كانت سمية تقف في المحكمة والقاضي بدأ يتفحص الأوراق. ظهرت أمور تغير مجرى المواضيع. اقتربت سمية وقالت: "يا سيادة القاضي، قدامك أهو. يظهر إن رائف له زوجة… وفوق كده له ابن." نظر القاضي وقال: "كده الدنيا تختلف، وهيدخل المجلس الحسبي كده ويبقى فيه مراقبة." قالت سمية: "أنا هحكيلك." وشرعت تحكي له وبداخلها سعادة غير عادية وخبث لا مثيل له.
لتعود بذاكرتها سنة للخلف. سعيدة بما فعلته. بعد أن تزوجت ديما رائف، كانت تجلس لا حول لها ولا قوة. وسمية تتصرف كما تشاء كأنها عروسة لا قيمة لها. تزوجت ديما جبراً بشخص يدعى رائف، لا تعرف من هو. كل ما تعرفه عنه إن اسمه رائف. وكل شيء بيد سمية، حتى الأوراق الخاصة بالزواج في يد أميمة. كانت ديما منهشة، عروس متحركة في يد سمية بتهديدها المستمر لها. دخلت عليها سمية: "اقعدي يا ديما نتكلم." لتأتي لها بأحد أكواب العصير:
"اشربي الأول وبعدين نتكلم." لتشرب ديما العصير. فقالت: "ديما… أنا هطلب منك نكمل اللي بدأناه." قالت سمية: "تكملي؟ تكملي إيه؟ مش خلاص جوزتيني وارتحتي؟ قالت سمية: "ديما، أنا عارفاكي قوية وبنت جدعة واتحملتي كتير. وماحدش كان بيقدر يهوب منك ومن حياتك. أنت شخصية كويسة. وعشان كده هنكمل وهتديري الشركات." قالت ديما: "بأي حق طيب؟ ما أنا يا دوب مراته. هيقول لي ماليش صفة، هو عمه السند." ابتسمت سمية:
"لأ، أنت مش مراته. أنت أم ابنه." نظرت إليها ديما ببلاهة: "إيه؟ أم ابنه؟ أم ابن مين؟ أنا أم ابنه؟ مين رائف؟ قالت سمية: "آه، هتكوني أم ابنه." نظرت إليها ديما ببلاهة ولا تعرف ماذا تقول: "إزاي؟ هجيبه منين؟ أنت بتقولي إيه؟ أنت هتلزقي للراجل عيل وهو نايم؟ أنت بتقولي إيه؟ هنخطف عيال ونقول ابني؟ عايزة تحبسيني؟ بدأت تشعر ببعض الدوار، لترتزح قليلاً فمسكت في الفراش. قالت سمية: "اهدي بس… لأ، مش هنلزق عيل له. رائف هيخلف منك أنت."
صرخت ديما تحاول أن تصلب طولها: "أنت مجنونة؟ هيخلف إزاي بالأسلاك؟ اسمعي بقى، أنا طاوعتك بس مش هننصب على الراجل اللي نايم ده." قالت سمية: "اهدي، قولت. وخليكي عاقلة واسمعيني عشان اللي هقوله هيتنفذ." صرخت ديما: "إيه ده؟ حرام بقى! أنت بتشتري فيا ليه؟ لتسقط على الفراش والدوار يزيد. قالت سمية: "أنا بحافظ على ابن أخويا وفلوسه. اسمعي، إحنا هنعمل عملية وتخلفي من رائف." نظرت إليها ديما بذهول: "إيه؟ بتقولي إيه؟
أنت مجنونة يا ست أنت؟ قالت سمية بغضب: "اخرسي واحترمي نفسك. وكلامي هيتنفذ." صرخت ديما: "أنفذ إيه؟ أخلف من واحد ماعرفوش ولا يعرفني؟ أبليه بعيل ماجبوش برغبته؟ قالت سمية: "أنت مراته." صرخت ديما: "على الورق بس! إنما قلة أدب ومسخرة؟ لأ، ده مش جوزي." قالت سمية: "لأ، جوزك. والقسيمة بتقول. وهنعمل عملية." صرخت ديما: "أنت عايزاني أجيب عيال حرام؟ يا ست أنت، أنت مجنونة." قالت سمية: "والله دا اللي عندي." صرخت ديما:
