كانت ديمه تقف أمام البيت. وجدت أربع عربات دفع رباعي سوداء تقف أمام الشاليه. شعرت بالذعر مرة واحدة. كانت بعيدة عن الشاليه قليلاً. وجدتهم يكسرون البيت. استدارت واندفعت للبيت برعب. دخلت. تسمرت مكانها وعلى ملامحها الرعب الشديد. أمامها وجدت رجلاً يجلس بجوار رائف وحوله العديد من الرجال. ابتسم الرجل وما كان إلا شوكت، عم رائف. "أهلاً بالهانم المصونة. حمد الله عالسلامة يا مرات ابن أخويا." لترتعب ديمه وتقترب من رائف وتحتضنه.
"إيه عايز إيه؟ أنت بتقرب ليه وعايز منا إيه؟ أنت... وجايب دول ليه؟ هتعمل فينا إيه؟ طنط سمية مش هتسكتلك." كانت تريد أن توهمه أن سمية معها. أطلق ضحكة عالية. "لا والله. ياآه سمية... البقاء لله يا ديمه هانم. بقيتي لوحدك من زمان. أنت فاكراني بريئة يا بت؟ لتنظر إليه برهبة، فهو سبب كل ذلك. "البقاء لله. أنت بتقول إيه؟ أنا مش لوحدي يا شوكت بيه. أنا معايا ابني وجوزي وسمية وعلي. ماعرفش جاي ليه عايز مني ومن ابني إيه."
قال بغل وتحول صوته إلى فحيح مرعب. كلبش أوصالها ورعبها جعلها ترتعد. "تعالي يا بت امسحي الريالة. مانا عارف كل حاجة وإنك مقطوعة من زمان وكنتِ مستخبية. أو مخبينك بالاصح. سمية مين اللي معاكي؟ الواضح إنك كنتِ متسابِة وماحدش عرفلك مكان. انقطعت آخر الأخبار. عموماً أبشرك أن سمية وعلي اللي اتفقت معاهم بخ طاروا. انقلبوا في حادثة قضاء وقدر." لترتعب ديمه وترتجف وتصرخ. "إيه إيه طنط سمية والأستاذ علي؟ لتنهار وتنتحب خوفاً وهلعاً.
ضحك شوكت. "إيه كنتِ فاكرة إن خططكو وكدبكو هيكمل؟ لا يا شاطرة ملعوبكو اتكشف. والعيل اللي جاي من حرام هبلعهولك تلبسيه." صرخت برعب. "عيل ابن حرام؟ أنت بتقول إيه؟ منك لله." ضيق عينيه بجحيم هالك وتحول إلى شيطان يباهي بقوته وشره. اقترب ومسكها من شعرها. "بقي مني لله يا روح أمك. حتة ممرضة جربوعة ترازينا بعيل ابن حرام؟ ليه فاكرانا مختومين؟ دا رائف ذات نفسه هيطلع روح أهلك يا زبالة. إيه فاجرة قوي كده ليه يا بجاحتك؟
عيل مين يا روح أمك؟ انطقي جبتي العيل منين؟ جبتيهم منين ياختي؟ أكيد من مجدي ابن مرات أبوكي. أو من صرمحة تانية." بهت وتراجعت بخوف. شعرت بدوار. "بتقول إيه يا جدع أنت؟ مجدي مين؟ مجدي مات." ضحك. "مات لا والله. لا ماليش حق. الله يرحمه. هو مين يا بت اللي مات؟ مش أنتِ ياختي اللي خبطيه بعد ما شاغلتيه وعرضتي نفسك عليه؟ ولما اتفضحتي واتفضحت سيرتك طلبتي منه الجواز؟ فرفض عشان كده طفشتي بعارك." صرخت. "آخرس. أنت بتقول إيه؟
مجدي مات." قال بغضب. "مجدي عايش وجبته لعندي وقال فيكي ما في الخمر وإنك شمال ومدوراها. ولهف فلوس يامة مني عشان يقول الحقيقة." صرخت. "أخرس. قطع لسانك. هيا مين اللي مدوراها؟ أنت تلم نفسك وتلم حالك وتخرج بره وماتقفش في طريقي أحسن لك." ضحك. "لا والله. أنتِ فاكرة إنك هتقفي قدامي يا شاطرة." نظرت إليه بغل.
