الفصل 3 | من 29 فصل

رواية شيخ في محراب قلبي الفصل الثالث 3 - بقلم رحمة نبيل

المشاهدات
302
كلمة
5,563
وقت القراءة
28 د
التقدم في الرواية 10%
حجم الخط: 18

هبطت فاطمة من البناية وهي تتحدث بضيق شديد، تنظر للورقة بيدها بحنق. فقد نسيت إحضار الزيت لتجبرها والدتها على الهبوط مجدداً وإحضاره. وللمرة الثانية تقابل بثينة في الطريق، لتتساءل بتعجب: "ألا تملك تلك الفتاة بيتاً؟ فهي دائماً تجدها في الشارع." أشارت بثينة لها بيدها أن تقترب. وما كادت فاطمة تتحرك جهتها حتى سمعت نباح كلب خلفها، وكان الصوت يقترب أكثر وأكثر حتى شعرت أنه سيهجم عليها في أي ثانية.

ودون حتى أن تلتفت خلفها، أطلقت لساقيها الريح وهي تصرخ بفزع شديد وتركض كالخرقاء، بينما توقفت بثينة في منتصف الطريق وهي ترمقها تركض هنا وهناك كالمجنونة. كانت فاطمة تصرخ برعب وقد أخذت دموعها تهبط بشدة، فتشوش الرؤية بسبب نظارتها. تتذكر حينما عضها أحد الكلاب في منطقتهم القديمة أثناء طفولتها لتعاني من بعدها من فوبيا شديدة تجاه هذه الكائنات. كانت تبكي بخوف وهي تركض، تخشى حتى النظر إليه. لتجد فجأة أحد المحلات وبابه مفتوح.

لذا، ودون تفكير، كانت تركض جهته وهي تنظر خلفها ترى كلباً كبيراً أسود اللون أقرب للذئاب منه للكلاب. وكلمات بثينة العالية تصدح خلفهم تحاول مساعدتها: "لا تجري يا هبلة، وهو لن يفعل لكِ شيئاً." لكن وكأنها كانت تطلب المستحيل، ففاطمة لم تستمع لها، بل وبسرعة رهيبة كانت تدخل للمحل وهي تصرخ بفزع أن ينجدها أحد. ولكن أثناء دخولها، كانت تنظر للخلف خوفاً أن يعضها الكلب.

وفي ثوانٍ، شعرت بنفسها تصطدم في أحد، لتأخذه وتسقط به أرضاً بعنف شديد. ويعلو صرخات ذلك الشخص وقد صدم مما حدث. شعر بأحد يعانقه ثم يأخذه ويسقط به أرضاً. وصلت بثينة لمحل الحلاقة الخاص بالعم لؤي بعد أن حملت حجارة وأبعدت بها الكلب. لتدخل سريعا وهي تلهث بقوة وعنف. وما كادت تتحدث حتى وجدت الجميع يحدق بصدمة كبيرة أرضاً. لتنتقل بعينها حيث ينظر الجميع، وفجأة شهقت بصدمة وهي تهمس: "يا ليلة سودة."

صدمة كبيرة وصمت مهيب عقب صراخ ذلك الذي سقط أرضاً وفوقه فاطمة، التي فتحت عينها بصدمة لسماعها تلك الصرخات والتي تعلمها جيداً. وكيف لا وهي استمتعت إليها مرتين في نفس اليوم، وهذه هي الثالثة. كان زكريا أسفل فاطمة يتأوه من ظهره، مغمض العين، لم يرى حتى من سقط عليه. لذا، ودون معرفة من الذي سقط، كان يصرخ بعنف شديد وهو يدفع الجسد بعيداً عنه بقوة كبيرة: "ابتعد عني يا أحمق."

لوى هادي فمه وهو يحرك يده بحسرة على تلك الفتاة. فزكريا حتى الآن يظن أن أحدهم هو من سقط عليه. اتجهت بثينة سريعا لفاطمة وجذبتها بعنف من فوق زكريا، الذي كان يغلق عينه ويستغفر ربه بحنق على ذلك الأبله الذي كسر له فقرات ظهره. ابتلعت بثينة ريقها وهي تنظر بحسرة لفاطمة هامسة بخوف: "يعني من بين كل دول، ما لقيتيش غير الشيخ وتقعي عليه؟ رمقتها فاطمة بتعجب شديد وهي تمسك ذراعها الذي تأذى من السقوط،

مفكرة: هل كان يجب أن تنتقي الشخص الذي ستسقط عليه أم ماذا؟ نهض زكريا بعنف شديد وهو يرتب ثيابه، ورفع عينه بعنف لذلك الذي أمامه، والذي علم أنه هو من سقط عليه. وبمجرد أن رفع عينه حتى اتسعت بشدة وبصدمة مما رأى. إذا من سقط منذ قليل واستوطن أحضانه كان فتاة.