"لأ، أنت انهبلتي. واخبطي راسك في الحيط. أنا مش هعمل كده. إيه الفجر ده؟ هو عشان ماتعدمش أعمل حرام؟ هيا حصلت؟ وهتعمليها إزاي وهو راقد غلبان؟ أنتو عالم جاحدة." قالت سمية: "ما رائف مجمد أجنه. وأنا هستغل ده وأجيب عيل ولد." كانت ديما تنهج بشدة وتنظر لسمية برعب. تشعر أنها تلبسها شيطان. "انت بتقولي إيه؟ وإيه؟ أنت مش خايفة من ربنا خالص؟
دا حرام، حرام. أنا مش هعمل كده. وهو لو قام هيتقبل عيل مش جايبه بمزاجه. أنت تفكيرك ده شيطاني. يا ست سمية، فيه ربنا. خافي منه." قالت سمية بغضب: "بت أنت اتلمي. هيا خلصت أصلاً وهتنفذي." صرخت: "والله ما يحصل لو هموت." لتقوم لتقع على الفراش. ضحكت سمية: "عموماً، أنا بس كنت بعرفك. وكل حاجة جهزت. وأنت خلاص هتخشي العمليات." صرخت ديما: "حرام عليكي! بتعملي كده ليه؟ حرام! أنت اشتريتيني يا ست أنت؟ حرام بقى." قالت:
"لو ماتعدلتيش… أخلي علي يبلغ وتتعدمي. وإلا نكمل وتساعديني وهتاخدي فلوس لما تشبعي وهتبقي هانم." لتصرخ: "مش عايزة فلوس. دا غضب من ربنا. أنا أعدم أحسن ولا أعمل الحرام. اعتقيني لوجه الله. أنا ماقدرش." قالت: "خلاص براحتك. ابعت على حد ياخدك تلبسي البدلة الحمرا." تنهار ديما وتصرخ: "حرام، حرام بقى." قالت سمية:
"عموماً، القرار اتخد. أنت هتجيبي من رائف عيل. واطمني، العملية هتبقى فتح بمنظار. فتح عشان تفضلي بنت بنوت عشان رائف شكاك. ولو صحي هيشك إنك جايباه من حد تاني. فلازم يتأكد إن ماحدش لمسك." لتبدأ ديما في التوهان. تشعر بنفسها تتوه. وبدأت دموعها تسيل والقهر ينهشها. ظلت تنتحب لا تقوى على الكلام. ونامت على جنبها لا تتحرك. وترى الممرضين يلتفون حولها. وبدأت إجراءات إعدادها. وهي تراهم ولكنها مغيبة. ودموعها تتساقط بغزارة.
بدأت إجراءات العملية. وتم أخذ عينة رائف وغزها في رحم ديما. وتكوين طفل بواسطة اختبارات الأجنة. وتمت العملية بنجاح. مرت الأيام. ليتضح أن ديما بداخلها طفلين. ويتم الحمل. ولكن لم يتبق إلا طفل ولد بحالة جيدة. ومعها سمية تراعي ديما بشكل فائق العناية. والكل ملتف حولها يلبي طلباتها كأنها أميرة. ولكن الأميرة في نفسها مذبوحة.
خرجت ديما من العمليات شخص آخر. شخص مستسلم مقهور. تشعر أنها لن تقوى على مجابهة تلك العائلة التي فقدت كل معالم الإنسانية. استسلمت لأمرها واستغفرت ربها. فهي ليس لها ذنب. وبدأت تشعر بالطفل وتتعود عليه وتسعد به. لأنه لم يعد لها إلا هو يخصها هي. رغم أنه أتى بطريقة غير شرعية. ولكن أمر الله وتقبلته في النهاية.
