كان يجلس شاعراً بنار تندلع بداخله، يتخيل نفسه يمسك ذلك الغبي الذي يبتسم بأكثر بسمة مقيتة رآها طوال حياته. ثم يقوم بضربه في أقرب حائط له، وبعدها يحضر سكين ويفتح أمعاءه، ثم يقوم برميها في أقرب مكب نفايات. كانت هذه الأفكار تدور برأس هادي، الذي لمح وقوف شيماء مع أحد الشباب، والذي يراه لأول مرة في حياته، ويبتسم لها وكأنه حبيب يلتقي حبيبته بعد فراق سنوات طويلة. "ألا مين الواد الملون اللي واقف مع شيماء ده؟
خرج هادي من أفكاره السوداء على صوت فرج الذي يتحدث جوار أذنه وكأنه بالفعل لا يرى ما يحدث. "لا بس الواد جميل ما شاء الله." زفر هادي بضيق وهو يرمق ذلك الشاب ذو العيون الزرقاء والبشرة الشاحبة بعض الشيء، والنمش الذي ينتشر أسفل عينه وعلى أنفه، مع شعر أشقر بعض الشيء. "شايف ما شاء الله الواد قمر أوي." انفجر هادي في فرج الذي يشعر وكأنه يغازل الشاب. "خلاص يا فرج، عرفت إنه قمر وعسل. أروح أبوسه من بقه يعني؟
ولا أقولك أنا أفُكك من شيماء وأتجوزه؟ أنهى كلماته المجنونة وهو يتحرك مبتعداً عنه صوب هؤلاء الحمقى الذين يقفون في الشارع هكذا دون خجل. بينما نظر فرج له بصدمة من حديثه، لكنه رغم ذلك ابتسم وهو يقول بغباء: "لا بس الواد حلو ماشاء الله." "يا أستاذ سلامة مينفعش وقفتك دي، لو سمحت هات الفلوس خليني أطلع."
هكذا تحدثت شيماء بضيق شديد وهي تنظر لذلك الشاب، والذي يكون شقيق لإحدى الصديقات، أتى ليعطيها أموالاً كانت قد استلفتها منها أخته سابقاً. ابتسم سلامة لها وهو ينظر لها مستمعاً بإغاظتها. فقد قمت أخته حينما حدثته أنفاً عن لطافتها. "طيب أنتِ ليه متعصبة كده؟ أنا بس حابب نتكلم شوية مش أكتر." "نعم يا ضنايا؟
ألتفت سلامة بتعجب لذلك الصوت الذكوري ليجد نفسه يقف أمام شاب عملاق بالنسبة لجسده الهزيل. رفع الشاب حاجبه بتعجب من لهجة هادي الذي يرمقه كما يرمق الأسد فريسته، ليتحدث متعجباً نبرته وهو يرى رجل كبير في السن يركض سريعاً على وجهه بسمة بلهاء. ليقف بالقرب منه وكأنه لا يرغب في تفويت لحظة من الحوار. "نعم يا أفندي، فيه حاجة؟ "أيوه فيه، بس تعالى على جنب كده عشان نتناقش بهدوء منعا لخدش حياء فرج." ***
ارتجفت يد ماسة وهي تمسك الهاتف برعب مما ترى، فقد كان يحتوي على صور خاصة بها؛ بعضها بثياب المنزل والبعض الآخر وهي دون حجاب. فزعت سريعاً وهي تحرك يدها على لوحة مفاتيح هاتفها تكتب بسرعة دون أن ترى جيداً ما تكتبه. "انت مين؟ وعايز إيه باللي بتعمله ده؟
توقفت عن الكتابة، تترقب حتى ظهرت علامة زرقاء تدل على قراءة الشخص المرسل لرسالتها. خفق قلبها بعنف شديد وهي تنظر للعلامة التي تدل على أنه يكتب الآن. ثوانٍ مرت كالجحيم عليها وهي تترقب الأمر، حتى ظهرت رسالته على الشاشة بحروف مقتضبة. "أنا مش عايز أئذيكِ يا ماسة، أنا بس عايز نتكلم، ممكن؟
شعرت ماسة بدمائها تفور في شرايينها وهي متأكدة في داخلها أن هذا هو نفس الشاب الذي يزعجها عبر الهاتف. لذا سريعاً ودون أن تشعر، كانت تغلق المحادثة وتغلق الهاتف نهائياً بعدها، ثم سكنت محلها تنظر بشرود أمامها تنتظر شيئاً مبهم. ثم تحركت تخرج من غرفتها، متحركة نحو باب الشقة بهدوء شديد وخرجت وأغلقت الباب خلفها. ثم تحركت بهدوء وجلست على الدرج المؤدي لأعلى، تنتظر في هدوء شديد وهي تستند برأسها على قدمها، ثم أغلقت عينيها بهدوء شديد وكأن لا شيء حدث منذ ثوانٍ.
