شعور أنها مراقبة لا يكاد يتركها كلما خرجت من منزلها. وكأن هناك شخص يسير خلفها في كل مكان كظلها. ابتلعت بثينة ريقها بخوف وهي تسرع من خطوات قدمها تدخل أحد الشوارع وكل ثانية وأخرى تنظر خلفها برعب شديد وكأن شبحا يلحق بها. حسنا لن تكذب وتقول أنها لم تفكر لثوانٍ في هذا الاحتمال، أن يكون المراقب لها من الأشباح. فهي كلما التفتت فجأة لم تجد أحد خلفها مما عزز تلك الفكرة داخل رأسها.
توقفت فجأة على جانب أحد الأزقة الضيقة تنظر حولها بريبة شديدة وكأنها على وشك السرقة. لكن توقف قلبها عن الخفقان وهي تستمع لصوت جوار أذنها يتحدث بهمس: _الجميل ماله خايف كده؟ صرخت بثينة برعب وهي تلتفت سريعًا لذلك الذي يشرف عليها بطوله وجسده الضخم. تضع يدها على صدرها بفزع شديد تحاول تنظيم تنفسها ثم نظرت حولها بخوف قبل أن تدفعه بعيدا عنها بغضب جحيمي: _انت غبي!؟ كنت هتوقف قلبي. صدرت قهقهات من ذلك الرجل وهو ينظر
لها بنظرات ساخرة محتقرة: _اللي يشوفك وأنتِ مرعوبة كده ما يشوفكيش وأنتِ ماشية تخبطي في خلق الله. قلبت بثينة عينها بغيظ شديد وهي تتحدث بضيق: _قُصره… طلبت تقابلني ليه؟ مش قولت إن أخري معاك كان إني اجبلك الرقم بتاعها؟ التوى ثغر الرجل ببسمة جانبية ساخرة ثم قال وهو يلقي قنبلته: _الاستاذ جوزها بيدور ورايا فقولت اقولك تاخدي بالك من حركاتك الايام الجاية لاحسن تتقفشي و… أنهى حديثه بغمزة من عينه وهو يضحك للرعب الذي ملء وجهها
وهي تتحدث بتقطع وخوف شديد: _رشدي؟ وهو… هو عرف منين؟ _يمكن عشان ظابط مثلا؟ عموما هو معرفش حاجة عني بس هو بدأ يدور ورا الرقم عشان يعرف أصله فأنا ببلغك تاخدي بالك. هزت بثينة رأسها وهي تفكر في تلك الورطة التي أوقعت نفسها بها، بسبب تسرعها ورغبتها في الانتقام من ماسة بعدما عرفت أن ماسة تعرف الكثير عنها مما تخفي عن الجميع.
_تمام اسمعني انا معرفكش ولا انت تعرفني… انت كنت حابب حد يوصلك ليها وانا بس عطتك رقمها يعني لو وقعت انا مليش فيه… إنت فاهم؟ هز الرجل رأسه ومازالت تلك البسمة الساخرة والخبيثة في نفس الوقت مرتسمة على فمه لتستدير بثينة سريعا وهي ترحل قبل أن يلمحها أحد رغم حرصها على مقابلته خارج الحارة. نظر الرجل لاثرها بنظرات مقززة وهو يمرر أنظاره على جسدها من أعلى لاسفل عاضا شفتيه بنبرة شهوانية:
_وماله ياقمر بكرة يجي اليوم اللي تعرفيني كويس. *** كاد لؤي يركض سريعا لغرفة ابنه لسماع صوت صراخ فاطمة لولا يد وداد التي منعته من ذلك متحدثة بهدوء: _سيبه مع مراته يا لؤي أيا كان اللي بيحصل هو هيتصرف ولو احتاج مساعدة هتلاقيه بينادي. توقف لؤي محله قليلا وهو ينظر بتردد للباب وقد هدأت الصرخات فجأة ثم بعدها تحرك بعدم اهتمام مصطنع جهة الأريكة يشغل التلفاز ببرود شديد. في الداخل:
انتبه زكريا لتلك الحالة التي عادت مجددا لزوجته وحدث مثلما حدث المرة السابقة فقد تيبس جسدها وكأنها شُلت وأصبح تنفسها بطئ بشدة وكأنها على وشك لفظ أنفاسها الأخيرة. لذا ودون تفكير ثانية كان يركض جهتها جاذبا إياها لاحضانه في عناق كبير ثم أخذ يهدهدها كطفلة صغيرة وهو يقرأ على مسامعها بعض الآيات القرآنية وهي فقط تتنفس بعنف بين أحضانه وهو مازال يتلو الآيات على مسامعها ويشدد على عناقها أكثر واكثر حتى كاد يدخلها لاحضانه متذكرا حديث والدتها له بأنها في تلك الحالة تحتاج فقط للشعور بأن أحد جوارها وأنها ليست وحدها. لذا كان يشدد على عناقها يدفن وجهها في رقبته وهو مستمر بتلاوة الآيات.
