ضغط رشدي على شفتيه تحت أسنانه حتى كاد يقطعهم من غباء ذلك الذي يقف جواره. تحدثت وداد وهي تركض صوب الباب حيث كان لؤي ما يزال يقف. وهو لا يعي شيئًا مما يحدث. هل ما سمعه صحيح؟ عقد قران زكريا؟ ابنه هو؟ "بتقول إيه يا هادي؟ أنت بتهزر ولا إيه يابني؟
كانت تلك الكلمات التي انطلقت من فم وداد تزامنا مع وقوفها أمام الجميع في انتظار توضيح لذلك المزاح الثقيل الذي سمعته منذ قليل. لكن حديث رشدي، والذي قاله بعدها، ألغى كل شكوكها تجاه الأمر. "اهدي شوية يا خالتي واسمعيني. الموضوع مش زي ما أنتم فاهمين." نظر له لؤي بصدمة. فإن كان هادي يمزح، فرشدي لا. "يعني بجد؟ "أيوه، بس معلش خليني أفهمكم الموضوع بسرعة." ***
استدار زكريا بعدما أنهى مكالمته مع هادي، داعيًا الله أن يستخدم عقله لمرة واحدة كشخص طبيعي دون أن يتسبب في مقتله. وأن يتحدث رشدي هو أمام والديه وليس هادي المندفع حتى لا يخرب كل شيء. بمجرد استدارة زكريا، وجد منيرة تقف أمامه وما زالت دموعها لم تنضب بعد. وتحمل في عيونها نظرات كثيرة مختلطة. استطاع فقط تمييز نظرة الامتنان له. ليأتي له صوتها وهي تتحدث بهدوء:
"أنا عارفة إنك ملكش ذنب في كل اللي بيحصل، وإنك انظلمت في الحوار ده كله، بس... صمتت قليلاً تحاول ابتلاع غصتها، ثم أكملت بنشيج بسبب البكاء: "بس إنت أملي الوحيد عشان أنقذ بنتي من إيدهم. لو المرة دي عرفت أخرجها من الموضوع، المرة الجاية مش هعرف. وفي مرة من المرات الكتير دي، هلاقي نفسي بزف بنتي لشخص قد أبوها أو مدمن أو غيره."
صدم زكريا من حديثها، يتساءل داخله ما الذي يدفع تلك العائلة لمحاولة التخلص من ابنتهم بتلك الطريقة. فهو للحق لا يرى بها عيبًا قد يدفعهم لذلك. انتبهت منيرة لنظرات الحيرة التي تعلو وجهه لتبتسم في المقابل بسمة مقهورة مكسورة: "عارفة إنت بتفكر في إيه، بس أنا مليش الحق إني أقولك حاجة. والوحيدة اللي ممكن تقولك هي فاطمة نفسها."
حسنًا، هي لم تفده بشيء. بل على العكس، زادت حيرته بشكل كبير جدًا. فما هو الشيء الذي فعلته فاطمة وقد يدفع عائلتها لمحاولة التخلص منها بأي ثمن؟ فهي لا تبدو من تلك الفتيات العابثات التي قد ترغب عائلتهن في التخلص منهن مخافة جلب العار. الموضوع كبير وكبير جدًا. كل ما استطاع زكريا التفوه به في ذلك الأمر: "هو الموضوع ليه علاقة بالحالة اللي كانت فيها؟
كان يقصد بحديثه تلك الحالة التي وجدها عليها سابقًا حينما كادت تلفظ أنفاسها الأخيرة. ليصل له جوابه بإيماءة صغيرة من رأس منيرة، وهي تضيف على حديثها السابق: "كل اللي أقدر أقوله ليك إن الحالة دي بتيجي ليها لما تحس بزعل أو خوف. وقتها كل اللي عليك تعمله إنك تطمنها بوجودك وأنها مش لوحدها. قولها إنك جنبها وهي شوية شوية هترجع لحالتها الطبيعية. آه يا فاطمة، كم سر تحملين؟ ***
"مش فاهم يعني إيه نطب على الناس كده من غير مقدمات ونقولهم عايزين بنتكم لابني؟ مفيش دم خالص؟ كان ذلك صوت لؤي الحانق وهو يسير جانب زوجته ورشدي وهادي. نظر رشدي لهادي مخرجًا من حنجرته صوتًا ساخرًا وهو يضيف على حديث لؤي: "يا عمي، على الأقل رايحين بالليل والناس قاعدة عادي بلبسها، وأنتم رايحين لابسين كويس. غيركم استقبلوا العريس بالبيجامات والبوكسر." هز هادي رأسه مدعيًا الغضب من تصرف زكريا، مرددًا:
"إمبوسيبل ياربي. مش معقولة كمية الوقاحة اللي في ابنك دي يا لؤي. أنت معرفتش تربي. إمبوسيبل." كان هادي يتحدث وهو يلوح بيده مغمضًا عينيه، يعبر عن سخطه لتصرف رفيقه الوقح ذاك. لا يعلم كيف أقدم زكريا على مثل هذا الفعل. ضحك رشدي بغيظ وهو يقول رامقًا هادي بحنق: "مش هو لوحده اللي متبرباش يا حبيبي." "لا لا أباظة متقولش كده. أي نعم عم إبراهيم أيده فرطة وعايش مراهقة متأخرة، بس متنكرش إنه رباك."
