الفصل 12 | من 29 فصل

رواية شيخ في محراب قلبي الفصل الثاني عشر 12 - بقلم رحمة نبيل

المشاهدات
29
كلمة
7,504
وقت القراءة
38 د
التقدم في الرواية 41%
حجم الخط: 18

كانت بسمات كلا من هادي ورشدي تكاد تخرج زكريا عن هدوءه. فالاثنان منذ صراخه باسم فاطمة لم يتوقفا عن التحديق إليه بتلك النظرات المزعجة وكأنهم يخبرونه "تم الإيقاع بك". زفر زكريا بغيظ شديد ثم ضرب هادي في كتفه متحدثًا بضيق وهو يشير لتلك التي تتأوه خلف ظهره: "قول لأمك تساعدها اخلص." ابتسم له هادي بسمة جعلته يكاد ينقض عليه. تحدث هادي بعد لحظات صغيرة لوالدته: "مامي لو سمحت ساعدي الآنسة عشان تقوم." رمقه رشدي باشمئزاز لحديثه

وهو ينظر له من أعلى لأسفل: "مامي؟ "همم… إنت عارف يا رشدي يا حبيبي إني خريج جامعات خاصة مش زيكم حكومي." ضحك رشدي بعنف على حديث هادي ثم اقترب من زكريا يقول مستفزًا هادي: "الاه؟ هي جامعة إسكندرية دلوقتي بقت خاصة؟ نظر لهم هادي بشر كبير وهو يردد بأنفة وكبرياء: "لا يا خفيف بس كنت باخد كورس في الجامعة الأمريكية." قهقه زكريا على تذمر هادي وهو يربت على كتفه:

"وياريت جه بفايدة يا حبيبي ألا ما جبرت بخاطرنا مرة وطلعت كلمة إنجليزية ولو بالغلط." أبعد هادي يد زكريا عن كتفه بضيق وهو يرمقه من أعلى لأسفل: "الحق عليا براعي مشاعرك لأنك عندك فوبيا من الإنجليزي… وكمان مش حابب تقولوا إني بتنطط عليكم بمستوايا في الإنجلش." أطلق زكريا صوتًا ساخرًا من صوته ليقاطع حديثهم صوت إبراهيم الذي خرج بصعوبة: "خلينا نروح نقعد عشان مش قادر أقف."

أنهى حديثه متجهًا صوب غرفة الضيوف ليتبعه الجميع عدا فاطمة التي نهضت وسارت للداخل بسرعة كبيرة تضع وجهها أرضًا بخجل شديد. ترغب لو تبتلعها الأرض من كثرة الإحراج الذي سببته لنفسها. فهي عندما كانت على وشك فتح الباب تعرقلت قدمها في أحد الوسائد أرضًا لتسقط بعدها على طاولة زجاجية تحتوي مزهرية مسقطة إياهم أرضًا. جلس الجميع مجددًا في غرفة الضيوف وبدأوا بالتحدث مجددًا في الأمور المتعلقة بالخطبة.

لكن قطع كل هذه النقاشات صوت رنين هاتف هادي الذي حمله سريعًا ثم تحدث بصوت منخفض قليلاً: "إيه يا فرج إنت فين ده كله؟ "يابني أنا بقالي ساعتين برن الجرس ارحم أمي وحد يجي يفتح رجلي نملت." صدم هادي من حديثه وتذكر أن فاطمة كانت ذاهبة لفتح الباب، لكن بسبب ما حدث عادت راكضة للداخل دون فتح الباب. أغلق هادي المكالمة ثم نظر لرشدي ببسمة غبية: "معلش يا رشدي يا حبيبي ممكن تفتح الباب؟

رمقه رشدي بعدم فهم لكنه رغم ذلك نهض متجهًا صوب الباب. وبمجرد فتحه للباب أطل عليه فرج الذي كان يرتدي بذلة باللون الليموني الفاقع والمؤذي للعين وكأنه ذاهب لحفلة تنكر. دلف فرج للمنزل ببسمة واسعة وكأنه والد العريس وهو يحدث رشدي بهدوء غريب عليه: "إزيك يا رشدي يا بني… فين الجماعة؟ أشار رشدي وهو يرمقه بتعجب تجاه الغرفة التي يجلس بها الجميع ثم سبقه وهو يبتسم بسخرية. حتى دخل الاثنان للغرفة وبسمة رشدي مرتسمة وباتساع على وجهه.

حدق هادي بتعجب في بسمة رشدي الذي كان يحرك له حاجبيه بمشاكسة حتى استوعب هادي سبب البسمة التي كانت مرتسمة على وجه رشدي منذ قليل حينما لمح فرج الذي دلف خلفه بكل فخر وكبرياء وهو يتجه جهة إبراهيم ليسلم عليه. حسنًا كل هذا عادي تقريبًا إذا استثنينا بدلته الغريبة. لكن ما رآه بعد ذلك جعل هادي ينتفض سريعًا ساحبًا فرج خلفه معتذرًا من الجميع ببسمة صغيرة. *** "يعني إيه مش هتلبسي فستان؟ "إنتِ هبلة؟

اقتربت فاطمة من ماسة تحاول تهدئته، فهم منذ دخلوا لهذه الغرفة يحاولون إقناع شيماء بارتداء فستان لائق لهكذا مناسبة رغم الأوضاع الغريبة التي تم بها الأمر. لكن تظل خطبة في النهاية وعليها التأنق لأجلها. ابتسمت بثينة من بعيد بسخرية من الأمر كله شاكرة في سرها غباء تلك البالونة المدعوة شيماء. نظرت شيماء لماسة وهي تفرك يدها بتوتر شديد مشيرة لعباءة بسيطة تتوسط الفراش مبتلعة ريقها بتوتر:

"مالها يعني العباية يا ماسة ما هي حلوة أهي." "حلوة؟ برضو هتقوليلي حلوة؟ عريس جاي يتقدملك وتلبسيله عباية سودة؟ إيه هتتجوزي واحد محروق إياك…" كانت فاطمة تتوسط ماسة وشيماء تحاول إبعاد تلك التي تصرخ عن شيماء التي عاندت الأمر أكثر وهي تصر على رأيها:

"بقولك إيه يا ماسة يا أما ألبس العباية دي يا أما مش هخرج أنا بقولك أهو… يعني هو يجي في الوقت اللي يعجبه ويتأمر علينا كلنا وفي الآخر عايزني أخرجله ولا كأني عروسة مولد وأبين إني واقعة؟ في تلك اللحظة احتدت عين ماسة واستدارت سريعًا لتلك الحية التي تجلس بهدوء على الفراش تراقب نتيجة عملها. ابتسمت ماسة لبثينة ثم تحدثت بكلمة واحدة: "لا ملعوبة منك." ابتسمت بثينة بسخرية بينما لم تفهما أي من فاطمة أو شيماء قصدها.