بدأت سمية في تلك السنة تقوي شخصيتها. وجعلتها تدرس الإدارة. وأتت لها بلفيف من الاقتصاديين. كانت تعدها في الخفاء لتدير الشركات. وتكونت لدى ديما شخصية تعرف كيف تواجه وكيف تتعامل. فسمية لم تتركها وتسقيها من عنفوانها وخبراتها. وأتت لها بمن يعلمها أمور الحياة. لتصبح ديما في آخر السنة على دراية كاملة بكل صغيرة وكبيرة في الشركة. كانت مجتهدة واستلمت لما تمر به. وأصبح همها طفلها والمحافظة على ماله وشركاته. فهي ليس بيدها شيء. وأخبرتها سمية أن قضية مجدي أغلقت ضد مجهول. حتى تكون دائماً تحت سيطرتها. لتنجب ديما أخيراً طفلاً أروع. أسمته سليم. يشبه والده إلى حد كبير.
واستمرت الحياة لما هو مخطط له. وسمية تدير المشهد بنجاح. تظن أن الأمر استتب لها ولابن أخيها. ولكن الله يسير الأمور كيف يشاء. باااااااك. لتعود بالذاكرة مرة أخرى للمحكمة. لتهتف: "زوجة رائف الصباغ وأم ابنه سليم. هي الأحق بالوصاية." هب شوكت صارخاً مذهولاً وهما يقدمان الأوراق: "كذب، كذب. دي نصابة. دي نصابة." قالت العمة: "أنا شاهدة يا سيادة القاضي على كل حاجة. وكنت معاها في مكانها عشان خايفة عليها بس من إن حد يأذيها."
تسلم القاضي الورق: "طيب الورق ده هنكشف عليه وناجل القضية. ونحول الشركات للمجلس الحسبي ومعاهم محامي الشركة تحت تصرفه. ونحاول نقرر العم أم الأم." اقترب علي: "أنا محامي الشركة. وفي فترة قيادة السيد شوكت لاحظت أشياء مشبوهة. ودي أوراق تظهر ذلك. وبكده أخلي مسؤوليتي إن السيد شوكت الصباغ غير أمين على ورث أو مال السيد رائف." أكملت العمة:
"كمان يا سيادة القاضي… سنين والكل يشهد إن فيه خلاف ضاري بين أخويا وابن أخويا. وأنا كمان بقف في صف زوجته تراعي حاجته. وهي عاملة توكيل لعلي وخايفة تظهر طبعاً لأسباب شخصية." قال القاضي: "طيب تمام. الأول نبت في الورق طبعاً. وبكده تبقى الوصاية على المدعو رائف فاضل الصباغ تعود إلى زوجته أم أولاده وبإشراف المجلس الحسبي." بعد البت في الأوراق. هب شوكت: "نصب. ده نصب. لأ والله ما هسكت. والله ما هسيبلكو حاجة." صرخ القاضي:
"لو صوتك طلع هحبسك." أخذه المحامي للخارج وشده. وقف مهتاجاً يصرخ. عندما… أتت سمية. اندفع يمسكها: "عملتي إيه يا حرباية من ورايا؟ جبتي عيل حرام تلزقيهم لينا؟ منك لله." قالت بغضب: "اخرس. قطع لسانك. دا ابن رائف ودي مراته. واسمع يا شوكت، تلم نفسك. أنا آه طيبة، بس لما بقلب لدعتي والقبر. وعايزها حرايق بحرايق. وماله؟ ولو فاكر إني ماعرفش إنك أنت اللي أجرت العربيات تقتل ابن فضل. يبقى ماتعرفش مين هيا سمية."