توقف رشدي ونظر بشر لهادي، الذي كانت الجدية تعلو ملامحه بشكل كبير. ثم أكمل طريقه متمتمًا بحنق شديد على ذلك عديم الإحساس الذي يجاوره. تحدث هادي وهو يلاحظ ضيق رفيقه الكبير ذاك: "مش فاهم إنت مضايق نفسك ليه؟ عشان يعني جيت الصبح وأنتم بالبيجامات وكان شكلكم عرة؟ نظر له رشدي بشر، ليكمل هادي دون الاهتمام بنظراته: "متقلقش يا حبيب أخوك، أنا عارف إنكم عيلة مهزقة فمش هتفرق معايا ولا تخليني أغير رأيي فيكم. أنا مش غريب برضه."
مد رشدي يده، وفي ثوانٍ كانت صفعته تهبط على رقبة هادي من الخلف، متحدثًا ببسمة مستفزة: "ولما... إحنا... عيلة... مهزقة... جاي... تتجوز... من عندنا... ليه؟ كانت يده تصفع رقبة هادي ما بين كل كلمة والأخرى. ليبعد هادي يده بغيظ شديد، ثم وفجأة لكمه بعنف وهو يقول ببسمة: "عشان أنا مهزق أنا كمان وبحب أختك الهبلة."
مسح رشدي جانب فمه ليتأكد إن كان نزف أم لا من ضربة ذلك الغبي. وبعدها انطلق فجأة جهة هادي وهو يجذبه ناوياً ضربه حتى يطلب الرحمة. ذلك الأحمق يتحدث أمامه بكل وقاحة مخبرًا إياه أنه يحب أخته. وهادي كان يقف متحفزًا له. لولا صوت لؤي المتأفف من أفعالهما الصبيانية: "الأستاذة المهزقين. مش لازم كل الشارع يعرف إنكم مهزقين ومتربتوش." نظر الاثنان للؤي بحنق، حتى تحدث رشدي بضيق: "يا عمي هو...
"ولا كلمة قدامي منك ليه جاتكم البلا في صحوبيتكم الغبية دي." نظر هادي بضيق لرشدي، ثم تقدمه سريعًا لينظر له رشدي بشر وقام بالاسراع من سيره حتى يسبقه، وخلفهما لؤي يضرب كفه بالآخر. نظر هادي لرشدي ليجد أنه أصبح أمامه، ليسرع هو من سيره أكثر حتى أصبح الأمر سباقًا بين الاثنين حتى منزل هادي. وكان الاثنان يركضان في الشارع كالمجانين.
وصل هادي أولًا لباب المنزل الذي يجاور منزله، وهو يتنفس بعنف شديد جراء الركض. حتى هنا وخلفه رشدي الذي كان على وشك الفوز في ذلك السباق الأحمق، لولا أن هادي غشه وأخبره أنه رأى ماسة. مد هادي يده ورن الجرس بسرعة، وهو يبتسم بانتصار محركًا حاجبيه لاستفزاز رشدي الذي تقدم ليقف جواره. ثوانٍ وفتح الباب ليقابلهم وجه امرأة ترمقهم من أعلى لأسفل بنظرات متأففة، تزامنا مع وصول لؤي ووداد للمنزل: "نعم، اتفضلوا. عايزين مين؟
اعتدل رشدي في وقفته، ثم نظر باحترام للؤي الذي تقدمهم متحدثًا بهدوء وتهذيب: "مساء الخير. أنا والد زكريا، ودول إخواته." عرف لؤي عن نفسه في انتظار أن تسمح لهم تلك السيدة بالدخول، والتي لم تكن سوى نحمده، التي تحركت بتأفف: "أيوه، اتفضلوا." نظر هادي لرشدي بغيظ شديد هامسًا: "مالها الولية الحيزبونة دي؟ هز رشدي كتفه بعدم فهم، فهو بالطبع لاحظ ضيق وتأفف السيدة من رؤيتهم.