بينما فاطمة بمجرد رؤية رجل ذو جذع عالي حتى عادت لرأسها تلك الذكريات السوداء بعدما أفاقت من أغمائها و وجدت أحد الرجال يخرج من المرحاض وهو يجفف شعره متحدثا بنبرة مقززة مبتسما بخبث: _صباحية مباركة يا قمر. أغمضت فاطمة عينها بشدة تشتم رائحة غريبة عليها وصوت حنون اجش يقتحم غيمتها السوداء وهو يقرأ عليها بعض آيات القرآن بلطف وصوت ملائكي لتبدأ بالهدوء شيئا فشيء وبعض الشهقات تخرج من فمها كل فترة.
شعر زكريا بارتخاء جسد فاطمة ليبدأ في التحدث إليها بهمس حنون بشدة وكأنه يتحدث مع ابنته الصغيرة: _اششش انا هنا معاكِ متخافيش… انا جانبك دايما. مدت فاطمة يدها دون وعي تحيط بها عنق زكريا بشدة وكأنها تخشى رحيله وعودة تلك الذكريات السوداء إليها مرة أخرى. لتخرج همسة صغيرة من بين شفتيها ودون شعور بأي شيء سوى ذلك الدفء الغريب عليها والذي لأول مرة تشعر به: _متسبنيش.
ومجددًا تلك الكلمة تكررها على مسامعه تستفز بها كل ذرة مسؤولية داخله تجاهها وكأنه لم يتزوج للتو بل حصل على طفلته الأولى التي يشعر تجاهها بمسؤولية كبيرة جدا ولا يعلم لماذا هذا الشعور معها هي بالتحديد؟
ربما لأنها زوجته، لكنه شعر أيضا بنفس الشعور قبل زواجه منها، أو ربما بسبب نظراتها الحزينة التي يراها دائما. حسنا لا يهم كل ذلك المهم أنه بالفعل يشعر تجاهها بمسؤولية كبيرة إلى جانب بعض المشاعر الغريبة والتي لا يود حقا تفسيرها. انتبه زكريا لانتظام انفاس فاطمة بجانب عنقه وقد علم منها بنومها، لذا اعتدل قليلا وهو يحاول جعلها تتسطح على فراشه لكن بمجرد أن مدّ يده ليبعدها عن أحضانه حتى تشبثت به فاطمة أكثر وهي
تبكي في نومها متمتمة بخوف: _لا خليك معايا… متسبنيش.
ابتلع زكريا ريقه وهو ينظر إليها قليلا قبل أن يعتدل بجسده يستند على ظهر الفراش خلفه جاذبًا اياها بين ذراعيه في وضعية أفضل ثم نظر لها ببسمة لا يعلم مصدرها أو سببها حتى. يقترب منها محققا حلمه الذي أراده منذ رؤيته لمنيرة تقبلها. فــ اقترب مقبلا إياها بحنان شديد من وجنتها وبعدها جذب الغطاء عليهم. فأصبح هو يستند بظهره على الفراش خلفه وهي تنام قريرة العين بين أحضانه. زوجته الصغيرة والتي كاد يفتن بها لولا طلبه من والدته أن
تحفظها هي لكن ها هو القدر يصر على جمعهما معا وتحت مسمى جديد. زوجته. كرر زكريا الكلمة بتعجب شديد من وقعها عليه فها هو قد تزوج بعدما كان يبعد تلك الفكرة عن رأسه رافضا إياها في ذلك الوقت، لكن ها هو يجلس على فراشه يضم بين أحضانه زوجته التي لا تتخطى معرفته بها ايام فقط.