لتستدير لهما ماسة وهي تسحب شيماء قائلة ببسمة: "بقولك ملعوبة منك التقل ده…. خلي هادي يشيط كده أكتر ما هو شايط يا عيني…. ده حتى مصبرش لغاية ما يجي بليل وتقوليلي إنتِ اللي واقعة؟ ده هو اللي واقع من سنين يا هبلة." نظرت لها شيماء بعدم فهم لكن لم تعطها ماسة الفرصة للفهم وهي تعطيها العباءة التي أخرجتها من الخزانة مخبرة إياها أن ترتديها فهي ستكون جميلة عليها. لتنفذ شيماء الأمر بينما تحركت ماسة لتجلس على الفراش

جوار بثينة هامسة بشر: "ما إنتِ طلعتي حلوة أهو وبتفكري…. أمال إيه السمعة الزفت اللي طالعة عليكِ دي إنك متخلفة؟ استدارت بثينة بغضب لماسة التي ابتسمت لها بسمة تخبرها بها أنها ستجدها دائمًا كالشوكة في الحلق إذا ما فكرت يومًا في الاقتراب من شيماء وإفساد حياتها. *** كان يجلس بين الجميع كل شخص منهم يتكلم في هذا وذاك وهو فقط يجلس معهم بجسده فقط بينما عقله وقلبه مع تلك التي سقطت منذ قليل وأسقطت معها آخر دفاعاته.

زفر زكريا بضيق واضعًا وجهه بين كفيه عازمًا على تنفيذ ما فكر به. فما يحدث الآن لم يكن يومًا من شيمه ولن يكون. يكفيه أنه حتى الآن يؤنب نفسه على ما حدث اليوم السابق ولولا رؤيته لحالتها لما كان أقدم يومًا على لمس امرأة لا تحل له. رغم أنه في ذلك الوقت لم يفكر في شيء أبدًا سوى إنقاذها لكن بعد ذلك بدأ الشيطان يخيل له أشياء غير محمودة. استغفر ربه للمرة التي لا يعلم عددها وهو يؤكد على نفسه تنفيذ ما قرره.

بمجرد عودته للمنزل سينفذ ما قرره. نعم هذا ما سيحصل. خرج زكريا من شروده على يد رشدي الذي كان يرمقه بتعجب شديد وهو يشعر بحيرته تلك: "مالك يا زكريا إنت كويس؟ نظر له زكريا ثوانٍ قبل أن يهز رأسه بنعم مبتسمًا بسمة صغيرة: "كويس هو موضوع كده بس شاغل بالي مش أكتر." "موضوع إيه ده؟ صمت زكريا قليلاً يفكر هل يخبره بالأمر أو يصمت الآن فهو أبدًا لن يكذب عليه أو يراوغ فهذه ليست عادته ولن ينتهجها الآن.

"هقولك يا رشدي أكيد هقولك إنت وهادي أنا مليش غيركم بس مش دلوقتي… النهاردة يوم هادي." أنهى حديثه ببسمة ليربت رشدي على يد زكريا مقتربًا منه هامسًا بحنان شديد فهو يخشى أن يكون وقع في مشكلة ما وهي ما جعلته يبدو شاردًا بهذا الشكل: "إنت عارف إني جنبك دائمًا يا زكريا…. ولو احتجت أي حاجة هتلاقيني صح؟ ابتسم زكريا على حديث رشدي فلا بد أنه فكر الآن بأن ما يؤرقه هي مصيبة كبيرة أو تورط في شيء ما.

"عارف يا رشدي عارف متقلقش هقولك كل حاجة بعدين." ابتسم له رشدي وهو يعود مجددًا لوالده لعله يقنعه بنزع ذلك القناع السخيف عن وجهه ليتحدثوا قليلاً بجدية في هذه الخطبة التي لن تنتهي فهو يريد النوم قليلاً قبل بدأ مناوبته. *** "إيه اللي إنت عاملة في نفسك ده يا فرج؟ تعجب فرج من حديث هادي ونبرته لينظر سريعًا لثيابه ومظهره: "ماله؟ مش عاجبك النيو لوك؟ "بعيدًا عن البدلة بتاعتك اللي هتعميني دي…. بس إيه اللي إنت جايبه ده؟

أخرج فرج صوتًا حانقًا من حنجرته وهو يكاد يحرق هادي بنظراته المغتاظة مشيرًا لنفسه: "إنت بتعيب في البدلة بتاعتي؟ إنت اتجننت؟ دي بدلة فرحي." رمقه هادي من أعلى لأسفل بحسرة: "يا صبر المعازيم اللي فضلوا باصين ليك طول الفرح من غير ما يخرجوا معميين منه." "على فكرة دي كانت البدلة المفضلة عن المرحومة." ضحك هادي بسخرية من حديث فرج: "الله يرحمها كانت حمالة قاسية…. ما علينا ممكن أفهم إيه اللي إنت ماسكه في إيدك ده؟

أبعد فرج عيونه من على هادي بتذمر ثم نظر لما يتوسط يده متحدثًا بعدم فهم: "مش إنت اللي طلبت مني أجيبه؟ اقترب منه هادي يهسهس بشر بجانب أذنه وهو يكاد يفقد وعيه من غباء فرج: "أنا قولتلك تجبلي ربطة جرجير وبقدونس؟ لوى فرج فمه بضيق من ذلك الشاب المزعج بحق مشفقًا في سره على شيماء. "ده مش بقدونس ده كزبرة بص هتلاقي ليها جذور من تحت ومتفر…"

توقف عن الحديث بسبب يد هادي الذي أخذ يضرب الجدار جوار رأس فرج ينفس عن غضبه قليلاً قبل أن يسقط أرضًا بمرض في القلب: "اخرس بقى اخرس هتجبلي جلطة حرام عليك هتموتني…. أنا قولتلك هاتلي جرجير وكزبرة؟ أنهى حديثه بغضب شديد ثم أكمل بسخرية: "إيه جاي أخطب كرنبة؟ "كرنبة؟ انكمشت ملامح هادي بتعجب وهو ينظر لفرج أمامه متحدثًا بخفوت: "إيه الصوت ده؟ ابتسم فرج بتشفي على هادي وأشار له للخلف.

