صمت طويل عم المكان كله، لا تسمع صوتا سوى صوت الأرجيلة التي توجد أمام النمرس، ولا ترى شيئا يتحرك في هذا المكان سوى الدخان الذي يطوف المكان والذي يخرج من فم النمرس. نظر الجميع لبعضهم البعض ببسمة باردة، بينما همس هادي الذي يجاور رشدي: _ها يا سيادة الظابط، اعمل إيه؟ حاجة. رن عليهم شباك طيب، أو ابعت كلمني، شكرا. ابتلع رشدي ريقه وهو ينظر له بضيق شديد، هامسا بغيظ: _تعرف تسكت شوية إذا تكرمت؟ أبوس إيدك.
مد هادي يده في وجه رشدي مبتسما بطريقة مستفزة ليجعل رشدي على حافة الجنون. كاد رشدي يتقدم لشادي ليصرخ به أو حتى يضربه، لولا ذلك الصوت الذي خرج منبها إياهم عن وضعهم الحالي الذي نسوه في خضم جدالهم الأحمق. _لا مؤاخذة، بس يا رجالة لو مش هعطلكم، خليكم معايا شوية. الاستاذ الجربان، خليك معايا الله يكرمك. أيوه تمام كدا. استدار كلا من رشدي وهادي لمصدر الصوت، والذي لم يكن سوى النمرس الذي كان ينفث دخان أرجيلته بسخرية.
ابتسم هادي بغباء وهو يحاول الاعتدال في وقفته، بينما سبّ رشدي هادي وما يفعله من أفعال متهورة صبيانية، حتى أنه للحظات جعله ينسى وضعهم باستفزازه هذا. تحدث فرانسو وهو يهمس لأحمد: _هنموت؟ نظر له أحمد ببسمة وهو يتحدث بنبرة يائسة: _الظاهر كده يا خويا، مش انت كنت حابب تجرب العيشة المتدنية؟ اديك هتموت موتة متدنية. أشار النمرس لرجاله بملل من هؤلاء الأشخاص أن يتحركوا ويمسكوهم لينتهي من هذا الأمر الذي سبب له صداع مقيت.
وما كاد رجال النمرس يتقدمون منهم حتى صرخ بهم هادي وهو يلوح بيده في وجوههم: _لا بقولكم إيه، مش هادي المهدي اللي يجي رجالة زيكم ويجرجروه. لا، أنا أمشي بنفسي من غير ما حد يلمسني. _جدع ياض. ابتسم هادي لرشدي وهو يسير جهة الرجال بكبرياء شديد، رافضا أن يمسه أحدهم، بينما تحرك خلفه الجميع ومعهم رجال النمرس الذين نزعوا منهم الهواتف قبل أن يدفعوا بهم في أحد الغرف ثم أغلقوا الباب خلفهم بحدة.
في الخارج كانت القوات تنتظر أمر الهجوم من رشدي، لكن طال انتظارهم بسبب عدم تلقي أي إشارة من رشدي. تحدث أحد الجنود لشاب يبدو من هيئته وثيابه التي تختلف عن الباقيين: _الإشارة اتأخرت يا فندم، هنعمل إيه؟ زفر ذلك الرجل وعينه معلقة بالمكان ينتظر أي شيء قد يثير انتباهه، فهو يخشى التدخل الآن ليجد أن الوقت لم يحن بعد، ويخشى أن ينتظر ويكون رشدي في خطر هو ومن معه، لذا لم يتمكن من إرسال إشارة.
_نستنى شوية، ولو موصلتش أي إشارة هنهجم، خلي القوات تستعد. أنهى الرجل حديثه لينصرف الجندي وينفذ أوامره، بينما ذلك الرجل نظر جهة المقر وهو يزفر بقلق هامسا لنفسه: _ياترى حصل إيه جوا؟ *** كانت تجلس في غرفتها بعدما غادرت شقة فاطمة. أرادت أن تعتزل بنفسها بعيدا عن الجميع حتى ترثي ذاتها. سقطت دموعها بشدة تتمنى لو كان ما سمعته مجرد حلم، لا بل كابوس.
تنفست بعنف من بين شهقاتها تحاول أخذ أنفاسها بهدوء حتى تفكر في حل لهذه الورطة. ماذا ستخبر والدتها؟ وزوجة عمها؟ هل تخبرهم أن الوحيد الذي بقي لهن في هذه الحياة مدمن؟ أن الوحيد الذي عشقته منذ كانت صغيرة ولم تبصر عينها في الرجال سواه مدمن؟ من تعيش لأجل بسمة منه مدمن؟
وجع كبير ينخر في جسدها لتلقي نفسها على الفراش وهي مستمرة في البكاء دون انقطاع، لتمر ساعة تقريبا وهي على هذا الحال ترفض استقبال أي مكالمة من شيماء أو فاطمة اللتان لم تتوقفا عن الاتصال لها ولو للحظة واحدة. هدأت بثينة وهي تحاول التفكير في شيء، وقد استقرت اخيرا على رأيها لتهمس لنفسها بخفوت شديد: _هواجهه واحاول اساعده بدون ما حد من ماما أو مرات عمي يعرفوا.