خافت فاطمة كثيراً من نظراته لها وشعرت أنه سيحرقها. لذا، ودون أن تمنحه ثانية واحدة، كانت تركض خارج المحل برعب شديد. ولم تعطه الفرصة للتحدث، فقد كان جسدها يرتعش رعباً من نظراته. تنفس رشدي الصعداء لذهاب تلك الفتاة من أمام صديقه الذي يبدو كما لو أنه يشتعل الآن. نظر هادي لبثينة بحزم مشيراً لها بالرحيل سريعاً. فلوت فمها بضيق من نظراته، وكادت تتحدث لولا كلمته التي خرجت منه بعنف: "على البيت."

تذمرت بثينة منه وخرجت سريعاً دون حتى قول كلمة واحدة، عكس طبيعتها الثرثارة. نظر رشدي لصديقه وهو يهز رأسه بيأس من تصرفاته وتحكماته في جميع نساء عائلته. لطالما كان الأحمق هادي هو أشدهم تحكماً في من حوله، وذلك بسبب وفاة عمه ووالده وتسلمه هو لكل أمور العائلة. وبالتالي كان يخشى أن يغفل يوماً عن أحد ويتسبب لنفسه في أي مشاكل.

كان زكريا يتنفس بعنف شديد وهو يتذكر احتضان تلك الفتاة له وسقوطها عليه. استغفر ربه، فمن الواضح أنها لم تقصد ذلك. لكن هو، ولأول مرة، يسمح لفتاة غريبة بلمسه، وهذا الأمر يجعل جسده ينتفض غضباً. خرج زكريا من المحل سريعاً دون حتى أن يتحدث بكلمة واحدة، والجميع ينظر في أثره بتعجب شديد. ***

كانت فاطمة تركض على الدرج سريعاً وهي تنظر خلفها، تخشى أن يكون ذلك المرعب قد لحق بها. كانت ضربات قلبها تزداد بشدة وهي ترى الرؤية مشوشة أمامها بسبب نظارتها التي امتلئت دموعاً. وصلت أخيراً للشقة الخاصة بها وفتحتها بمفتاحها الخاص سريعاً. واتجهت لغرفتها وكأنها لا تستمع لنداء والدتها التي تسألها عن زجاجة الزيت التي هبطت لإحضارها.

لكن فاطمة، كل ما فعلته هي أنها ركضت لغرفتها سريعاً وألقت نفسها على الفراش وهي تتنفس بعنف وخوف. ما تزال ترى عينه المرعبة تلوح أمام عينها. ابتلعت ريقها بخوف شديد تتساءل: هل كل ذلك الغضب لأنها سقطت عليه بدون قصد؟ تقسم أنها لم تقصد الأمر. تنفست بعنف وهي تحاول أن تهدأ. نزعت نظارتها ووضعتها جانبها. ثم، وفي ثوانٍ، انفجرت في البكاء وهي تتذكر ما عرضت نفسها له بسبب غبائها. نظرات الجميع

لها كانت وكأنها تخبرها: "هل أنتِ خرقاء أو ما شابه؟ حاولت أن تهدأ خاصة وهي تستمع لصوت والدتها ترحب ببثينة في الخارج. وشيماء اعتدلت سريعاً في جلستها وهي تحاول أن تتنفس لتهدأ، ولا تبدو أمامهن كفتاة بكاءة بلهاء. وسرعان ما أطل عليها وجه شيماء البرئ والجميل، والتي كانت ملامحها عكس بثينة تماماً. فبثينة كانت ملامحها حادة وبشدة مخيفة لمن لا يعرفها. تحدثت بثينة وهي تنزع حجابها تلقيه على الفراش، ثم جلست جوار فاطمة وجذبتها

بعنف لأحضانها قائلة بحنق: "عيطي يا أختي، عيطي؟ أول يوم ليكِ وتقعي على الوحش بتاع الحارة، يا خسارتك في البهدلة يا ضنايا." حدقت فيها فاطمة بتعجب من بين دموعها وهي تهمس بتعجب: "وحش؟ لوت بثينة فمها بضيق وهي تتحدث بنبرة يتضح فيها الغيظ والغضب والسخرية: "آه يا أختي، الشيخ زكريا. بصي، الحارة كلها كوم والراجل ده كوم تاني، ملكيش دعوة بيه لأنه رخم وثقيل أوي." تحدثت شيماء بضيق من حديث صديقتها، فهي تعرف مقدار كرهها