استدار هادي ببطء وحذر ليجد شيماء تقف أمامه وهي تحمل صينية المشروبات بيدها ترمقه بشر كبير ويبدو أنها استمتعت فقط للجزء الأخير من حديثه حيث أنها صاحت في وجهه بغضب كبير: "كرنبة؟ أنا كرنبة يا أستاذ يا محترم؟ كاد هادي يفتح فمه ليجيبها لكنها لم تعطيه أي فرصة لذلك حيث فتحت فمها صارخة به: "جاك كرنبة لما تنزل على نفوخك تقسمه نصين يا عديم الرباية إنت."

وعلى عكس المتوقع كان هادي يقف ويستمع لحديثها وصراخها دون أن يبدي أي حركة أو اعتراض مما استفز شيماء بشدة. فوضعت الصينية التي تحملها في الأرض جوارها ثم نهضت وأمسكت كأسًا ملقية إياه في وجهه وهي تشعر بالمرارة قد استحكمت حلقها مما سمعته دون حتى أن تمنحه فرصة واحدة لتوضيح ما حدث.

أغمض هادي عينيه تزامنا مع اصطدام ذرات المشروب بوجهه وضم قبضتيه بغضب شديد جعل شيماء تلعن نفسها على ما فعلته في لحظة غضب تلاشت سريعًا بمجرد رؤيتها ملامحه. عادت للخلف برعب شديد وهي ترى هادي يفتح عينيه ببطء مع بسمة صغيرة مرتسمة على وجهه يتحدث ببساطة كبيرة متجاهلاً ما حدث منذ قليل. فهو أكثر الأشخاص معرفة بحساسيتها تجاه جسدها: "مانجة؟ هو أنا مش قولت عايز جوافة بلبن؟ ده أنا حتى جايب الخلاط معايا."

ابتلعت شيماء ريقها برعب ثم رفعت نظرها له لتجده يرمقها ببسمة أبعد ما تكون عن الغضب. ابتسم هادي محاولًا إزاحة غضبه جانبًا فما فعلته مجرد رد فعل لما سمعته وللحق هو سعيد لكونها لم تعد تخشى الدفاع عن نفسها. "بس هو سؤال صغير…." رفعت شيماء نظرها لهادي بتعجب لتجده يتحدث ببسمة مشيرًا لثيابها بتعجب: "هو إنتِ كده لابسة؟

فتحت شيماء عينيها بعدم فهم ليوضح هو حديثه والذي لو كانت فتاة أخرى غير تلك الحمقاء لكانت أسمعته وابلًا من لسانها اللاذع كما فعلت هي منذ قليل. "قصدي يعني إنتِ خارجة تقابليني كده بالعباية السمرا؟ نظرت شيماء لنفسها قليلاً بخجل تتمنى لو لم تستمع لبثينة التي حثتها على ارتداء تلك العباءة السخيفة. لكنها رغم ذلك تحدثت محاولة عدم إظهار حرجها أو أي شيء له: "مالها يعني ما هي حلوة أهي… وبعدين ده اللي عندي لو مش عاجبك إنت حر."

أنهت حديثها وهي تحمل صينية المشروبات مجددًا ثم تقدمت من الغرفة التي يجلس بها الجميع تزفر أنفاسها التي كانت تحبسها بقربه. بينما هادي نظر لأثرها مخرجًا صوتًا ساخرًا من فمه: "عايزة تطفشيني بعباية سودة؟ متعرفيش إنتِ العباية السودة دي مقدسة عند الشباب إزاي؟ جاتك النيلة في عبطك…. ده أنا هلزقلك أكتر يا هبلة." أنهى حديثه متحركًا للداخل لينهي هذه الجلسة التي حدث بها الكثير والكثير.

يستأذن من إبراهيم القدوم مساءً والتقدم مجددًا. "معلش يا عمي هنيجي بليل ونعيد الحوار من الأول." تلمس إبراهيم وجه الذي كان ما يزال مشدودًا بسبب ذلك الشيء الذي وضعه عليه منذ قليل: "بص يالا أنا مش فاضي لعبطك إنت وصحابك… اتصرف مع الزفت رشدي وابقى بلغوني باللي هيحصل." أنهى حديثه ثم نهض بضيق من هؤلاء المجانين الذين ابتليّ بهم. ألا يكفيه ابنه ليحصل على اثنين آخرين مجانين.

تتبع الجميع إبراهيم وهو يخرج ثم عم الصمت قليلاً قبل أن يقطعه هادي الذي تحدث ببسمة سخيفة لرشدي: "ها يا أبيه رشدي نيجي إمتى تاني؟ *** تحرك زكريا صوب منزله بعدما أتاه اتصال من والدته تخبره بحاجتها له. وقد انتهى من موضوع هادي مع وعد بالقدوم مساءً للتقدم بشكل رسمي يليق بشيماء وللتحدث في كل التفاصيل. وهو يحمد الله على طلب والدته له فهو كان يرغب في الحديث معها على كل حال.