هكذا همست لنفسها بإصرار شديد، وقد قررت بمجرد عودة هادي من الخارج أن تواجهه بما يفعل وتحاول جهدها لتبعده عن هذا الطريق. *** دخلت شيماء للشقة الخاصة بها وهي تستمع لصوت والدتها العالي من المطبخ وهي تتساءل عن هوية الشخص الذي دخل للتو. _أنا يا ماما، يعني هيكون مين؟ يا أنا يا بابا يا رشدي، هو حد معاه مفتاح تاني غيرنا؟
أنهت حديثها وهي تتجه للمطبخ فتجد والدتها منغمسة في طهو الطعام الذي تفوح رائحته وتمر عليها سالبة لُبّها. حاولت أن تتماسك فهي اخذت عهد على نفسها بعدم الضعف مجددا. التفتت أسماء لابنتها ببسمة واسعة وهي تتحدث بفرحة: _شوشو قلب ماما، تعالي بقى دووقي الكيكة بتاعتي، عملتها بالشكولاته زي ما بتحبيها. ابتلعت شيماء ريقها بتوتر ثم نظرت لوجه والدتها وكذبت عليها: _لا يا ماما مش قادرة خالص، بطني هتنفجر، لسه واكلة برة مع بوسي وبطوط.
تركت أسماء ما بيدها بتعجب ثم هتفت متسائلة: _بطوط مين؟ ابتسمت شيماء وهي تتحدث أثناء خروجها من المطبخ فلا تضمن أن تستمر هكذا طويلا: _دي فاطمة جارة خالتي سناء (والدة هادي) الجديدة، اتصاحبنا عليها أنا وبوسي. هزت أسماء رأسها بتفهم ثم نظرت لها وهي تذهب: _طب حتى تعالي دووقيها وقولي رأيك؟ جاءها صوت شيماء من بعيد وهي تقول بصوت عالي: _مش قادرة ياماما والله. لما اصحى هبقى اشوفها.
انهت حديثها وهي تدخل لغرفتها بتعب شديد، فهي لم تتناول شيء منذ الصباح. تحركت لتقف أمام مرآتها. أسوء شيء قد يمتلكه الإنسان، فهذه المرآة المقيتة تواجهك بكل عيوبك التي يشفق عليك المقربين من مواجهتك بها. سقطت دمعة من عين شيماء وهي تنظر لنفسها مخبرة إياها أنها بدأت مجددا. فها هو حالها كل يوم، كلما اختلت في غرفتها تقف أمام المرآة وهي ترمق نفسها بحزن وقلة حيلة. ماذا تفعل؟ جربت كل شيء. كل شيء بلا استثناء.
ابتعدت وهي تتجه لفراشها ثم تسطحت عليه بتعب شديد تتذكر الهمسات التي تسمعها من جاراتها عن ذلك الغبي الذي قد يقبل بها زوجة. ومن يقبل أن يتزوج بفتاة ذات جسد ممتلئ مثلها؟
اغلقت عينها بوجع تتذكر كلمات ذلك الخاطب المزعوم والوحيد الذي طرق باب منزلهم لأجل خطبتها بعدما رشحتها سيدة ما لوالدته. تتذكر نظرته وصدمته هو ووالدته حينما رأوها، رغم أنهم كانوا من الذوق الذي جعلهم يتداركون الأمر واخفاء صدمتهم سريعا، لكن بعد أن التقطتها شيماء وقد كانت وقتها تكاد تطير من السعادة، فهذا اول خاطب يأتيها وقد ظنت وقتها أنه ربما رآها وهي في طريقها لجامعتها وأعجب لذا تقدم لخطبتها.