وبغضها لزكريا دون وجه حق: "حرام عليكِ يا بوسي، يعني هو كان عمل إيه عشان كل ده؟ ده أطيب حد في الحارة كلها وخدوم." ضحكت بثينة بسخرية كبيرة: "آه خدوم فعلاً. ده معقد وبيمشي يوزع عقده على خلق الله ويفضل يبص في الأرض لما يتكفي على وشه. راجل خنيق وقفل، مش عارفة أساساً عائلته مستحملاه تعيش مع خنقته إزاي." نظرت لها فاطمة بتعجب من حديثها ذاك، هل هو سيء لهذه الدرجة؟

هزت شيماء رأسها بضيق من حديث بثينة، فهي لطالما كرهت زكريا دون وجه حق، وذلك من بعد المواجهة بين الاثنين والتي خلفت من خلفها حرباً باردة بينهما، أو على الأقل من جهة بثينة. "مش عارفة أساساً هادي مستحملاه إزاي؟ نظرت فاطمة لبثينة بتساؤل: "هادي ده أخوكِ؟ ابتسمت بثينة بسمة واسعة وهي تهز رأسها برفض: "لا، ده ابن عمي، بس متربيين مع بعض من صغر." هزت فاطمة رأسها بتفهم لتتحدث شيماء وهي تحاول تغيير الموضوع،

ثم قالت: "فيه محل حلو أوي فتح جديد على أول الشارع، عايزين نبقى نروح نشوف اللبس عنده. إياكِش ألاقي مقاسي بس." نظرت لها فاطمة بحزن لنبرتها تلك ونظرتها المحرجة لتقول وهي ترمق جسدها: "ليه بتقولي كده يا شيماء؟ أنتِ جسمك حلو يا قلبي، هو بس محتاجة تخسي شوية صغننة وهتكوني قمر." تحدثت شيماء بسخرية تقطر وجعاً: "قولي كده للناس اللي شايفيني عاملة خطر وممكن أنفجر في أي لحظة."

فزعت فاطمة لحديثها، فهي ليست سمينة لهذه الدرجة. نظرت شيماء لأصابعها التي تفركها بحزن: "كله شايف إني تخينة ووحشة." صرخت بها بثينة بغيظ شديد لتقليلها من نفسها: "قطع لسانهم، ده أنتِ زي القمر." هبطت دموع شيماء بوجع وخجل من مظهرها: "أنتِ أكتر واحدة عارفة كويس يا بوسي أنا عاملة إزاي." صمتت ثم قالت

وهي تحاول تمالك نفسها: "مفيش حد بيبصلي أساساً، ولا فيه حد اتقدملي زي بقيت البنات اللي من سني، غير هو واحد بس، وطبعاً مش محتاجة أقول إيه اللي حصل وقتها لما شافني."

أنهت حديثها لتقترب منها فاطمة وتجذبها لاحضانها برفق وهي تهمس لها بكلمات مواسية، بينما بثينة تنظر لها بوجع لحالتها تلك. فهي حساسة وبشدة فيما يخص مظهرها وجسدها، وهذا ما يسبب لها العديد من المشاكل مع الجميع، خاصةً أخيها الذي يتشاجر معها دائماً لتقليلها من شأن نفسها. لطالما غضب منها وخاصمها لما تفعله بنفسها، فهي قد يصل بها الحال لحرمان نفسها من الطعام حتى. ***

عاد زكريا للمحل مجدداً دون حتى كلمة واحدة، وأيضاً الجميع لم ينبث أيّاً منهم بكلمة. انسحبت وداد من بين الجميع وهي تعود لمنزلها، بينما نظر لؤي للجميع منتظراً تفسيراً عما سمعه منذ قليل. تنهد زكريا وهو يشير لوالده بالجلوس، ثم بدأ يقص عليه كل ما حدث معهم بدءاً من خطفهم عن طريق الخطأ حتى تلك اللحظة التي يجلسون بها معه. فتح لؤي فمه بصدمة، ثم نظر لفرانسو وأحمد وصمت قليلاً، وبعدها تحدث: "وأنتم هتساعدوهم إزاي؟

ابتسم أحمد بارتياح، فقد ظن أن لؤي سيهجم عليهم في أي لحظة بسبب نظراته المخيفة. لكنه خيب أمله وكان متفهماً لما فعلوه. تحدث فرانسو ببسمة واسعة: "يعني أنت هتساعدنا؟ تنهد هادي بارتياح بعدما أنهى هو جملته دون أي أخطاء قد تستوقف زكريا. هز لؤي رأسه بإيجاب، ثم أشار للباب. نظر الجميع حيث يشير بتعجب، ولم يفهموا قصده، ليتحدث ببسمة باردة: "كل اللي هقدر أساعدكم فيه هو إني أشيل المحل النهاردة وأعفيكم منه، غير كده أنا out."