وصل زكريا لمنزله وما كاد يصعد إليه حتى وجد فتاة تهبط بسرعة كبيرة من على الدرج. لذا سريعًا ابتعد عن الباب وتوقف في الخارج جانبًا وهو ينظر للجهة الأخرى حتى تعبر الفتاة. لكن شعر فجأة بتوقفها جواره وصوتها يصدح في أذنه متسائلاً: "إذا سمحت يا أخ متعرفش ألاقي فين مستر زكريا؟ كرمش زكريا حاجبيه بضيق شديد من هذا اللقب الذي تطلقه عليه الفتاة. فتح زكريا فمه بنية الإجابة لكن توقف عن الحديث وهو يسمعها تتحدث بسخرية:

"هو إنت لابس كده ليه؟ نظر زكريا لنفسه وكأنه للحظات نسي ما كان يرتديه ليغمض عينيه بضيق شديد من مظهره الغير منمق. "كنت في حفلة تنكرية." ابتسمت الفتاة بسخرية ثم قالت دون اهتمام: "ما علينا… شكلك ساكن هنا معلش تقولي مستر زكريا في الدور الكام لإن طلعت ومش عارفة هو في الدور الكام." زفر زكريا وهو ينظر أرضًا يود الصعود الآن ليغير ثيابه وأيضًا لتلافي الوقوف بهذا الشكل مع فتاة حتى وإن كانت مراهقة: "حضرتك محتاجة حاجة؟

"وإنت مالك أنا عايزة مستر زكريا… قولي بس هو فين وأنا…" "منار." توقفت منار عن الحديث وهي تنظر خلفها لابنة خالها ببرود ثم تنهدت بضيق تاركة زكريا يقف بقلب يطرق بشدة جوارها لذلك الصوت. لكنه لم يتوقف لثانية إضافية حيث صعد سريعًا درجات منزله تاركًا فاطمة تقف مع تلك الفتاة المزعجة. *** "مش فاهمة يا بني يعني أقول لها إيه؟ صمت زكريا ولم يجب سؤال والدته هو يعلم جيدًا أنها غاضبة منه الآن لكنه قرر وانتهى الأمر. تنفس قليلاً

ليهدأ ثم أجاب: "زي ما قولتلك يا أمي إن بعد كده إنتِ اللي هتحفظيها مش أنا." التوى فم وداد بعدم فهم لحديث ابنها: "أنا؟ أنا إيه يا بني؟ هو أنا بحفظ برضو؟ "ما هو أنا هحفظك وإنتِ تحفظيها… يعني كل يوم هقرأ ليكِ الجزء اللي عليها بالتفسير بكل شيء يخصه وأنتِ تقوليه ليها." لم يبدُ أن وداد قد اقتنعت لحديث ابنها لذا سارعت وقالت: "وليه اللفة دي يابني ما تحفظها زي ما إنت." زفر زكريا بضيق شديد.

كيف يفهمها أنه لن يستطيع فعل ذلك بنفسه؟ "يا أمي ولا لفة ولا حاجة ده أفضل صدقيني وكمان عشان تحفظي إنتِ كمان معاها… مش إنتِ كنتِ حابة تحفظي برضو؟ "أيوه بس…" "ما بسش أرجوكِ وافقي… الدراسة خلاص على الأبواب وأنا هرجع أدرس تاني فاحتمال أتأخر عليكم وده مش كويس لأنها بنت… فإنا لما أخلص كل حاجة أقعد معاكِ وأفهمك كل اللي هتحفظيه ليها وإنتِ براحتك بقى يبقى أي وقت حفظيها وأنا برة البيت." صمت قليلاً يفكر في الأمر:

"وأنا هبقى امتحنها بنفسي في نهاية كل جزء… تمام؟ ورغم عدم اقتناعها بالأمر أبدًا إلا أنها هزت رأسها بإيجاب متنهدة بضيق: "تمام يابني ربنا يهديك يارب." وكان واضحًا لزكريا كثيرًا مقدار استياء والدته من الأمر لكنه لن يخاطر بتحمل أي ذنب آخر يكفيه ما عاناه في الأيام السابقة. هو لا يود ارتكاب ذنب فيها لا يريد أن يظل يختلس النظر إليها أثناء التحفيظ ويستغل الأمر لذا هذا أفضل حل قد يقوم به حتى يحين الوقت لـ…

خرج زكريا من أفكاره على صوت رنين هاتفه ليخرجه مجيبًا عليه وهو ينهض مبتعدًا عن والدته: "الو يا أستاذ جمال…" *** "اه ده إنت أهبل بقى؟ كان ذلك صوت ماسة الذي خرج حانقًا غاضبًا من ذلك الوقح الذي يستمر بالاتصال بها كل يوم من فترة طويلة ملقيًا على مسامعها حديث مقزز وكلمات خادشة كثيرة. والمخيف أنها لا تستطيع أن تضع رقمه في قائمة الاتصالات التي لا تريد استقبالها فكلما فعلت ذلك وجدته يتصل بها وكأنها لم تفعل شيئًا.

"ماسة اسمعيني الأول." قاطعته ماسة بغضب شديد وهي تنظر خلفها مخافة أن يسمعها أحد: "أولًا اسمي ميجيش على لسانك القذر ده… ثانيًا بقى أقسم بالله لو اتصلت كمان مرة بالرقم ده أنا هدي رقمك لجوزي وهو يتصرف معاك." لم تمنحه ماسة بعدها فرصة للرد على حديثها وأغلقت الاتصال سريعًا في وجهه وبعدها أغلقت الهاتف كليًا. هي ظنت أنه مجرد شاب مزعج يريد المزاح كما يحدث دائمًا لذا لم ترد إخبار أحد.

فهي لن تركض لرشدي تشكيه كلما جاءها اتصال سخيف من أحد الشباب الذين لم يكلف ذووهم أنفسهم وقتًا لتربيتهم. لكنها بدأت تخاف حقًا من هذا الشاب الغريب فحديثه وثقته تلك وكأنه يعرفها تخيفها وبشدة. خرجت ماسة من شرودها على صوت شيماء التي جاءت من الخلف وهي تربت على كتفها متحدثة بهدوء: "ماسة رشدي اتصل وبيقولك قافلة فونك ليه؟ نظرت لها ماسة وابتسمت بخفوت: "هو فصل شحن هشحنه وأكلمه ياقلبي." "تمام هو قال هيخلص شغل ويتصل تاني."