تحركت نحمده للداخل، يتبعها الجميع بهدوء شديد، ليجدوا الجميع يجلس في البهو بشكل يوحي أنهم في جنازة وليس عقد قرآن. نظر هادي حيث يجلس زكريا بصمت شديد، حتى أنه لم يشعر بدخولهم أو بنظرات والده الحارقة التي وجهها له. تحرك لؤي خلف نحمده وجلس على أحد المقاعد. حينها شعر به زكريا، الذي رفع نظره لوالديه بخجل شديد ونظرات الأسف تملأ عينيه.
أشاحت وداد بنظرها للجهة الأخرى حيث منيرة تتجاهل ابنها، فهي لا تود أن تظهر أمامه أنها تقبلت الأمر، حتى وإن كانت سعيدة لاختياره فاطمة بعد أن كان عازفًا عن الزواج. لكن يكفيها أنه لم يكلف خاطره ويخبرهم. تنحنح لؤي ليخرج من هذا الجو المشحون، ثم نظر حيث يجلس مرسي، الذي كان يدور بانظاره على وجوه الجميع بحنق شديد لصمتهم، حتى قطع كل ذلك الصمت صوت لؤي وهو يقول بهدوء:
"طبعًا بعتذر من حضرتك على أننا طبينا عليكم كده من غير معاد ولا غيره، بس زي ما أنت عارف طيش شباب." أنهى كلمته ببسمة يحاول بها إذابة الجليد. بمجرد انتهاء لؤي من الحديث، حتى نظر هادي لزكريا، لاويًا شفتيه بتهكم شديد كسيدة عجوز رأت فتاة ترتدي ثيابًا كاشفة. كان ينظر لزكريا من أعلى لأسفل بحنق شديد وهو يهز رأسه بخيبة أمل، وكأن زكريا قد خيب ظنه.
ابتسم رشدي بسخرية على حركات هادي. ليس وكأنه قام بالأمر ذاته منذ يوم. ثم أعاد نظره للؤي، الذي أكمل حديثه: "فعشان كده خلينا أطلب الموضوع بشكل لائق. أنا يا أستاذ يشرفني إني أطلب بنتك لابني على سنة الله ورسوله."
اهتز قلب زكريا ولا يعلم السبب لتلك الكلمة. يا الله، هو حتى كان يرى الزواج أمرًا بعيدًا جدًا عنه. لم يفكر يومًا في الزواج أو في الفتاة التي يريدها زوجة، وكأنه قد حذف ذلك الجزء من قاموسه. والآن جاء القدر وأهداه قاموسًا جديدًا صُنع خصيصًا لأجل تلك التي تختفي في غرفتها في الداخل. ابتسم مرسي بسمة متسعة وهو ينظر لزكريا ثم للؤي مجددًا، وبعدها قال سريعًا دون أن يحاول حتى يخفي لهفته: "تمام، نكتب الكتاب دلوقتي؟
شعر لؤي بشيء خاطئ في الأمر. هو حتى لم يخرج ابنته ليروها أو لتجلس مع زكريا كما يحدث. حتى لم يعيشوا فترة تعارف. ترجم لؤي قلقه وأفكاره تلك على هيئة نظرات محتارة وجهها لزكريا، الذي نظر أرضًا بخجل من الجميع، ثم قال بعد صمت قصير: "بعد إذنك يا بابا، أنا حابب بس أكتب على فاطمة عشان أقدر أتعامل معاها براحة وفي إطار شرعي."
إن كان يظن بهذه الكلمات أنه خدع والده، فهو لن يخدع والدته بها أبدًا، التي نظرت له بشك وقد تأكدت أن شيئًا ما حدث. ولولا أنها تعلم جيدًا من هو زكريا ابنها الذي تربى على يدها، لكانت ظنت بالأمر الظنون. *** "بهذه السهولة...
انتهت حكايتها. باعها والدها بالمجان. أيًا ليته باعها بالرخيص كما يقال، لا بل هو باعها بالمجان وحط من قيمتها أمام الجميع. ولولا حديث زكريا بالخارج أنه كان يود سابقًا أن يتزوجها، لكانت رفضت الأمر حتى لو قتلها والدها. لكن نار زكريا ولا جنة ذلك العجوز الذي أحضره والده. هي طامعة في كرمه أن يطلقها بعد فترة ويتركها لحال سبيلها."