"آه هقف. مش صغيرة بس هقف يا شوكت بيه. ولو قربت مني والا من ابني هنهش قلبك. أنت قتلت سمية وعلي ورقدت رائف. اعرف إن لو طرفي اتمس والا طرف ابني هعرفك مين هي ديمه. أنا انظلمت منكو يا ظالمة بس هقف عشان ابني." كانت تتشجع تبين له أنها قوية. صرخ شوكت. "لا. أنت مش عارفة مين شوكت. دانتي مضبطاها ومتفقين تلبسوني العمة إن رائف يلبس عيل حرام. الواد راقد وأنت فاجرة وعلي ضبطلك كل حاجة. بس علي مين." صرخت.
"ماتحترم نفسك بقى. أنت فاجر كده ليه؟ في ذلك الوقت كان رائف يشعر أن هناك ما يحدث حوله. وبدأت تحدث له اختلاجات في يديه ويتحرك. يسمع صريخها ويشعر بوجع في داخله. كانت الدنيا ضبابية. فهو له فترة يحس بما حوله. ليتشنج وتصدر إشارة منه. لتستدير هيا. "رائف. رائف." كانت يداه تتحرك. اشتعل شوكت. "إيه؟ إيه؟ بيتحرك؟ وأشار للطبيب الذي معهم. اقترب الطبيب وقال. "تقريباً وعيه بيرجع." صرخ شوكت على الفور. "خدوه بسرعة."
ارتعبت هيا واندفعت لزوجها تكلبش فيه. "لا لا ماحدش هياخد جوزي. لا أوعي والله أخرب بيتكم. رائف حبيبي لا لاااا." حملها الرجال وهي مهتاجة وبدأت في الصراخ. "لا لا ماحدش ياخد جوزي لا لا." كل ذلك ورائف جسده يتشنج. فتح عينه ووجد ضباب. كان يرى الغرفة ويرى تفاصيل بسيطة ويسمع صراخ. لتندفع ديمه تكلبش في زوجها أكثر. فتح عينه وأغلقهم. صرخ شوكت. "خدوه بقول."
اندفع الرجال ينتزعوها وأخذو رائف وخرجوا وهي تصرخ. فتح رائف عينه ليلمح تفاصيل الحجرة ويعود للتوهان مرة أخرى لياخذه الرجال ويرحلوا. اقترب شوكت يأخذها من شعرها وصرخ. "ودلوقتي بقيت تصفية الحساب. بقي تخلي سمية تكتبلك نصيبها يا قادرة. أنا هعرفك تنصبي علينا إزاي وهاخد كل حاجة. فين الواد؟ صرخت. "ليه عايزة ليه؟ صرخ. "عايزينه نثبت إنه مش ابننا وهتمضي على تنازل نصيبك يا روح أمك. لتصرخ." شدد عليها. "هتقولي فين وإلا اقتلك."
وهي تستميت وتحاول أن تصمد. لينهال عليها ضرباً. "انطقي الواد فين. والله هموتك. انطقي. أنا ماليش آخر ومش هسيبك وهخرب بيتك. هتندفني هنا مكان ما استخبيتي يا نجسة. سنين مخبية الواد. إيه فاكرة هتكبشي منه بروح أمك يا عقربة يا تعبان أزرق." كان يوسعها ضرباً، كانها حيوان لا تحس. فارتخت بين يديه. صرخ. "هموتك يا بت. انطقي. إيه رأيك وادفنك هنا." شعرت بالذعر واحست أنه سيقتلها لتصرخ من وجعها. "هقول. هقول. خدني وأنا هوديك ليه."
دفعها لتسقط. مسكها أحد الرجال وخرجوا جميعاً لتذهب معه إلى أحد الأماكن التي تعرفها جيداً وتعرف مخارجها. قالت. "هو في الدور اللي تحت. هخش أجيبه." كانت إحدى الحضانات التي تعرفها. لتدخل ومعها أحد الحراس. قالت. "خليك. هجيبه من جوا." لتندفع مسرعة وتدخل. كان هناك مخرج من الجهة الأخرى. اندفعت تهرب من الجهة الأخرى وتعدو كأن الشيطان يطاردها. شعرت أنها تصارع الحياة وهربت بأعجوبة.