ابتسمت لها ماسة وهي تتحرك جهة غرفتها بشرود شديد ثم فتحت هاتفها لتتحدث مع رشدي فهي تعلم أنه لن يتوقف حتى يحدثها. لكن بمجرد فتحها للهاتف وصلت لها رسالة على الواتساب الخاص بها من رقم غريب لأول مرة تراه لذا دخلت للمحادثة تقلب بها قبل أن تفتح فمها بصدمة كبيرة هامسة برعب: "يا ليلة سودة…" *** فتحت فاطمة باب منزلها تتبعها منار التي تجاهلتها طوال الطريق ولم تتحدث بكلمة.

ولم تكد الفتاتان تدخلان للمنزل حتى تناهى لمسامعهما صوت جدال بين والدتيهما. وصوت منيرة تصرخ بعنف شديد في نحمده: "ليه يعني؟ هي بنتي ناقصة إيد ولا رجل عشان يطفش؟ ضحكت نحمده بسخرية شديدة وهي تجلس محلها ترتب ثياب ابنتها الخاصة بالمدرسة: "والله إنتِ أكتر واحدة أدرى ببنتك وباللي فيها." "نحـــــــــــــمــــــــــــــــــــــده." كانت كلمة واحدة خرجت غاضبة من فم منيرة التي كادت تنقض عليها تقطع لحمها بين أسنانها

لتكمل حديثها بغضب شديد: "العريس اللي جه لفاطمة ده أنا هرفضه بس مش عشان كلامك الماسخ اللي عماله تردديه ولا كأنه أغنية عجباكِ. لا ده عشان إنتِ عارفة كويس أوي إنه مينفعش ليها." أطلقت نحمده صوتًا ساخرًا من حنجرتها وهي تردد بصوت خافت: "ياختي بس حد يقبل بيها إن شاء الله قتال قتلة هي لاقية."

كادت منيرة تجيب لولا أنها لمحت ابنتها تقف بجوار القائم تراقبهم بملامح باهتة غير مهتمة في الحقيقة فهي اعتادت الأمر من عمتها بل من جميع من في العائلة. حسنًا لا بأس فاطمة الآن تحركي لغرفتك وعندها يمكنك البكاء كيفما شئتِ. لكن حتى هذه الأمنية الصغيرة لم تنالها حيث أوقفتها عمتها وهي تناديها بحنق شديد: "استني قبل ما تدخلي روحي هاتي فينو ومربى وحلاوة وكمان شوفي أمك ناقصها إيه في المطبخ وهاتيه."

أنهت حديثها وهي تتركهم وتتجه صوب غرفة فاطمة تحمل في يدها ثيابها التي كانت ترتبها لأجلها. تاركة فاطمة تقف في منتصف المنزل بوجه شاحب قليلاً لتتحدث دون أن تنظر لوجه والدتها: "هروح أغير الجيبة لأنها اتبهدلت مني." تحركت جهة الغرفة التي دخلتها عمتها منذ قليل بنية تغيير الجيبة التي تمزقت من أسفل جزء صغير وأيضًا ابتلت بالمياه التي سقطت من المزهرية التي كسرتها هي في منزل رشدي.

دخلت الغرفة لتجد عمتها تتحدث مع منار بصوت خافت جدًا ليتوقفوا عن الحديث بمجرد دخولها. لم تعرهم أي اهتمام لتتجه صوب خزانتها وتبدأ في البحث عن ثياب لها، لكن يبدو أن جميع ثيابها متسخة فوالدتها لم تغسل الثياب بعد. زفرت بضيق تحاول إيجاد شيء ترتديه حين وصل لمسامعها صوت تأفف عمتها وكأنها هي من تقتحم غرفتهم وليس العكس.

لذا وحتى تتجنب أي كلمة قد تسمم مسامعها سحبت أحد قطع الملابس القديمة الخاصة بها والتي كانت تضعها في خزانتها من أسفل. سحبتها وخرجت للحمام حتى تبدل ما ترتديه لكن بمجرد أن ارتدت الجيبة حتى سقطت من خصرها تفترش الأرض أسفلها. نظرت لها فاطمة بحنق شديد وهي تنحني ساحبة إياها مجددًا لاعنة في سرها عمتها وتعنتها الشديد لتزفر بضيق وهي تمد يدها وتنزع ذلك الرباط الخاص بحذائها والذي كانت تعلقه على باب الحمام من الخلف بعد غسله.

لتقوم بربطه على خصرها حتى يمنع ثيابها من الانزلاق ثم تأكدت من وضع ثيابها جيدًا والبنطال الذي ترتديه أسفل الثياب وبعدها خرجت لتحضر ما طلبته عمتها. *** "رقي في التعامل؟ إنت عبيط يا رشدي؟ بقولك أختك لبستني كوباية المانجة في وشي وإنت عارف كويس أوي إني مش بحب عصير المانجة." صمت هادي قليلاً يستمع لصوت رشدي عبر الهاتف وهو في طريقه للمكتب الخاص به. ليضحك فجأة على حديث رشدي:

"اه فعلًا أنا هبهدل أختك معايا… أصل أنا قاسي أوي وإختك يا عيني مكسورة الجناح… يا جدع ده أنا من يوم ما قولت عايز أتقدملها وهي عدماني العافية." تحدث رشدي بملل من حديث هادي الكثير: "قصره يبقى تعالى بكرة مش النهاردة لإن هكون في الشغل لغاية الساعة 1." "طب ما أجيلك 1 يا رشدي عادي يعني مش هنزعج متقلقش." أطلق رشدي صوتًا ساخرًا من حنجرته وهو يردد على مسامع هادي:

"أنا هنزعج يا أخي…. وبعدين عشان تاخد راحتك كده وتفكر في أفعالك شوية بدل الهبل اللي متخذه منهج في حياتك ده….. أشوفك بكرة بقى وسلام عشان عندي شغل." أنهى رشدي حديثه وهو يغلق الاتصال سريعًا فهو مل حقًا من إلحاح هادي للمجيء اليوم وكأن لا غد له. تنهد بتعب وهو يحاول الاتصال مجددًا بماسة التي لم تجب على مكالمته منذ قليل. نظر هادي للهاتف بحنق شديد فهو أراد اليوم أن ينام وقد ضمن أنه خطى أول خطواته لتصبح شيماء ملكه وله دائمًا.