أغمضت عينها بوجع شديد وهي تضع رأسها على الفراش بتعب. لتشعر فجأة بالباب يفتح ويدخل والدها وخلفه عمتها. ثوانٍ وصدح صوت والدها حاملًا الدفتر بيده: "قومي امضي." رفعت فاطمة عينها لوالدها ولم تجب. لتقترب عمتها منها وتجذبها بعنف، جاعلة إياها تجلس مستقيمة على الفراش، ثم وضعت القلم في يدها متمتمة بغيظ شديد: "مش فاهمة هتموتي نفسك على إيه؟ ده شاب وحليوة ماشا والله خسارة فيكِ. اتنيلي امضي اخلصي."
رفعت فاطمة عينها التي امتلأت دموع وهي تنظر لعمتها بوجع شديد، وقد ذكرتها بذكرياتها السوداء. لتمضي بأصابع ترتعش. وسمعت صوت والدها يخبرها أن تضع حجابًا حتى يدخل الشهود لأخذ موافقتها. فعلت فاطمة ما طلب والدها ودخل كلا من رشدي وهادي ليستمعوا لموافقة العروس. التي شردت قليلًا في نقطة بعيدة، حتى خرج صوتها وكأنه يأتي من بئر سحيق: "موافقة." *** "ماسة...
رفعت ماسة رأسها باعياء من على وسادتها وهي تستمع لصوت شيماء المنادي. لكنها شعرت وكأنه شاحنة قد مرت عليها، جاعلة من جسدها يأن وجعًا بمجرد تحريك إصبع. فزعت شيماء من مظهر ماسة لتركض لها وهي تتحدث برعب شديد عليها: "ماسة مالك كده؟ بكت ماسة بوجع وهي تنظر لشيماء برؤية مشوشة: "هموت يا شيماء، حاسة إن فيه عربية عدت عليا."
ابتلعت شيماء ريقها برعب شديد، ثم أخرجت هاتفها بسرعة تحاول الاتصال برشدي، لكن كان هاتفه مغلقًا. لذا خرجت سريعا من الغرفة وهي تصرخ باسم والدها: "بابا، يابابا تعالى بسرعة، ماسة تعبانة أوي." خرج إبراهيم من الغرفة سريعا برعب بسبب نداء ابنته، وهو ينظر لها بفزع شديد لحديثها، ثم ركض جهة الغرفة ليجد وجه ماسة قد احمرّ بشدة وعيونها تذرف الدموع بلا توقف وتأوهاتها تملأ المكان كله. "يا ستار يارب. مالك يا ماسة يابنتي، حصل إيه؟
رفعت ماسة عينها بتعب شديد لإبراهيم وهي تحاول التحدث، لكن لا شيء، فقط تحرك شفتيها بصعوبة شديدة. حملها إبراهيم سريعا وهو يحدق بشيماء التي تبكي جواره: "شيماء، حطي طرحة على رأسها بسرعة يابنتي، خليني آخدها لأي مستشفى."
ركضت شيماء سريعا وأحضرت حجاب ماسة الذي كان ملقيًا على الأرض ووضعته على رأسها، ثم تحركت خلف والدها بسرعة، وخلفهم سحر التي فزعت من مظهر ابنتها، تاركين في المنزل أسماء التي تحتضن ابن أختها الذي يبكي بخوف على أخته. تحرك إبراهيم سريعا لسيارته وهو يضع ماسة في الخلف، وجوارها تجلس شيماء التي كانت تبكي بشدة. ثم صعد لمقعد السائق وهو يتحدث بسرعة: "كلمي أخوكِ يا شيماء، خليه يجي لنا على المستشفى اللي في الشارع الرئيسي."