نظر زكريا لوالده بحنق شديد، فتحدث لؤي مشيراً لهم بالخروج: "روحوا أي نيلة تانية، شوفوا هتعملوا فيها إيه بعيد عني، يلا اسرحوا." نظر الجميع لبعضهم البعض، ثم أشار لهم هادي باتباعه. سار الجميع خلف هادي والهمسات المتذمرة تعلو بينهم لما فعله بهم لؤي. أخذ هادي الجميع حتى شقته، فهو الوحيد المتاح فيهم الآن. فشقة رشدي بها أخته، وزكريا للتو أخبرهم والده أن يفعلوا ما يشاءون بعيداً عنه. ولذا، لم يتبق لهم سوى شقته هادي.

دخل الجميع للشقة وأشار لهم هادي بالتزام الهدوء، ثم سريعا أدخلهم لغرفته وهو ينظر حوله بحثاً عن والدته، لكن لم يجد أي أثر لها أبداً، لذا رجح أنها ربما تكون خرجت لأجل التسوق أو ماشابه. جلس الجميع واستقروا في غرفة هادي، ليتحدث رشدي مشيراً له: "روح يا هادي يا حبيبي، قلّب تلاجتكم وشوفلنا أي حاجة نأكلها." ابتسم هادي وهو يلقي نفسه على فراشه براحة شديد، متمدداً يضع قدماً على قدم: "روح ولو لقيت حاجة خدها، أنا مش فايقلك."

لوى رشدي فمه بضيق منه، ثم ضرب قدمه بعنف ونهض ليبحث عن شيء يأكله، تاركاً الجميع في الغرفة يفكرون في طريقة لإيجاد ذلك المدعو أحمد النمرس. دخل رشدي للمطبخ يبحث عن شيء ليأكله وأخذ يقلب في الثلاجة، وهو يحمل أشياء عديدة ويخرجها يضعها بجانبه حتى انتهى وحمل كل ما جمعه، ثم اتجه للغرفة مجدداً ووضع كل شيء على فراش هادي، وأخذ يحضر بعض السندوتشات ويعطيها للجميع.

رفع هادي رأسه ليرى ما يفعل رشدي، فوجد أنه تقريباً أحضر كل شيء تحتوي عليه ثلاجتهم، ليتحدث ساخراً: "كان فيه نص لمونة في باب التلاجة، مجبتهاش ليه؟ أخرج رشدي نصف الليمونة من أسفل الطعام وأشار له بعدها بمعنى "لا تخف، لم أنسها". انفجر زكريا في الضحك عليهم وهو يتناول بعض الطعام من يد رشدي، الذي كان يلعب دور والدتهم في هذا الوقت. نظر رشدي لفرانسو وهو يشير للطعام: "تاخد تاني يا فرانسو، متتكسفش، البيت بيتك."

هزّ فرانسو رأسه ببسمة وهو يشير بما بيده بمعنى أنه اكتفى. ساد الصمت بين الجميع وهم يتناولون الطعام بهدوء شديد، حتى بدأ أحمد في التحدث: "هنعمل إيه؟ النمرس زمانه مختفي دلوقتي ومش هنقدر نوصل ليه." تحدث رشدي وهو يأكل بنهم شديد: "لو حابب تخرج الفار من جحره، بتعمل إيه؟ أجاب زكريا عليه ببسمة يفهم جيداً فيما يفكر: "نحطله حتة جبنة."

نظر لهم أحمد بغباء هو وفرانسو، بينما كان هادي يستمع لهم بتركيز شديد. تساءل أحمد عن مقصدهم ليجيبه رشدي وقد انتهى للتو من الطعام، ثم نظر له نظرة خبيثة غامزاً: "يعني نحطله طعم يسحبه لبرة. وواحد زي النمرس ده ديلر وبتاع برشام، إيه اللي ممكن يخرجه من جحره؟ "مدمن." كانت تلك كلمة فرانسو الذي فهم ما يقصدون، ليوافقه رشدي على حديثه ببسمة وهو

يكمل حديثه بجدية كبيرة: "هنحاول نخلي واحد يدور في المنطقة بتاعته ويعمل نفسه محتاج مخدرات أو برشام، ووقتها ولاد الحلال كتير، هيدلوه على مكان النمرس. ووقتها يكون هو على اتصال معانا ونقدر نهجم عليه وناخده نظبطه وبعدين نسيب العدالة تاخد مجراها." تحدث زكريا بتخوف قليلاً من الأمر، فهم يتعاملون مع مدمنين وتجار للممنوعات: "طب وهو اللي هيروح ليهم هيكلمنا إزاي يعني؟ مش هما هيفتشوه قبل ما يوصل ليهم؟ هز رشدي رأسه