لكن يبدو أن ذلك تأجل للغد. "يلا على الأقل تكون البدلة اتغسلت من المانجة… ماشي يا شيماء أما أربيك والله لاااا." توقف عن الحديث لرؤيته بثينة تقف في شارع جانبي مع سيدة تتشح في السواد وتتحدث معها بعنف شديد وكأنها على وشك الشجار أو ما شابه. تحرك للطريق الآخر حيث يتفرع الشارع الذي تقف به بثينة مرت من أمامه سيارة فجأة وبمجرد رحيلها اختفت بثينة تمامًا وكأنه كان يتخيل وجودها لا أكثر.

نظر هادي لساعة يده ولولا أنه تأخر على المكتب لكان ذهب لمنزلها وسألها ما حدث. فرغم أنه لم يسامحها بعد على كذبها إلا أنه ما يزال مسؤولًا عنها. *** "بكام دي؟ أشارت فاطمة لبعض الخضروات قبل أن تنحني لتنتقي منهم ما يناسبها وبعدها نهضت ووضعته للبائع حتى يحدد ثمنهم. لكن أثناء ذلك شعرت فجأة أن الجيبة الخاصة بها قد أصبحت أوسع وبدأت تنزلق.

لذا مدت يدها وامسكتها جيدًا حتى لا تُفضح في وسط السوق وحملت ما اشترته وتحركت سريعًا صوب المنزل بعدما انتهت من التبضع وجلبت كل ما طلبت عمتها. خرج زكريا من المنزل وهو يزفر بضيق مستغفرًا ربه فما سمعه منذ قليل من مدير المدرسة التي يدرس بها لا يسر أبدًا. سارت في الشارع بسرعة كبيرة بعد مكالمة والدتها وهي تدعو ربها ألا تكون عمتها تنتظرها أيضًا.

نظرت فاطمة للحقيبة بيدها وهي تمسك باليد الأخرى الجيبة الخاصة بها والتي كانت واسعة بعض الشيء بسبب استعجالها وذلك البنطال أسفلها لا يساعد أبدًا بسبب قماشته التي تسبب انزلاق الجيبة أكثر. في الطريق المقابل كان زكريا يسير سريعًا وهو يتحدث في هاتفه ويبدو أنه كان على وشك الشجار: "يا أستاذ جمال مينفعش أبدًا اللي حضرتك بتقوله… مينفعش أنا مش هدرس لمدرسة بنات أرجوك… مش عشان حاجة بس عشان…"

توقف زكريا عن الحديث وهو يرى فاطمة تسير كالبلهاء تنظر في الحقيبة معها وتنفخ بضيق. كاد يبعد نظره عنها بسرعة كما يفعل لولا ما حدث بعد ذلك جعله يفغر فاهه. سارت فاطمة تلعن عمتها في تلك اللحظة فهي من أصرت على أن تهبط هي وتشتري الأشياء الخاصة بطعام مدللتها منار الذي ستأخذه معها للمدرسة.

فجأة سمعت رنين الهاتف لتضع سريعًا حقيبة المشتريات أسفل ذراعها وأخرجت الهاتف لتجيب دون أن تنتبه أنها تركت الجيبة الخاصة بها والتي كان الرباط الذي يمسكها قد انفكت عقدته أثناء انحنائها لشراء بعض الخضروات. رفعت فاطمة يدها سريعًا تجيب بضيق: "أيوه يا عمتي." لكن فجأة توقفت وهي تشعر بالجيبة الخاصة بها تسقط أرضًا.

فتحت عينيها بصدمة كبيرة تسمع صرخة عالية جوارها وجسد يتوقف أمامها بسرعة هائلة مشكلاً حاجزًا وهو يعطيها ظهره يفرد يده صارخًا: "ربـــــــــــــــاه." نظرت فاطمة لظهر زكريا وهي تحاول ألا تبكي من ذلك الموقف الذي وضعت بها نفسها وشرعت تحاول تبرير الأمر: "والله مش قصدي هي اللي واسعة و…" "فقط ارتديها أرجوكِ."

قال زكريا بصوت زاجر يحاول التحكم في نفسه حتى لا يستدير ويصفع تلك الغبية التي تقف خلفه وتبرر له الأمر بدلًا من محاولة إصلاحه. بكت فاطمة من صراخه لكنها سريعًا انحنت ورفعت الجيبة بسرعة قبل أن يلاحظ المزيد من الناس الأمر فيكفيها ما تعرضت له من إحراج وأمام الشيخ الذي يبدو وكأنه لا أحد في هذا العالم سواه حتى تضع معه دائمًا في مواقف مخجلة.

تحركت فاطمة بهدوء شديد من خلف زكريا وهي تحاول الذهاب من أمامه دون كلمة واحدة فماذا ستقول وهي في هكذا موقف. لكنها توقفت فجأة لسماعها صوته الذي كان خافتًا قليلاً: "والدتي مستنياكِ في البيت." أنهى كلماته دون حتى توضيح سبب انتظار والدته لها أو أي شيء تاركًا إياها تنظر لظهره بتعجب كبير. لكنها سريعًا تحركت قبل أن يتحدث مجددًا إليها وأثناء ذلك اصطدمت بالخطأ في أحد حاويات القمامة الكبيرة لتسقط بها أرضًا.

أغمض زكريا، والذي كان على وشك التحرك، عينيه بحنق شديد مرددًا بغيظ: "يالله لا يعقل أن تحتكر كل هذا الغباء وحدها.. كارثة ذات أرجل وأيدي تسير مسببة العديد من المصائب." كان يسير وهو يضع يده على قلبه الذي يخفق بعنف. تلك اللحظة التي كان يخفض بصره عنها للأرض ورأى فيها الجيبة تسقط شعر يتوقف قلبه للحظات قبل أن يهرع ويغطيها سريعًا كردة فعل غبية منه. ربت زكريا على قلبه وهو يتنهد بوجع كبير متمتمًا:

"يالله يومًا ما ستتسبب هذه الفتاة في توقف قلبي عن الخفقان…. آه كاد قلبي يسقط أرضًا." ذلك الخوف الذي شعر به منذ لحظات عليها. حتى أنه لثوانٍ كاد ينطلق لها ويجذبها ملقيًا إياها في أي منزل بسرعة قبل أن ينتبه أحد. يخبره جيدًا أن حتى ما فعله وأخبره لوالدته ليس كافيًا ليبعدها عن تفكيره. لكن ما عساه يفعل كل ما يستطيع فعله هو أن يدعو ربه.