أخرجت شيماء هاتفها تحاول مجددًا التحدث مع رشدي، لكن لا رد: "تليفونه مقفول يابابا ومش عارفة أوصله." *** "بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير." أنهى المأذون كلماته المعتادة التي تقال في نهاية تلك المناسبة السعيدة عادة. لكن في هذه الحالة كانت الوجوه ما بين متجهمة، وحاقدة، ومترقبة، ومرتاحة. ابتسم هادي بغباء وهو ينظر لرشدي بعيون مترجية:
"بقولك يارشدي، بما إنك جيت من الشغل بدري أهو، أروح أجيب أمي والخلاط ونيجي نكتب الكتاب زي زكريا؟ عشان نبقى إحنا التلاتة كاتبين الكتاب، إيه رأيك في الفكرة دي؟ ادعى رشدي التفكير ثم قال: "أنا عندي فكرة حلوة. إنت تفضل سنجل كده خمس ست عشر عشرين سنة عشان تغزي العين عننا. أصل لو إحنا التلاتة اتجوزنا ناخد عين يا بني." "يبقى أشغل الرقية الشرعية. ها، قولت إيه؟ أروح أجيب جاتوه وورد والخلاط؟
ابتسم رشدي بسمة سمجة، ثم هز رأسه بلا. ليضغط هادي على شفتيه بغيظ كبير. ثم انتبه على صوت لؤي وهو يتحدث ببسمة وهدوء: "طب يا جماعة، بإذن الله بكرة نيجي نقعد كلنا سوا ونتفق على كل حاجة. دلوقتي أستأذنكم عشان معاد دوا الضغط." أنهى حديثه، يرمق ابنه بشر كبير، ثم رحل من وداد التي لم تتحدث كلمة واحدة منذ بداية الجلسة، تاركين زكريا يكاد يحترق محله بسبب الغضب الواضح الذي كان يسكن أعين والديه.
نظر لهم زكريا ثوانٍ ولم يعرف ماذا يفعل. هل يدخل ويجلس معها أم يرحل أم ماذا؟ لكن كل ذلك اختفى حينما سمع صوت منيرة تناديه بهدوء شديد وهي ترمق زوجها ونحمده بجمود كبير: "زكريا يابني، ادخل خد مراتك معاك لو سمحت." *** خرجت شيماء من الغرفة التي ترقد بها ماسة وهي لا تشعر بشيء حولها منذ سقطت مغشي عليها في المنزل. تقدم لها إبراهيم سريعا بخوف، فهو انتظر في الخارج بينما دخلت ابنته وسحر معها: "ها يا شيماء يابنتي، هي كويسة؟
ابتسمت له شيماء وهي تربت على كتفه، ثم أرشدته للمقعد حتى يجلس، ثم تحدثت وهي تطمئنه: "أهدى يا بابا، هي كويسة الحمدلله. الدكتور قال حمى شديدة شوية بس هتاخد أدوية وتكون كويسة والحمدلله إننا لحقناها." بس... صمتت شيماء وهي تلوي شفتيها بضيق: "بس هي عمالة تنادي على رشدي جوا وتخرف باسمه وهو موبايله لسه مقفول ومش عارفة أوصله و... صمتت فجأة وقد خطرت لها فكرة غبية قليلا، لكنها سبيلها الوحيد لذلك. انتبهت لصوت
والدها وهو ينادي عليها: "إيه يابنتي، روحتي فين؟ "ولا حاجة يابابا، بس أنا بعد إذنك هكلم هادي، هو الوحيد اللي يقدر يروحله ويجيبه من الشغل بعد إذنك." هز إبراهيم رأسه بإرهاق وهو يشير لها بيده أن تفعل: "تمام، بس بسرعة يابنتي." أخرجت شيماء هاتفها سريعا وهي تبتلع ريقها بخجل، ثم أحضرت رقمه الذي سجلته حينما أرسل لها رسالة وضغطت على زر الاتصال في انتظار أن يجيب عليها. ***
كان يجلس رفقة رشدي بعدما أخذ زكريا زوجته للمنزل مع والديه حتى تنتهي منيرة من أمر زوجها، ثم يعيد زكريا فاطمة مجددًا. فهو رفض أن يستضيفها في منزله بشكل دائم قبل أن يُشهر زواجهما في المسجد ويقيم لها زفافًا كأي فتاة. لتقترح منيرة أن يأخذها معه الآن فقط حتى تنتهي من أمر زوجها، وبعدها هي ستذهب لأخذها ولاحقًا يتناقشون في أمر زفافهما وغيره من التفاصيل.
وقتها دخل زكريا بعدما طرق الباب ليجدها تنام على فراشها بكل براءة وهدوء وعلى وجهها أثر دموع. حسنًا، زكريا لا بأس، فهي زوجتك وحلالك الآن. ينقصك أن يعلم الجميع بزواجكما حتى يصبح صحيحًا مائة بالمائة. دخلت منيرة على زكريا لتجد أن ابنتها نائمة بهدوء وزكريا ينحني قبالتها في هدوء ينافس هدوء نومها. لذا تراجعت للخلف قليلًا وهي تتنحنح بخفوت متحدثة سريعا وهي تخرج: "معلش يا ابني، شيلها لأن شكلها تعبان ومش هتصحى."