*** صدم زكريا من حديث منيرة، ليترك الهاتف سريعاً دون أن يدع لعقله المجال حتى يفكر ولو قليلاً، وسريعاً انطلق لخارج الشقة دون أن يجيب نداء والدته التي كانت تتساءل عن هوية المتصل. كانت ملامحه تعلوها الفزع الشديد وهو يتذكر حديث والدتها الملهوف ونبرتها التي ظهرت له، وبوضوح أنها كانت تبكي بعنف.
هبط درج البناية سريعاً ينظر حوله عله يلمح طيفها، لكن لم يجد شيء. لذا سريعاً ركض للبناية الخاصة بها وهو يدعو ربه ألا تكون قد وصلت للشقة الخاصة بها بعد. دخل البناية سريعاً ليلمحها وهي تخطو على بداية درج الطابق الثاني والخاص بشقتها، ليعلو صوته منادياً إياها بلهفة شديدة. "آنسة فاطمة... آنسة فاطمة، لحظة لو سمحتي."
توقفت فاطمة على درج منزلها وهي تستمع لصوت يناديها، صوت تعلمه جيداً. نظرت فاطمة للاسفل بتعجب لتجد أن الشيخ يركض على الدرج خلفها. وللحق ارتابت كثيراً من الأمر وهي تفكر لما يناديها؟ هل حدث شيء أو فعلت شيء؟ هي حتى لأول مرة لا تسبب له مشاكل. وقبل أن يصل لها زكريا، سمعت صوت باب يُفتح يتبعه صوت والدها الذي هز قلبها من موضعه. "أخيراً شرفتي يا هانم... اطلعيلي يلا عشان عايزك."
نظرت فاطمة بتعجب لوالدها تتساءل لما هو هنا، لكن لم تدم حيرتها وهي تتقدم جهة والدها، تتجاهل زكريا الذي استوقفها منذ قليل ظناً منها أنه يود توبيخها على شيء ما. لكن كل ذلك اختفى بمجرد أن وصلت للشقة وجذبها والدها للداخل بعنف وكأنه يسوق الشاه للمذبح. *** "ها اتفضل."
نظر سلامة حوله بتعجب، فقد سحبه ذلك الشاب المجنون وأجلسه عنوة على أحد مقاعد القهوة، ثم سحب مقعد وجلس جواره، يضع يده على خده كمن يستمع لقصة ما قبل النوم. لم يفهم سلامة شيء من هذا المجنون، لذا تحدث بضيق وتأفف. "هو حضرتك مجنون؟ اتفضل إيه بالضبط؟ ادعى هادي الصدمة وهو يشير لنفسه. "الاه؟ هو مش إنت كنت بتقول من شوية لشيماء إنك حابب تتكلم شوية؟
أنا فاضي أساساً ولسه مخلص شغل، فقولت أسمعك أنا طالما حابب تتكلم لأن الآنسة شيماء مش هتقدر تقف كتير بسبب رجليها." "اه ده إنت بتستخف دمك؟ ابتسم هادي وهو يضع قدم على قدم، متحدثاً بفخر غبي بعض الشيء. "لا أنا فعلاً دمي خفيف، حتى اسأل الكل." ابتسم الشاب بسخرية، ثم اقترب من هادي وهمس له. "بيجاملوك صدقني."
عاد فرج في هذه اللحظة بعدما كان لدى أم اشرف، ليجد ذلك الشاب يحتل مقعده المقدس، ليتحدث بحنق شديد وهو يدفع الشاب بعيداً عن مقعده. "ولا الكرسي ده بتاعي، يالا قوم من عليه. إنت يا زفت يا مروان (صبي القهوة) مش قولت محدش يقرب للكرسي بتاعي؟ أشار هادي له بالصمت. "فرج اسكت دلوقتي واقعد في أي داهية لغاية ما أشوف حكاية الأستاذ ده." تشنج فرج وهو يكاد يفتح فمه باعتراض، ليشير له هادي بتحذير.
