جلس يدقق النظر بصدمه لما يعرض أمامه من ملفات، يستمع بذهول لكل ما يلقى على مسامعه من حديث مديرة أعماله ومديري الأقسام. لقد استغل ماجد انشغاله مع غنوة واستحوذ تقريبًا على كل الصفقات، ليت الأمر ينتهي على الاستحواذ برقي، بل لم يصنع ذلك إلا بعدما خفض أسعاره لتنافسية أقل من الأسعار التي تقدمت بها شركات الصواف.
لا يصدق حقًا، فقد بدا ماجد أمامه كأنه حوت كبير يرغب في التهام الكل بشراهة حتى صديق عمره، استغل انشغاله وقرر اللعب بقذاراته. انتبه على صوت مديرة أعماله تردد بمهنية واستياء شديد: "للأسف مستر هارون، مستر ماجد كمان لعب من تحت الطاولة وعدى صفقة مهمة جدًا علينا، دي اللي فعلاً كان فيها الخسارة الأكبر." صمتت تزم شفتيها باستياء، ثم رددت باستنكار:
"الغريب بقى إن الصفقة دي المفروض إن مختار بيه الله يرحمه كان مشاركنا فيها زي معظم شغلنا، لكن فيه حد من عنده بلغنا في آخر لحظة إن الباشا قرر سحب نسبته، ولأنه مافيش أي ورقة باسمه في الصفقة دي فما كانش فيه شرط جزائي عليه، كلها عقود بالباطن لضمان الحقوق مش أكتر. الفكرة إن مستر ماجد رسى العطاء على حد تالت، لا إنت ولا هو."
هز رأسه وهو يشعر بالتيه، كم كبير من الأحداث والأرقام المتداخلة، مصدوم في صديق عمره، فهز رأسه بتيه مرددًا باستنكار: "ولو مش هياخدها له، هيعمل كل ده ليه؟! زمت مديرة أعماله شفتيها تهز يديها وهي تفتحها كعلامة على نتيجة واحدة محسومة له أن يستنتجها وحده، لكنها امتنعت عن قولها، ليأتي الرد من أحد مدراء الأقسام حين قال بجدية: "للأسف يا فندم، كل دي تصرفات حد عايز يهد اللي قدامه، وبيوقعه."
أخذ هارون يرفرف بأهدابه، لا يستطيع الاستيعاب حقًا.. هل خدع في ماجد؟ أيعقل؟! وطوال كل هذه السنوات؟! لا مستحيل. ظل على وضعه لأكثر من دقيقة، هو حقًا في حاجة للوقت كي يستوعب صدمة عمره الكبيرة تلك. انتبه على أنه مازال يجلس والكل مجتمع حوله، من الضروري ألا يراه أحد بحالته هذه. لذا تنهد بتعب وتفكير مرهق، وبإشارة من يده أنهى الاجتماع فانصرف الجميع.
ليجلس على كرسيه ويعود به للخلف قليلاً يفكر، كل شيء بداخله يرفض مستنكرًا كل ما قيل حتى لو أثبت كله بالأوراق والمستندات. تناول هاتفه وتفكيره يرشده لأول شخص يود الحديث معه.. ومن غيرها.. إنها آخر من تبقى له. دق مرة وانتهى الاتصال ولم تجب. أخرج من صدره تنهيدة متعبة وهو يكرر اتصالاته ويردد: "ردي بقى يا غنوة." لكنها لم تجب. وضع الهاتف على طاولة الاجتماعات الزجاجية أمامه، يفرد ظهره قليلاً.