تنهد زكريا وهو يغمض عينه تاركا كل شيء لحتى يستيقظ ناعما بذلك الدفء الجديد على فراشه وتلك الاحضان الغريبة عليه. ارتسمت بسمة ساخرة على جانب فمه وهو يتذكر حساسيته الشديدة تجاه جميع النساء ورفضه حتى لمجرد لمسة عابرة ولو بالخطأ ها هو يحتضن امرأة غريبة تقريبا وكأنه عاشق لها وليس شخص عرفها من ايام فقط وقد كانت غريبة عليه. وها قد أضحت تلك الغريبة امرأته. ***
ركض رشدي بجنون في طرقات المشفى يتبعه هادي الذي فزع لحالته حينما أنهى اتصاله مع أخته. كان يسير رشدي في ممرات المشفى وهو يبحث بعينه عن رقم الغرفة الذي علمه من أخته. داخل الغرفة كانت ماسة تضحك بتعب شديد على تذمرات شيماء من هادي: _مش فاهمة هو شايف نفسه ايه؟ قال مفكرني اتصلت عشان سواد عيونه. صمتت قليلا ثم أخذت تتحدث بنبرة خشنة بعض الشيء مقلدة هادي: _طالما اتصلتي يبقى حاسة بالذنب… يلا راضيني بقى.
ازدادت ضحكات ماسة وهي تضع يدها على صدرها بوجع بينما سحر كانت تنظر لهما بيأس ثم قالت وهي تنهض: _هروح اجيب اي حاجة اشربها بدل القعدة اللي كلها تنمر دي. انهت حديثها تاركة كلا الفتاتين تنظران في اثرها ببسمة حتى تحدثت ماسة بمشاغبة ومازالت نبرتها مجهدة وبشدة: _سيبك من سحر يابت وقلديلي هادي شكلك مسخرة وأنتِ بتقلديه.
ابتسمت شيماء بغباء وحماس وهي تنهض من الفراش الخاص بماسة التي تحسنت قليلا وأصبحت قادرة على التحدث بعدما كانت تتنفس بصعوبة. توسطت شيماء الغرفة وهي تنفخ صدرها بشدة، تقف وهي تفتح قدميها بشكل مثير للضحك ثم تحركت في الغرفة كبطريق متحدثة بصوت رخيم اجش تحاول منه تقليد صوت هادي: _اسمع يا رشدي انا هروح اجيب امي والخلاط وهاجي اتجوز اختك.
عند هذه اللحظة لم تتمكن ماسة من التحمل فصرخت من الضحك تراقب مشية شيماء وهي تفتح قدميها بغباء شديد نافخة صدرها حتى كادت تفقد أنفاسها. استمرت شيماء في تقليد هادي وهي تركض ومازالت تفتح قدمها بغباء تقلد هادي أثناء نداءه لرشدي: _رشدي… رشدي. كانت تتحدث وهي تمثل وكأنها تركض خلف رشدي بهيئة هادي لكن وأثناء ذلك استدارت فجأة لتجد أن رشدي وهادي يقفان على باب الغرفة والبلاهة هي كل ما يظهر على ملامحهما.
كان هادي يرمش بعدم استيعاب يرى تلك الغبية تقلده بهذا الشكل المضحك. بحق الله هو حتى لا يسير بهذا الشكل البشع الذي تقوم به. رفع رشدي حاجبه وهو يمرر أنظاره على زوجته واخته. يا الله ما هذا الغباء الذي يحاط به. ابتلعت شيماء ريقها بصدمة وهي تعتدل في وقفتها وتجلي حلقها بتوتر مشيرة لماسة التي فور رؤيتها لرشدي حتى ادعت الإغماء وهي تلقي يديها جوارها مخرجة لسانها وكأنها للتو ماتت خنقا: _ماسة هي اللي قالتلي. ***
تمام يا مرسي مش انت عملت اللي انت عايزة؟ ممكن بقى تسيبني انا وبنتي في حالنا؟ صدم مرسي من حديث زوجته هل تمنعه الآن من ممارسة حقه كأب وزوج؟ ويبدو أن منيرة ادركت فيما يفكر لتتحدث بهدوء وحيادية تحاول أن تتحكم في غضبها قليلا فبالنهاية هذا زوجها ويجب عليها احترامه حتى وإن لم يستحق ذلك: _هتفضل اب لبنتك دايما يامرسي… انا مش بقولك اني بمنعك تكون ليها اب… بالعكس أنا بتمنى أنك تكون اب ليها ولو ليوم واحد يا مرسي.
صمتت تراقب ملامح الاستنكار التي تعلو وجه زوجها وكأنها رمته للتو بأتهام باطل سخرت في نفسها وهي تسمع صوت نحمده التي اكتفت مما تقوله زوجة اخيها: _قصدك ايه يا منيرة؟ محسساني إنه ماسك الكرباج ونازل جلــــ.د في بنته… مش كل اللي بيعمله عشان مصلحتها؟ واديكي شايفة اهو جوزها لواحد ماشاء الله. _ياريته كان جلــــ.دها… ياريته، بس هو معملش كده هو دبحها يا نحمده… بعدين مين ده اللي جوزها ها؟ كانت توجه نظراتها الحادة لوجه
نحمده قائلة بغضب مجنون: _جوزها مين معلش؟ ده كان جايب واحد عجوز يجوزها ليه ولا أنتِ مكنتيش معانا؟ ولو زكريا اتجوزها فده كرم ورجولة منه هو مش فضل من اخوكِ. صدمت نحمده من حديث منيرة التي تخطت به كل الخطوط الحمراء وهي التي لم ترفع يوما صوتها على أحد وكانت دائما تختبأ إذا ما سمعت مواء قطة بالقرب. ها هي ذا تنتفض أمامهم وكأنها على وشك الهجوم عليهم.
