تنهد خاطر أنه في مسرحية يحركه مخرج قذر ولا يعرف دوره فيها. "هو حضرتك بتسخر مني؟ "أسخر منك؟ " همست المديرة باندهاش، لكنها تمالكت نفسها. "انت بتقول كده ليه؟ "تعرفين أنني لست واجهة، وأن مظهري يعني على قد الحال. لقد تحملت الكثير من سخرية زملائي من بدلتي القديمة وحذائي، ولم أكن أتوقع أن أجد السخرية هنا أيضاً في مكتب مديرة الشركة." تنهدت المديرة الشابة، عاينت خاطر أكثر من مرة وتحلت بالصبر.
"إذا كنت أقول ذلك من أجل أن أمدح أناقتك وذوقك في الملابس، يؤسفني أن أخبرك أن ذلك لن يحدث. واضح أنك إنسان نرجسي مريض. اتفضل ارجع شغلك. اعتبر العرض ملغى." خرج خاطر من مكتب المديرة وهو يشعر بعدم الاتزان. إذا كان ما يقولونه حقيقي، فعليه أن يتأكد قبل أن يجن. مر على مكتب زميلته الشابة ولوح لها. ابتسمت روزينا وردت التحية. أشار خاطر بخجل إلى ساعته ورسم رقم أربعة بيده ثم غادر الشركة. وقصد مقهى شعبي.
جلس خاطر على المقعد الخشبي المهترئ، يراقب النادل وهو يمسح الطاولة أمامه بحرص مبالغ فيه، كأنه يمهد لمقدم شخصية مرموقة. صب له القهوة بحذر، ثم تراجع خطوة إلى الوراء، وكأنه يتعامل مع أحد أقطاب المجتمع الراقي. "تحت أمرك يا باشا، لو محتاج أي حاجة تانية قول لي." كاد خاطر ينفجر، لكنه تماسك. رفع عينيه إلى المرآة المعلقة على الجدار أمامه. كان يتوقع أن يرى شخصاً أنيقاً، كما يراه الجميع... لكنه لم ير إلا ذاته الحقيقية.
ثيابه البالية، شعره غير المرتب، بدلته التي فقدت رونقها منذ سنوات، حذاؤه المتآكل. "باشا إيه؟ " همس لنفسه، وأخذ رشفة من القهوة، لكن طعمها لم يكن كما توقع. كانت أفخم قهوة شربها في حياته. ترك الفنجان بسرعة، وكأنه يحاول الهروب من هذا العبث، ثم وضع يده على معصمه، يلمس الساعة التي لا يراها إلا الآخرون. "لازم أعرف الحقيقة." نهض فجأة، ألقى ورقة نقدية على الطاولة، لكن النادل رفض أخذها. ابتسم باحترام وقال:
"حسابك مدفوع، يا بيه." شعر خاطر أن أنفاسه تضيق، خرج من المقهى وهو يكاد يترنح. الهواء البارد ضرب وجهه، لكنه لم يشعر بأي انتعاش. خطواته كانت تقوده إلى مكان واحد فقط... منزل جده. دخل المنزل القديم وهو يلهث، مر بجدرانه المتشققة، رائحة الخشب العتيق والكتب القديمة كانت تحيط به. سار حتى وصل إلى غرفة جده، المكان الذي لم يدخله منذ سنوات.
وقف عند الباب لحظة، ثم دفعه ببطء. الغرفة كانت كما تركها الجد، مرتبة بدقة، وكأن الزمن توقف عندها. اقترب من الخزانة العتيق التي وجد فيها البدلة القديمة، فتحها بيد مرتجفة، ووجدها فارغة تقريباً... باستثناء صندوق خشبي صغير. رفعه بحذر، وضعه على الطاولة، ثم فتحه. في الداخل، كان هناك شيء واحد فقط. مرآة صغيرة.
لكنها لم تكن مجرد مرآة. كان إطارها فضياً محفوراً بنقوش غريبة، زجاجها لم يكن عادياً، بل بدا وكأنه يعكس شيئاً أكثر من مجرد الوجوه. رفعها ببطء، نظر إلى انعكاسه... وتوقف قلبه. ما رآه لم يكن نفسه. كان رجلاً آخر، بملامح أكثر نضجاً، بملابس فاخرة، بعينين تشعان بالقوة. كان يرتدي ساعة Patek Philippe، وكان يبدو... كما يراه الجميع. سقطت المرآة من يده، لكنها لم تتحطم. انعكاسه فيها ظل كما هو. شعر خاطر بقشعريرة تسري في جسده.
"من يكون هذا الشخص؟ ولماذا يراه الجميع إلا هو؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!