دخلت فاطمة للمنزل ووضعت كل ما جلبته على الطاولة ثم انطلقت للمرحاض سريعًا فهذا المكان الوحيد الذي تستطيع أن تختلي فيه بنفسها بعد احتلال عمتها وابنتها للمنزل. دلفت المرحاض سريعًا وهي تتنفس بسرعة كبيرة وما زالت صوره وهو يركض لها معطيًا إياها ظهره وهو يشكل درعًا حاميًا لأجلها تقتحم رأسها. أغلقت عينيها بقوة ثم غسلت وجهها بعنف تحاول إبعاد رأسها عما حدث لكن كيف وهي طالما تتنفس لن تنسى ذلك الذي تعرضت له.

تحركت للخارج ثم نادت والدتها وهي تدخل الغرفة واحضرت عباءة ترتديها بدلًا من تلك الجيبة وبعدها اتجهت لوالدتها تخبرها عن انتظار وداد لها لتأذن لها والدتها بالذهاب. *** كانت تسير وهي تشعر أنها مراقبة وأن هناك من يتبعها لذا أسرعت أكثر في سيرها حتى كادت تسقط أرضًا لولا تلك اليد التي أمسكتها. نظرت فاطمة بتعجب لبثينة التي كانت وكأنها تهرب من أسد: "مالك بتجري كده ليه يا بوسي؟

حاولت بثينة تمالك نفسها قليلاً حتى لا تظهر أمام فاطمة بمظهر البلهاء ثم قالت ببسمة: "ولا حاجة يا بطوط بس كنت مستعجلة شوية." قالت محاولة أن تبعد تفكيرها عنها: "كنتِ فين كده؟ ابتسمت لها فاطمة مشيرة للبناية التي يسكن بها زكريا: "خالتي وداد مستنياني مش عارفة ليه هروح أشوفها لو عايزة حاجة مني." قلبت بثينة شفتيها بحنق شديد وهو تقول بتلميح: "طب يا بطوط بس حاولي متحتكيش بالعيلة دي كتير لاحسن تقلبي زي الشيخ."

انكمشت ملامح فاطمة بعدم فهم وهي تحاول معرفة سبب حديث بثينة بهذا الشكل وهذه العداوة جهة زكريا وعائلته: "مش فاهمة يا بثينة قصدك إيه؟ انتبهت بثينة لشيء خلفها لتتحدث بسرعة وهي تتحرك مبتعدة: "بعدين يا فاطمة لأن الموضوع كبير… عن إذنك دلوقتي بس عشان مشغولة."

أنهت حديثها وهي تتحرك بسرعة جهة ذلك الشيء الذي قلب ملامحها بهذا الشكل وتحركت فاطمة صوب منزل زكريا وهي تفكر في سبب كره بثينة له، فهي تعاملت معه ولم يظهر يومًا أي وقاحة أو تجاوز بحقها. على العكس كان دائمًا متفهمًا. لكن ربما هذا ما يظهره أمامها فقط. انطلقت بثينة سريعًا جهة البناية التي يسكن بها رشدي وسحبت ماسة لداخل البناية بعنف شديد تحتجزها في مكان مخفي أسفل الدرج متحدثة بشر كبير جانب أذنها:

"مراحب بالسنيورة اللي عايشة جو المغامرات وماشية تهدد فيا وتكيد ليا." زمت ماسة شفتيها بحنق وتذمر شديد: "أخص عليكِ يا بوسي إنتِ زعلتي من هزاري؟ مش كده برضو خلي عندك روح رياضية." ابتسمت لها بثينة وهي تهمس جانب أذنها بنبرة مرعبة: "ما هو فعلًا أنا عندي روح رياضية عشان كده لسه سيباكِ عايشة لحد دلوقتي لكن متعتمديش على كرمي ده كتير لأني لو جبت آخري صدقيني يا ماسة ما حد هينجدك من تحت إيدي." أبعدت ماسة بثينة عنها بعنف

شديد وهي تتحدث بسخرية: "وإيه يا بوسي يلا هاتي آخره وأنا هاخده منك بروح رياضية زي ما أخدت رشدي." اسودت عين بثينة بشر كبير لتسمع صوت ماسة الغاضب وهي تقترب منها: "لا لا لا أوعي تكوني مفكراني هبلة ومعرفش بحبك الطفولي اللي كان من ناحيتك لرشدي؟ احمرت عين بثينة وفي ثوانٍ كانت يدها ترطم بوجه ماسة جاعلة رأسها يستدير للجهة الأخرى. ابتسمت ماسة بسمة مخيفة وهي تستدير لها متحدثة بهدوء عكس ما كانت تتوقع بثينة:

"إنتِ واحدة زبالة يا بثينة كل شوية بحال وكل شوية بتحبي في واحد شكل ولما يتاخد منك بتحولي على غيرك ومش بتزعلي لحظة… لأنك ببساطة مش بتحبي الشخص لنفسه لا بتحبيه عشان حاجات متخلفة زيك… ولما لقيتي رشدي ملهوش طريق معاكِ غيرتي على غيره ولما غيره مجاش معاكِ قولتي أما تشوفي سكة هادي كده." فتحت بثينة عينيها بصدمة وهي تستمع لحديث ماسة. ماذا تقصد بغيره؟ هل تعلم ما فعلته قديمًا.

لكنها ورغم ذلك ادعت عدم الاهتمام وهي تنظر ببرود لماسة التي ابتسمت لضغطها على الوتر الحساس فهي أكثر من تعرف بثينة وتعرف جيدًا أنها لم تحب هادي لكنها تود إثبات فقط أنها تستطيع الحصول عليه طالما وضعت عينها عليه وأنها مرغوبة بعد فشلها مرتين في الحصول على الحب.