صمتت نحمده ولم تتحدث بكلمة أخرى فهي لا تضمن ردة فعل منيرة قد تطردها وابنتها من المنزل ولا تجد مكان تذهب إليه، بينما كان مرسي صامت صمت مريب يستمع لكن ما تقوله زوجته عنه دون حتى كلمة اعتراض من جهته. نظرت منيرة لهما ببسمة سعيدة بسيطرتها على الأوضاع هنا لتتحدث بعد صمت طويل عن المكان: _من انهاردة محدش فيكم هيتدخل في حياة بنتي ولا حد ليه الحق يتحكم فيها غير جوزها وبس. ***
كانت تغمض عينيها ناعمة بدفء غريب. دفء ودت لو تعيشه طوال حياتها. ابتسمت أثناء نومها وهي تتشبث أكثر بذلك الشيء الذي يضمها ثم اقتربت اكثر وهي تقبل ذلك الشيء بحب وراحة شديدة. بينما كان زكريا يكاد ينفجر خجلا مما تفعل فهي تلتصق به بشكل خطير جدا… وهو لم يعتد على أن يلمس امرأة غير والدته والآن تأتي هذه وتلتصق به بهذه القوة؟ بل وتقبل صدره أيضا. حاول أن يتنفس ليهدأ نفسه، ثم مد يده بتردد وهو يربت على رأسها
بحنان هامسا بصوت خافت: _فاطمة. لم تجبه فاطمة رافضة أن تخرج من تلك الغيمة التي تحيطها بكل راحة، لكن زكريا عاد مجددا ونادى عليها وهو يحاول تهدأته ضربات قلبه التي تكاد تخرج من صدره: _فاطمة اصحي.
فتحت فاطمة عينيها قليلا لا تعي شيء حولها و دون شعور منها أو حتى تعلم سبب فعلتها اقتربت من زكريا وهي مازالت تغلق عينها بعض الشيء ثم كوبت وجهه قليلا واقتربت منه وقبلته في خده وبعدها أحاطت رقبته واكملت نومها وكأنها كانت بحلم أو ما شابه تاركة زكريا يكاد قلبه يتوقف عن الخفقان وانفاسه تتسارع وهو يهمس: _ربــــــــاه… سيتوقف قلبي.
حاول زكريا الابتعاد عنها بعدما فشل في جعلها تستيقظ وللحق هو في هذه اللحظة لا يتمنى ابدا أن تستيقظ وتراه بهذا الشكل.
وبمجرد أن نزع رأسها من على صدرها ووضعها على الفراش حتى انتزع جسده من الفراش بسرعة وهو يغادره ببطء حذر يبتعد للخلف بظهره موجها نظره لها يود ارتداء ثيابه قبل أن تستفيق، لكن ليست كل الاماني تتحق فبمجرد ابتعاده عنها حتى شعرت فاطمة وكأنها سحبت فجأة من ذلك الدفء والقيت ارضا بعنف لتفتح عينها بانزعاج تنظر حولها لترى الشيخ أمامها ينظر لها بشكل غريب متراجعا للخلف وكأنه لص وكان فقط يرتدي شورت قصير ولا شيء آخر.
توقف زكريا عن التحرك وهو ينظر لها بصدمة وهي تبادله نفس النظرات. استمر الوضع لثوانٍ دون أن يقدم أحد على التحرك انشا واحدا وكأنهما تجمدا. قطعت فاطمة تلك اللحظات من الصمت المريب بصرختها التي صدحت في المنزل كله. *** _ماسة هي اللي قالتلي. تحدثت شيماء بخجل تكاد تبكي مما وضعت فيه نفسها بسبب الغباء مشيرة لماسة التي تدعي الإغماء بشكل مثير للضحك مخبرة إياهم أن ماسة هي صاحبة الفكرة.