ليتدارك شوكت الأمر ويشعر بالجنون ويهيج ويطيح في الحرس. ظلا يبحثان عنها بلا جدوى. عادا إلى الكوخ لعله يعرف مكانها ولكن لا شيء. كان يشعر بالجنون. "راحت فين الزبالة دي؟ مالهاش حد. راحت فين؟ طيب والله لأعرف أجيبك إزاي وأشرحك وأقطع جثتك نساير يا زبالة." في تلك الأثناء عاد الرجل الغفير محملاً بالمشتريات. رجف قلبه عندما وجد كم العربات. كان الشكل مخيفاً. ما أن اقترب حتى اندفع الحرس يمسكونه. ارتعب الرجل. ليهتف الحارس.
"أنت بتعمل إيه هنا؟ ارتبك الرجل. "هاه بعمل إيه؟ مفيش يا بيه. كنت راكب العربية ولقيت بيت قولت أنزل آخد بق ميه. أنا عندي السكر وتعبان يا بيه. فيه إيه؟ كان ساعات الناس هنا بتعمل قعدات بفلوس." دفعه الحرس. "يلا من هنا بلا شاي بلا زفت. وإياك تهوب من هنا. هنشيل رقبتك وهندفنك في المكان. فاهم." ارتعب الرجل وترك المكان خوفاً على روحه. فهو يعرف إجرام شوكت وقرر أن يعود يبحث عن رب عمله مرة أخرى حين تنصرف تلك الوحوش.
عاد شوكت لرائف وهو مهتاج. دخلت زوجته. "إيه؟ جبت البت؟ صرخ. "هربت بنت الجزمة. بس علي مين؟ أنا هجيب رقبتها. دا أنا ليا تلات سنين بفتش في البحر لحد ما لقيت إن الحرباية سمية مدكنة الشاليه ده من ورانا. بس أهو وصلت. والواد جوا متلقح. سنين مستخبية العقربة اللي بلتنا بعيل ابن حرام. سمية الزبالة عملت دا كله عشان تحرمني من الفلوس. بس أهو هيا راحت في مصيبة. والواد تحت إيديا لسه. الجربوعة الشمال هجبها متربطة." قالت زوجته.
"وأنا ناوي على إيه؟ توحشت عيناه وقال بخبث. "الدكتور بيقول إن وعيه بيرجع. وأنا بقه ليا تخطيط كبير قوي. بس هاتي بنتك واستعدوا للي جاي. اللي جاي خير. هناخد ونكبش. هاتيها عشان هعرفها هنعمل إيه." مر الوقت ودخل على رائف ووجد الطبيب يرتب له مكانه. نظر إليه فقال. "كله تمام يا باشا." هتف شوكت. "اسمع. لما يفوق هنوهمه إنه كان هنا وليه سنين هنا. فاهم؟
وانت معانا بقالك سنين بتراعيه. ولو سأل على أختي قوله ماتت في حادثة ومن ساعتها هو معانا." كما أخبر الكل أن لا يذكروا أن رائف كان بعيداً وأنه قضى سنين في فيلا شوكت يراعيه. ليظهر شوكت كأنه العم الراعي الذي خاف على ابن أخيه وراعاه لسنين.
نعود لدنيا رائف. كان رائف قد بدأ يحس باختلاجات ووعيه يأتي ويروح. كان يسمع صوتاً ملائكياً يتكلم معه والصوت ينغرز بداخله. يسمع أصوات وضحكات أطفال. يحس بلمسات معينة ولا يعلم أين هو. كان كأنه في حلم جميل. يحس بقبلات على خده دائمة. كان طفله يقبله دائماً ويمرح حوله. كما كان يحس بها وأنفاسه تشعر برائحتها تتغلغل بداخله. يحس بلمساتها على صدره تهدئ من أنفاسه. كانت لمساتها سحر له تشعره بالهدوء. فديمه كانت تأخذه في أحضانها كثيراً وتداعب شعره وتنسخ بأصابعها كلمات الحب على صدره وتنثر عطرها عليه كل يوم. أصبح ارتباطاً وجودياً في اللاوعي. يعيش في حالميته وراحة إلا بعد أن أخذه شوكت فقد كل ذلك.
مرت أيام شعر باضطرابات شديدة فلم يعد يسمع أصواتاً ولا أحد يقربه. فلم يعد يشم تلك الرائحة ولا تلك اللمسات الحانية. كانت الاضطرابات تزداد وكان هناك طبيب يراعيه ويعلم أنه يفوق وينتظر مرافقاً له لا يحيد عنه أبداً. أتى يوم كان الطبيب يحركه ليستفيق رائف. اندهش الطبيب واندفع يتفحصه جيداً ورائف ينظر حوله لا يعلم أين هو. ابتسم الطبيب. "رائف بيه. أنت فوقت. دي معجزة. ألف حمد الله عالسلامة. شوكت بيه هيفرح قوي."