"لو قام من هنا هقوم معاه على أول محل جاتوه وأطلع على أم اشرف ومش هتلمحني غير وأنا معايا فرج الصغير، أنا بقولك أهو." صمت فرج بتذمر شديد وهو يلقي له بنظرات مشتعلة، ثم بعدها نظر للشاب بغيظ وضيق شديد ينتظر انتهاء هذا كله. بينما هادي استدار مجدداً للشاب، واضعاً يده أسفل ذقنه، متحدثاً بهدوء وكأنه ليس ذلك الذي كان يصرخ للتو في فرج مهدداً إياه. "ها يا قلبي احكيلي كل اللي كان نفسك تقوله لشيماء، ولا كلامك مش بيتكسف على شنبات؟
شعر الشاب بسخرية هادي، لينهض سريعاً وهو يتحدث بغضب شديد. "هو واضح فعلاً إن حضرتك مجنون وبتستخف دمك عليا. اختي كانت مستلفة من الآنسة شيماء فلوس وكنت جاي أرجعها ليها، عن إذنك." أنهى حديثه وهو يتحرك مبتعداً عن ذلك الشاب المجنون. تاركاً هادي يغلي محله ولم يفرغ غضبه بعد، لذا سريعاً نهض وركض خلف الشاب وهو يصرخ بغضب جحيمي. "ولا خد ياض، لسه مخلصناش فضفضة، والله لتقول كل اللي في نفسك."
نظر فرج لأثر الاثنين بحنق، ثم اتجه لمقعده وأخرج محرمه ومسحه بازدراء، ثم تربع على عرشه وهو يشعر بالراحة الشديدة.
كانت تقف من بعيد تراقب أفعال هادي مع سلامة برعب شديد لملامح الإجرام المرتسمة على وجه هادي، لتلاحظ بعدها تحول ملامحه للهدوء وهو يتخذ وضع المستمع مع الشاب. تعجبت كثيراً تصرفاته وهي تراقب ذلك الشخص المعقد. لكن فجأة وجدته يعود صوب القهوة وهو يبتسم بسمة مخيفة وكأنه قتل الشاب للتو. لذا ابتلعت ريقها وهي تتراجع للخلف تنوي العودة للمنزل قبل أن يلمحها هادي، الذي رماها بنظرة مرعبة جعلتها تطلق صرخة صغيرة، وبعدها انطلقت برعب صوب المنزل وعيون هادي تكاد تحرقها وهو يتمتم بغضب.
"ماشي يا مرهفة الحس، أما ربيتك مبقاش هادي. الظاهر إن رشدي مدلعك، بس أنا هوريكِ أنتِ وأخوكِ." *** "اتفضل يا مولانا ابدأ." توقفت قدم فاطمة عن التحرك وهي تستمع لكلمات والدها التي لم تفهم مقصده منها، أو فهمت وحاولت إنكار ما وصل لها. لكن رؤية ذلك الشيخ مع دفتره يتوسط والدها ورجل آخر في نفس عمر والدها إن لم يكن أكبر، جعلها تتأكد أن ما وصل لها صحيح. لذا صاحت بصدمة وهي تتراجع سريعاً للباب. "هو فيه إيه؟
الناس دي بتعمل إيه هنا؟ بكت منيرة بشدة وهي تنهار أرضاً ترثي حالها وحال ابنتها التي لم تبتسم لها الدنيا يوماً. اتجهت نحمده سريعاً جهة فاطمة تجذبها للغرفة الخاصة بها قبل أن تفسد الأمر. "تعالي معايا بس يا حبيبتي وأنا أفهمك." بكت فاطمة بعنف شديد وهي تبعد يدها عنها برعب شديد. "سيبيني بس، أنتم عايزين إيه؟ أنا عمري ما هتجوز الراجل ده." نظر لها الرجل بتعجب شديد، ثم تحدث ببوادر غضب موجهاً حديثه لمرسي.
"جرا إيه يا أستاذ مرسي، هو مش حضرتك قولتلي برضو أنها موافقة ولا إيه، أصله ده؟ انتهزت فاطمة الفرصة وهي تتحدث بلهفة وقهر شديد ودموعها كالعادة تسير على خدودها بكثرة. "لا لا أنا مش موافقة على حاجة ومش هتجوز حد." غضب مرسي يزجرها بعينه، لكنها لم تهتم له. ليتحدث مرسي محاولاً إقناع الرجل. "يا معلم طول بالك عليها، دي عيلة ومتسرعة، بعدين هي أساساً اتفاجأت مش أكتر، دلوقتي تهدي وتفهم الحوار."