اقترب هادي وهو يلوي شفتيه لأعلى بتشنج ناظرا لشيماء ثم تحدث بسخرية كبيرة: _هو انا بمشي زي ما بتعملي كده؟ نظرت له شيماء بخجل شديد لينظر لها هادي بحنق وهو يتحدث بغيظ: _بعدين انا بمشي فاتح رجلي بالمنظر ده؟ ليه عندي تسلخات؟ احمر وجه شيماء بشدة من حديثه تنظر له بحنق، لكن ليس هادي من يصمت ليكمل حديثه بسخرية لاذعة: _بعدين بتجيبي سيرة الخلاط بتاعنا ليه؟ ده شاهد على خطوبتنا.
تأفف رشدي مما يحدث ليتحرك جهة زوجته التي تدعي الموت تقريبا فهذا ليس مظهر مريضة نائمة ابدا. وقف رشدي أمام الفراش وهو يهز ماسة بسخرية: _ماسة يا حبيبتي أنتِ عندك حمى… مش ميتة محروقة. استمرت ماسة في ادعاء الإغماء ليقترب منها رشدي مبتسما بسخرية وهو ينحني مقتربا منها بشكل كبير مستغلا انشغال شيماء بشجارها مع هادي الحانق: _طب على الاقل دخلي لسانك بدل ما أنتِ شكلك زي المخنوقة كدة.
لم تتحرك ماسة سنتي واحد أو ترمش حتى ليبتسم رشدي وهو يقترب مقبلا وجنتها بحنان شديد لعدة ثوانٍ قبل أن ينتبه أحد، ليجد ماسة تستدير للجانب الآخر وهي تعطيه خدها الآخر ليقبله. اطلق رشدي ضحكات عالية وهو يضرب جبينها بخفة ثم نظر لهادي وهو يتحدث بضيق: _زفت يا هادي خلاص خلصنا. رمقه هادي بحنق شديد وهو يهدر معترضا ملوحا بيده:
_يا عم اسكت شوية خلينا نشوف حكاية نفخة الصدر دي…. ايه ياختي شايفاني ماشي نافخ صدري ولا فاتح رجلي ولا كأن عندي البواسير؟ خجلت شيماء بشدة من حديثه ليرمقه رشدي بغيظ شديد صارخا في وجهه أن يكف عن حديثه الوقح. ثم نظر لماسة التي استفاقت واخيرا وهي تجلس معتدلة على الفراش ليقترب منها بحنان شديد يضع يده على وجهها مربتا عليه بحنان: _حبيبي عامل ايه؟ ادعت ماسة الغضب فهي لا تنسى صراخه بها ابدا لذا نظرت للجهة الأخرى قائلة بحنق:
_مش بكلمك. ضحك رشدي عليها ثم جذب وجهها مجددا له وهو يقترب منها بشدة هامسا بحب: _واهون عليكِ. _ما انا هونت عليك يا أباظة. اقترب رشدي منها أكثر وأكثر حتى كاد وجهه يلامس وجهها قائلا بحب شديد: _قلب وروح أباظة. كان رشدي ينظر بعشق لماسة وهو يهمس لها بكلماته المعتذرة عما بدر منه أثناء غضبه وما كاد يضيف كلمة حتى وجد هادي يطل عليهم من الاعلى وهو يقول ببسمة غبية:
_بمناسبة اللحظات السعيدة دي والمود الرايق ده يا أباظة… اروح اجيب امي والخلاط وتجوزني اختك؟ رفع كلا من رشدي وماسة وجههما لهادي الذي كان بسمته البلهاء تزين وجهه مضيفا: _متجوزني اختك يا أباظة وخليك جدع. انتفض رشدي نافضا ذراع هادي عن كتفه وهو يتحدث بحنق شديد: _يا بني ارحم امي يابني. دخل في ذلك الوقت ابراهيم وهو يحمل بعض الطعام ليفاجئ بحضور الجميع وينتبه لرشدي الذي ركض عليه سريعا وهو يقبل يده متوسلا إياه أن يخلصه
من هادي الذي أضحى كالعلقة: _ابوس ايدك… ابوس ايدك خلصني منه يا حاج… اقولك منك ليه يعني اعتبرني معرفش شيماء دي ولا اقربلها اصلا خلي كلامه كله معاك… خليه يعتقني ابوس ايدك. صمت قليلا ثم قال ببسمة مجنونة: _اقولك حاجة احسن خده وخد بنتك واطلع على اي مأذون وجوزهم واديها ليه يروح بيها. _رشدي. تحدثت شيماء بخجل شديد لحديث أخيها ليتجاهلها رشدي وهو ينظر باستجداء لأبيه الذي نظر له بسخرية ثم تحدث بدرامية كبيرة:
_يا اما قولتلك يا بني وحذرتك… إياك وصداقة الهبل بس انت عملت ايه؟ روحت وصاحبت اعبط اتنين في الحي كله…. اشرب بقى. أنهى ابراهيم حديثه وهو يضع حقائب الطعام ارضا ثم خرج وهو ينظر لابنه بتأثر شديد: _إياك والعبط يا بني… إياك والعبط. نظر رشدي لاباه بغيظ وهو يتبعه صارخا بحنق: _خد يا حاج هنا لسه مخلصناش كلام.