قطب جبينه وظل تائهاً لفترة وينام ويعود لبعض الوقت يفتح عينيه ساهماً ثم ينام مرة أخرى. إلى أن عاد لوعيه تماماً. همس. "أنا فين وفين عمتي." تنهد الطبيب فهو يعلم كل شيء عنه. "طب بس فوق كده ونحركك. أنت عضلاتك تمام. أنا كنت بساعدك كل الوقت اللي فات عشان أعملك علاج طبيعي وتتحرك كويس." ليرفع رائف يركنه على الفراش. تحامل رائف على نفسه ليقوم ثم يجلس مرة أخرى. "أنا فين وفين عمتي وجرالي إيه." تنهد الطبيب.
"أنت حصلتلك حادثة كبيرة وبقالك أربع سنين تقريباً أو أكتر نايم في غيبوبة." لينذهل رائف. "أربع سنين؟ أنت بتقول إيه؟ وشركاتي وحياتي جرالها إيه." الطبيب. "الحكومة ماشاء الله قايمة بالواجب وعمك موجود." نظر إليه رائف بذهول. "حكومة مين يا راجل أنت؟ أنت مخبول." الطبيب. "اهدي طيب. شوكت بيه معاه كل حاجة." انفعل رائف. "أنت أنت انهبلت؟ عمتي فين وفين علي المحامي؟ هاتلي نمرته. حكومة إيه دي اللي تدير شركاتي؟
أنتو باينكو شوية نصابين." حاول أن يقوم. "يلا خدني من هنا وديني قصر الصباغ." الطبيب. "طب يا رائف بيه اهدي. أنت تعبان لسه. استني عمك يجي. لو حصلك حاجة هيبهدل الدنيا." صرخ رائف. "ما يولع عمي على اللي جابه. من إمتى؟ انجز وديني عند عمتي. هقولك على العنوان." تنهد الطبيب. "رائف بيه عايز أقولك إن عمتك البقاء لله. هيا والأستاذ علي من تلات سنين." لينفجع رائف وتدمع عيناه ويترنح. فيتلقفه الطبيب ويريحه. "عمتي أنا ماتت. إزاي."
تنهد الطبيب. "حادثة جامدة. هيا وعلي المحامي." سهم رائف قليلاً يحس بالتخبط. "عمتي وعلي الاتنين. فيه إيه اللي بيجرالي؟ إيه السواد ده؟ ليحس بالدنيا تدور من حوله ليركن على الفراش ويشعر بالحزن الشديد على عمته، فهي بمثابة أمه. نزلت دمعة من عينه. أحس أنه استيقظ وسط ظلمة كاحلة. كابوس يعيشه حياً. الطبيب. "طب اهدي. أنت لسه فايق." دخل شوكت متلهفاً يتصنع الفرح. "إيه ده؟ رائف حبيبي أنت فوقت."
اندفع يحتضنه ورائف مذهول. فعمه يحتضنه وبشدة. أبعده رائف. "فيه إيه؟ أنت انهبلت؟ ماتبعد يا جدع أنت." تنهد عمه وتصنع الأسى. "كده يابني؟ دانا فرحان وخايف عليك." رائف. "من إمتى النحنحة دي؟ هو فيه إيه وعمتي جرالها إيه؟ تصنع شوكت الحزن. "سمية حبيبتي الله يرحمها. قطعت بيا. قلبي بيتقطع." نظر إليه رائف بريبة. تنهد شوكت.
"اقعد يا حبيبي هحكيلك. بعد حادثتك عمك اتغير كتير وحسيت إن الدنيا صغيرة واني بقيت لوحدي. كنت متخبط ليه يحصل ما بينا كده وإحنا آخرتها هنموت ليه؟
مانعيش في سلام. وخصوصاً بعد موت سمية بقيت حاسس إن خلاص شوكت برك وماعدتش له قَومة. ورا بعضه خلاني أحس إن الدنيا ماتستاهلش. أنا كنت وحش قوي. رجعت لربنا وعرفت إن الدنيا فانية وممكن أموت أي وقت وأنا ماليش سند يسندني وياخد عزايا. عمك عرف ربنا وقرب منه وعشان كده تبت. والله تبت يا ابن أخويا." نظر إليه رائف بعدم تصديق ليكمل.