كان يتحدث بكلماته وهو ينظر بعين فاطمة مهدداً إياها بقول عكس ذلك. وبالفعل فعلت ذلك وهي تصرخ بهم جميعاً. "اتجوز مين؟ اتجوز راجل قدك يابابا، هو إنت عايز ترميني لأي حد وخلاص؟ حرام علــــ... ااااه" توقفت فاطمة عن الحديث بسبب والدها الذي اندفع إليها فجأة وهو يمسكها من يدها بعنف شديد، يرمقها بشر كبير. كان زكريا يقف في الخارج يستمع لكل ذلك الصراخ، لا يعلم هل يتدخل أم لا؟
في النهاية هو مجرد غريب، ليس له أن يتدخل بين أب وابنته، خاصة أنهم في منزلهم وليسوا في مكان عام حتى لينصحهم مجرد نصيحة. هو إن تدخل الآن سيكون مقتحماً وقحاً. لكن صراخ فاطمة أصابه في مقتل. نبرتها التي تصرخ بها عليهم تخبره أنها اعتادت هذا الظلم. ابتعل ريقه بوجع شديد، ثم تراجع للخلف ببطء شديد، يلعن ضعفه على التدخل وإنقاذها. فمن هو ليقتحم منزلهم ويقف في وجه والدها.
كانت تشعر بيد والدها تكاد تخترق ذراعها من شدة ضغطه عليها وهو يصرخ في وجهها بعنف شديد. "هو ده اللي بتحفظ يا هانم؟ باعتة بنتك لبيت شاب غريب، مش كفاية اللي أنا عايش فيه بسببها." سقطت دموع فاطمة بعنف تحاول الفكاك من يد والدها وهي تتوسله أن يدعها وشأنها. "حرام عليكوا، أنا تعبت، سيبوني في حالي. مش عايزة منكم غير إني أعيش في حالي، صعب ده؟ اغتاظت نحمده من حديثها ذلك لتصرخ في وجهها توبخها.
"شوف قليلة الرباية، عايزة تمشي على حل شعرها." احمرت عين فاطمة وقد فاض بها لتصرخ فجأة ودون أن تهتم بأحد. "أنا برضو اللي بمشي على حل شعري؟ ولا بنتك يا عمتي اللي عمالة تصاحب كل شاب شوية و....
صمتت لتسمع صوت صفعة يرن صداها في المكان، لتغمض عينها بعنف وهي ترتعش كقط مبتل أسفل مطر غزير. لكن ثوانٍ مرت ولم تشعر بشيء، لتفتح عينها ببطء وخوف تجد سد منيع يقف أمامها وهو من تلقى صفعة والدها بدلاً عنها. وكأنها شعرت فجأة بأمان يحيطها، يا للعجب هذه الدنيا. نحتمي من أناس كان من المفترض أن يكونوا ظهراً لنا، في أناس كل ما نعرف عنهم هو مجرد الاسم فقط.
خرجت همسة من فاطمة مترجية باكية وهي تتوسل رجولته ألا يتركها معهم هنا، فإما سيقتلونها أو يزوجها من ذلك العجوز. "ارجوك ساعدني." ***
وصلت شيماء للمنزل بسرعة وهي تخرج المفتاح وتنظر خلفها كل ثانية وأخرى ترى إذا ما لحق بها هادي أم لا، وبسبب عجلتها لم تنتبه لتلك التي تجلس على الدرج في هدوء شديد ولم تحرك ساكناً. دخلت شيماء المنزل سريعاً وهي تتنفس الصعداء لتخلصها من ذلك المجنون، تتساءل كيف ستتعايش معه فيما بعد. ولم تكد تبلغ غرفتها حتى سمعت صوت رنين هاتفها لتصدم من الرسالة التي وصلت لها من رقم غريب، والذي كان مضمونها:
(ما أنتِ حلوة أهو وبتسمعي للناس، أمال لما تقفي قدامي بتبقي زي القطر ليه يا أم قلب كبير يا حنينة؟ ابتلعت شيماء ريقها تتساءل من أين أحضر رقمها؟ لا تتذكر أن رشدي أخبرها بإعطائه رقمها. حسناً، عندما يعود رشدي ستسأله عن الأمر. أنهت حديثها وهي تتجه لغرفتها سريعاً، وبعدها ارتمت على الفراش وهناك بسمة حالمة واسعة ترتسم على وجهها، لا تصدق ما عاشته منذ قليل. هل غار عليها فعلاً؟ أم أنها تتخيل؟
أغمضت عينيها وهناك بسمة واسعة ترتسم على وجهها تدعو الله أن يكون ما يحدث معها هو بداية لسعادتها، وهناك نقطة في أعماق أعماق قلبها بدأت تخفق لذلك الذي يحترق في الأسفل. *** صعد رشدي درجات منزله سريعاً وهو يتحدث في الهاتف. "خلاص يا مصطفى، حقق معاه وأنا هجيب الورق وأجيلك. لا لا سيب التاني ليا. ماشي تمام، اقفل دلوقتي."