"سمية توديك وتجيبك. وممكن تمحيك. فاهم؟ لم نفسك بدل ما يبقى الله يرحمك. فاهم؟ أنا عليا وعلي أعدائي." وقف ينظر إليها بغل: "طب يا سمية… أنت بدأتي الحرب. وأنا هعرفك مين هو شوكت." ليستدير وينظر لعلي بغل: "أنت فاكر إنك هتعرف تضحك علينا؟ أنا هعرفك إزاي تلعب لعبة وسخة زي دي على شوكت." قالت سمية: "شوكت. من بكرة ماتعتبش الشركة عشان علي هيدير لحد ما ديما تقدر تدير كل حاجة." هجم عليها يحاول النيل منها. ليقف له الحرس. فصرخ:
"أنا هحرقلك قلبك يا سمية. أنا هعرفك إزاي تلعبي عليا يا تعبان يا حية براسين." ليستدير مهتاجاً. تنهد علي: "بدأت الحرب. ربنا يستر." عادت سمية إلى ديما وأخبرتها كل شيء. لتقف ديما منكمشة تشعر بالخوف. لتنهرها سمية: "لأ بقولك إيه؟ أنا بعلمك بقالي سنة عشان تقفي كده. أنت دلوقتي مرات رائف ومالك وحالك كله في خطر. وابنك أولى بقوتك. فاهمة؟ عايزة تنحي؟ اتكلي على الله وسيبي الواد وأنا هتصرف." لترتعب ديما: "أسيب إيه؟ أنت بتقولي إيه؟
قالت سمية: "يبقى تتعدلي. فاهمة؟ شوكت ممكن يقتلك ويقتله. ديما، شوكت تعبان أزرق. لازم نبقى تعابين ننهش قلبه. لأنه مش هيعدي الأمور. فاهمة؟ لتتنهد: "واه، رائف هيسيب الفيلا هنا خلاص. وهيتنقل لمكان تاني بعيد عننا مؤقتاً لحد ما شوكت يهدي و ينهد. وهتعيشي فيها عشان العيل يكبر ويشوف أبوهم وأنت أمهم." لتتنهد ديما. وتأخذها سمية وتذهب بها إلى أحد الشاليهات. بيت صغير على البحر نائي. وتضع لها غفير. كان رجلاً كبيراً يقضي طلباتهم.
أتت تعطيها أوامرها: "دي أوضتك. فاهمة؟ أنت ممرضة. هتراعيه زي المستشفى. السرير طبي ومجهز بكل حاجة. وأظن أنت تعرفي تراعي حد في غيبوبة. أنا هعينلك دكتور يقعد معاكي شوية وبعدين يمشي. وأنت أصلاً مش محتاجة. أنت شاطرة. أنت ورائف هتتعاملي كأنك مراته لحد ما تظهري وتقدر تديري الشركات. عشان شوكت ما يستغل أي حاجة ويرفع قواضي. أنا عارفة إنه مش هيعديها على خير." ديما بخوف: "هيعمل إيه؟ أنا خايفة." قالت سمية:
"شوكت ملوش حدود لشرّه. ديما، لو جرالي أي حاجة وبقيتي لوحدك لازم تبقي قدها. رائف وسليم في أمانتك. ودلوقتي تختفي خالص. أي اتصال شوكت ممكن يجيبك. لاء مصالح ولا أماكن عامة. فاهمة؟ لتقف ديما محصورة. أنها وضعت فيما هي فيه.
لتمر الأيام. تبدأ المسرحية كزوجة. بدأت ديما تراعي رائف طبياً. تغذية بالمحاليل وتنظف جسده وتقلبه من أجل أن يتجنب قرح الفراش. ومعها ممرض يساعدها. والطبيب ظل معها لفترة. لتتقن هي مراعاته. ليتوقف الطبيب وتظل هي مع زوجها ملتصقة به. وسمية لا تأتي. فقط تكلمها في التلفون خوفاً من شوكت أن يعرف مكانهم.
فقدت ديما التواصل مع العالم. لا تعلم عن الدنيا شيء. سوا أنها زوجة لشخص يدعى رائف الصباغ. حتى لا تعلم أين شركاته أو من هو في المجتمع. فسمية تحجبها عن كل شيء.