تلك الأحلام الوردية التي كانت تستمع عنها من أفواه صديقاتها، لكن يبدو أنها لا تمتلك تلك الميزة ولا تستحق هذا الامتياز، فهي ليست مثلهن، هي كما يصفها البعض "سمينة". هبطت دموعها بعنف تتذكر ذهاب ذلك الخاطب سريعا دون قول كلمة. وللحق هي شاكرة له لعدم جرحه لها، لكنه نسي أن يصمت عينه أيضا كما اصمت فمه. فما منعه خجله من قوله، صرحت به عينه وبكل وقاحة. ليأتي لهم اتصال بعدها بيوم واحد يخبرهم الجملة المعروفة
للتملص من هذه المواقف: "كل شيء قسمة ونصيب". سقطت دموعها بشدة وهي تكتم شهقاتها حتى لا تستمع لها والدتها وتقلق، ثم دفنت وجهها في الوسادة وهي تهمس لنفسها بتلك الجملة بوجع كبير: _كل شيء قسمة نصيب. وانا قسمتي الوجع ونصيبي الوحدة. *** كان الجميع يجلسون بهدوء شديد منافي للحالة التي هم بها، يفكرون في الخطوة القادمة بعدما فشلت خطتهم فشلًا ذريع. تحدث رشدي بغيظ شديد وهو يضغط على يده بغضب:
_بس لما ارجع يا شيماء هكسرلك عضمك على اللي بتعمليه ده. نظر له هادي نظرة قادرة على إشعاله، وكاد يتحدث لولا حديث زكريا الذي قاطع هذا الجو: _خلاص خلصنا اللي حصل حصل، خلينا دلوقتي نفكر في طريقة نخرج بيها من هنا، اكيد يعني هنفضل قاعدين نفكر في مين السبب؟ زفر رشدي بضيق ثم نهض من الأرض وأخذ يسير بضيق شديد مفكرا، ليتحدث أحمد بأمل شديد:
_يعني ادعي القوات لازم تستقبل منك اتصال، مينفعش لما يلاقونا اتأخرنا يتوغوشوا علينا ويجوا يطلوا علينا. نظر له رشدي قليلا ثم ضحك وهو يقول: _مش عارف ليه حسك بتتكلم على أساس والدتك سابتك في الـ kids area (منطقة لعب الأطفال) ولما تتأخر عليها هتقلق وتيجي تشوفك اتأخرت ليه؟ ابتسم أحمد بغباء على حديث رشدي، لكن رشدي أضاف لهم ببسمة وهو يستدير لهم: _بس هما فعلا كده. نظر له الجميع بلهفة ليقول لهم رشدي وهو يفرد يده ببسمة:
_بلغتهم لو اتأخرنا جوا عن ساعة يقتحموا المكان. تحدث هادي بسخرية لاذعة على حديث رشدي: _وليه ساعة؟ ما كفاية خمس دقايق. تجاهله رشدي وهو ينظر لهم متسائلا: _فات قد إيه على وجودنا؟ نظر فرانسو لساعته ثم أخبرهم بالفرنسية أنهم هنا تقريبا منذ 45 دقيقة. رمق زكريا فرانسو لبرهة ثم أشار له بالاقتراب قائلا بغيظ: _هات ساعتك يا فرانكو وتعالَ يا حبيبي. صاح رشدي وهادي تزامنا مع إلقائهم لأنفسهم عليه بعنف: _يا اخي بقى.
صرخ زكريا أسفل وهو يضحك بعنف بلهجته التي تستفزهم وبكثرة: _ما بكما؟ أنا فقط أردت تقديم المساعدة، ثم أننا نملك بعض الوقت، لما لا أكتسب بعض الحسنات في تعليم الفتى؟ تحدث هادي وهو يضغط عليه بجسده أكثر قائلا ببسمة يجاريه: _هذا لأنني لم أتخلص من اللغة العربية في الثانوية العامة حتى تأكل رأس سناء بها. ضحك زكريا بقوة وهو يحاول إبعاد صديقيه من أعلاه صارخا بهم: _طب أقوله يعني إيه 45 دقيقة بالعربي طيب؟
تحدث رشدي بحنق شديد وهو يحاول جعله يتوقف عن دور المعلم الذي يتقمصه كلما سمع فرانسو يتنفس بجانبه. يخشى أن يستشعر زكريا يوما أنه لا يتنفس كما يتنفس العربي فيبدأ بتعليمه طرق التنفس بالعربية. _يعني هتكون إيه يعني؟ ساعة إلا ربع معروفة. كاد زكريا يجيبهم لولا سماع الجميع لصوت رجل قد اقتحم الغرفة عليهم. همس هادي بتذمر شديد وهو مازال يعلو زكريا: _جرا إيه يا خويا مش تخبط؟ افرض بنعمل حاجة كده ولا كده؟
فتح الرجل فمه ببلاهة وهو يرى ما يفعله هؤلاء المجانين. ضرب زكريا رأس هادي بحدة وهو يدفعه بعيدا عنه صارخا به: _رباه! ابتعد من فوقي أيها الأحمق، ماذا تقول أنت؟ ابتعد هادي ليسقط أرضا وينفجر ضحكا على ملامح رفيقه، بينما ابتسم رشدي لهما وكأن ذلك الرجل الذي يتوسط الغرفة في انتظار انتهائهم مجرد هواء. _قوموا المعلم عايزكم برة.