انتفض مع ارتفاع رنين هاتفه، يفتح الهاتف سريعًا دون حتى النظر له كأنه ظمآن وسيرتوي، يردد بلهفة واضحة: "الو غنوة... صمت وهو يجد الرد من صوت آخر غير مألوف. أبعد الهاتف عن أذنه ينظر فيه، ليجد أنه من شدة لهفته ولوعته سارع بفتح المكالمة دون الاهتمام بالتدقيق على اسم المتصل، ليبصر على شاشة الهاتف رقمًا غير مسجل لديه، وصوت أنثوي يردد بضيق شديد: "لأ أنا ندى يا هارون." زم شفتيه بضيق وسأم، ثم ردد: "خير يا ندى؟
اغتاظت أكثر من طريقته في الحديث والتي تناقضت كليًا عن الطريقة التي فتح المكالمة بها، فصكت أسنانها بغل معًا وسألت: "مين غنوة اللي أنت بتتكلم معاها بالطريقة دي لدرجة إنك مبقتش شايف قدامك مين بيتصل بيك على تليفونك؟! اهتز فكه العلوي من شدة الضيق مع الاستفزاز، يكفيه ما هو به حقًا، لا ينقصه ندى هي الأخرى، ولا حديثها المهين عن غنوة وأنها جعلته لا يرى أمامه. فردد مرة أخرى بضيق: "قولت خير يا ندى، عايزة إيه؟
حاولت التغاضي عن كل ذلك مؤقتًا وسحبت نفسًا عاليًا، ثم رددت: "أنا عندك تحت الشركة ومستنياك." هز رأسه باستنكار وردد متسائلاً بضيق وسأم: "عندي ليه ومستنياني ليه أصلًا؟ رددت بجدية: "موضوع مهم." هارون: "أيوه إحنا من إمتى في مواضيع بينا مش فاهم؟! لأ وكمان مهمة! أخذت نفسًا عميقًا وتحدثت بثقة تردد: "خلاص بلاش تنزل، اطلع لك أنا." رد عليها بسأم وضيق لا طاقة له بالفعل: "ندى أنا مش فاضي للهبل ده."
ثم وبلا أي مقدمات أغلق المكالمة، فأخذت تتطلع إلى الهاتف بصدمة، تستوعب فقط أنه قد أغلقه في وجهها. زمت شفتيها بغل، ثم فتحت باب السيارة وترجلت منها متجهة للداخل، هدفها مكتبه تحديدًا. أغلق الاتصال مع تلك اللزجة وهو يزفر بضيق شديد، يلتقط هاتفه بغضب يعيد الاتصال بغنوته. حالته يرثى لها، يريد التحدث معها، ما من أحد يريد الفضفضة له غيرها. يبدو من غيرها كالمدمن الباحث عن جرعته، يقبض على هاتفه بيده يعاود الاتصال بها مرارًا.
ومع نفس النتيجة، وعدم إجابتها، ألقى الهاتف أمامه بغضب شديد وهو يسب ويلعن. قاطعه صوت السكرتيرة تخبره إن السيدة ندى تريد مقابلته. أطبق جفنيه يسب بأقبح الكلمات، يعلم تلك العلقة لن تتركه إلا بعدما تفعل ما تريد وتقابله. فتح عينيه ونظر للسكرتيرة يشير لها بضيق أن تدخلها كي يخلص نفسه من إلحاحها المستفز. دلفت للداخل تتهادى في خطواتها تحاول الثبات على هيئتها ووضعها الاجتماعي، ترى أنها جميلة الجميلات أوو... أصبحت هكذا.
تقدمت تحت نظرات هارون وهو يقلب عينيه بملل حتى جلست أمامه، فردد سريعًا بتأفف واضح: "خير." زمت شفتيها بدلال لا يليق بها وقالت: "إيه يا هارون، للدرجة دي، معقول دي مقابلة تقابلني بيها بعد كل اللي كان بينا." رفع شقته العليا بنزق ينظر لها ولتلك الثقة المستفزة التي تتحدث بها وسأل: "كان بينا؟ هو إيه اللي كان بينا يا ندى ما علش؟ أنا كل اللي يربطني بيكي إنك كنتي مرات صاحبي." ردت سريعًا بلا تفكير تقول:
"لأ يا هارون، كان بينا كتير، أنا حتى ياما لمحت لك، وإنت... إنت كنت دايما بتعاملني معاملة سبشال." فاض به الكيل حقًا من دلال تلك التي لا يحق لها الدلال مطلقًا، لا بل وتتعامل على يقين بأنها جميلة أيضًا. فتحدث وقد طفح كيله يقول: "طب لو جاية تقولي كده فأنا صاحب الشأن وبقولك إنه لأ، ولو سمحتي تتفضلي دلوقتي لأني فعلاً مش فاضي." تحدثت بغضب ردًا على ما قال: "أمال فاضي لمين بقى هااا.. للست غنوة بتاعتك؟ احتدمت
عيناه وردد بغضب ينذرها: "ندى، اتكلمي على قدك وبلاش تجيب سيرة. أنا ساكت بس عشان عامل حساب لأبوكي وعيلتك، لكن غير كده لأ، وشوية كمان لو جبتي سيرة تاني مش هعمل حساب لأبوكي ولا للي جاب أبوكي." أمام صوته العالي رضخت قليلاً ولجأت لحيلة حواء التي لا جدال عليها، فبدأت في نوبة بكاء مريرة. جعلته يزفر بغضب ويرور حول مقعده، ثم توقف فجأة وهو يسمعها تردد من بين شهقاتها: "أنا بحبك يا هارون، أوي، اديني أي فرصة لو سمحت."