أنهى رشدي حديثه وهو يدلف للشقة الخاصة به سريعاً، متجهاً بعدها لغرفته يبحث في أدراج مكتبه عن بعض الأوراق، يلعن في سره تلك القردة التي تزوج منها. "طبعاً تلاقيها دخلت بهدلت الدنيا عشان تاخد شراب من عندي."
فجأة انتبه لوجود الملف على الطاولة جوار الباب، والتي لم ينتبه لها عند دخوله للغرفة، ليمسك الملف ويخرج سريعاً متجهاً صوب الباب. خرج رشدي من باب الشقة وهو ينظر للملف بيده، لكن فجأة لمح خيال على الدرج المؤدي للأعلى. رفع رشدي عينه بتعجب شديد ليصدم من وجود ماسة تجلس على الدرج بهدوء شديد وهي تنظر له دون أي ردة فعل، وكأنها ليست بوعيها. تحرك رشدي بخطوات بطيئة صوب الدرج ينادي بصوت خافت. "ماسة؟ مالك ياقلبي قاعدة كده ليه؟
انحنى قليلاً ليجلس أرضاً على ركبتيه وهو يحاول رفع وجهها من على قدمها. "ماستي مالك ياقلبي؟ *** "انت مين يا جدع انت؟ وازاي تدخل البيت بالشكل ده؟ أنهى مرسي حديثه الغاضب لزكريا، ثم نظر لخلف ظهره حيث تختبئ ابنته، يصرخ بوجهه وقد استفزه أن تحتمي بغيره منه. "اخرجي تعالي هنا ومتتقليش حسابك يا أستاذة. وانت يا أخ اتفضل من غير مطرود." ابتلع زكريا إهانة مرسي، ثم تحدث بهدوء يحاول استحضاره بصعوبة.
"يا أخ اللي إنت بتعمله ده ميرضيش ربنا، استغفر ربك، دي بنتك عايز تجبرها على الزواج ومن راجل شيخ؟ احتدت أعين مرسي بشدة، لذا انطلق صوب زكريا تزامناً مع انطلاق شهقة فاطمة من الخلف وتمسكها بثيابه فجأة، ليجفل زكريا من حركتها الغير متوقعة، متقدماً للأمام محاولاً إبعاد يدها عن ثيابه، لكنها أبت إلا أن تتمسك به كما يتمسك الغريق بالقشة، ليسمع صوتها الباكي. "بالله عليك ما تسبني، أبوس إيدك."
اهتز قلب زكريا بشدة لنبرتها التي تبدو كسكين اخترق قلبه، وسمع صراخ مرسي به. "واضح إن الأستاذة المحترمة تعرفك كويس أوي. مين بقى حضرتك عشان تقف في نص بيتي كده تعلمني الصح والغلط في حق بنتي؟ "أنا الشيخ اللي بحفظها قرآن بس." لم يكمل حديثه بسبب صوت امرأة اتت من خلف مرسي صارخة بسخرية مريرة. "يعني كان عندي حق لما قولتلك مفيش في الحارة دي ولا شيخ غير شاب صغير. شوف بقى يا أخويا مراتك بتودي بنتك عند مين؟ شاب صغير ويا عالم."
"أنا مسمحش لحضرتك تسيء ليا ولا ترمي محصنات على حد إذا سمحتي." كانت كلمات صغيرة هادئة من زكريا، الذي قاطع بها حديث تلك السيدة المقيتة، عالماً بما ستقوله عنهما. لكن ورغم الهدوء في صوته، إلا أن عينه قد بدأت تحتد، وكأنه على وشك افتراس كل من بالمنزل. يا الله، هل يوجد أناس بتلك الحقارة؟ ودون شعوره خرجت كلماته غاضبة وبشدة، صارخاً بالجميع.
"يشهد ربنا إني ولا ثانية رفعت عيني في بنتكم، ووالدتي كانت دايماً قاعدة معانا وقت التحفيظ، ووالدي كان بيكون جنبنا، واللي بالمناسبة كانت مرة واحدة بعدين طلبت من والدتي تتولى هي أمر تحفيظها، مش أنا." صمت، ثم أكمل كلماته بتهكم شديد. "على الأقل كنت أظهري بعض من ثقتك بابنة تربت أسفل سقف منزلك سيدتي، إذا لم تثقي بنيتي." "ومين قالك إني واثقة فيها." "نــــحـــــمـــــــــــــــــــــده."