في خلال السنة التي قضتها معه بجواره. كانت تسهر على مراعاته. تسهر تتأمله. واعتادت على وجوده. وسمية كانت تصر أن تنام بجواره حتى ترتبط به. وخصوصاً بعد أن نقلت من الفيلا. فهي وحيدة في مكان نائي. كان وسيماً عن حق. لتبدأ في التعلق به رويداً رويداً. وأصبح ارتباطها به وجودي. فهو أصبح كالنفس لها. صديق أكثر من حبيب. تعلقت به كطوق نجاة. فوحدتها قاتلة. فتاة ثم زوجة ثم أم بلا سند ولا ونيس. لتتخذ منه ونيساً. ويصبح الونيس روحاً ونفساً لها.
كانت تدخل عليه دائماً وتبدأ بقص يومها عليه. فهي تعتبره صديقها الأوحد. من يطيب خاطرها. حتى لو لم يكن معها. فسمية لا تزورها. فماذا تفعل ومن تلجأ؟ فأصبح رائف ملجأها للتنفيس. أما سمية فابتعدت تماماً من خوفها أن تصاب بشيء من شوكت. ليمر عدة أسابيع بعد المحاكمة. لتدخل سمية على علي المحامي: "علي، أنا خايفة. شوكت كده حاسة إنه بيخطط مصيبة. ممكن يعمل فينا حاجة. راقد ولابد مش حاسة بخير." علي: "لأ مش للدرجة يا سمية." سمية:
"لأ يا علي. أنا… أنا هكتب نصيبي في الشركة لديما." بُهت علي: "بتقولي إيه؟ أنت." سمية: "أيوه. مش هخلي شوكت ياخد حاجة." علي: "ماتكتبيها لولاد رائف أو رائف. ليه ديما؟ لتتنهد:
"يا علي، رائف لو صحي. أنا متأكدة إن ديما هتتعب معاه على ما يصدق. ولازم أغرزها في الشركة ما يقدر يبعدها. دي أم ولادنا. رائف براوي وبيكره الستات. وممكن يطردها. أنا أه أجبرتها بس مش ظالمة. أسيبه يبهدلها. رائف عنده شك في جلده. والله أعلم إيه اللي جاي. هيصحي يلاقي عيل وزوجة. متخيل؟ ممكن يموتها. أنا عملت كده عشانه. وساعتها هقف معاها. بس خايفة. مش عارفة شوكت نيته إيه. لازم أأمن البت وأأمن العيال. مش هبهدلها." تنهد علي:
"طب هتقولي لها إيه؟ قالت: "مش هقول. دا بيني وبينك وبس. لحد ما رائف يقوم. لازم أأمن البت." علي: "طيب. ماشي. هنكتب حاضر ونسجل. ماتقلقيش." مرت الأيام على وتيرة واحدة. ديما منعزلة في مكان منعزل. وسمية لا تأتي لها. تكلمها من هاتف خارجي. تبثها القوة. فديما لا تعرف إلا وجودها مع رائف. ولا تعلم عن شركات رائف شيئاً. ولا مكانها. ولا أي شيء. فقط زيارات سمية القديمة وفقط.
فجأة توقف الاتصال من سمية لديما. وتوالت الأيام. وديما وحيدة. لا تعلم شيئاً. وبدأت تشعر بالذعر. امرأة بطفل ورجل مسجى بلا مأوى أو بلا عائل. توالت الأيام. وديما تحاول الاتصال ولا سبيل. فالهاتف مغلق. أصيبت بانهيار. لماذا تركتها سمية؟ أين هي؟ كانت تجلس تبكي بالساعات. والرجل العجوز يواسيها. فهما لا يعلمان أين ذهبت من كانت تراعيهم.
فعلى الجانب الآخر. لم يحتمل شوكت ما فعلته سمية وعلي. حيث تابعهم رجال شوكت ليقضي عليهم في حادث مروع. لتلفظ سمية وعلي أنفاسهما الأخيرة. ويتبقى شوكت بمفرده. ويقدم أوراقاً للمحكمة أنه لم يتم العثور على زوجة رائف. وبذلك يتبقى هو للإدارة. لتمر الأيام. ولا تأتي سمية. وديما تشعر بالقلق. لماذا لا تأتي؟ ليمر أسبوعاً في أسبوع. لتحس أنها ستنهار. لا تعلم ماذا تفعل. دخل عليها الحارس وهيا تبكي: "لسه برضه ما فيش أخبار عن الست سمية."