برفض وهو يشرح له الأمر: "يابني ده ديلر مش تاجر مخدرات، يعني عيل تافه. فأول ما هيشوف ضحية جديدة هيريل عليها من غير ما يفكر أساساً." تحدث هادي بتذكي وهو ينظر لهم: "طب ما نحط ليه جهاز تتبع يا جماعة ونريح دماغنا." نظر له زكريا بحنق، أجابه بسخرية كبيرة: "جهاز تتبع؟ واحنا هنجيب منين جهاز تتبع دلوقتي؟ شايفنا مافيا ولا شرطة؟ لامؤاخذة يا رشدي." أشار له رشدي برأسه: "خد راحتك يا حبيبي." تحدث فرانسو بما يفكر به: "ومن هو الطَعم؟

أشار له زكريا ليتوقف عن الحديث مجيباً إياه: "حبيبي يا فرانسو، الطَعم بفتح الطاء دي لما رشدي يديك سندوتشات وتلاقي طعمها زي وشه، إنما الطُعم ده هو شيء بتحطه عشان تستدرج." قاطعه رشدي بضيق شديد: "خلاص يا حبيبي مش محاضرة هي. وانت يا فرانسو ابوس إيدك بلاش تتكلم قدامه، لما يمشي ابقى طلع كل اللي جواك." تحدث أحمد بعدم فهم: "أيوه يعني مين الطعم برضه؟ نظر رشدي ببسمة جهة هادي الذي

كان يتسطح باسترخاء شديد: "هادي طبعاً، هو إحنا لينا غيره؟ صاحب الوجه الملائكي والقلب الطاهر البرئ." *** نهضت بثينة وهي ترتدي حجابها مجدداً مشيرة للفتاتين للحاق بها وهي تتشدق بضيق: "تعالوا معايا نخرج اللحمة من الفريزر بتاع مرات عمي." نظرت لها فاطمة بتشنج لما تقول ولم تفهم حديثها، لتزفر بثينة بضيق وهي تتحدث وتشرح لهم الأمر: "انهاردة مرات عمي عازمانا وخرجت هي وأمي عشان يجيبوا الطلبات وأنا نسيت أخرج اللحمة زي ما قالوا."

توقفت شيماء وهي تتحدث بتعجب: "طب ما تكلمي هادي وهو يخرجها يا بنتي وخلينا قاعدين براحتنا." ابتسمت بثينة بسخرية وهي تجذبهم للخارج: "وهو أستاذ هادي بيقعد في البيت؟ انهاردة تلاقيه في المحل مع الشيخ ورشدي." زفرت شيماء بضيق وهي تلحق بها، وقد تم إفساد جلستهم كالعادة. سارت الثلاث فتيات خارج شقة فاطمة، والتي تقع بجوار شقة هادي، لتخرج بثينة مفاتيح شقة عمها، والتي تحتفظ بها دائماً أثناء خروج زوجة عمها بطلب منها. ***

وقف هادي على الفراش الخاص به وهو يصرخ بهم بغيظ شديد: "ليه يا خويا أنت وهو؟ إشمعنا أنا أكون مدمن؟ أشار له رشدي ليجلس وهو يتحدث بحزم شديد أن يصمت ويستمع له: "أولاً مينفعش زكريا لأن شكله ميوحيش بكده أبداً. ولا فرانسو، أكيد واحد شعره بني سايح وبياض بحمار وعيون زرقا مش هيروح يشم بودرة، ده آخره يشم غزل بنات. وأحمد غبي وممكن يبهدل الدنيا." اعترض أحمد وبشدة على حديث رشدي ليتحدث له رشدي بحاجب مرفوع: "خلاص مش غبي. روح أنت."

تراجع أحمد سريعاً وهو يجلس مكانه مجدداً مبتلعاً ريقه يبتسم بتوتر: "لا، أنا غبي أساساً، حتى عمي مجدي دايماً يقولي يا أحمد يا ابني إنت كفارة أخويا عن ذنوبه في الدنيا دي." ابتسم هادي ساخراً، ثم نظر لرشدي وقال: "طب والاستاذ مانعه إيه؟ ابتسم رشدي وهو يضيف: "أنا ظابط. أنا اللي بقبض على أمثالك يا مدمن."

ابتسم هادي بغيظ شديد، ثم نزل من على الفراش وهو يتحرك في الغرفة بسخرية شديدة مقلداً أحد المدمنين. وفي تلك اللحظة، كانت الفتيات تعبرن من أمام الغرفة متجهين للمطبخ الذي يقبع في نهاية ممر غرفة هادي، لكن توقفن بصدمة شديدة جراء ما وصل لمسامعهن. "أنا تعبان يا باشا والله، أي حاجة، أبوس إيدك أنا خرمان. أي حاجة. اديني أي حاجة. أنا بقالي يومين مش بنام، حاسس إن فيه حاجة بتتحرك في دماغي، هموت. أبوس إيدك برشامة أو حقنة. أي حاجة."