تحدثت وهي تكاد تخرج لولا كلمة زكريا التي أوقفتها، ولا يعلم كيف حديث ذلك: "طب معلش، لبسيها أي حاجة واسعة عشان وهي نايمة ممكن... يعني قصدي هو إني... آه يا الله، لما الأمر صعب هكذا؟ ابتلع ريقه وهو يرفع نظره لمنيرة يتأمل أن تكون قد فهمت عليه. ابتسمت منيرة وهي تهز رأسها متفهمة، ثم توجهت سريعا لدولاب ابنتها وأخرجت إسدال الصلاة وهي تطلب منه رفعها حتى تتمكن من جعلها ترتديه.
حسنًا، هذا كثير عليه في يوم واحد. اقترب منها زكريا ببطء وهو يرفعها جيدًا وبحرص شديد لتصبح تقريبًا بين أحضانه، لتلبسها منيرة الإسدال سريعا، ثم قبلتها بحب وهمست لزكريا: "معلش يابني، خدها معاك ولما أبوها يمشي هاجي أنا آخدها عشان متسمعش حاجة تزعلها، كفاية اللي سمعته لغاية دلوقتي."
هز زكريا رأسه مبتلعًا ريقه بتوتر، ينظر لتلك التي تستوطن أحضانه للمرة الثانية، لكن هذه المرة وهي زوجته. لا يعرف لماذا، لكن عندما رأى والدتها تنحني مقبلة إياها، أراد هو الآخر أن يقبلها. قبلة صغيرة وشعور في داخله أنه يحمل طفلته لا ينفك يتركه كلما اقترب منها. تحرك زكريا للخارج وهو ينظر لرشدي وهادي نظرة فهم الاثنان معناها، ليتحركوا أمامه سريعا يراقبون له الطريق، فلا أحد يعلم أنها زوجته وقد تتكاثر الأقاويل عليهما.
سار زكريا بها حتى وصل البناية الخاصة بها، ليتركه كلا من هادي ورشدي بعد أن ألقى عليهما كلماته المقتضبة: "هادي، بلغ الشيخ ساجد إني هعمل إشهار لعقد زواجي بعد صلاة الجمعة بكرة." أنهى حديثه وهو يصعد الدرج بها، تاركًا خلفه رشدي وهادي ينظران لبعضهما البعض بتعجب، وما زالت الصورة لم تتضح بعد. ذهب الشابان حتى القهوة ليجلسا عليها بهدوء شديد، ليتبعهم بعد دقائق زكريا، الذي جلس وهو يتنفس بعنف شديد وكأنه كان يركض لأميال.
رفع زكريا نظره للاثنين بتعجب لتلك النظرات التي يرمقونه بها: "فيه إيه؟ بتبصوا كده ليه؟ ابتسم رشدي وهو يضرب هادي بمشاكسة غامزًا له بقصد إغاظة زكريا: "هو ده بقى الموضوع يا شيخنا اللي قولتلي هكلمك فيه؟ نظر له زكريا بملل وهو يقلب عينه، عالمًا بداخله أنه لن يسلم من حديثهما وقد تحققت مخاوفه، وهو يصله صوت هادي المماذح: "مقولتلناش يعني إنك مدلوق بالشكل ده؟ حتى هو لم يكن يعرف ذلك. هكذا فكر زكريا في نفسه
وهو يستمع لصوت رشدي الجاد: "لا بجد يا زكريا، إزاي تتجوز بالشكل ده؟ ده هادي الأاهبل آخره كان يدخل بخلاط، إنما أنت ما شاء الله داخل بمأذون على طول."
