جلس خاطر في ظلمة الكهف، يراقب المشاهد تتوالى أمامه كما لو أنه خارج الزمن. لم يكن مجرد انسلاخ عن روحه، بل كان غوصاً في ماضٍ لم يكن يتخيله بهذه القسوة. شاهد نفسه قبل زافيرا، حين كان مجرد شاب يبحث عن المجد، حين لم يكن يعرف شيئاً عن الحب، حين كان قلبه حجراً لا ينبض إلا بإيقاع الحياة الممل. لكنه الآن يدرك الحقيقة.. لم يكن خالي القلب، بل كان مجرد رجل لم يجد من يحركه.
كانت زافيرا من حرّكت روحه، جعلته يعرف المعنى الحقيقي للحب، لكنه لم يعد قادرًا على العودة إليها كما كان. لم يكن مجرد خاطر القديم، ولم يكن الشخص الذي يمكنه أن يخونها.. لكنه كان مضطراً لإيجاد مخرج. "إن لم أستطع أن أحب أمارديس.. فهل يمكنني أن أجعلها تعتقد ذلك؟
كانت الفكرة خطيرة، أمارديس ليست ساحرة عادية، إنها تعرف كيف تقرأ القلوب، لكن خاطر لم يكن مجرد محارب الآن، كان رجلاً تعلم على يد بتروس، رجلاً يستطيع أن ينسلخ عن نفسه.. وإن استطاع أن يخلق وهماً في روحه، فهل يمكن أن يخدع الساحرة؟ تنهد، عاد إلى جسده داخل الكهف، شعر بجسده يبرد للحظات.
ينتفض، يرتعش، يتشنج كأنه عاد للحياة مرة أخرى ثم استعاد وعيه بالكامل. كانت التعويذات التي وضعها تعمل كما يجب، لكن عليه أن يتحرك بسرعة قبل أن ينهار كل شيء. عاد إلى كوخ أمارديس، وجدها بانتظاره كما لو أنها كانت تعلم بقدومه. "وهل نجحت؟ " سألته بصوت هادئ لكنه ممتلئ بالسخرية. نظر إليها خاطر، عيناه محايدة، لكنها لم تكن كما كانت من قبل. كان هناك شيء مختلف، شيء جعل أمارديس تتراجع قليلاً وكأنها تشعر بشيء لم يكن موجوداً من قبل.
"نعم، أمارديس إن حبك بدأ ينبض في قلبي. الحقيقة قارنت بينك وبين زافيرا. لا أكذب عليك، هي أميرة وأنتِ ساحرة، لكنكِ أجمل منها بكثير والعين تعشق قبل القلب." "تقولين أنك تحبينني؟ "أقول أن قلبي انفتح لحبك، إنه ليس أمراً ميكانيكياً يا أمارديس لكنه يحتاج إلى الوقت." اتسعت عينا الساحرة، كانت تنتظر أن ترى كذبة في قلبه، لكنها لم ترَ شيئاً.. أو بالأحرى، رأت حباً حقيقياً، أو ما بدا كأنه حب.
"أشعر به.. لكنه غريب،" همست وهي تقترب منه، تضع يدها على صدره، حيث ينبض قلبه. "لكنه حقيقي.. أليس كذلك؟ ابتسم خاطر ابتسامة هادئة، لم يكن يعلم إلى متى سيستمر خداعه، لكن هذه كانت فرصته الوحيدة للنجاة. كان منسلخاً بالكامل حتى أنه صدق نفسه. لقد كان يعيش قصة حب حقيقية بالتوازي، يعيشها بكل مشاعره وروحه وجسده وظل أياماً مع أمارديس لا يعود إلى روحه إلا أوقات النوم التي كان يحرص أن تكون في أماكن بعيدة عن كوخ أمارديس.
بعد أيام سألها خاطر: "هل أستطيع العبور الآن؟ " سألها بنبرة ثابتة. "لقد أحببتك وأنتِ ساحرة لا يمكنني خداعك، لكنك أعطيتني كلمتك." حدقت به أمارديس طويلاً، ثم ابتسمت بدورها. "نعم، يمكنك العبور، يا خاطر. لكن تذكر.. الحب ليس شيئاً يمكنك التلاعب به."