التف ينظر لها مرددًا: "إنتي اتجننتي؟! إنتي بتقولي إيه؟! إنتي كنتي مرات ماجد صاحبي.. إزاي تبقي بتفكري كده في صاحبه؟! رفعت عيناها تنظر له، ثم رددت بثبات كأنها لا تلقي بقنبلة نووية مثلًا حين قالت: "هو اللي رضى على نفسه بكده." اتسعت عيناه حد الاستدارة، مبهوتًا مما يسمع وسأل: "إيه؟ إزاي؟ هو كان شاك في حاجة؟ توقفت عن البكاء تمسح دموعها، ثم رددت بسخرية: "ههه شاك؟ لأ طبعًا... هو تقريبًا كان متأكد."
نظر لها بوجه شاحب وأعين متسعة، فقالت: "كتير كنت بغلط في اسمه وأقول اسمك، وهو حتى ماكنش بيتفاجئ ولا بيعترض. ساعات تانية كان بيجيبلي سيرتك بحاجات ويبصلي كأنه مستني رد فعل معين وعايز يشوفه، ولما كان بيحصل ويتأكد إن فعلاً فيه حاجة مش مظبوطة، كنت بتوقع إنه يعمل مشكلة ويكسر الدنيا، بس هو كان بيتعامل ببرود كأنه مش هامه... بس كل حاجة بتأكد إنه عارف."
رمش بأهدابه مصدومًا، يتقدم بخطى متعثرة حتى وصل لكرسي مكتبه وسحبه بتخبط كي يجلس عليه. جلس بحالة سيئة جدًا، بجبينه على كفيه، لا يعلم ماذا يحدث حقًا. رفع عينيه بتشوش ونظر لندى قائلًا بعدما ابتلع ريقه: "إحم... طب... روحي دلوقتي انتي يا ندى وأنا هبقى أكلمك." أراد إنهاء تلك الجلسة والاختلاء بنفسه، فما عرفه في بضع ساعات، لا هو أثقل من حمل سنوات، لذا أراد صرفها بأي شكل. لكنها قالت بإلحاح أكبر:
"بس يا هارون انت واحشني وأنا عايزة أقع... قاطعها بتعب يردد: "بعدين بعدين يا ندى... اخلص بس من المشاكل اللي عندي دي." رددت سريعًا بلهفة تقول: "خير يا حبيبي مالك بس.. عرفني لو في مشاكل في الشغل أكلم بابي انت عارف إنه وزير الصناعة والتجارة." نظر لها بجانب عينه، ثم ردد بتعب يحاول تمالك نفسه: "لأ هارون الصواف مش محتاج مساعدة من حد، اتفضلي انتي دلوقتي." وقفت على مضض تقول: "أوكي... بس هكلمك."