كانت تبكي: "لأ يا عم إبراهيم. ما فيش. وما عرفلهاش مكان. وتليفونها مقفول. أروح فين؟ بجوزي وابني والفلوس خلصت تقريباً." اقترب الرجل وربت على كتفها. وأخرج بعض المال: "طب خدي دول. وربك هيحلها. جايز فيه حاجة." زاد نحيبها: "أكيد… هيا آخر مرة قالت لي لو جرالي حاجة خلي بالك. أنا مرعوبة. هيا فين؟ جرالها إيه؟ أعمل إيه يا عم إبراهيم؟ جوزي محتاج رعاية وفلوس. وابني. أروح فين؟ حسبي الله يا رب. ليه كده." هتف الرجل:
"اهدي طيب. وشوفي هنعمل إيه." نظرت إليه: "وأنت ذنبك إيه يا عم إبراهيم؟ امشي. ما عيش فلوس ليك." هتف الرجل: "ليه يا حبيبتي؟ شايفاني واطي وعويل؟ لاء، إني زيك زيك. اللقمة هنقسمها. أنا ماليش حد. أهو نتعكز على بعض." نظرت إليه باكية. وسلمت أمرها لله.
مرت الأيام وزادت وفاضت. وزاد الحمل. لتضطر ديما أن تذهب تبحث عن عمل. فليس معها مال يكفي تصرف به على ابنها وزوجها. لم تعلم ماذا تفعل. لتعود أيامها وعذاباتها. كانت في البداية بمفردها تعيل نفسها. أما الآن فمعها طفل وزوج تعيلهم. وهي ليست معها أوراق. ولا تعلم عن رائف شيئاً من الأساس. سوي اسمه. ولا تعرف مكانه أو بيته أو شركاته. وليس معها ورق. وحتى لو علمت ماذا ستفعل؟ أتخاطر؟ فسمية حذرتها من الظهور.
لم تكن تعلم لماذا تركتها سمية وعلي. لتنهار ديما وتشعر بالهواء والوحدة. مرت سنة في وظائف متعددة. إلى أن التحقت بشركة كسكرتيرة. فهي استفادت من تعليم سمية لها. وقد أعطتها كورسات كثيرة لتتدرب في التجارة. لتقبلها إحدى الشركات. وتغاضوا عن كون شهادتها في التمريض. فالكورسات كانت من جامعات كبيرة في إدارة الأعمال. فهي كانت تعدها لإدارة الشركة.
بدأت رحلتها في الصمود. صمود الجميلة ديما في الحفاظ على أسرتها. أسرة لم تطلبها. ولكن لله حكمة. كانت تأخذ ابنها لأحد الحضانات. وتذهب لعملها. وتعود تلتصق برائف. فلم يعد لها غيره. لتمر الأيام والشهور كاحلة. وتمر سنتين آخرين. وقد اعتادت على تلك الحياة. لتصبح في أواخر الثالثة والعشرين. وقد درست معهد السكرتارية كي تثقل عملها. كانت مجتهدة في عملها. وبدأ صاحب العمل يثق بها. لتصبح مقربة إليه. كان رجلاً حنوناً كبيراً في السن. ليس له إلا ولداً واحداً شريداً في الخارج. قد هاجر وترك مصر. ولا يريد العودة. لتلتصق هيا أيضاً به. ويصبح أباً لها. لكنها لم تجرؤ على إخباره بما حدث لها.
أما ذلك الذي ينام في البيت. أصبح روحها. ليس لها غيره. كانت لا تنام إلا في أحضانه. وتتكلم معه. وطفلهما يكبر بينهم. كانوا لا يفارقان بعضهما. ويقضيان اليوم معاً.