تحركت يدها ببطء، رسمت في الهواء دائرة متوهجة، ثم همست بكلمات لم يفهمها. فجأة، اهتز المستنقع، توقفت الحيات عن الدوران، وانفتح ممر وسط المياه السوداء، طريق لا يمكن إلا لمن وافقت عليه أمارديس أن يعبره. "اذهب إلى زافيرا، لكنني سأنتظر.. لأرى إلى أين سيأخذك هذا الحب الجديد." كان هناك شيء في صوتها جعله يتجمد للحظة، لكنه لم يتوقف. سار عبر الممر، محاولاً ألا يفكر في ما تعنيه كلماتها. في منتصف الممر.
اهتز الممر مرة أخرى وعادت الحيات للدوران. لكنها لم تهاجم خاطر، لكن الحية الضخمة ظهرت فجأة ووقفت أمام خاطر. همست الحية: "أنت مخادع، الحب الذي في قلبك ليس حقيقياً." أدرك خاطر غباءه، كان عليه أن يواصل انسلاخه حتى خروجه من الممر. أغمض خاطر عينيه وصرخ: "أنت مخطئة يا قائدة الحيات وحارسة المستنقع. انظري مرة أخرى داخل روحي." توقف كل شيء، ثم
بعد دقيقة خرج صوت الحية: "أرى حباً حقيقياً داخل قلبك. لكن هناك أمر خاطئ لا أستطيع أن أفهمه داخلك.. أنت.. أنت لا أعرف." صرخ خاطر: "أنتِ مأمورة مثلي. وما عليك إلا أن تطيعي الأوامر، افتحي الممر أيتها الروح المعذبة." وجد خاطر نفسه خارج حدود المستنقع، وحينما عاد إلى روحه سمع صراخ الحيات الغاضب قبل أن تتفجر مرة واحدة.
وصل خاطر أرض الصقيع والبراري، وكان القاضي يستعد لإعلان هزيمة محاربي إيريديون وتسليم زافيرا إلى بتروس قائد وفود شيفان. ظهر خاطر وتقدم لوسط الباحة، "من يريد أن يأخذ زافيرا فعليه أن يتعداني." صرخ بتروس: "هذا هراء، النزالات انتهت بأمر إيريديون." صرخ خاطر: "زافيرا ليست ملك إيريديون ولا غيره. زافيرا ملكي أنا، من يريدها يتقدم لأخذ روحي."
لوحت زافيرا بوجهها الشاحب تجاه خاطر، ابتسم خاطر غير مبالٍ بالمقاتل الصنديد الذي ظهر أمامه. كان يشتاق لزافيرا أكثر من أي شيء ولم يتحكم في مشاعره. ولم يقدر على الوقوف بعيداً عنها. انسلخ خاطر عن نفسه، ترك نصفه يحارب في الباحة. وذهب إلى زافيرا. "زافيرا اشتقت لك!! ارتعشت زافيرا: "أنت من؟! "أنا خاطر يا روحي." "خاطر؟ كيف تفعل ذلك؟ أنت تقاتل هناك؟ أراك بعيني." همس خاطر: "افسح لي مجالاً أجلس جوارك."
وكان خلف مجلس الملك مقعد زافيرا وأريكتها، جلس خاطر جوار زافيرا ولمس يدها. "الاشتياق قتلني لك." "وأنا كنت سأصبح عبده لشيفان بسببك!! "لا تقولي ذلك زافيرا، أريد قبلة." صرخت زافيرا: "خذ حذرك، لقد ضربك الفارس بسيفه، ألا تتألم؟ "أتألم في بعدك، إذا لم آخذ قبلة سيقتلني ذلك المحارب القوي." "أنت مخادع يا خاطر، لن أمنحك قبلة." ترك خاطر المقاتل يضربه حتى كاد قلب زافيرا أن ينقلع خوفاً عليه. "خلاص سأمنحك قبلة لا تجعله يهزمك."
أغمضت زافيرا عينيها. "تفضل خذ قبلتك." قال خاطر: "لن آخذ قلبه دون أن أنظر إلى عينيك." "أنت مزعج جدا." "أهو تفضل؟ نظر خاطر إلى عيني زافيرا العميقة، ابتسامتها وخجلها. ثم همس: "سأؤجل القبلة لوقت آخر، لدي حرب على الانتصار فيها." "أحسن،" همست زافيرا بارتياح.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!