أومأ لها على مضض، يتابعها حتى خرجت من عنده، وصوتها بما قالته يتردد في أذنها، لا يصدق حقًا كل ما سمع، هل كانت متزوجة من صديقه وتحبه هو، بل الطامة الكبرى أن صديقه كان على علم بذلك. فاض به الكيل واختنقت أنفاسه، يمد يده يلتقط هاتفه يتصل بها مرددًا باحتياج مريع: "ردي بقى يا غنوي، ردي بقى." ارتجفت أنفاسه واهتز ثباته وهو يستمع لصوتها تقول: "ألو.." رد سريعًا بلهفة: "ألو، غنوة انتي فين، بكلمك كتير مش بتردي ليه؟ أجابت سريعًا:
"معلش يا حبيبي التليفون كان بعيد عن إيدي." لانت وهدأت ملامحه عند سماعه كلمة "حبيبي" منها، يأخذ نفسًا عميقًا ساخنًا ثم ردد: "أنا محتاجك أوي يا غنوة." ردت عليه بصوت متحشرج من تداخل المشاعر: "أنا موجودة عشانك دايماً يا حبيبي." على أثر كلماتها تلك أسبل جفنيه يتأوه بصوت مسموع، وقد أثلجت قلبه وأذابت جبل همومه، كلمات بسيطة منها أراحته وجعلته يتكئ خلفه يرتاح على مقعده، ثم ردد:
"ياريتك معايا دلوقتي يا غنوة، عايز أترمى في حضنك أوي." تنهد بعمق ثم قال: "بس مش هينفع أجلك إلا لما أشوف البلاوي اللي حصلت في غيابي دي، أنا الفترة اللي فاتت انشغلت معاكي، اتفاجئت إن في بلاوي حصلت." ظهر القلق على صوتها وسألت: "إيه اللي حصل... طمني." سحب نفسًا عميقًا ثم أخذ يسرد على مسامعها كل ما حدث. ***
ارتجفت بين يديه وهي تشعر به يسحبها للداخل وهو يقبلها بغزارة ويده تسرح على جسدها بطريقة أكثر حرارة، تشعر بأنفاسه الساخنة تضرب جلد بشرتها. حاولت الخروج من بين ذراعيه وهو يطبقهما عليها بعدما صرف طاقم العمل بإشارة من يده. لكنه كان يزيد من الضغط عليها كأن عقله قد ذهب في إجازة مؤقتة، يهمس لها من بين قبلاته: "بحبك يا فيروز.. أنا بحبك."
بدأت تشعر بالخطر الذي ضرب عقلها كي يفيق جسدها الذي خانها وتخدر على أثر لمساته، فحاولت انتزاع جسدها من بين إطباق أضلعه عليها تقول: "بس يا ماجد فوق." زاد من ضمه لها تشعر بارتفاع حرارة جسده يتحدث لها بأعين تشع جنونًا وتوهجًا: "مش قادر يا فيروز.. مش قادر.. أنا عايزك." دب الرعب في أوصالها من الطريقة المزرية التي تحدث بها، فحاولت إفاقته أكثر تصرخ به: "بس يا ماجد.. فوق بقولك." هز رأسه يرفض وكأنه بلا حيلة، كمن
فقد السيطرة على نفسه يردد: "مش عارف يا فيروزتي.. سبيني أقرب لك أنا مش عارف أمنع نفسي عنك." ارتعبت وهي ترى الظلام في عينيه يميل عليها يقبل كل ما تطاله شفتيه، فصرخت به: "ماجد، بلاش تعمل كده ماتخوفنيش منك." كانت كلمتها بمثابة الصاعقة، دبت في جسده لينتفض على إثرها كأنه استفاق أخيرًا. نظر لها بخوف يردد بسرعة: "أنا آسف.. آسف يا حبيبتي." اقترب منها وهي تبتعد عنه بحذر نسبي، ألمه كثيرًا وتحدث هو يقلب النظر فيها:
"حبيبتي حقك عليا.. ماتخافيش مني." قربها لعنده يحتضنها قسرًا، ضمها له يسحب نفسًا عميقًا ثم ردد بيقين تام: "إحنا لازم نتجوز بسرعة... كده مش نافع." خرجت من بين أحضانه تنظر له بتخبط، فقال: "ماتبصليش كده، هتحبيني وأنا عارف هخليكي تحبيني إزاي." هزت رأسها باستنكار متخبط، ثم أجلت التفكير والحديث في كل شيء تردد: "أنا حاسة بلخبطة كبيرة يا ماجد بلاش ناخد أي قرار دلوقتي." ابتسم لها بحزن، ثم نظر حوله وقال: "طب عجبتك هديتي؟
تجنبت النظر للمكان، ثم قالت: "أنا آسفة يا ماجد بس أنا مش هقدر أقبل الهدية دي." تخشب جسده وجف حلقه يردد: "ليه يا فيروز؟ إنتي مش عارفة أنا عملت إيه عشان أقدر أشتريه، ده معناه إنك رافضة تحبيني." نظرت له تردد: "مش حكاية رافضة حبك بس... قاطعها يصحح لها بثبات: "لأ أنا ما قولت "رافضة حبك" بقولك "ليه رافضة تحبيني"... لأن حبي ليكي ما فيهوش قبول أو رفض، أنا بحبك غصب عنك، وعني."