كانت تلك الصراحة تنطلق من فم مرسي، الذي ألقى نظرة مرعبة لأخته، والتي يعميها حقدها والغل المستوطن في قلبها عن التحكم في حديثها عن ابنته. "خلص الحوار، اتفضل حضرتك اطلع من هنا. وفاطمة بعد كده مش هتحفظ قرآن عندك ولا هتحفظ خالص. شرفتنا." استغفر زكريا ربه في سره وهو يحاول التحدث لمساعدة تلك التي تتمسك به حتى كادت تقطع ثيابه. "يا سيدي الفاضل افهمني، إيه اللي يجبرك تزوج بنتك بالشكل ده؟
مفيش أي مبرر، بكرة نصيبها يجيلها ويجي شخص يحافظ عليها، مينفعش ترميها لأي حد كده وخلاص." ابتسم مرسي بسمة ساخرة متهكمة لم ترق لزكريا أبداً، ثم تحدث بحنق شديد. "يعني أنا لقيت وقولت لأ يا خويا، هو ده اللي موجود." لم يفهم زكريا مقصد مرسي من الحديث، فما الذي يعيب فاطمة ليقول مثل تلك الكلمات، لذا تساءل بعدم فهم. "يعني إيه هو ده اللي موجود؟ هو حضرتك واعي بتقول إيه؟ دي بنتك."
أخرج مرسي صوتاً ساخراً من فمه، ثم نظر لزكريا من أعلى لاسفل قائلاً بجدية صدمته هو نفسه قبل أن تصدم زكريا. "خلاص اتجوزها إنت." *** لم تحرك ماسة ساكناً وهي تنظر لوجه رشدي بهدوء مخيف، جعل رشدي يلقي كل ما بيده جانباً، ثم انحنى جوارها وجذب رأسها لصدره بحنان شديد وهو يربت عليها بخوف. "قلبي مالك؟ حد زعلك؟
وأخيراً صدرت منها حركة تظل على أنها حية، حيث رفعت ذراعيها وطوقت رقبة رشدي بقوة. رغم تفاجئه من حركتها، إلا أنه شدد من عناقها وهو يستند على الجدار المجاور للدرج، وقد أصبحت تسكن أحضانه يهمس لها بحنان. "مالك يا ماسة؟ رفعت ماسة عينها له وهي تهمس بنبرة خاوية من أي تعابير تقريباً. "التليفون." لم يفهم رشدي شيء من حديثها. "تليفون إيه؟ فيه إيه يا ماسة خوفتيني." بكت ماسة وهي تضمه أكثر متحدثة بصوت متحشرج.
"الصور بتاعتي معاه وبيهددني بيها." فتح رشدي عينه بفزع مما تقول، ليبعدها سريعاً عن أحضانه متحدثاً بهدوء مخيف. "صور إيه؟ ومين ده اللي بتتكلمي عنه؟ بكت ماسة أكثر وهي تشير للشقة. "واحد بيضايقني على التليفون." أغمض رشدي عينه بغضب شديد، ثم أبعد ماسة عنه بهدوء حتى لا يفزعها أكثر، يكفيها ما هي به، ثم تحرك بهدوء وأمسك يدها متحدثاً بحزم. "تعالي وريني تليفونك فين؟
سارت ماسة خلفه وهي تبكي بخوف شديد، بينما رشدي كان يشتعل، وهذا أبسط ما يمكن وصف حالته به. سار معها حتى وصل لغرفتها، لتحمل هي الهاتف وتعيد تشغيله، ثم تمد يدها به إليه. نزع رشدي الهاتف من يدها بعنف وغضب، ثم أخذ يبحث فيه لعشر دقائق تقريباً، وبعدها أخرج هاتفه بهدوء شديد وأجرى اتصالا. "الو يا مصطفى، هبعتلك رقمين تعرفلي مين صاحبهم ضروري."
أنهى كلماته، ثم أعطاه الرقمين وأغلق المكالمة. ابتلعت ماسة ريقها برعب من نظرات رشدي لها وهو يسألها. "من أمتى والولد ده بيضايقك؟ "من فترة يعني اسبوعين او... توقفت عن الحديث وهي ترى رشدي يلقي بكل شيء أمامه في غضب، ثم صرخ بها وقد نسي حديثه لنفسه منذ قليل بألا يزيد خوفها. "اسبوعين؟ اسبوعين ومكلفتيش خاطرك حتى تقوليلي؟ بكت ماسة بخوف شديد وهي تتراجع للخلف مخافة أن تطولها يده. "أنا...
أنا والله فكرته واحد بيرخم زي العادة بس... انطلق لها رشدي جاذباً إياها من ذراعيها بغضب شديد، جعلها تطلق تأوهاً عالياً. "حتى لو يا ماسة، حتى لو بيرخم، تيجي تقوليلي. سامعة؟ حتى لو رقم اتصل بالغلط، سامعاني؟ أنهى كلماته بصراخ عنيف في وجهه، وقد تحكم به غضبه. هزت ماسة رأسها بإيجاب وهي تبكي محاولة نزع يده، مرددة بألم. "انت بتوجعني يا رشدي."