حسنًا، ماذا يخبرهما أنه لم يكن حتى في أكثر أحلامه جموحًا ليفعل شيئًا كهذا دون دراسة طويلة وتفكير طويل جدًا. وأنه ذهب لهناك حتى يلحق بها وعندما وجد والدها سيضربها تدخل سريعًا وبدأت الأمور تتعقد منه. هو حتى لم يكن يفكر في الزواج ليس الآن على الأقل. لكنه قال ما قاله بشأن رغبته السابقة في الزواج منها فقط لوقوف فاطمة وسماعها كل ما يحدث وعرض والدها لها عليه بهذا الشكل. فهو إن كان عرض عليه الأمر بشكل شخصي وحدهما كان سيفكر
وقد يرفض. فهو بالطبع لم يقع في حبها بهذه السرعة التي تؤهله للزواج منها دون تفكير أو حتى سؤال عائلته والمقربين منه. لكن ذلك الذي يدعى والدها بكلامه عنها وعرضها بذلك العرض الوضيع وعلى مسامعها لم يدع له فرصة للرفض حتى لا يجرحها أكثر. بل تحدث وقال أنه كان يرغب في الزواج بها من الأساس حتى لا يخجلها أمامه. رغم عدم إنكاره أن هناك جزءًا داخله قد بدأ يميل لها، وهذا سبب رفضه تحفيظها لها وقفل أي باب للشيطان ليأتي القدر ويجعلها
بين ليلة وضحاها زوجته.
"عادي يعني، أنا أساسًا كنت بفكر في الموضوع ده من فترة لأني بحب أكون واضح وأنتم عارفين." هكذا برر زكريا الأمر أمام أصدقاءه، فهو إن رفض كسرها أمام نفسها فلن يفعل أمام أحد حتى لو كان ذلك الأحد أصدقاءه الذين لا يملك أغلى منهم ولا يوجد أقرب منهم لقلبه. ابتسم هادي وهو يحرك يغمز له: "زيدي يا زيدي، قال والاستاذ كان بيهزقني على اللي عملته."
قاطع حديثهم ذلك رنين هاتف زكريا برسالة أتت له من والدته تطلب حضوره، حتى لم تهاتفه. يبدو أن الأمر لن ينتهي بهذه السهولة. تنهد زكريا بتعب وهو ينهض مبتسمًا: "حسنًا، استأذنكم فقد اشتعلت الحرب في الأعلى. سأقابلكم غدًا في محل والدي ونجلس سويًا ونكمل حديث." أنهى حديثه راحلًا سريعا وهو يدعو ربه داخله أن ينتهي الأمر على خير. ليله صوت هادي وهو يتحدث بصوت عالٍ:
"حدثني إن احتجت الدعم أمام الحاج لؤي. أشهر سلاحك يا فتى فلن ينفعك لسانك مع والدك." نهض رشدي وهو يشير لداخل القهوة متحدثًا بملل: "هاشوف الأستاذ اللي جوا آخر المشاريب ليه؟ رفع هادي حاجبه بتهكم واضح: "هو الأستاذ مش مستعجل كالعادة ليه؟ اتخانقت مع ماسة صح؟ هز رشدي رأسه متجهًا للداخل: "موضوع طويل، هجيب المشاريب وأجيلك."
رحل رشدي تزامنا مع ارتفاع رنين هاتف هادي، الذي لم يصدق عينه وهو يرى اسم "دبدوبي الصغير" يعلو شاشته، مفكرًا ببسمة أن شيماء إن رأته ستخنقه. رفع الهاتف سريعا على أذنه قبل أن تغلق المكالمة وهو يتصنع الغضب منها بسبب آخر موقف لهما معًا: "نعم، عايزة إيه؟ صدمت شيماء من لهجته وكادت تتحدث لولا صوته الذي قطعها بحنق شديد: "أوعك تكوني فاكرة إن لما تتصلي تعتذري هرضى على طول؟ لا يا هانم، مش أقل من خمس ست سبع اتصالات عشان أرضى."
ابتسمت شيماء من الجانب الآخر بيأس عليه وهي تحاول التحدث: "أنا أساسًا مش... قطعها هادي بحزم وضيق: "متبرريش لو سمحتي، أنا شوفتكم بعيني الاتنين." "يابني اسمعني ر... قطعها هادي مجددًا متقنًا دوره الغاضب: "لا يا شيماء، مش بالسهولة دي أسامحك. لا يا ماما. مش أول ما تتصلي أقولك خلاص سامحتك ومحصلش حاجة." نفخت شيماء بضيق وهي تصمت، ليكمل هو حديثه بتذمر كطفل صغير:
"يعني مثلًا طالما أنتِ اتصلتي بيا يبقى حسيتي بالذنب. كان ممكن تتعبي نفسك شوية وتقولي كلمتين حلوين تجبري خاطري بيهم، لأني زعلان أوي على فكرة." صاحت شيماء بحنق شديد من حديثه: "يا بني أنا متصلة عشان عايزة رشدي وهو تليفونه مقفول." "أصلًا؟ يا واطية." "مين دي اللي واطية؟ كان ذلك صوت رشدي الذي خرج يحمل في يده صينية المشروبات الخاصة به وبهادي وزكريا. استدار هادي وهو يجيب بغيظ، يمد يده بالهاتف له:
"أختك. اتفضل كلمها ومعلش ابقى اتعب شوية في تربيتها عديمة الشعور دي وقولها إن الجفا بيعلم القسوة." أنهى حديثه وهو يزم شفتيه كطفل وينأى بنظره بعيدًا عن رشدي، الذي كان يفتح فمه بصدمة لما يقوله هادي، متسائلًا عن سبب اتصال شيماء به وعن سبب حديث هادي الغبي، متوعدًا له بالضرب بعدما ينتهي من حديثه مع أخته. مد هادي يده وانتزع مشروبه ثم جلس بهدوء جوار رشدي يدعي عدم الاهتمام رغم حواسه المتحفزة لكل كلمة تخرج من رشدي.