سحبها ليخرج بها من المكان بحسم دون التطرق للحديث بهذا الشأن مجددًا. بللت شفتيها وقالت: "طب أنا عايزة أروح لغنوة.. بقالي كتير ماروحتش." التف ونظر لها يغلغل أصابعه بين أصابع كفها ويبتسم مرددًا: "أنا كمان رايح هناك.. تعالي معايا يا روحي." تقدمت معه وهي تقول قبلما يفتح لها باب سيارته: "ماجد بلاش دلوقتي تقولي يا روحي والكلام ده، سبني لحد ما أستقر حتى." جذبها له وقبل جبهتها قائلاً:
"لأ ياروحى أصل أنا قذر وبستغل الظروف بقذارة لصالحي." اتسعت عيناها بصدمة مما تسمعه يقوله، فهز رأسه إيجابًا يكمل: "أنا هستغل كل الظروف وهمشي في كل الطرق المشروعة والغير مشروعة عشان أوصلك يا عمري إنتي." أنهى جملته ويعود لضمها، يغمرها في أحضانه.. وهي تغمض عينيها بإستمتاع يتسرب لها رويدًا رويدًا. *** انتهى هارون من سرد كل شيء على مسامع غنوة وهي صامتة تمامًا، فاستغرب كثيرًا وظن أن المكالمة قد انقطعت وهو لم يشعر، فردد
يناديها على سبيل التجربة: "غنوة... غنوة انتي معايا." ردت عليه بهدوء تقول: "أيوه معاك." زم شفتيه باستغراب يردد: "أصلك ساكتة خالص شكيت إن الخط فصل." أجابت عليه بهدوء شديد وثبات: "لأ يا حبيبي بس بسمعك وبركز في اللي بتقوله وبربط الخيوط ببعض." جعد ما بين حاجبيه وهو من شدة إرهاقه الأيام المنصرمة معها قد تمكن منه الإرهاق، يسأل بجهل وتوجس: "خيوط إيه اللي بتربطيها ببعض يا روحي؟! تنهدت بعمق ثم قالت:
"انت مش ملاحظ حاجة يا هارون؟ رد عليها مستنكرًا: "حاجة إيه؟ تحدثت غنوة بصوت ثابت قوي: "كل مرة كان بيحصلك فيها محاولة قتل كان ماجد بيبقى معاك، ومافيش ولا مرة كان بيحصله حاجة، مين بيكون عارف كل خطواتك بالملي كده غيره." اتسعت عينا ماجد بصدمة عمره يتذكر أنه في كل مرة فعليًا كان ماجد معه...
يعود بذاكرته للخلف قليلاً، بيوم عودته للقاهرة من المطار كان هو الوحيد الذي يعلم موعد قدومه يقود به السيارة، يوم خطبته حضر هو الآخر مع عمه ومن السهل عليه جدًا دس السم في علبة العصير و قام بتلفيق التهمة لعمه فهو الوحيد أيضًا الذي يعلم بمدى الخصومة بينهما، ويوم أطلق عليه الرصاص حين طلب مقابلة غنوة ولم يكن يعلم أين هو، اتصل به وأصر إصرارًا مريبًا كي يعرف مكانه ويقابله وبعدها مباشرة تم إطلاق النيران عليه، كذلك حين أطلق عليه الرصاص في حفلة كانت من قلب منزله.
كان يسرد كل تلك المواقف القريبة وهو يعدها بصوت مسموع على أذني غنوة التي تستمع له بصمت تام. ليصمت قليلاً بقلب مكلوم ثم تحدث بحلق جاف متسائلاً: "أيوه بس إزاي هيغامر بنفسه وهو كل مرة بيبقى معايا." ردت عليه غنوة بسرعة وثبات: "عشان يبقى آخر حد تشك فيه، وكل تصرفاته الأخيرة بتقول إنه عايز يغرقك، أنت بنفسك قولت إن طليقته جت وقالت لك كلام لوحده مصيبة مافيش أي راجل يستحمله على نفسه سواء بقا كان بيحب مراته أو لأ."