انتبه رشدي لعين ماسة ليجد أن يده تمسك بذراعها بطريقة مؤلمة وبشدة، ليبتلع ريقه وهو يبعد يده عنها، متراجعاً للخلف، يمسح وجهه بضيق شديد لما فعله، ثم نظر لها باعتذار شديد، فهو في غضبه لا يفرق بين حبيب وعدو، بل يقتلع كل من أمامه. نظرت له ماسة بغضب من بين دموعها، ثم تحركت لفراشها، تاركة إياه يقف في منتصف الغرفة يلوم نفسه على ما فعله معها، ثم تحرك بهدوء للفراش وهو يربت عليها بحنان. "ماسة... متزعليش مني، أنا بس اتعصبت و...
توقف عن الحديث وهو يراها تغطي وجهها بالكامل بالغطاء دون أن تغيره أدنى اهتمام، ليرفع رشدي حاجبه بسخرية من حركاتها تلك. ابتسم بخبث وهو يعلم جيداً كيف ســـ... خرج من أفكاره الخبيثة على رنين هاتفه المزعج، رفع الهاتف أمام عينه يردد بسخرية. "أكيد طبعاً مفيش غيرك بأم الرخامة بتاعتك دي، عيل لزج." فتح المكالمة وتحدث بتأفف. "نعم يا زفت الطين يا هادي، قولتلك مش هرجع البيت غير...
توقف عن الحديث وهو يستمع لحديث هادي من الطرف الآخر، ثم ردد بعدم فهم. "أهدى بس وفهمني، ماله زكريا؟ *** قبل ذلك بعشرة دقائق: "ايه مسمعتش أنا قولت إيه؟ بقولك اتجوزها إنت طالما صعبانة عليك أوي كده وكمان شكلها عجباك، فاتجوزها إنت لأني خلاص تعبت وأنا مستني تتجوز." صدم، بل صعق زكريا لحديث ذلك الرجل، هل هناك أب قد يقول هكذا حديث عن ابنته؟ يا الله، ألا يملك قلب؟
شعر زكريا بارتخاء يد فاطمة الممسكة به، وتلك الشهقة المجروحة التي خرجت منها. ابتعل ريقه وهو يرفع نظره للرجل، ثم تحدث بعد صمت ليس بطويل، لكنه مر على الجميع كدهر، خاصة منيرة التي كفت عن البكاء وهي تنظر له برجاء، تعلم جيداً أن الأمر صعب، لكن هذا أملها الوحيد لإنقاذ ابنتها، فزكريا شاب محترم وسوف يحافظ على ابنتها، لكن ذلك الرجل الذي أحضره زوجها تعلم جيداً أنه لن يذيق ابنتها الراحة أبداً، ناهيك عن خدمتها لأبنائه، فهو أرمل ولديه أبناء من امرأتين ويبحث عن زوجة ثالثة بعد موت الاثنتين.
قاطع كل تلك الأفكار التي تدور في رأس منيرة صوت زكريا الذي خرج ثابتاً، جاداً وحازماً. "أنا أساساً كنت هكلم حضرتك عشان أطلب إيد الآنسة فاطمة، بس كنت مستني الوقت المناسب وكنت هطلب من الست منيرة تكلم حضرتك عشان أطلب مقابلتك." صمت قليلاً، ثم قال بعدما ابتسم له بسمة هادئة.
"ولولا الموقف اللي كنا فيه وخوفي إن حضرتك تظن الأمر مجرد شفقة أو عرض وخلاص، كنت طلبتها أنا للزواج. بس بما إن حضرتك مش معترض أبداً، فخليني أقولها بشكل رسمي." تنفس زكريا وهو يتحدث بهدوء شديد مبتسماً له، بعدما استرق نظرة لوجه فاطمة الشاحب وبشدة، وكأنها رأت وحش. "أنا بطلب من حضرتك إيد الآنسة فاطمة، وهيكون شرف كبير أوي ليا توافق." *** "لا بس انت بوظت وش الواد، عيل غبي صحيح."
تجاهل هادي حديث فرج الذي يرغو ويزبد به منذ ضربه لذلك الشاب، والذي اتضح أنه أتى بدلاً من أخته لرؤية شيماء، وقد كان ينوي التقدم لها. حمل هادي كوب المشروب الذي يتوسط الطاولة وهو يتحدث بسخرية. "طب بس، لان أم اشرف لو سمعتك هتغير أوي." ضحك فرج بشدة على حديث هادي وهو يفهم معانيه المبطنة. "لا يا خويا أنا مستقيم والحمد لله."