نظر هادي لرحيل رشدي وابراهيم ثم تحرك خلفهم فاتحا قدمه كما كانت تفعل شيماء راكضا بنفس الطريقة التي كانت تركض بها وهو ينادي رشدي بصوت رخيم جدا وبنفس طريقة شيماء: _رشدي… رشدي. *** فزع زكريا من صراخ فاطمة الذي صم اذان الجميع. لينطلق دون شعور منه منقضا عليها يكتم فمها وهو ينظر للباب برعب: _اششش اسكتي… استري عليا ابوس ايدك هيفتكروني بعمل حاجة غلط.
نظرت له فاطمة برعب وهي تراه عاري الجذع لتدفعه بعنف شديد ثم انتفضت من الفراش وهي تصرخ متجه صوب الباب لكن وقبل أن تفتحه شعرت بزكريا يجذبها من الخلف مانعا إياها من الخروج وهو يتحدث لها: _يرضيكِ يعني تفضحي جوزك ولؤي يشمت فيا؟ ده لو شافني بالشورت هيصورني ومش بعيد يفرجها للناس بعد صلاة الجمعة ابويا وانا عارفه.
توقفت فاطمة عن التحرك وهي تنظر له بتعجب شديد لما يقول متعجبة طريقة حديثه معها فهي اعتادت منه الجمود واللامبالاة. هل يحدثها هي الان؟ انتبه زكريا لهدوء فاطمة بين ذراعيه لذا ابتعد عنها يتنحنح بخجل شديد من الوضع الذي كان عليه ليحمر وجهه دون شعور وهو يفرك عنقه بخجل: _اسف مكنتش اقصد. كانت فاطمة تنظر له دون وعي ثم همست وكأنها انتبهت الان: _مراتك؟ لم يفهم زكريا قصدها لتعيد هي حديثها بشكل اوضح: _إنت قولت مراتك؟ ابتسم
لها زكريا وهو يهز رأسه: _اممم مراتي هما خدروكِ ولا ايه؟ مش فاكرة أننا اتجوزنا؟ _وانت بقى ما صدقت تتجوز عشان تقل ادبك و تقلع قدامي؟ وانا اللي كنت مفكراك محترم… طلعت زيك زي كل الرجالة بتحرككم رغباتكم. تشنج زكريا بصدمة من حديثها ليجدها تفتح الباب وتخرج تاركة إياه في صدمته.
خرج زكريا من صدمته على فتحها للباب وخروجها منه ليهرع سريعا ويرتدي ثيابه ثم خرج خلفها ليجدها تقف مع والدته وهي تخبرها أنها راحلة لذا ركض سريعا ممسكا إياها من ثيابها من الخلف وكأنه امسك بلص صغير يسرق حذائه. نظرت فاطمة بصدمة لفعلته لتبدأ التحرك بين يديه بغيظ شديد هاتفه من بين أسنانها: _اوعى كده سيبني خليني اطلع. _تطلعي ايه طلعت روحك… هتطلعي كده؟
نظرت له فاطمة بعدم فهم ليشير هو بعينه جهة شعرها. فزعت وهي تتحسس رأسها تهدر به أن يغمض عينه ليسخر بها زكريا وقد اكتشف جانبا به جديد لا يخرج سوى مع تلك الفتاة بين يديه: _ايه يا ختي خايفة اشوف شعرك وأنتِ مراتي؟ ما أنتِ من شوية كنتِ هتوريه لأمة لا إله إلا الله ولا هو حرامٌ على بلابه الدوح حلال على الطير من كل لون؟ فتحت فاطمة فمها ببلاهة لا تفهم ما قال للتو وما كادت تستفسر حتى صرخ بوجهها: _ادخلي يابت غطي شعرك.
فزعت منه فاطمة وهي تركض سريعا لغرفته باحثة عن حاجبها برعب من صراخه. انتبه زكريا لنظرات والده و والدته المتعجبة لتصرفاته، لكنه تجاهل الأمر الآن يراقب تلك التي خرجت من غرفته ثم تخطته جهة الباب مودعة والدته دون حتى أن توجه كلمة له. وماكادت تغلق الباب خلفها حتى تحدثت بحزم: _لو سمحت هما اسبوعين ونطلق. _وليه اسبوعين؟ طب ما انا ممكن البضاعة مثلا تعيش معايا لشهر… لاازم يعني أبدلها بعد الاسبوعين؟ مينفعش اعمل طلب إمداد وقت.