"أيوه يا شيماء، فيه إيه؟ تحدثت شيماء سريعا وبعدم تصديق، فهي ظنت أن أخيها في العمل وليس مع هادي. لذا سارعت سريعا في التحدث بما جعل دماء رشدي تجف في عروقه: "رشدي، كنت فين بقالي ساعة بكلمك وتليفونك مقفول. ماسة تعبت أوي وأخدناها على المستشفى." *** بمجرد دخوله للمنزل حتى استقبلته شرارات الغضب التي تخرج من والده، ونظرات خيبة الأمل التي تصوب إليه من والدته.
ابتلع ريقه يفكر جيدًا في طريقة لارضائهما دون أن ينزل من قدر زوجته أمامهما. "ممكن الأول أدخل أستحمى وأغير هدومي لأني تعبان جدًا، وبعدها أخرج ونتكلم براحتنا." هذا كل ما استطاع التحدث به محاولًا الحصول على فرصة أخرى للتفكير في مخرج لما وقع به. لكن كل ما وصله منهما هو صمت شديد ونظرات حانقة. لينهض سريعا متجها صوب غرفته داعيًا الله أن يلهمه القوة لحل هذا الأمر.
دخل غرفته سريعا وحمل ثيابه، ثم اتجه صوب مرحاضه سريعا، غافلا عن تلك التي تتوسط فراشه. فهو حينما جاء بها وضعها على الأريكة تبعا لأوامر والدته، ثم هبط سريعا لأصدقاءه. ليقوم والده سريعا بعدما تأكدت وداد أنها بخير بإدخالها لغرفة ابنه، فهي بالنهاية زوجته.
كان زكريا يقف أسفل المياه وهو يتنفس بعمق محاولًا التفكير في شيء، لكن وبعد دقائق لم يصل لحل، لذا فكر أن يخبرهم نفس السبب الذي أخبره لأصدقائه، رغم علمه أنهم لن يتركوه بسهولة.
خرج من المرحاض وهو يتنهد بتعب شديد، مرتديا شورت قصير نسبيًا ويجفف شعره بمنشفة صغيرة. لم يرى تلك التي كانت أعينها تتسع بعنف شديد لما تراه. فهي ترى أمامه رجلًا عاري الجذع دون أن تستطيع تمييز ملامحه من المنشفة. لذا سريعا شعرت بالهواء يسحب من الغرفة وبجسدها يتيبس.
أبعد زكريا المنشفة من على وجهه وهو يتجه لخزانة ملابسه، لكن توقف فجأة وهو يرى تلك التي تتوسط فراشه. ليسرع ويحاول إخفاء جذعه عنها برعب شديد، فهو لم يعتد يومًا أن يظهر عاري الجذع أمام فتاة أو امرأة. حتى والدته منعها منذ كان طفلًا في العاشرة من رؤية حتى جزعه العلوي عاري بسبب خجله الشديد من الأمر. ليدرك زكريا في هذه اللحظة أن تلك الفتاة التي يحتضنها فراشه بهذا الشكل خُلقت لتكسر حدوده وأسواره واحدًا تلو الآخر.
خرج زكريا من شروده على صرخة فاطمة التي صمّت آذان الجميع. ليفتح عينيه بفزع وهو يرى تلك الحالة تعود إليها مجددًا وجسدها يُشل تقريبًا وقد أصبح تنفسها بطيئًا بشكل مرعب. لذا ودون تفكير ركض لها زكريا وهو يصرخ باسمها في فزع كبير جاذبًا إياها لاحتضانه بقوة ثم... *** كانت الأجواء ساخنة وبشدة، وكأن أحدهم أشعل للتو في المنزل. وهذا
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!