نظر الجميع لبعضهم البعض وما كاد أحدهم يتحرك حتى وجدوا بعض الرجال يقتحمون الغرف ولا يبدو من ملامحهم أنهم ينوون خيرا، انتفض فرانسو وأحمد سريعا ليأخذوا حذرهم. تحدث أحد هؤلاء الرجال وهو ينظر لهم بغضب شديد: _انتم اللي بلغتوا البوليس اللي برة؟ نظر جميع الشباب لبعضهم البعض دون أن يجيب أحدهم ببنت شفة. استفز صمتهم ذلك الرجل وما كاد يقترب حتى وصل لمسامع الجميع أصوات عالية من الخارج تدل على أن القوى اقتحمت المكان.
_شكلهم كده اتوغوشوا فعلا. *** صعد لؤي شقته وهو ينظر لساعة يده بقلق شديد فقد ذهب الشباب منذ وقت طويل وحتى الآن لم يعلم ما حدث معهم. مد يده وفتح الباب وبمجرد دخوله حتى وصل لمسامعه صوت الغسالة التي تقبع في الممر المجاور للباب ليزفر بضيق شديد وهو ينادي على زوجته: _وداد، يا وداد. خرجت وداد من المطبخ وهي تسير ببطء جهته وتنظر له بحنق دون أن تتفوه بكلمة، ليبتسم هو بسخرية وقد أدرك أنها ما تزال غاضبة.
_ده عقاب خناقة الصبح ولا عقاب جديد؟ لم تجب عليه وداد ليزفر لؤي بضيق شديد وهو يشير لها أنه جائع. _طب أنا جعان، ولا ده كمان محروم منه؟ لم تجب عليه وداد بل تركته ورحلت، فصرخ لؤي بغضب شديد: _لا بقى، دي بقت عيشة تقرف يا شيخة. _ماذا حدث يا ابتي ولما كل هذا الغضب؟ نظر لؤي خلفه لابنه وهو يتنفس براحة لعودته سالما، ولكن انكمشت ملامحه سريعا وهو ينظر له باشمئزاز وتحرك للداخل وهو يتمتم بسخرية:
_اهو قناة اسبيستون فتحت تاني. توب علينا يارب. أنهى حديثه وهو يدخل لغرفته ويغلق بابها بحدة شديدة، ليرمقه زكريا بتعجب وهو يهمس لنفسه: _ماذا دهاه؟ *** دخل رشدي لشقته وهو ينظر حوله لذلك الهدوء المريب مخمنا أن والدته لابد وأنها قد خرجت لرؤية إحدى جاراتها، ليسرع وينادي باسم شقيقه يدعو الله أن تكون هنا، لكن لم يصل له أي إجابة.
نادى مجددا وايضا لا رد، لذا تحرك جهة غرفتها لعلها تضع سماعة الأذن ولم تستمع له. لكن عندما دخل وجدها نائمة بهدوء شديد وسلام كطفلة صغيرة، ليقترب منها وهو يرمقها بشر هامسا بجانب أذنها: _فلتي مني يا شيماء، بس لما تصحي والله لاعلقك يا جزمة.
أنهى حديثه وكاد يرحل، لكن لم يتمالك نفسه عن فعل عادته التي لطالما قام بها منذ صغرها، لذا سريعا انحنى وقبلها بحنو شديد وهو يمسح على رأسها، لكن انتبه لملوحة غريبة في فمه أثناء تقبيله لها. ابتعد قليلا يرمقها بتعجب وهو يمرر يده على وجنتيها ليجد أنها كانت تبكي قبل نومها. جلس رشدي على ركبتيه أرضا وهو يحدق بها في حزن شديد على صغيرته اللطيفة المسالمة التي تحمل نفسها فوق طاقتها.
زفر بضيق وهو يقترب منها يمسح دموعها ثم قبل وجنتها بلطف شديد وحنان هامسا بجوار أذنها: _حبيبة قلبي، لو اقدر اني اخد كل حزنك ده ليا كنت عملت كدة. صمت قليلا ثم أضاف بحنان وهو يمسد على شعرها بلطف شديد وقد سيطر الحزن على نبرته: _صدقيني يا قلب أخوكِ بكرة تجيلك الفرحة اللي تعوضك عن كل ده. أنتِ جميلة أوي يا شيماء بس للأسف الناس هي اللي وحشة فبيشوفوكي كده. يا روحي انتِ أعلى من أن ناس زي دي تنزل دمعة من عيونك يا دبدوبتي.