مرة رفقة رشدي الذي لم ينظر لها يومًا حتى إلا كابنة عم رفيقه ومرة مع رفيقها الثري أثناء الجامعة والذي تخلى عنها بأمر من والده وسافر لإكمال دراسته وإدارة أعمال والده في إحدى الدول الأجنبية تاركًا إياها خلفه لا تملك غير أن تعود لهادي الذي كان أمامها دائمًا ولم تفكر يومًا به؛ لرؤيتها أنه أقل من طموحها. لكن كل ذلك تغير حينما صارحها هادي بحبه لشيماء ورغبته في الزواج منها وقتها شعرت أن شيئًا ملكها يسحب من بين أصابعها.

ولم تدرك بسذاجتها أن هادي لم يكن يومًا ملكها. ابتسمت ماسة على ملامح بثينة الشاحبة ثم اقتربت منها وهمست لها في أذنها بشر كبير: "لو شيماء حصلها حاجة محدش هيقف ليكِ غيري يا بثينة." أنهت حديثها ثم صعدت للأعلى تاركة بثينة تنظر في أثرها بنظرات مريضة مرددة بنبرة خبيثة:

"طب كويس إنك بلغتيني… لإن مش ناوية أعمل حاجة لشيماء لإن ببساطة أقدر أتصرف معاها وأسيب الباقي لغبائها… إنما إنتِ بقى فمحتاجة شوية شغل لإنكِ تعرفي حاجات كتير أوي مكنش لازم تعرفيها." *** "يعني حضرتك بعد كده اللي هتحفظيني؟

هزت وداد رأسها بتعجب لبسمة فاطمة تلك وكأنها أخبرتها للتو بخبر نجاحها ولا تعلم أن فاطمة الآن تشكر الله في قلبها لعدم اضطرارها للتعامل مع زكريا مجددًا فهي يكفيها ما تتعرض له كل مرة حينما تكون معه وكأن المصائب تنتظر تلك اللحظة لتظهر. "تمام بما إني وضحت الموضوع نبدأ؟ ابتسمت لها فاطمة سريعًا تهز رأسها بإيجاب سعيدة كثيرًا ومرتاحة لهذا الوضع: "تمام بس أنا مجبتش المصحف بتاعي معايا مكنتش أعرف إني هاخد درس دلوقتي."

ابتسمت لها وداد وهي تنهض: "هروح أجيب واحد من مكتبة زكريا ونبدأ ولا يهمك… أنا زكريا وراني هنبدأ في إيه وعرفت كل حاجة." أنهت حديثها ثم اتجهت للداخل تحضر المصحف تاركة فاطمة في الخارج تحمد ربها لاستجابته دعائها فهي دعت ألا تراه مجددًا بعد ما تعرضت له معه. *** أنهى هادي عمله وكان في طريقه للمنزل قبل أن ينتبه لفرج الذي يحتل مقعده المميز لذا اتجه له سريعًا بغضب شديد يكاد يكسر الأرض أسفل قدمه صارخًا بغضب بمجرد وصوله حيث فرج:

"يابرودك يا أخي… يعني كنت هتبوظ الخطوبة الصبح وقاعد هنا تشرب سحلب؟ "أشرب كركديه طيب؟ اغتظ هادي من حديث فرج ليسحب مقعدًا ويجلس أمامه وهو يرمقه بشر: "بقى أنا أقولك تجبلي بوكيه ورد يا فرج تقوم تجبلي خضار… إيه هنعمل محشي؟ ابتسم فرج وهو لا يشعر بأي ذنب لما فعل: "وفجل لو سمحت… أنا كنت جايب فجل عشان أكسر اللون الأخضر وأعمل ميكس ألوان كده." "تعرف يا فرج لو الخطوبة دي باظت بسببك هعمل إيه؟ نظر له فرج بترقب ليكمل

هادي حديثه بغيظ شديد: "هتجوز أم أشرف وأحرق قلبك." "ويهون عليك عمك فرج يا هادي؟ تحدث فرج بمسكنة ليبتسم له هادي ببرود مرددًا: "لا يا غالي متهونش وعشان كده هسمي أول عيل فرج عشان تعرف إني…" توقف هادي عن الحديث وهو يلمح شيئًا جعله يفتح عينيه بصدمة كبيرة ليهمس: "شيماء؟ *** ابتسمت فاطمة لوداد بحب وتقدير وهي تنهض مقررة الرحيل فهي تأخرت حتى أنها لم تخبر والدتها أنها ستأخذ درسها الآن وأيضًا نسيت هاتفها في المنزل بسبب تعجلها.

تحركت فاطمة متجهة للخارج سريعًا خوفًا أن تقابل زكريا بينما وداد تنظر لها بتعجب لركضها بهذا الشكل لكنها لم تهتم كثيرًا واتجهت للمطبخ. بعد ثوانٍ قليلة دخل زكريا للمنزل وهو ينادي بصوت عالٍ على والدته مخبرًا إياها أنه أتى ليسمع فجأة صوت رنين هاتف والدته: "تليفونك بيرن يا أمي." "رد يا زكريا يابني شوف مين عشان إيدي مشغولة حاليًا." حمل زكريا الهاتف ورأى اسم منيرة ينير الشاشة لذا أجابه بهدوء قليلاً واحترام شديد:

"السلام عليكم." "زكريا؟ فاطمة عندكم يابني؟ تذكر زكريا رؤيته لفاطمة وهي تخرج من منزله راكضة بعيدًا ولم يرد هو أن يقترب قبل أن تختفي حتى لا يعرضها للحرج لذا أجاب منيرة بالرفض وأخبرها أنها رحلت منذ ثوانٍ ليصل له صراخها الذي جعل قلبه ينتفض برعب: "الحقها يا زكريا الحقها بسرعة يابني أبوها جايب مأذون وحالف ميت يمين ليجوزها لواحد قده أول ما توصل، أبوس إيدك يابني تلحقها خليها عندك دلوقتي، الحقها يا زكريا."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...