نظرت له بحنق ثم اردفت بعصبية: _انا مش بهزر على فكرة… بعد اسبوعين هتطلقني. دفع زكريا رأسها بعيدا عن الباب وهو يتحدث بغيظ شديد منها: _اسرحي يا عسل يلا عند بيتك. ثم اغلق الباب في وجهها بحنق شديد واستدار ليجد نظرات والديه ازدادت تعجبا من تصرفاته ليتحدث وكأنه لم يفعل شيء: _فيه ايه؟ بتبصوا كده ليه؟ ***
استيقظ زكريا في الصباح على صوت والدته وهي تنكزه في كتفه لينهض. فتح زكريا عينه بانزعاج شديد لاستيقاظه مبكرا فاليوم هو الجمعة وليس أي جمعة بل الجمعة الأخيرة من الإجازة. ثم سيعود للتدريس مجددا: _نعم يا وداد ابوس ايدك سيبيني انام شوية قبل مالؤي يفتكرني ويقولي انزل المحل. لم تجبه والدته بل استمرت في نكز كتفه بغيظ شديد ليفتح عينه بانزعاج شديد وهو يزفر بضيق: _نعم يا وداد اؤمري فيه ايه!
لم تجبه دلال بل أشارت على ثيابه أن ينهض ويعطيها لها. ضيق زكريا عينيه بتفكير ثم همس بينه وبين نفسه: _هدوم وصمت؟ البداية دي انا عارفها كويس… اتخانقتي مع لؤي؟ أدارت وداد وجهها للجهة الأخرى معبرة عن حقيقة ما قال. لطم زكريا بحنق شديد: _يا مرارك يا زكريا… يا مرارك…. يعني انتم مش بيحلى ليكم تتخانقوا غير الجمعة؟ مش فاهم عشان يعني البركة تحل في الخناقة ولا ايه؟ أشارت له وداد بحزم أن ينهض ويعطيها ثيابه ليتحدث بحنق شديد:
_فالحين بس تتخانقوا وكله يجي على دماغي انا… ولا يا وداد مش هديكِ حاجة عشان اكيد اخدتي دولابي كله. صمت وهو ينهض من فراشه بضيق شديد متجها صوب الحمام متمتما بضيق شديد: _والله بعد كده لاخبي هدومي عند الواد هادي. نظرت وداد الحمام بحنق وهي تفتح عينها بصدمة من فعلة ابنها ليصلها صوته وهو يقول بغيظ شديد: _مش هتستريحوا انتم غير لما انزل الشارع ببوكسر والناس تعايركم إن ابنكم كان ماشي ببوكسر وهو طول الباب.
كان لؤي يجلس في الخارج يبتسم بسخرية وهو يرى وداد تتحرك من أمامه ونظراتها تكاد تحرقه. خرج زكريا من غرفته بضيق وهو يتمتم مغتاظا من ذاك الزوج: _افضلوا أنتم خلفوا عيال وبهدلوهم معاكم بخناقكم مش فاهم انا الخناقة الصامتة دي؟ يعني الواحد يعرف الخناقة اللي تقفل بطلاق أو قلمين…. إنما انتم لا ازاى لازم لما تتخانقوا تنكدوا على الدنيا معاكم. ***
كاد هادي يخرج من المنزل سريعا ليلحق برفيقيه في محل لؤي فاليوم هو موعد تجمعهم في المحل سويا لكن بمجرد أن فتح الباب حتى تفاجئ بوجود بثينة في وجهه وهي تبتسم له بسمة غريبة عليه. تراجع هادي سريعا مفسحا لها طريق الدخول: _اتفضلي امي جوا. أنهى حديثه وكاد يخرج سريعا لولا أنها أوقفته وهي تقول بحزن شديد لجفاءه معها: _برضو لسه متضايق يا هادي ما انا اعتذرت ليك كتير.
توقف هادي بتعجب وهو يعود للباب ناظرا لها بعدم فهم. هل تظن أن ما فعلته كان سهلا؟ يبدو أنها جنت اكيد. _هو ايه اللي اعتذرتي عنه؟ انك روحتي تشوهي صورتي قدام شيماء؟ ولا انك افتريتي عليا زور؟ كادت بثينة تفتح فمها لكن اقتراب هادي بسرعة منها جعلها تشهق بقوة ورعب: _احمدي ربك إن اخرك معايا كان إني امنع الكلام… لان صدقيني لو سبت الموضوع لشياطيني هيكون ليا كلام تاني معاكِ. أنهى حديثه ثم رحل بسرعة قبل أن يعود ويصفعها مؤدبا إياها.