أنهى حديثه وهو يقبلها قبلة أخيرة قبل أن ينهض ويخرج سريعا ليبدل ثيابه ويذهب لعند هادي كما اتفق معهم، لكن تلك الغصة التي استحكمت حلقته جعلته يود الذهاب لحبس نفسه في غرفته حزنا على حال أخته. ***
كان يتمدد على فراشه بتعب شديد جراء ما عاناه منذ ساعة تقريبا، فقد هجمت القوات سريعا على الوكر، وبسبب غباء النمرس ورجاله فلم يكونوا مجهزين بشكل جيد يؤهلهم للمقاومة، فيبدو أن حديث ذلك الشرطي الفاشل رشدي صحيح. هو مجرد "ديلر" لا أكثر، لذا لا خوف منه. خرج هادي من شروده على صوت طرق الباب، فنهض وهو يظن الطارق أحد الشباب فقد اتفق معهم على ملاقاته في شقته بعدما يغير كل شخص فيهم ثيابه.
تقدم هادي من الباب ثم فتحه بإرهاق شديد واستدار وهو يخبر رشدي بأن يغلق الباب: _اقفل الباب يا رشدي وتعالى عشان أنا فصلان والله. _فصلان ولا خرمان يا ابن عمي؟ فتح هادي عينه بصدمة كبيرة وهو يستمع لذلك الصوت ليبتلع ريقه وهو يهمس لنفسه: _يارب يكون رشدي صوته بقى ناعم مش أكتر. استدار ببطء ليجد بثينة تقف على الباب وهي تتخصر بغيظ شديد، ليبتلع ريقه بتوتر من وقفتها ثم قال وهو يحاول عدم النظر لها:
_اهلا يا بسبوسة، فيه حاجة ولا إيه؟ ابتسمت بثينة بسخرية ثم قالت له وهي تخرج: _عايزاك في كلمتين يا هادي معلش. انهت حديثها وهي تسبقه للخارج، بينما هادي ينظر في أثرها بعدم فهم، وتلك الكلمة التي ألقتها منذ قليل تحوم حوله منبئة إياه أن السيء لم يأت بعد. تحرك هادي خلفها ببطء شديد يحاول ترتيب أفكاره ومعرفة كيف وصلت لها هذه الكلمة، أم أنها لا تقصده هو؟
زفر بضيق وهو يجدها تتوسط أريكة الصالون بكل أريحية ليجلس على مقعد مقابلها يتساءل بعينيه عما تريد. نظرت بثينة له قليلا تقنع نفسها ألا تضعف أمام عينيه لتتحدث بصوت خافت مشيرة للمطبخ: _ماما ومرات عمي في المطبخ. هز هادي رأسه بمعنى "وإذا؟ لتكمل هي سريعا: _أنا عارفة كل حاجة يا هادي. رمقها هادي بعدم فهم لتسارع في القول بما يجول بخاطرها رامية بقنبلتها في وجهه: _إنك مدمن.
وها قد حدث ما كان يخشاه منذ قليل، فتح عينه بصدمة وهو ينتفض من حديثها واقفا ثم قال بعدم تصديق: _أنا مدمن؟ نهضت بثينة بتوتر من حديثه تخشى أن يصل لأحد في المطبخ لتسارع تقترب منه: _اششش، وطي صوتك حد يسمعك. أنا مش هقول لحد متخافش وهساعدك عشان تطلع من الطريق ده. فتح هادي فمه يضحك بعدم تصديق مما تقول، ما الذي تهذي به هذه الفتاة؟ هو مدمن؟ وسرعان ما تذكر ما حدث منذ ساعات. _أنتِ كنتِ في الشقة وسمعتيني؟
هزت رأسها بخجل منه، فهي سمعته يتحدث بما لا يجب أن يسمعه شخص منه. _مكنش قصدي والله، ده أنا وفاطمة وشيماء كنا داخلين نخرج اللحمة من الفريزر وسمعنا بالصدفة. فرد هادي ذراعيه بصدمة وهو يصرخ بصوت عالي وقد أصبح الآن مدمنا رسميا: _احيه. ده أنا اتجرصت في الحارة. يامصيبتك يا هادي. سقطت دموع بثينة بخوف شديد من انهياره وهي تحاول تهدئته مردفة: _متخافش والله، أنا قولت ليهم محدش يجيب سيرة لحد وانك هتتعالج، مش كده؟
