنه يقول أخبارك لحد ولا نتصل بمعالي الوزير والد خطيبتك.
هز رأسه بضيق يتذكر أنه بالفعل طلب ذلك من ماجد. طلب ذلك كي يستطيع الانفراد بصاحبة العيون القاتلة، وأين هي الآن هااا. نظر للممرضة ثانية يقول: أيوه عارف.. بس أنا بسأل على حد معين، البنت اللي جاتلي امبارح. نظرت له بذهول لا تصدق أن هارون الصواف رجل الأعمال الناجح يمكن أن يكون بهذا الغباء. فردت ببساطة: مانا ماكنتش هنا عشان أشوفها يافندم.
استعر الغضب بقوة داخله وهو يرى نظرات الاتهام بالغباء تفوح من عينيها وهي تنظر له. على آخر الزمان استحال لشخص غبي بنظر الآخرين بعدما كان يضرب به المثل في الذكاء والمكر وسرعة البديهة. وكل ذلك بسبب تلك غنوة، وبسبب تأخرها الذي لم يتعدى ساعات... تباً لها.. وتباً له. زادت عصبيته أضعاف ونظر لتلك التي تنظر له كأنه حمار فصرخ بها: اتفضلي اطلعي برا. انتفضت تلك المسكينة وأصبحت تصفه بالجنون علاوة على الغباء تردد وهي تستدير مغادرة:
حاضر... حاضر حاضر حاضر. همت كي تفتح الباب لكنه رغماً عنه والحاجة مرة، يضغط شفتيه ويردد: لو غنوة جت دخليها فوراً. استدارت تنظر له وهي تتأكد من كونه حمار بالفعل تردد بتعجب متسائلة: مين غنوة؟! وبعدين هو أنا منعت حد يدخلك قبل كده ولا أنا سكرتيرة، ماهي لو جت هتدخل. ردد بصوت جحيمي مغتاظ: برااا.. اطلعي برااااااا.
خرجت سريعاً تغلق الباب خلفها وهو يلتقط بيده السليمة الوسادة التي بجواره يلقيها خلف الباب بغيظ. لقد حولته غنوة لشخص غبي، بل شديد الغباء لا يعرف عن المنطق شيئاً لمجرد ساعة تأخير.. فماذا بعد... ماذا بعد؟ وقفت بغرفة الاجتماعات تباشر عملها الجديد بمهارة شديدة تحت نظرات لمى التي تثني بصمت على عملها. بينما جلس منير لا يقدر على النظر ناحيتها بعد ما رآه منها صباحاً، إنها مجنونة.. لديها انفصام بالشخصية يقسم على ذلك.
لكن غنوة لم تكن تشرف على عملها الجديد فقط، إنما يمكنك القول أنها فتاة عيناها بمنتصف رأسها. لم يخف عليها نظرات ذلك الشاب الوسيم المنصبة على لمى أبداً. إنه "زيدان الخيال" الشريك الجديد للمى، شاب يبدو في نهاية العشرين من عمره، وسيم لدرجة عالية يبدو ذكياً كذلك وماهر بعمله.
ابتسمت غنوة ترى نظرات لمى المرتبكة، متأكدة من أنها تلاحظ نظراته. وأي فتاة تلك التي سيخفى عليها نظرات رجل معجب بها خصوصاً لو كانت واضحة هكذا للأعمى. إن كانت هي لاحظتها ألن تلاحظها صاحبة الشأن، بل تقسم أنها لم تلاحظ فقط بل هي متأكدة أيضاً خصوصاً مع احمرار وجهها كله وتلبكها في الحديث وهي تعرف لمى، إنها متحدثة لبقة إذا هي تعرف.