شهقت بثينة بصدمة وهي تتراجع للخلف، تضع يدها على فمها لا تصدق ما وصل لأذنها منذ قليل. هادي مدمن؟ ومنذ متى؟ كيف حدث كل ذلك ولم يلاحظ أحد؟ ودون أن تنتظر ثانية واحدة، كانت تهرول للخارج تحت نظراته الشفقة من شيماء وفاطمة اللتان لحقتا بها سريعاً. في الداخل، أطلق رشدي صفير حاد وهو يحيي هادي غامزاً له بمرح: "إيه يا ضنايا الحلاوة دي؟ كنت شمام وأنا معرفش؟ تحرك هادي

وهو يهز كتفيه بكبرياء: "من انهاردة تناديني سيادة المدمن باشا شمام بيه." يضحك زكريا عليهم بشدة، ثم تحرك جهتهم وهو يشير للجميع بالانتباه له حتى يخبرهم ما سيحدث. *** "مش قادرة أصدق بجد. هادي اللي عمره ما حط سيجارة في بقه مدمن؟ نظرت لها فاطمة بشفقة كبيرة تحاول أن تواسيها، فما عرفته منذ قليل ليس بالهين. تحدثت شيماء في محاولة منها لتخفيف الأمر: "آهدي أنتِ بس يا بوسي وكل حاجة هتتحل." رفعت بثينة وجهها لشيماء

وهي تصرخ بعدم تصديق: "تتحل؟ هو إيه اللي يتحل؟ انتِ مش عارفة يعني إيه هادي مدمن؟ يعني السند الوحيد لينا مدمن؟ الضهر الوحيد من بعد موت بابا وعمي مدمن؟ يعني الحيطة اللي كلنا بنتسند عليها طلعت مايلة." أنهت حديثها وهي تنفجر مجدداً بالبكاء، وشيماء تنظر لها بشفقة وحسرة كبيرة. هي محقة وبشدة، فالأمر صعب للغاية. تتخيل لو كان رشدي مكانها، لكانت انهارت كلياً.

فجأة، وكأنها أدركت الأمر، فتحت عينها بصدمة كبيرة تتخيل أن هذا الفاسد هادي قد يسحب أخاها بطريقه الوعر ويدمر له مستقبله وحياته كلها. يجب أن تنبه أخاها وتحذره من مرافقته. كانت فاطمة مستمرة في التربيت على ظهر بثينة لها تخفف عنها القليل مما حصلت، وهي تفكر أن بثينة ستعاني كثيراً في الأيام المقبلة. *** كان الخمسة شباب يقفون على بداية الشارع الذي يوجد به محل حلاقة المدعو أحمد النمرس.

نظر رشدي للجميع جيداً وهو يعيد على مسامعهم الخطة مجدداً: "تمام، هنكون ورا هادي خطوة بخطوة، وبرضو أول ما توصل ابعتلنا رسالة على طول واحنا هنراقبكم لغاية ما تيجي اللحظة الحاسمة وهبلغ القوات التي هتكون ورانا بالضبط، ووقتها هتهجم عليهم متلبسين، تمام؟

هز الجميع رأسه بإيجاب، ليربت رشدي على كتف هادي وهو يدفعه للبدء، ثم قال سريعاً وقد تذكر شيئاً: "ركز يا هادي كويس، لاحسن يعرفوا إنك مش مدمن، يعني كل شوية حك مناخيرك أو اهرش في دراعك و... قاطعه هادي بضيق وحنق مشيراً للمكان بسخرية: "ما تروح أنت يا خويا، ما أصل الشغلانة لمت. لو سمحت سيبني أشوف شغلي ومتدخلش."

رمقه رشدي بصدمة، وما كاد يتحدث حتى وجد هادي يتركهم ويتوغل إلى داخل الشارع، يسير بخطوات واهنة بعض الشيء وبشكل مزري وهو يرخي كتفيه. سار هادي في الشارع ببطء وهو يحط أنفه من وقت لآخر ويلتفت حوله بريبة مصطنعة، وكأن أحدهم يراقبه. ثم ذهب وتوقف أمام المحل الخاص بأحمد النمرس، وهو يفرك أنفه بعنف وينظر حوله بتوتر شديد، يتقمص الدور بإتقان على أمل أن يلفت نظر أحد رجال النمرس.