قالت آخر كلمة بأمل لينظر لها هادي وهو يضغط على يده بغضب ثم صاح دون أن يتحكم بحاله: _اتعالج إيه؟ مش لما أدمن الأول؟ _أهدى بس ابوس إيدك، والله هتلاقي حل متخافش. صرخ هادي بجنون وهو يتخيل أنه أصبح الآن مدمنا في أعين الفتيات، وطبعا لا يمكنك أن تسكت فتاة عن فتح فمها: _برضو بتقولي هنلاقي حل يابت انتِ هبلة ولا إيه؟ بقولك أنا مش مدمن، أنا مش مدمن، أغنيها ليكِ ولا ألحنها؟ ثم صاح بصوت عالي وهو ينظر للمطبخ:
_يا ماما هاتيلي الطبلة والصاجات الله يكرمك. ثم نظر بعدها لبثينة وهو يقول بضيق: _فرحانة دلوقتي؟ نظرت له بثينة تظن أنه انهار لمعرفته أن سره انكشف أمامها، لذا تحدثت بهدوء شديد وهي تمسح دموعها: _يا هادي والله أنا عايزة اساعدك. _يا ختاااااااااا. كانت هذه صرخة هادي الذي أطلقها بقلة صبر ثم صرخ فيها بغيظ شديد وهو يرفع يده يكاد يضربها لتخفي وجهها صارخة: _اهو بدأت أعراض الانسحاب تظهر عليك. صاح هادي فيها بغضب:
_أعراض انسحاب إيه يا متخلفة انتِ؟ دي خلايا مخك اللي انسحبت من راسك بسبب هبلك، وحلفت ميت يمين إن ملهاش عيش في الدماغ دي بعد وصلة الغباء دي. افهمي يا هبلة أنا مش مدمن ولا نيلة. مسحت بثينة عينها بحزن ثم نظرت له وهي تقول بعدم تصديق: _بتقول كده عشان أنسى وأسيبك في حالك صح؟ _اسكتي بدل والله أكسرلك دماغك الفاضية دي. اسمعي. صمت وهو يتنهد بضيق ثم أخذ يشرح لها كل ما حدث لتفتح فمها بصدمة كبيرة مما تسمع:
_يعني كل ده كان تمثيلية عشان تقبضوا على المجرمين؟ هز هادي رأسه وهو يحاول الهدوء: _أيوه، ولو كنتِ صبرتي شوية كنتِ سمعتي صوت شادي والشباب معايا جوا. نظرت له بثينة ببسمة واسعة ثم اختفت قليلا وهي تقول بتوتر: _إنت مش بتكدب عليا عشان أنسى الحوار وأكمل شم صح؟ رفع هادي يده على هيئة حلقة كأنه يكاد يخنقها ليتحدث وهو يضغط على فكه بعنف: _اخفي من وشي دلوقتي لاحسن أمسكك أقتلك سامعة؟ ولا أقولك أنا اللي هغور.
ثم خرج سريعا من الشقة وهو يرى والدته تخرج من المطبخ وتمسح يدها وبجوارها زوجة عمه: _في إيه يابني صوتكم عالي ليه؟ نظر لها هادي وقال وهو يفتح الباب بسخرية: _لا ابدا يا حاجة كملي اللي بتعمليه أنا نازل القهوة. ثم خرج سريعا وأغلق الباب خلفه بعنف لينتفض الجميع وتنظر سناء بحدة لبثينة: _فيه إيه يا بوسي هو زعلان كده ليه؟ لم تجب عليها بثينة فهي لم تستمع لها من الأساس لتجلس على الأريكة مجددا وهي تهمس ببسمة غبية:
_مطلعش مدمن. مطلعش مدمن. كان هادي يهبط الدرج بسرعة كبيرة وقد بدأ واخيرا يشعر بغضبه ينحسر ليصطدم فجأة في زكريا الذي كان على وشك الصعود إليه. _فيه إيه يابني براحة هتشيل وشي. مالك فيك إيه؟ هز هادي رأسه بلا شيء ثم امسك يده وسحبه خلفه ببطء وهو يقول: _تعالى نقعد على القهوة وكلم رشدي يجيلنا على هناك. *** فاطمة يابنتي تعالي بسرعة المسلسل هيبدأ. خرجت فاطمة سريعا من غرفتها وهي تعدل نظارتها ببسمة واسعة ثم جلست جوار والدتها
بحماس شديد وهي تقول لها: _متفرجتش على الحلقة اللي فاتت، احكي ملخص بسرعة لغاية ما التتر يخلص. بدأت والدتها تقص عليها سريعا ملخص الحلقة السابقة وهي تصف لها بيدها كل ما حدث وكأنها تمثل معهم لتفتح فاطمة فمها بحماس: _يا نهاري، ده انهاردة هتكون حلقة دمار. ابتسمت لها والدتها ثم رمقت التلفاز بحنق شديد وهو بمجرد انتهاء أغنية البداية يأتي إعلان طويل مدته 15 دقيقة تقريبا.