نظر له هادي بسخرية، ولم يكد يتحدث له بلسانه اللاذع حتى استمع لرنين هاتفه، ليجد أن المتصل هو زكريا. فتح المكالمة وهو يرتشف بعضاً من المشروب الساخن. "الو يا زيكو... لا خلصت شغل بس ليه؟ تحدث زكريا وهو يبتعد عن الجميع. "عايزك يا هادي تجيب رشدي وأمي ولؤي وتيجيلي عند بيتك عشان هتجوز." بصق هادي المشروب في وجه فرج بفزع وهو ينهض متحدثاً بصدمة. "تتجوز عند بيتي؟ هتتجوز أمي ولا إيه؟
أغمض زكريا عينه وهو يؤنب نفسه على اتصاله لهادي، لكن رجح أنه الوحيد المتفرغ لمعرفته أن رشدي الآن سيكون بعمله ولن يجيب عن هاتفه. "أمي مين يا متخلف انت." لكن هادي لم يستمع له وأخذ يندب حظه. "يا مصيبتك يا هادي، عمال تقول هتجوز أم اشرف، هتجوز أم اشرف، اديها هتتردلك في أمك. ومن مين؟ صاحبي اللي أمنتُه على بيتي. وياترى بقى هقولك بعد كده يا جوز أمي، ولا تحب أناديك بابا زكريا." صمت، ثم تحدث بحسرة.
"على آخر الزمن أبويا يبقى اسمه عبدالهادي المهدي، وجوز أمي اسمه زكريا لؤي؟ يعني يارب أنا موعود." لم يتحدث زكريا ولا كلمة وصمت يستمع لجنون رفيقه، فهو يعلم أنه عندما يبدأ التحدث فلن يصمت أبداً، لذا تركه يفرغ ما في جعبته، وهادي لم يتوانى عن الحديث، بل أخذ يتحدث دون انقطاع. "وياترى بقى يا صاحبي هترميني برة الشقة عشان تاخد راحتك، ولا يكونش هـ." لم يكمل حديثه بسبب فرج الذي التصق به وهو يقول ببسمة غبية.
"قوله أنا كمان عايز اتجوز أم اشرف. خليه يقولي عملها إزاي؟ نظر له هادي بنظرة شر، ثم تحدث لزكريا. "عجبك كده؟ شمّت فينا فرج يا أخي، الله يسامحك." "اسكت يا حيوان يا متخلف، خلينا أتكلم. بقولك هتجوز عند بيتك مش في بيتك، ولا هو عشان البعيد نيته زبالة فاكر الكل زيه. هتجوز فاطمة جارتك يا غبي. اتصل بروشدي ولؤي وأمي وقولهم اللي هقولك عليه ده."
قص زكريا الأمر بسرعة وهو يؤكد على هادي أن يوصل الأمر لوالديه بجدية ودون مزاحه الغبي. أنهى زكريا حديثه وأغلق الهاتف سريعاً في وجه هادي دون أن يعطيه فرصة للتحدث، واستدار للعودة حيث يجلس والد فاطمة والمأذون وباقي العائلة بعد رحيل ذلك العريس المزعوم، لكن بمجرد أن استدار وجد والدة فاطمة تقف أمامه بأعين دامعة. *** "فهمت يا زفت، سيبني أنا أتكلم لغاية ما نفهم من زكريا الحوار كله." "خلاص فهمت فهمت، هو أنا غبي؟
بقالك ساعة بتعيد وتزيد في نفس الكلام." أنهى حديثه وهو يمد يده ليضرب جرس منزل زكريا. وانتظر قليلاً حتى فتح الباب، وكان لؤي هو من فتحه. كاد رشدي يفتح فمه للتحدث لولا ذلك الغبي الذي يقف جواره، والذي قال ببسمة واسعة بلهاء. "يلا يا حاج لؤي، ادخل البس بدلة حلوة كده واتشيك عشان انهاردة كتب كتاب زكريا ابنك."
سمع الجميع صوت شيء يكسر في الخلف، ليستدير الجميع حيث تقف وداد وهي تضرب صدرها بيدها بصدمة لما سمعت منذ قليل. نظر رشدي لهادي بشر شديد، ليبتسم له هادي وهو يتحدث بغباء مشيراً حيث وداد ولؤي المصدومين. "هيموتوا من الفرحة." *** وليست كل الحقائق كما تبدو، فلا تخدعك البسمات، فخلفها تقبع حرائق كثيرة. ولسه أسرار كتير هتنكشف البارت الجاي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!