وبالفعل، ما هي سوى دقائق وقد رأى أحد الصبية يقترب من مكانه وهو يبتسم له بسمة غريبة مردفاً بخفوت: "فيه حاجة يا باشا؟ شكلك تايه ولا إيه؟ ابتلع هادي ريقه وهو يفرك أنفه، ثم نظر حوله بريبة شديدة وهو يتحدث بتقطع: "اصل هو... صمت قليلاً ليشجعه الصبي بعينه على إكمال الحديث: "اصل إيه؟ عايز حد ولا إيه؟ قول لي عايز مين وأنا أقولك، محسوبك يعرف أهل الحارة نفر نفر." تحدث هادي بصوت خافت وهو يفرك رأسه مدعياً

الألم: "كنت عايز المعلم أحمد النمرس." ابتسم الصبي باتساع وقد صدق حدسه حينما رآه يقف بهذا الشكل. خمن أنه أحد زبائن أحمد النمرس إذا، وسريعاً تحدث ببسمة وهو يغمز له: "برشام ولا شم ولا حقن؟ تحدث هادي بصوت عالٍ نسبياً وهو يدعي فقدان التحكم في نفسه: "أي حاجة، هات لي أي حاجة بس بسرعة عشان خرمان." نظر الصبي سريعاً حوله يتأكد أن لا أحد استمع لما تفوه به هذا الأحمق، ثم سحبه

خلفه وهو يحدثه بحدة شديدة: "اششش، اخرس، الله يخرب بيتك هتودينا في داهية. اتنيل، امشي معايا." لاحظ رشدي والشباب أن الصبي أخذ هادي ودخل به لأحد الشوارع الصغيرة، لذا ودون أن يضيعوا وقت كانوا يركضون خلفهم، وقد حرص رشدي على أن يبقي رجاله على علم بكل تحركاتهم.

سار هادي خلف الصبي في بعض الأزقة الضيقة وهو يتلفت حوله بريبة، يحاول معرفة إذا كان الباقون يلحقون به أم فقدوا أثرهم. وبعد سير طويل بين شوارع صغيرة وبيوت متلاصقة، توقف الصبي أخيراً أمام مبنى يعرف بال "سايبر". ليشير لهادي بالبقاء هنا وانتظاره، وسريعاً تحرك الصبي للأسفل المبنى في جحر صغير وكأنه قبو أو ما شابه، ليغيب دقائق استغلها هادي ليرسل رسالة لرشدي والشباب، والذين كانوا قد فقدوا أثرهم، ليسرعوا بالذهاب حيث المكان الذي أرسله لهم هادي.

وصل الشاب للمكان سريعاً، فهم كانوا قريبين منه جداً، ليجدوا هادي يتجه مع الصبي للاسفل في مكان أشبه بالقبو. ليتجهوا سريعاً خلفهم دون أن يشعر بهم أحد ويختبئوا خلف أحد الأعمدة ليتضح لهم المكان جيداً. وفي منتصف المكان، كان يجلس شاب يدخن الأرجيلة في مظهر بشع، وبجانبه يجلس العديد من الرجال والصبية.

اتجه الصبي سريعاً للشاب، والذي اتضح أنه النمرس، وهمس له ببضع كلمات يأمل أن يخرج من الأمر ببضع جنيهات "عمولة" له لإحضار زبون جديد كما جرت العادة. رفع النمرس عينه لهادي، الذي كان يقف وهو ينظر حوله بفضول، ليضيق النمرس عينه بشك من أمر هذا الشاب. التقط هادي نظرات النمرس تلك ليتوجس خيفة من كشف أمره، فبدأ يفرك أنفه مجدداً ويفرك رأسه ويحك في جسده ليخرج الأمر عن سيطرته وتزداد الحكة عنه. تحدث رشدي بحنق شديد وهو يرمق

ما يفعل ذلك الغبي هادي: "قلت له يهرش عشان يبان خرمان مش جربان." زفر زكريا بضيق من أفعال هادي: "ما كان ماشي كويس." "متخلف." تحدث النمرس وهو ينظر لهادي: "قولي بقى يا حلو الملامح عايز إيه؟ تحدث هادي وهو ينظر حوله بقلق بالغ يحاول ادعاء التوتر، ثم قال بتقطع: "أي حاجة يا معلم، أي حاجة بس أبوس إيدك اديني حاجة لاحسن خرمان وعلى آخري." ضحك النمرس وهو ينفث الدخان في وجه هادي بشكل مقزز ومثير للاشمئزاز،