"عارف إنك مش ممكن تصدق. بس يابني سنين أهو براعيك وشايل ذنب سنين خلافي معاك. خفت عليك من الهوا. كنت أنت راقد في المستشفى سنة. حاولت أقرب. سمية بعدتني هي والتعبان اللي اسمه علي. اترجيتهم أزورك وأشوفك. ما فيش. لما ماتوا لقيتك في المستشفى قولت لا أنا مش هسيبك. جبتك وجهزت كل متطلبات قعدتك وجبت دكاترة وبتوع علاج طبيعي. تلات سنين وأنت راقد يا حبيبي. بخش كل يوم أصلي وأدعيلك. وأنا ومراتي وبنتي تحت إيدك. دا حتى بنتي تاليا ماكنتش بتسيبك لحظة ودايماً لازقة فيك ليل ونهار. كنت بتبات معاك بتراعيك من خوفها وحبها ليك. تقعد تكلمك بالساعات زي المجنونة. ما فرقتكش."
قطب رائف جبينه قال لا شعورياً. "تاليا... "كنت بسمع صوتها وأنا نايم." اندفع شوكت. "آه والله مابتقومش من جنبك لا صبح ولا ليل. كانت تقعد تكلمك وتضحك معاك. وأخش ألاقيها نايمة على صدرك. بنتي دي ملاكك الحارس. ربنا يكرمها على طيبتها وقلبها." تنهد رائف فهو فعلاً كان يسمع صوتها. قال بتخبط. "طب... طب وشركاتي وحكومة إيه؟ مش فاهم." قال ممدوح متصنعاً الأسى والوجع.
"دي المصيبة السودا يا حبيبي. والحمد لله إنك فوقت ترجع اللي اتاخد بظلم." قطب رائف جبينه. فأكمل شوكت. "أنا كنت هاخد الوصاية. لقيت واحدة اسمها ديمه جايبة ورق بتثبت إنها مراتك ومعاها عيل والمجلس الحسبي خد الوصاية. أنت متجوز ومخلف يا رائف." وقف رائف مذهولاً. قلبه يرجف ولا ينطق. يشعر أنه دخل الجحيم. إلا أنه صرخ. "متجوز مين وزفت مين؟ هو فيه إيه؟ أنا بيجرالي إيه؟ أنتو بتعملو فيا كده ليه؟
كان يشعر بالجنون وأن حياته أصبحت على المحك. كان يحاول أن يسيطر على نفسه ويفكر بعقلانية. هتف شوكت. "اهدي طيب. هتتعب يا حبيبي." هتف رائف. "يعني أنت عايز تقول إني نايم تلت سنين." هز العم رأسه ليكمل. "وعمتي ماتت. وبعدين ديمه دي جت بقت مراتي." هتف شوكت.
"آه. والمصيبة إنها طفشت. واللي فجعنا إن علي المحامي طلع خاين ومضى سمية على نصيبها في الشركة للست ديمه. وكانوا مدبرين يلهفوا كل حاجة. لولا إني وقفت وما خليتش حد يقرب. وموت الزبالة اللي اسمه علي بوظ كل حاجة. كان بيلعب على سمية وعليك. منه لله خاين وعويل. ما صدق إنك رقدت عمل عملته. اللي لحم أكتافه من خيرنا." أحس رائف أنه وقع في مغز نصابين. "أنا هتجنن. طب وطول السنين دي كانت بتعمل إيه." العم.
"ماعرفش عنها حاجة. حاولت أدور. اختفت بعد ما علي مات تقريباً. خافت ترجع لأني واقف بالمرصاد وخافت تنفضح عشان كنت هقتلها. اختفت بت شمال ومفضوحة. حتة ممرضة جابها علي من الحواري. كانت على علاقة بابن مرات أبوها وسمعتها متعاصة. ولما اتفضحت طفشت عشان الواد مارضاش يتجوزها. الفاجرة طفشت منه. راح جابها الواطي علي من ورا الكل وضحك على سمية ومضاها على ورق. خدت نصيبها وتقريباً كانوا هيطفشوا بالفلوس. بس ربك كان بالمرصاد ومات علي. وأنا وقفت أي حد يقرب. كنت هنهشه. سنين يابن أخويا وأنا شايلك. أه كنت زبالة وجاحد. أه كنت شر. بس ربك بيهدي. وسمية قطعت بيا. واحنا راسه يتصنع الأسى والحزن. فكان كالثعبان يلف حول فريسته ويحكم مغرزه."
