في سيارة رحيم، كان رحيم مشغل الراديو على إذاعة القرآن الكريم، وكان هناك صمت شديد بين الجميع. سليمة كانت مكسوفة جدًا وفي نفس الوقت خائفة جدًا لدرجة الرعب، حاسة أنها اقتلعت من جذورها التي ما كانت موجودة من الأساس. لكن كان عندها رهبة شديدة من أنها رايحة تعيش مع ناس غرباء عنها رغم أنهم أهلها الحقيقيين.
كانت تختلس النظر لرحيم وهو يسوق وعلى وجهه ابتسامة هادية. كانت ترتاح وتتطمن لما بتشوف ابتسامته دي. لكن أول ما تلتفت ناحية الطريق من تاني وتلاقي روحها بتبعد عن البلد اللي عاشت طول عمرها جواها، كان بيبقى القلق حليفها.
رحيم كان مبسوط وحاسس أنه حقق حلم من أحلامه اللي عمره ما اتخطى شهر واحد. لما قعد يحسبها مع نفسه، لقى أنه لما شاف سليمة أول مرة كان يا دوب من ثلاث أسابيع. وقتها ما كانش يتخيل أبدًا أنها ممكن تبقى مراته في الوقت القصير ده. يمكن حب حنيتها على فهمي، واتعاطف معاها لما عرف حكايتها من عبد الهادي، لكن ما قدرش ينكر أن قلبه دق لها أول ما شافها. دق لبساطتها، لعيونها اللي حس أنهم مليانين رضا وغرقانين في الحب، حب لكل حاجة حواليها. يمكن ما كانتش بالجمال الصارخ اللي يخلي الراجل يقع في غرامها من أول نظرة، لكن ما قدرش يوصف وشها وملامحها إلا بأنها كانت صبوحة الوجه، وكان الوصف ده في حد ذاته بيزرع ابتسامة واسعة على وشه مليانة بالرضا.
أما سلوان، واللي كانت قاعدة ورا جنب نورا ومريم اللي ناموا من كتر التعب، فكانت قاعدة محرجة وحاسة أنها عزول بين العرسان. افتكرت لما ناهد اتحايلت عليها إنها هي اللي تركب مع رحيم وتاخد بالها من نورا ومريم، عشان تفضل هي مع ولاد نادية. وأقنعتها إن ما ينفعش في اليوم ده بالذات تبعد ولاد رحيم عنه. فقررت تغمض عينيها وتتظاهر بالنوم، يمكن ده يخليهم ياخدوا راحتهم أكتر. ولما غمضت عينها سرحت في رامي جوزها.
هي ورامي اتعرفوا على بعض من أيام الجامعة وحبوا بعض جدا. ولما خطبها واتعرفت على أهله حبتهم كلهم إلا سهير اللي كانت وقتها متجوزة رحيم واللي كانت دايما تتعامل بعنجهية على عكس طبع سلوان اللي كانت بتحب البساطة في كل شيء. رغم إنها هي كمان بنت عيلة غنية جدًا، وكانت ولا زالت ما بتحبش تتعامل من قريب مع ليلى مراة ربيع، اللي دايما بتحس إنها هي وجوزها عندهم الفلوس والمظاهر أهم من البني آدمين نفسهم. وبرغم إن رامي دايما بيتأثر
برأي ربيع في حاجات كتير، بما إن رامي كان الطفل المدلل دايما وكان دايما ربيع هو الابن الكبير اللي كان دايما بيعتبر مثل أعلى لرامي، إلا أن رامي كان برضه بيحب أبوه وإخواته. عاوز ينجح ويوصل، ودائما حاطط في اعتباره إن أبوه دايما في ضهره. لكن اهتمامه بأخواته زاد بسبب سلوان، هي اللي قربته من باقي أخواته. سلوان كانت بنت وحيدة أبوها وأمها، وكانت دايما بتتمنى يبقى ليها أخوات. وعشان كده فرحت إن رامي له أخوات كتير. لكن انصدمت
بالواقع أما عرفت وفهمت إن مش شرط يكونوا الأخوات دايما في ضهر بعض. فقررت إنها تبقى دايما في ضهر رامي وتساعده إنه يقرب من أخواته، لعل وعسى كله يبقى تمام.