تراعيه كزوجة حنون وأم لا تكل منه. فهي التصقت به لشعورها بالوحدة والخواء. رغم أنه مسجى لا يستطيع أن يفعل شيئاً. تداعبه وتملس على وجهه. تقبل عيونه وتهمس له بكلمات المداعبة. لتلاحظ بعض الاختلاجات عندما تداعبه. لتبتسم وتسعد أن زوجها يعود رويداً للحياة. فقد كانت تستشير أطباءه. ولا تتركه. وتتمنى أن يفيق من تلك الغيبوبة. في أحد الأيام. دخلت البيت وجلست متعبة. قال الرجل: "أنا حضرت الغدا. هتاكلي." نظرت إليه بحب:
"يخليك ليا يا عم إبراهيم. أنا مش عارفة من غيرك كنت هعمل إيه." ابتسم: "أنا بعمل إيه يعني… دا أنتي من ساعة ما بتيجي مابتقعديش. إن كان من سليم أو رائف بيه. كتير عليكي." ابتسمت: "كتير إيه؟ دا أنا ببقى مبسوطة إني بعمله كل حاجة. وأحضر له محاليله ودواه. رائف مش جوزي. رائف ابني وحبيبي. هتقولي نايم. هتحبيه إزاي؟
عارف أنا رائف في حياتي غير لي كتير. خلاني قوية. واللي يقرب من حياتي ما بسكتش. كنت ضعيفة. رائف بقى سبب إني أبقى قوية. غير إنه بقى نفسي. بحبه قوي. بخاف عليه من الهوا والله." هتف الرجل: "يا بنتي طب هنفضل كده؟ مانعرفش عنه حاجة." هتفت بغلب: "أنا ما عيش إلا اسمه. خفت أروح السجل أسأل. يكون حاطط حد. كانت بتخبينا إحنا؟ ولا بتخبيه؟
أنا ضايعة وخايفة. أدور كتير يطلع لي شوكت ده. حاسة إن علي وسمية جرالهم حاجة. أكيد دول سنين يا عم إبراهيم. خليني قافلة على روحي. مش ناقصة هم. أهو سلمت أمري لله." هتف الرجل: "يا بنتي المصاريف كتير." ابتسمت: "الحمد لله يا عم إبراهيم. بقبض حلو." قال: "أيوه. بس ما فيش حاجة بتقعد. دا ما عيش جنيه." تنهدت: "جنيه إيه يا عم إبراهيم؟ المهم رائف صحته وطلباته. رائف لازم يتراعي كويس. أربع سنين الحمد لله ما جالوش قرحة واحدة."
تنهد الرجل: "مانتي يا بنتي جايبة ممرض كل يومين يشيل وينضف. وبتاع علاج طبيعي يعمل جسمه. طب ليه بتاع العلاج ده بياخد شيء وشويات." ابتسمت: "الرقده تموت العضلات يا عم إبراهيم. ورائف لازم لما يرجع يلاقي جسمه بيتحرك. مش يقعد سنة اتنين في علاج. لاء لو رجع كلها شهر بكتيره ويقوم كويس. أنا ما يهمنيش إلا هو وصحته." ابتسم: "والله يا بنتي أنت جبل. سي رائف المفروض يقوم يحطك على راسه والله."
