حاول خاطر أن يجد تفسيراً عقلانياً لما يحدث، لكن كل الخيوط كانت تتشابك في ذهنه دون منطق واضح. لماذا يرى الآخرون فيه صورة مختلفة تماماً عما يراه هو؟ ولماذا تصر تلك الفتاة على أنه شخص "أنيق" بينما يعرف جيداً أن مظهره متواضع بالكاد يصلح لوظيفة مكتبية عادية؟ وقف أمامها للحظات، يحاول فك شفرة هذه اللعبة الغامضة. ثم قال بنبرة حادة، غير معتادة منه: —عايز أفهم حاجة واحدة... إيه اللي انتِ شايفاه ومش شايفاه؟
ضحكت الفتاة بخفة، وكأن سؤاله كان ضرباً من العبث. ثم أمالت رأسها قليلاً وهي تقول: —انت مش محتاج تفهم... انت محتاج تتقبل. كانت كلماتها تحمل معنى أعمق مما تبدو عليه. لم تكن مجرد دعوة للخروج، بل كانت إقراراً بواقع مختلف عن ذلك الذي اعتاد خاطر تصديقه عن نفسه. لكنه لم يكن مستعداً بعد للاستسلام لهذه اللعبة، لهذا الوهم الجماعي.
أدار ظهره لها، وسار عائداً إلى مكتبه بخطوات سريعة، كأنه يهرب من شيء لا يستطيع رؤيته. جلس خلف مكتبه، وأغمض عينيه للحظة، محاولاً تهدئة عقله. لكن الأصوات لم تختفِ... —الراجل ده فخم بطريقة مش طبيعية. —تحس إنه طالع من مجلة GQ! —والله العطر اللي بيستخدمه ده يساوي مرتبي كله. ضغط أصابعه على سطح المكتب، ثم فتح درجاً عشوائياً بحثاً عن شيء يشغله. لكن يده توقفت فجأة عندما لامست شيئاً لم يكن هناك بالأمس. ساعة. ليست أي ساعة...
بل قطعة فاخرة من Patek Philippe، معدنها الذهبي يلمع برقٍّ خفي، وكأنها خلقت فقط لتُلبس على معصمه. لكن هذا مستحيل. خاطر لا يمتلك مثل هذه الساعة. لم يشترها، لم يرها من قبل. ومع ذلك... كانت هناك. أمامه. أخرجها بحذر، قلبها بين أصابعه، ثم نظر إلى معصمه. كان فارغاً. لم يكن يرتدي أي ساعة هذا الصباح. ولكن إن وضع هذه الساعة الآن... هل سيراه الآخرون بها؟ قلبه كان يخفق بجنون، لكنه لم يتمكن من منع نفسه من المحاولة.
أغلق الحزام حول معصمه، ثم وقف متوجهاً إلى أقرب مرآة في الممر. نظر إلى انعكاسه... يده كانت فارغة. لكن عندما مر بجوار أحد الموظفين، نظر إليه الرجل، ثم قال بابتسامة إعجاب: —Patek Philippe Nautilus؟ اختيار راقٍ جداً. خاطر تجمد في مكانه، شعر بقشعريرة تزحف على عموده الفقري. لم يكن هناك شك بعد الآن... ما يراه ليس هو ما يراه الآخرون. لكن لماذا؟ عاد إلى مكتبه، رأسه يعج بالأسئلة. هذه ليست مصادفة. ليست خدعة بصرية. هناك سر...
سر مرتبط بهذا المكان. سر في تلك الشركة اللعينة. طرق خاطر باب مكتب مديره وطلب إذنه لمغادرة العمل مبكراً هذا اليوم. المدير الذي رمقه بإعجاب وهمس: تفضل أستاذ خاطر، تفضل. مشى خاطر في الرواق وقبل أن يصل السلم، سمع صوتاً ينادي عليه: —انت رايح فين؟ استدار خاطر، قلبه يدق بقوة داخل صدره. كانت مديرة الشركة فتاة ثلاثينية قضت دراستها في أوروبا. ترتدي ملابس أنيقة. وشعرها قصة بيكسي القصيرة.
عاين خاطر المديرة التي كانت ترمقه بنفس الاهتمام. —أنا... أنا طلبت إذن المدير لأني تعبان شوية. —أنا عايزاك في مكتبي لو سمحت. استدار خاطر وتبع المديرة الأنيقة التي كان يعرف أنها عصبية. وقاسية. —اتفضل اقعد. جلس خاطر متكوم على نفسه، يكاد يختفي داخل مقعده. لكن المديرة أطلقت ابتسامة. —انت اسمك إيه؟ —أسمى خاطر يا فندم. —غريبة! —ليه يا فندم؟ —اسمك ميديش على خاطر خالص. تلعثم خاطر، لم يعرف ما عليه قوله.
—المهم، همست المديرة، فيه وفد هيوصل الشركة بعد يومين. أنا عايزاك في فريق الإعداد للوفد، السكرتيرة هتقلك على كل حاجة. —أنا عايزاك تبقى واجهة للشركة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!