_الواحد ملّ من القناة دي بجد. اعلانات اعلانات اعلانات، ده ناقص بعد كل اسم ممثل في التتر يجيبوا إعلان. ضحكت فاطمة بعنف وهي تنهض سريعا تقول لوالدتها التي تجلس: _طب كويس لغاية ما انزل أجيب لنا شوية تسالي عشان نمخمخ، أصل حلقة انهاردة هتكون روعة. انهت حديثها وهي تدخل غرفتها لتغيب داخلها قليلا ثم خرجت وهي تعدل من وضع حجابها قائلة بسرعة وهي تتجه للباب: _مش هتأخر، هجيب شوية لب وبيبسي وجاية وهجيب معايا درة فشار.
_ماشي، بس مش أنا اللي هقوم أعملها زي كل مرة، تقومي أنتِ بقى. وافقت فاطمة سريعا وهي تخرج حتى تلحق بداية المسلسل. في الأسفل كان كلا من هادي وزكريا يتقدمون جهة القهوة وزكريا لا يفهم شيء مما يفعل هادي فقد كان يتمتم بضيق شديد طوال الطريق. بمجرد وصولهم للقهوة حتى انطلق صوت عالي سعيد: _هادي حبيبي، كنت فين من الصبح؟ زفر هادي بضيق شديد وهو يرمق فرج الذي نهض من مكانه متجها له بظرف في يده وبكل لهفة مد يده
بالظرف وهو يقول له بتملق: _خد معلش وصل ده لام اشرف. نظر هادي ليده قليلا ثم رفع عينه لفرج وهو يقول بعدم فهم: _هو مش أنا ودتلها واحد الصبح؟ ابتسم فرج بسمة غبية بعض الشيء وهو يجيب: _أيوه بس احنا دلوقتي بليل فلازم امسي عليها. _يا اخي جاك البلا في صباحك ومسائك وحبك الملزق ده، ما تستخدم تليفونك وابعتلها رسالة واتس، قرفتوني معاكم.
صدم فرج من هجوم هادي عليه وتراجع قليلا للخلف، بينما ضحك زكريا وهو يتركه ليتصرف معه ثم تحرك للمحل المقابل للقهوة ليحضر له أي عصير بارد. _إنت بتكلمني كده ليه يابني؟ هو أنا ضغطت عليك وزهقتك معايا ولا إيه؟ كان فرج يتحدث بحزن وهو ينظر للغضب المرسوم على ملامح هادي ليجيبه هادي ببسمة باردة: _أيوه. ابتسم فرج له وهو يمد يده بالرسالة وكأنه لم يكن يتحدث بتمسكن منذ قليل:
_حيث كده مش هيضر لو ضغطنا ضغطة صغننة كمان. يرضيك ام اشرف تنام من غير ما أطمنها عليا؟ أشار هادي لنفسه بنفاذ صبر: _أنا مالي؟ ما تنام ولا تسهر أنا مالي؟ بعدين تطمن عليك إيه بس يا فرج، هو إنت مهاجر العراق؟ ما انت ملزوق في الكرسي على القهوة لما بقيت ماركة مسجلة. صمت ثم أكمل بغيظ من ذلك الرجل المتصابي:
_يا جدع ده احنا بقينا نوصف الطريق بيك. لو حد سأل على مكان بنقوله على يمين كرسي فرج وعلى شمال كرسي فرج. ده احنا هنقدم طلب للدولة عشان تضيفك على الخريطة. يا جدع دول عيالك قربوا ينسوا وشك. تنفّس فرج بضيق من حديثه هذا الذي يشعره بالذنب ثم قال بعد صمت طويل قليلا: _يعني مش هتودي الجواب لام اشرف أطمنها عليا؟ صرخ هادي في وجهه بنفاذ صبر هو أساسا لم يهدأ منذ حديث بثينة منذ قليل:
_تعرف يا فرج أما رجعت دلوقتي للكرسي بتاعك أنا هروح أسلم الجواب ده لأشرف وأحكيله كل حاجة. نظر له فرج وهو يضيق عينه: _كل حاجة؟ ابتسم هادي وهو يهز رأسه بخبث: _كل حاجة. _حتى خروجة حديقة الأورمان ومعرض الزهور؟ هز هادي رأسه ببسمة وهو يربع يده: _وهقوله إن برطمان العسل الأبيض انت اللي جبته من معرض الزهور ليها مش واخدها من ام فوزي. همس فرج بضيق وهو ينظر لذلك الشاب المزعج:
_انت عارف أكتر من اللازم. لازم ابدأ اشوف واحد غيرك يساعدني. ابتسم هادي بسخرية ولم يكد يتحدث حتى وجد أحدهم يتوقف بجانبه وهو يرتدي بزلة ويحمل بيده علبة كبيرة وبوكيه ورد قائلا ببسمة سمجة: _اذا سمحت يا كابتن هو بيت رشدي منين؟ في المحل كانت فاطمة تنتقي العديد من الأشياء التي ستتناولها مع والدتها أثناء سهرتهم.