اهتز فك هارون العلوي وبدأ يتشنج وهو يستمع لصوتها، كانت كأنفاسه، كمستشاره الخاص، كأن والده ذو العقل الرشيد والرأي السديد قد خرج من قبره وهو من يهاتفه الآن يفكر معه. وقف عن مقعده وقد وصل للنتيجة الصحيحة بعد جولات وجولات لاكتشاف هوية ذلك المتربص له يريد قتله، خصوصًا بعدما أضافت غنوة:
"للأسف يا هارون اللي وصلنا له صح، لأنه بعد اللي عمله في الصفقات اللي كان المفروض ترسى عليك بان طمعه وحب طليقته ليك، هو كده المستفيد الوحيد خصوصًا بعد ما عمك ومختار طلعوا براءة منها." رد عليها بكلمة واحدة والغضب يفتك به: "اقفلي دلوقتي يا غنوه." حاولت التحدث معه بهدوء وهي تناديه، لكنه قد سبق وأغلق الهاتف، يفتح مكتبه ويخرج منه سلاحه.. ويلتقط هاتفه يتصل بماجد.... ***
وصلا المشفى يمشي لجواها ينظر لها بأعين لامعة من العشق، لكن تبدلت ملامحه وتشنج فكه وهو يستمع لصوت مميز ينادي على حبيبته خاصته من خلفه مرددًا: "آنسة فيروز.. آنسة فيروز." التف وهو يغض شفته السفلى بغيظ وغل، لتشغل غيرته وهو يرى ذلك المستفز من فرط الوسامة يقف بوجه وهيئة كأنه قد انتهى من استحمامه للتو، يزيد الأمر سوءًا بأناقته الغير عادية إطلاقًا. وتلك الغبية لا تفهم ولا تراعي ذلك البركان الثائر بجوارها
وهي تنظر له وتردد مستغربة: "دكتور أنس." زم شفتيه بغيرة... يا ما شاء الله.. إنها لا تزال تحفظ اسمه بعد وعن ظهر قلب. اقترب منها سريعًا يقول: "بتعملي إيه هنا؟ ابتسمت تردد: "صاحبتي تعبانة ومحجوزة هنا." ردد الآخر بإعجاب يقفز من عينيه دون الحاجة لحديث: "لأ ألف سلامة بس أنا زعلان منك.. قولتي هتتابعي في الجلسات وما حصلش مع إن استنيت أي اتصال منك." هما وطفح الكيل، وبدأ ماجد ببوهيميته في الظهور يقبض على تلابيبه مرددًا:
"هو في إيه يا أستاذ إنت.. مالك بيها وإزاي تتكلم معاها بالطريقة دي.. مالك بيها أصلًا." تدخلت فيروز تردد بحرج محاولة إنهاء الموقف: "خلاص يا ماجد الدكتور كتر خيره بيطمن عليا." لكنه صرخ بها بلا أي ذوق أو مراعاة لأي شيء: "لأ مش كتر خيره وأنا مش قولت ممنوع تتكلمي مع.... قاطعته بغضب وهي تلتف لأنس مرددة بحسم: "دكتور أنس عن إذنك دلوقتي وأنا اللي هتصل بحضرتك عشان أحدد معاك معاد في أقرب وقت." نظر أنس لماجد وابتسم بتحدي قائلاً:
"وأنا هستنى اتصالك من دلوقتي." ثم تحرك مغادرًا، وماجد يهم كي ينقض عليه من الخلف يوقفه كي يبرحه ضربًا. لكن فيروز لاحظت سريعًا وجذبت يده تردد: "ماجد.. إنت إيه اللي بتعمله ده... قطعه هو حديثها وهو يجذبها لأحد الغرف يدخلها فيها دون مراعاة لأي شخص قد يتواجد داخلها، ثم يردد: "إنتي شكلك اتجننتي.. ولا اتهبلتي في مخك إنتي إزاي..... لكن من قاطعه هذه المرة كان شخص ثالث يخرج من المرحاض المرفق لغرفته ينظر على هجومه عليها باستغراب
ويردد بلكنته الإنجليزية: "من أنتما؟ وماذا تفعلان هنا." ضرب ماجد مقدمة جبهته وهو يرى أمامه چوزيڤ دينيرو (بطل رواية الملكة) يقف أمامه ينظر له بغضب. بينما چوزيف ينظر له يتحقق من ملامحه وقد انتابه غضب جم بعدما ذكره ذلك الماثل أمامه بملامح أكثر شخص يكرهه على وجه البسيطة وهو والده.....
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!