بينما هي نظرت له بغيظ شديد ثم اخرجت هاتفها متحدثه بهدوء شديد: _الو يا شوشو…. أنتِ في البيت؟ طب تمام انا جيالكم…. ومتخليش فاطمة تمشي لما نشوف حوارها هي كمان.
انهت حديثها وهي تنظر بغيظ حولها ثم خرجت من المنزل بحنق فهي من الأساس جائت لأجل أن ترى هادي وها هو يرحل تاركا إياها دون حتى أن يسامحها. والان لترى أمر السيدة فاطمة والتي علمت بزواجها صدفة من خلال حديث شيماء معها بالأمس والذي اخبرها رشدي بكل ما حدث. همست بثينة بغيظ شديد وهي تغلق الباب خلفها بعنف: _والله شكل الهبل بس هما اللي بينفعوا مع صنف الرجالة… شيماء و كمان فاطمة وانا قاعدة أزمر. ***
يابني ركز الله يكرمك هما شعرتين بس هتشيلهم في ايدك. زفر هادي بحنق وهو ينظر في المرآة لوجه فرج بغيظ شديد: _بقولك ايه يا فرج انا لو عليا هشيل راسك نفسها فاهدى كده لاني على اخري منك. صمت فرج برعب وهو يناظر عيون هادي التي تقدح شرار. همس زكريا وهو يضع الطعام على الطاولة يجهز الفطور للجميع: _قوم يا رشدي إنت شوف فرج لاحسن مش بيسلك مع هادي. هز رشدي كتفيه بعاد شديد وكأنه طفل صغير: _مليش فيه… ده دوره هو، انا لسه حالق لواحد.
أصدر زكريا صوتا ساخرا من حنجرته على طفولة رفيقيه ليستفيق على صوت هادي الذي غمزه في المرآة بخبث: _ها بقى يا كازانوفا احكيلنا ايه اللي وصلك للجواز بالشكل ده؟ _يابني انت لو مركزتش هتوصلني للرفيق الأعلى ابوس ايدك انا لسه حتى ممسكتش ايد ام اشرف. ضحك هادي بصخب وهو ينحني قليلا لفرج هامسا: _مش عيب لما تبقى خلبوص كبير كده ولسه ممسكتش ايد ام اشرف؟ يا جدع ده انا قولت انك وصلت لمرحلة البوس بس شكلك زي حالاتي لسه مستني الفرج.
هز فرج رأسه وهو يتنهد بتعب وملل موافقا حديث هادي. ابتسم زكريا وقد استمع لحديثه هادي فهو الاقرب له من رشدي. تحدث رشدي وهو ينظر لزكريا بتعجب يتناول بعض الطعام سريعا حتى ينتهي هادي: _مقولتليش يا زكريا هتعمل فرحك امتى؟ انتبه هادي والجميع لحديث رشدي ليبتلع زكريا ريقه بتوتر فهو حتى لا يعلم مصير علاقته بفاطمة: _ربنا ييسر لسه معرفش. تحدث هادي بغيظ شديد:
_لا يا خويا اعرف بسرعة لاني ناوي والنية لله نتجوز سوا في نفس اليوم… واياك اسمع كلمة اعتراض. _أنتِ صغنونة هتتجوزي. شعر هادي بيد رشدي تبدأ في زغزغته ليبدأ الضحك دون التحكم في نفسه: _رشدي لا…. بس… بواخة بقولك… بس. ضحك رشدي بشدة على ضحكات هادي التي ملئت المكان ليبتسم لهم زكريا بحب شديد شاكرا الله في نفسه على هؤلاء الأصدقاء الذين يعشقهم.
انتبه رشدي وهادي لنظرات زكريا ليتغامزا ثم وفي ثوانٍ كان الاثنان يهجمان على زكريا الذي صرخ بفزع قبل أن تصدح ضحكاته مختلطة بضحكاتهم في منظر مبهج للقلب. هتف هادي بفرحة شديد: _ايه رأيكم نعمل التلات افراح مع بعض؟ هيكون حلو اوي. سمع الجميع فجأة صوت يقتحم المحل متحدثا بثقة كبيرة: _فعلا حلو، والأحلى بقى لو كانوا اربع افراح وجوزتني بثينة بنت عمك…
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!