نظرت لما في يدها برضا تام ثم ذهبت ووضعته أمام الشاب الذي يقف خلف طاولة عالية بعض الشيء والذي لم ينزع نظره من عليها منذ دخلت لتشعر وكأنها عارية أمامه. _حاجة تانية؟ هكذا تشدق الشاب وهو يضب كل ما أخذته فاطمة ثم نظر لها ببسمة ليست مريحة.
ابتلعت فاطمة ريقها وكادت تنفي سؤاله لولا عينها التي وقعت على أحد الأشياء المفضلة لديها لتبتسم قليلا وهي تهز رأسها متجه للعلبة الخاصة بذلك الشيء والتي كانت تقع في آخر صف كبير من العلب لذا انحنت قليلا لتصل لها.
في ذلك الوقت كان زكريا يتجه لداخل المحل وهو يحمل بيده علبة عصير متوسطة الحجم ويخرج أمواله وهو يبعد نظره عن تلك السيدة المتشحة بالأسود أرضا. لكن بمجرد مروره بجوارها وبسبب ضيق الممر الذي يقع في بداية المحل من الخارج نهضت الفتاة سريعا ولم تكن تعلم بوجوده خلفها لتصطدم به بعنف شديد ويسقط زكريا للخلف على الأشياء المتراصة في المحل من علب خاصة بالشيبسي وغيرها وأيضا سقط كل ما كان يعلو تلك العلب على رأسه ليصرخ زكريا بصوت عالي نسبيا بسبب تلك المفاجأة، فهو كان حريص على التوقف جانبا حتى تنتهي وتنهض لكن حركتها تلك كانت مفاجأة وأسقطته أرضا على كل ما خلفه.
كانت فاطمة تقف وهي تنظر لذلك الشاب برعب ليس مجددا. ليس هو مجددا. لما كلما رأيته يحصل معك موقف مشابه. هبطت دموعها بخوف وهي تحتضن الحلوى وكأنها تحميها منه ثم همست بصوت خافت باكِ: _والله غصب عني، أنا آسفة. *** استدار هادي لذلك الشخص الذي يتساءل عن بيت رشدي وهو يحمل علبة تبدو من شكلها أنها علبة جاتوه وأيضا يحمل بوكيه ورد ليمد هادي يده وهو ينظر في بوكيه الورد بتعجب ثم رأى سيدة تقف خلف الشاب فقال هادي بهدوء مخيف:
_عايز رشدي ليه؟ نظر له الشاب بتعجب ثم قال بتأفف وهو ينظر للعلبة بيده: _حضرتك تعرفه؟ اقترب هادي منه بخطوات بطيئة مخيفة: _أعز المعرفة. مين القمر؟ تحدث الشاب وهو يشير لما بيده وكأنه يخبره "هل أنت أعمى": _يعني معايا تورتة وورد وبسأل على بيته هيكون ليه؟ نظر له هادي وتغاضى عن سخريته وهو يقول بتفكير: _عيد ميلاد رشدي؟ زفر الشاب بضيق منه وهو يقول بتذمر: _لا، جاي أتقدم للآنسة شيماء. هز هادي رأسه بتفهم وهو يبتسم له بلطف:
_آه يا أخي قول كده. مد يده وهو يأخذ العلبة منه فتشبث بها الشاب ليقول هادي ببسمة: _هات بس العلبة دي حرام، نعمة ربنا برضه. _من بين كل الناس في الحارة ملقتش غير ده وتسأله؟ لا وبتقولها في وشه كده عايز أتقدم لشيماء. ده انت هتتفرم. نظر هادي للسيدة خلفه وهو يسحب الشاب معه قائلا: _خد الست خليها ترتاح يا فرج على القهوة عشان الروماتيزم لأننا هنتأخر، اياكش ام اشرف تيجي تقفشك ونخلص. أنهى حديثه وهو يسحب الشاب معه والذي
لم يفهم شيء مما يحدث: _هو في إيه مش فاهم؟ _متخافش يا حبيبي هنروح أنا وانت حفلة على شرفك وهنجيب تورتة ونهوف عليها سوا. ثم تمتم في سره بغضب جحيمي: _قال هتقدم للآنسة شيماء قال.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!