ظل رائف مبهوتاً وقلبه يرجف. "كل ده حصل؟ كل ده على خاين ياخد فلوسي ويبيع عمتي نصيبها؟ طب هنعمل إيه؟ دان أخلث عليها. جايبلي بت شمال يا علي." ظل يشعر بالغليان. تنخد ونظر لعمه. "بس... بس أنا شفت مكان كنت عايش فيه. مش هنا خالص." ارتبك عمه. "هاه؟
آه. دا دا شاليه سمية صغير كده. كان الدكتور نصح إنك تقعد فيه عشان الهوا الصحي والبحر. وإحنا إحنا ما كناش بنسيبك هناك كتير. وبتروح وتيجي. كنت بسافر شوية وأجيلك شوية ومراتي وتاليا ما كانوا بيفارقوك." وقف رائف وازداد تخبطه. كيف تهالكت دنياه وتغير الوضع. انفتح الباب لتندفع تاليا إليه وتحتضنه. "رائف حبيبي أنت فوقت يا قلبي."
قطب جبينه. حاوطته بشدة وكلبشت فيه وتصنعت البكاء. حاوطه هو إلا أن قلبه لم يرجف من قربها واستغرب أن ذلك الصوت لا يدخل إليه يشعره بالراحة. لتحتضنه وتهتف. "ياآه سنين وأنا مستنية اليوم ده. سنين وأنا جنبك هتجنن عليك." دخلت أمها. "يادي الهنا يادي الهنا فوقت يا حبيبي." تاليا. "شفتي يا ماما؟
صبرت سنين مستنية بقوم. أدعي وأصلي تحت رجليه. وأهو قام وربنا ردهولنا بالسلامة. وحشتني قوي يا رائف والله كنت حاسة إنك هترجع. كنت بتكلم معاك وأنام جنبك في الأوضة وأراعيك. ما كنتش بروح في حتة. لا بخرج ولا بعرف غيرك." لتحتضنه وتظل ملاصقة به وهو يشعر بالتخبط. أخذته تاليا تجلسه. "اقعد ارتاح. إحنا لينا إلا راحتك." قالت أمها.
"أخيراً قلبك ارتاح يا حبيبتي. دي كانت زي المجنونة. ما بطيقش عليك الهوا يا حبيبي. أنا ماشفتش حد بيحب حد كده. يلا أهو ردك بالسلامة يا غالي. دا عمك كان ملهوف لهفة وحارب المصايب اللي حطت. منه لله علي الواطي الخاين." ظل جالساً ساهماً وهي تتلمسه وهو يشعر أن هناك شيئاً خاطئاً بداخله وأن اللمسات تلك غريبة عليه ويشعر أنه ينقصه شيئاً. كان رأسه سينفجر. ما هذا الكابوس الذي يمر به.
مرت الأيام وهما ملاصقين له يراعوه ويوهموه أنهم هم من راعوه. والطبيب يؤكد على ذلك ويشرح حالته وما رآه من خير له من تلك العائلة. مرت الأيام واستعاد رائف صحته إلا أنه دخل في كابوس آخر. لم يعد يشعر بالراحة. أرق في نومه رهيب. يفتقد شيئاً لا يعلمه. كان في الحقيقة يفتقد تلك الروح التي كانت تراعيه. لمسات زوجته الحانية ورائحتها. ما أن اختفت حتى شعر بالتخبط وأن هناك روحاً أخرى انسحبت منه. أصبح يشعر بالغربة وأن جزءاً منه شرد لا يعلم أين هو. تحول الأمر لجنون. يفقد راحته النفسية رويداً رويداً. لا ينام إلا بصعوبة من التعب وقلبه يشعر أنه انشق وأخذ منه ما يرويه ويريح.
مرت الأيام وقرر أن يبحث عن صديقه. قرر أن يذهب إلى بيت صديقه سامر. يتمنى أن يجده. صعد إليه ودق الباب. فتح سامر. بهت مرة واحدة ليندفع ويحتضنه. "رائف. أنت فوقت يا قلب أخوك. أنت فوقت مش مصدق. أربع سنين من آخر مرة." دخل رائف يستريح. جلس متعباً فهو مازال جسده به بعض الشيء. ليهتف رائف. "إيه اللي حصلي يا سامر؟ وعمتي وعلي؟ ومين البت اللي بيقولوا مراتي؟ تنهد سامر.