ابتسمت له وقامت تراعي زوجها بعد أن اطمأنت على طفلها. وجلست معه بعض الوقت. دخلت عليه ونظرت إليه: "أنا جيت يا بطاطس. اتأخرت عليك يا بطتي. معلش." واقتربت وقبلته: "وحشتني يا مز ع الآخر. قبلت يده وهمست: عامل إيه يا قلبي؟ كويس." لمست يده فاحست باختلاجاته. ابتسمت: "عارفة إنك كويس. حبيبي قمر. ماتقوم يا واد. نشفت من قلة الهشتكة." ضحكت وداعبته في صدره. فاحست بأنامله تتحرك. فضحكت:
"بموت فيك يا قلب ديما والله. أكتر لما بلمسك وتحس بيا. دي بتبعد أي تعب بتعبه. هقوم أغير وأجيلك أحكيلك كان يوم إيه." وقامت وغيرت ملابسها واقتربت منه. ملست على شعره بحنان: "حبيبي… عارف يا أؤفه. أنت دلوقتي عندي بالدنيا. مالناش إلا بعض. حاساك طيب وحنين. بقيت روحي والله. أربع سنين وأنت نن عيوني. والله ما زهقت ولا هزهق. حاسة إنك هتقوم. حاسة إنك هترجع لي." داعبت وجهه بحنان:
"بحبك يا بطتي. قوم بقه… قوم بقه وخف. أنا تعبت. قوم هقولك على كل حاجة. أنا عارفة إنك هتبقى سندي ومش هتخلي حد يقرب مننا." لمسته بحنان: "عارفة إنك سامعني وبتحس بيا. لتمسك
يده وتضعها على قلبها: اسمع كده بيدق إزاي. قوم وهقولك عملو فيا إيه وسابوني إزاي لوحدي. ومع كده أنت روحي والله روحي. قبلت جانب شفتيه. كل يوم بيعدي بحبك أكتر وبحس بإنك روحي. لاء أقدر أبعد عنك ولا أقدر أسيبك ثانية. أنا طول اليوم ببقى نفسي يخلص عشان أجي أترمى في حضنك. عارف حضنك ده هو اللي بيصبرني على دنيتي الصعبة. بس بقولك إيه؟ أوعى تزعلني بالله عليك. أنا تعبت. شفت كتير. ماتوجعنيش يا روح ديما." لتقبل عيونه:
"لأ حبيبي قمر ومش هيزعلني. قوم يا واد هقعد أحب فيك لما أفطسك. مانا بت واقعة ما عنديش غيرك." لتضحك وتقبل يديه: "نفسي أفوق من الكابوس ده. عارف أول ما تفوق هتخرجني منه وتقف لعمك ده. منه لله. دا شر قوي. يا ترى عمل إيه؟ يا ترى دنيتك بقت إزاي؟ لتنام في حضنه: "حضنك ده بقى النفس ليا. لو بعدت عنه أموت. اللي بيخليني أقوى يا قلبي." نظرت إليه بهيام: "هو أنا حبيتك كده إزاي؟
كل يوم حبك بيكبر عن اليوم اللي قبله. إحساسي بيك دنيا. يا ترى هتحس بيا زي ما أنا حاسة بيك؟ مدت يدها لفتحة قميصه وهمست: "نننام بقه. بس أنت عارف بنام إزاي يا روح ديما." مدت يدها بأطراف أناملها لصدره وكتبت بلين: "بحبك يا روح ديما." لتتحرك أطرافه. تنهدت. فهي تفعل ذلك تريد أن تحس أن معها شخص يحس بها. وهو فعلاً يحس بها. ابتسمت: "أنت كمان عارف." تنهدت:
"استدارت وأحضرت زجاجة عطرها ورشت عليه. كانت كل يوم قبل النوم تفعل ذلك. لتنام في أحضانه ورائحتها تتغلغل بداخله. أربع سنين أصبحت رائحتها بداخل رائف مغروزة في داخله." لتنام وهو يحس بها فعلاً ويسمع لها. كأنه في حلم وردي بالنسبة إليه. يسمع همساتها وهمسات ابنه وضحكاته. يحس بلمساتها ويستجيب لها. ورائحتها تتغلغل في داخله. يعيش حالة ضبابية. فغيبوبته بدأت تخف رويداً رويداً.
مرت الأيام. وأتى يوم تعود فيه إلى المنزل. كانت تحضر بعض الأشياء. لتقابل الغفير: "عم إبراهيم، خزين البيت خلص. بالله روح هات شوية حاجات." قال الرجل: "حاضر يا حبيبتي. هنزل أجيب وأجي." ليتركها ويرحل. استدارت. ظلت واقفة لبرهة تراقب البحر. قبل أن تدخل لزوجها. لتتفاجئ وتشعر بالذعر عندما…
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!