ثم أردف بحدة: "هو إيه اللي أي حاجة ياض؟ هو لبان ولا إيه؟ انت كنت بتاخد إيه؟ حقن ولا بودرة ولا برشام؟ سارع هادي بالإجابة عليه ببسمة قلقة: "حقن يا معلم... كنت باخد حقن." "عضل ولا وريد؟ أنهى النمرس حديثه وهو يضحك بعنف ويسعل بسبب الدخان، ويشاركه في ذلك رجاله ومن حوله، ليلوي هادي فمه بضيق وهو ينظر لهم ويتمتم مع نفسه بغيظ: "يخربيت تقل دمك." نظر له النمرس بعدما توقف عن الضحك، ثم أشار

لأحد الصبية وسأل هادي: "وانت بقى كنت بتاخد نوع إيه؟ ابتسم هادي بغباء وقد نسي للحظات ما اضطره للوقوف أمامه، وقال بحماس: "إيه ده؟ هو فيه أنواع كتير ولا إيه؟ ضحك النمرس وهو يهز رأسه ويدخن ارجيلته بكل راحة. أكمل هادي حديثه بكل غباء جعل رشدي يكاد يخرج من مخبئه وينقض عليه ويقتله: "حيث كده بقى اعملي تشكيلة على ذوقك، يعني شوية حقن على بودرة ولو فيه كام برشامة كده أكون ممنون لك يا معلم."

ضحك النمرس بعنف وهو يراقب ذلك الأحمق أمامه، ولم ينتبه إلى أن هادي كان يتحدث بطبيعته، أو حتى ينتبه لاستقامة هامته عكس ما كان منذ دخوله. تحدث زكريا وهو يشير لهادي بغيظ: "الواد ده متخلف ولا إيه؟ رشدي شفتيه بضيق وهو يهمس: "بس نخرج من هنا والله هنفخه." نظر النمرس لهادي وهو يحدثه بتيه بعض الشيء: "الظاهر إن دمك خفيف؟ ابتسم هادي باتساع وهو يحرك ياقة ثيابه بفخر: "واخد جائزة أفضل ممثل كوميدي في الجامعة و... همس

فرانسو وهو يراقب ما يحدث: "هل صديقكم أبله؟ همس زكريا لرشدي وهو يراقب الوضع: "هنعنل إيه يا رشدي دلوقتي؟ نظر له رشدي وهو يلوح بالهاتف في يده مردفاً: "متقلقش، القوات كلها برة مستنية مني رنة واحدة بس." ابتسم له زكريا، ولم يكد يجيب حتى شعروا بأحد يجذبهم بعنف لمنتصف المكان أمام النمرس وصوت يصدح في المكان: "لقينا دول مستخبيين في المكان يا معلم." نظر النمرس لهم وهو يرمقهم من أعلى لأسفل ببسمة ساحرة،

ثم تحدث لهم: "ومين البهوات إن شاء الله؟ "دول تلاقيهم بوليس يا معلم." هكذا أردف أحد الرجال بجانب النمرس، ليطلق النمرس ضحكات عالية وهو يشير لهم باستهزاء: "شرطة إيه يابني دول أشكال شرطة دول؟ نظر زكريا لرشدي، ولولا الموقف الذي هم به لكان سقط أرضاً من الضحك على هيئته وملامحه الممتعضة. تحدث هادي وهو ينظر للنمرس مبتلعاً

ريقه بتوتر: "هتعمل فيهم إيه يا معلمي دول شكلهم مخبرين أساساً، بالذات الواد أبو عيون حضرة ده، شايف بيبصلي إزاي؟ كان هادي يتحدث مشيراً لرشدي، الذي كان يرمقه بغضب شديد، ليبتسم له هادي بتشفٍّ. ضحك النمرس عالياً وهو ينفث الدخان في وجهه: "لا يا راجل، شايفني بريالة؟ يلا؟ أكيد العيال دي معاك، يا حيلته." تحدث رشدي سريعاً بشماتة: "أيوه يا معلم، هو معانا على فكرة." "والله؟ هو إحنا جايين نبلغ عن بعض هنا؟

زفر هادي بضيق وهو ينظر لهم، غمز أحمد لرشدي أن يجري اتصالاً بالفرقة التي تنتظر بالخارج إشارته. هز رشدي رأسه، ثم سريعا أخرج هاتفه وابتسم بخبث وهو ينظر للنمرس مردفاً: "خلاص يا نمرس، نهايتك اتكتبت وبايدي." وفوراً ضغط رشدي على زر الاتصال وهو يبتسم بتشفٍّ. سرعان ما انمحت بسمته وهو يستمع للصوت الصادر من هاتفه وهو يصدح في المكان: "عفواً، رصيدك الحالي لا يسمح بإجراء المكالمة، الرجاء الشحن ثم إعادة المحاولة."

لعن رشدي أخته في هذه اللحظة، فهو متأكد أنها هي من فعلت ذلك، فهي لا تنزع هاتفه من يدها. همس ببسمة غبية: "حد معاه كارت فكة؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...