"بص يا حبيبي. أنا كل اللي أعرفه إني سيبتك وبعدها سمعت خبر اختفاءك. أنت عارف إني كنت في الشركة. طبعاً شوكت لما مسكها سنة ماتفقتش معاه. ففتحت لنفسي بيزنس أديره بعيد عن المجموعة. واستمر الوضع وسافرت دبي أكبر شغلي. وكنت بسأل عليك. قالولي إنك مختفي. وماعرفش أي جديد. ولما علي وسمية ماتوا انقطعت عني كل حاجة. حصلتلي بعض المشاكل انشغلت. ولما رجعت لقيت عمتك وعلي حصلهم حادثة. وإن فيه واحدة اسمها ديمه مراتك والحكومة مسكت الشركات كمراقبة. حاولت أقابلها وأعرف منها إزاي ده بس ما عرفتش لها مكان بصراحة. وسافرت تاني ولسه راجع."
رائف. "كل ده حصل وأنا غايب؟ أنام أقوم ألاقي نفسي متجوز وبلبس عيل؟ طب جبتهم إزاي باللاسلكي؟ دا إيه الفجر ده ومتسجل باسمي. هيا اللي مدبرة كل ده مع علي الزبالة عشان الفلوس." سامر. "اهدي يا رائف. نسأل عنها ونشوف ديمه دي. أكيد مش سهلة. لازم نلاقيها. نقعد معاها ونشوف دماغها إيه اللي خططت لده كله." صرخ رائف بغل. "هقعد. بس هقعد. بس أستعيد قوتي الأول وأضبط دنيتي وأظهر. أنهش قلوبهم كلهم. ليه بريئة؟
أكيد عمي ليه إيد في الموضوع." سامر. "إزاي؟ أنت بتقول إنه شايلك سنين. ماعرفش. ماعرفش. فيه حاجة غلط. ما يمكن يكون ده الوش." ليفكر بقولك. "فاكر شكري السمنودي." قطب سامر جبينه. "آه فاكره. دا بقي في المديرية دلوقتي وساب القسم وما شاء الله اترقى ومسك منصب. طب معاك نمرته نكلمه يجيب قرار البت دي." ليستجيب سامر ويكلم ذلك الرجل ليأتي بمعلومات عن تلك الفتاة. جلس رائف وسامر يتناقشان في مشكلته ليحس بخنقة. قال لصديقه. "أنا ماشي."
سامر. "ماشي رايح فين؟ بس اقعد. أنت شكلك مرهق." قام. "لا ماعدتش قادر. مش عارف مخنوق." ليتركه ويرحل. اتجه إلى بيت عمه وصعد والتصقت به تاليا فهي لا تفارقه. كانت تثرثر وهو يشعر بالضيق والاختناق ويجاريها. فهي فعلت من أجله الكثير. تصنع التعب واتجه إلى النوم. أغمض عينيه وظل يتقلب كأنه يتقلب على الجمر. يحاول أن ينام إلا أنه هب مرة واحدة صارخاً. "إيه؟ إيه؟ مش عارف أنام. فيه إيه؟ كان بيحصلي إيه؟
نفسي كان فيه حاجة بتنيم. وضع يده على صدره يحس بدقات قلبه." "إيه اللي أنا فيه ده؟ صاحي مهبول. فيه إيه؟ لا اللي بيحصلي كتير."
ظل يحاول أن يستدعي النوم ولكن محال. فمن كانت تلهمه وتريح قلبه رحلت بلا عودة. لم يعلم ماذا حدث له ليهب مرة واحدة وينزل. استدعى الحرس ووجد نفسه يعطيه عنوان الشاليه بلا سبب. أحس أنه يريد أن يختلي بنفسه. ذهب الكوخ كان قد عرف العنوان من عمه. نزل ووقف ينظر للبيت برهبة وكلما تقدم يدق قلبه بعنف. دخل الكوخ ليرجف قلبه مرة واحدة عندما. "خدك ربنا يا شوكت. أنت وبنتك. إيه العيلة الحلمبوحة دي. أعوذ بالله."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!