لمعت عيناها بسؤال واحد، إن كان فلما ارتبطت بهارون. ذلك الشاب يبدو وسيم وابن عائلة لا يقل عن هارون شيئاً فعلى العكس يبدو أكثر تهذيباً وأقل سناً. أخيراً انتهى الاجتماع ووقفت بعيداً ترى لمى خرجت من غرفة الاجتماعات وقد استوقفها ذلك الشاب يحاول جذب أي حديث معها يبدو وكأنه يمط وقت لقائهم لا يريده أن ينتهي. فتح باب المصعد وخرج منه مختار والدها يبتسم بلا ترحيب بزيدان وردد: زيدان حبيبي.. ازيك وازاي بابا. ابتسم له زيدان وردد:
بخير يا باشا وقالي أول ما أشوف معالي الوزير سلملي عليه. ابتسم له مختار بزهو ثم ضيق عينيه على غنوة يراها تقف عن باب غرفة الاجتماعات ينظر لها بعدم ارتياح ثم أشاح بعينه سريعاً ونظر لابنته مردداً: لمى عايزك في مكتبي. اهتزت ملامح زيدان بحرج واستأذن سريعاً يغادر تحت أعين غنوة المصدومة وكذلك لمى التي هرولت بغضب خلف والدها. بينما حاولت غنوة اللحاق به تناديه: استاذ زيدان.. استاذ زيدان. توقف ينظر خلفه يراها تتقدم منه تلهث:
مش عايزة حضرتك تتضايق، هو مختار بيه كده تبعه وحش مع الكل، إنما آنسة لمى.. صراحة حاجة تانية. نظر لها بترقب يسأل، هل مشاعره واضحة للكل بهذه الطريقة التي جعلت تلك الفتاة تلاحظها من أول مرة. هز رأسه بحرج يقول: أيوه أيوه عارف يا... ابتسمت له تردد مبتسمة: غنوة، اسمي غنوة. ابتسم لها براحة وأكمل: اسمك حلو أوي. غنوة: شكراً.
هز رأسه وغادر سريعاً بخطوات واثقة. نظرت لهاتفها كي ترى كم الساعة على خروجها مع نغم. تضرب مقدمة جبهتها وهي تتذكر أنها قد أغلقت الهاتف كي لا يستطيع الاتصال بها تردد: أما غبية بصحيح.. ما تعمليه وضع الطيران. تنهدت بتعب تفتحه ليأتي عدد المرات التي حاول بها رقمها الاتصال بها فجحظت عيناها وعلى الفور وضعت الهاتف على وضع الطيران وذهبت لمكتبها تجمع أغراضها فقد انتهى عملها اليوم. وهي بطريقها توقفت قدماها تسمع
صوت مختار يصرخ بابنته: أنا مش عايز كلام في الموضوع ده تاني.. سامعة ولا لأ.. قولت ١٠٠ مرة قبل كده أنا وابن الصواف لازم يبقى بينا نسب وشغل كتير، اللي أنا ماسكه عليه قد اللي هو ماسكه عليا، اسمعي الكلام. صرخت به بقهر: أيوه بس أنا مش بحبه، مش قادرة أتوفق معاه ولا مع طباعه. نظرت غنوة حولها تتأكد من خلو المكان من المارة وتلتصق أكثر بالباب يصلها صوت مختار الساخر وهو يردد: ومين بقا اللي عاجبك، ابن الخيال مش كده؟؟
لم يأتيها رد من لمى وعلى ما يبدو أنها لم تجيب فقد وصلها صوت مختار يقول: لمى، انتي بنتي الوحيدة ولازم تساعديني، أنا مش هسمح لأي حاجة تهز كرسي الوزارة من تحتي. عم الصمت لثوانٍ ليكمل مضطراً: طيب اصبري، شوية وقت، أنا بحاول ألاقي حل بسرعة، أصلاً فكرة إن في حد ماسك عليا ورق دي مش مقبولة، صدقيني هي مسألة وقت. اتسعت عيناها تحاول الاستيعاب، لكنها ارتعدت تتحرك مغادرة بعدما استمعت لخطوات لمى تقترب من الباب. دلف ماجد لغرفة فريال
التي انتفضت تنظر له بغضب: انت يا ولد.. من امتى بتدخل كده من غير إذن. تغاضى عن حديثها يردد دون أي مقدمات: أنا مابقتش قادر خلاااص.. مش قادرة أستحمل البني آدمة اللي بلتني بيها دي، أنا خلاص هطلقها. اتسعت عينا فريال تردد بغضب وجنون:
نعم.. أنت أكيد اتجننت.. انت عارف دي بنت مين.. اللي انت مش طايقها دي هي اللي مقوية مركزك في كل حاجة، ولا فاكرني مش عارفة بالشركة اللي فتحتها من شهر، وبقدرة قادر في خلال شهر واحد واخده شغل وتوكيلات ما يقدروا عليه حيتان السوق، كل ده ليه ما هو عشان اسم نسيبك. ردد بكره شديد: وكل ده ليه؟ هي الحداية بتحدف كتاكيت؟ ما عشان لميت بنته ورديت اتجوزها وقبلت على نفسي اللي غيري ما يقبله.. ردي عليا، كل ده ليه؟ نظرت له بعمق تسأل:
ده نفس سؤالي اللي عايزة أسأله، كل ده إيه؟ إيه اللي جد؟ كل ده عشان بنت الخادمة دي.. غير كده كنت هتبقى مكمل، ولا فاكرني مش عارفة بعلاقاتك، ردي عليا إيه اللي جد؟ وكل ده عشانها مش كده؟ بمنتهى البساطة والثبات ردد ماجد: أيوه عشانها. ثم التف يغادر تحت صدمة فريال تراه يلعب بنار لن تؤذيه وحده. وقف هارون يحاول الاتصال بها وللمرة الألف هاتفها مغلق. سبه نابية خرجت من فمه بوضوح يرفع هاتف المستشفى يطلب الاستقبال إلى أن أتاه الرد:
ألو.. ماحدش سأل عليا. أتاه الرد من صوت ذكوري يقول: لأ يافندم. أغمض عينيه بغضب وغيظ ثم صرخ به: طيب اعملي إذن خروج حالا. الطرف الآخر عليه باستغراب: الدكتور المعالج ليك يافندم هو بس اللي يقدر يديك إذن خروج. صرخ هارون بنفاذ صبر: خلاص كلمة وخلص كل حاجة، كده كده أنا هلبس وماشي سواء كتبه أو لأ. ثم أغلق الهاتف يحدث نفسه بجنون بأنفاس مغتاظة: بقا أنا.. هارون الصواف واحدة تقدر توصلني للحالة دي.. ماشي.. ماشي يا غنوة.
تناول هاتفه يتصل بماجد الذي فتح الهاتف فتحدث له دون مقدمات: ابعتلي عربيتي مع حد حالا عشان هخرج. أغلق الهاتف على صوت صديقه المصدوم يسأل كيف سيخرج بل ويقود بإصابته تلك. خرج ماجد سريعاً من غرفته ينوي الذهاب لصديقه المختل هذا. ليتصادف مع خروج فيروز من غرفتها، أغمض عينيه بتعب، إنها آخر شخص يرغب برؤيته الآن وهو في هذه الحالة. بالفعل بدأت تستفزه بجدالها وهي تكتف ذراعيها حول صدرها تردد بسخرية: أهلييين أخويا العزيز.
أغمض عينيه يصك أسنانه ثم تحدث بتحذير شديد اللهجة نافذ الصبر: ادخلي أوضتك دلوقتي أحسن ليا ولكي يا حبيبة أخوكي. استفزها تهديده كثيراً وجعلها تزيد من سخريتها له وهي تردد: ليه بس يا ميجو حد يقول لأخته حبيبته اللي مابتصدق تشوفوا كده، اللي يسمعك يقول مافيش أي صلة دم بينا. نجحت تلك الشيطنة مجدداً.. صك أسنانه ينظر لها بنظرة مختلة، تنجح مجدداً ككل مرة. تقدم منها وجذبها من ذراعها يدخل بها غرفتها يردد بتحدي مجنون حاسم:
عايزة إيه؟ تثبتي إننا مش أخوات؟ طب ما أثبتلك أنا. قالها جملته الأخيرة التي أرعبتها خصوصاً وهي تسمعه يغلق باب الغرفة يميل عليها يقترب بشفتيه من شفتيها دون التفكير لثوانٍ......
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!