أما في العربية التانية، فكان عبد العزيز بعد ما ساق شوية حس إنه مش قادر يتابع الطريق. فعبد الهادي ابتدى يسوق مكانه. وكانوا طول الطريق بيتكلموا في مواضيع عامة، وأحيانا ناهد وفاطمة يدخلوا معاهم في الكلام وأحيانا لا. وفهمي زي عادته في الفترة الأخيرة، كان نايم في حضن ناهد وعلى رجليها. وأما عبد الهادي طلب منها تقعده جنبها، فهمي كلبش فيها بإيديه ورفض إنه يسيبها، كأنه حس أن ربنا عوضه عن أمه بناهد.
وفضلوا لحد ما وصلوا الفيوم. عبد الهادي نزل الكوافيرة عند أول البلد. وبعد كده وصلوا هم كمان. وكلهم نزلوا من العربيات. وسليمة اتفاجئت برحيم بيفتحلها الباب بتاعها وبيساعدها على النزول. ومسك إيدها عشان يدلّها على الطريق. وطلب من سلوان إنها تاخد بالها من نورا ومريم وتدخلهم البيت. وعبد العزيز عزم على عبد الهادي إنه يدخل معاهم. لكن رفض
وشكر عبد العزيز وقال له: "معلش يا حاج اعذرني. كفاية الولاد، وأنا هتصرف اليومين دول." وساب فاطمة وفهمي مع ناهد وراح يشوف أوتيل يبات فيه. رحيم وصل سليمة لحد ما قعدها على كرسي في الهول بتاع البيت، وقال لها بصوت مسموع: "نورتي بيتك يا عروسة." سليمة وهي بتلعب بإيديها في فستانها: "البيت منور بأصحابه." ولما الكل وصل لجوة البيت، عبد العزيز قال بتهليل لسليمة: "نورتي بيتك وبيت خالك يا سليمة. ألف مبروك يا بنتي."
سليمة بخجل: "الله يبارك لي فيك يا خال." عبد العزيز: "يالا يا رحيم، خد سليمة على أوضتها، زمانها تعبت من طول المشوار. أنا عاوزها بكرة بدر منور في الفرح." رحيم مسك إيد
سليمة بالراحة وقال لها: "يالا بينا." وأخدها وطلع على فوق. وناهد قعدت تزغرد وهي طالعة وراهم على السلم. وسلوان قعدت تغني لهم بمرح لحد ما وصلوهم أوضتهم. وبعد كده سلوان وناهد أخدوا الولاد الصغيرين، ودوهم أوضهم ونيموهم في سرايرهم. لكن طبعًا فهمي وفاطمة باتوا في حضن ناهد عشان ما يخافوش لوحدهم. وسلوان دخلت أوضة رامي القديمة. كلمت رامي طمنته إنهم وصلوا بالسلامة. وبعد كده استسلمت للنوم.
أما عند رحيم، أول ما دخل الأوضة، نور النور وشاور لسليمة بإيده إنها تدخل وقال لها: "اتفضلي.. دي أوضتنا." سليمة دخلت بوجل وهي بتتلفت حواليها بتتفرج على المكان بقلق. رحيم قفل الباب وجه من وراها مسكها من كتفها لفها ليه عشان يبقى وشها قصاده. وشدها ناحية السرير وقعدها عليه وقعد جنبها. ومسك
إيدها بين إيديه وقال لها: "أنا عارف إنك قلقانة، ويمكن كمان خايفة. وعارف إنك حاسة إنك زي اللي اتاخدتي من الدار للنار، وإنك ما لحقتيش تعرفي عني حاجة. بس أنا عاوز أتفق معاكي اتفاق." سليمة رفعت عينها وبصت له بانتباه. فقال لها: "إحنا الليلة دي.. نصلي ونتعشى. وبعد ما نتعشى هقعد أحكيلك كل حاجة عني على قد الوقت ما هيسعفني. وبعدين ننام عشان نصحى بكرة إن شاء الله ونستعد للفرح.. إيه رأيك؟ سليمة: "وإيه لزمته فرح تاني؟
مش كفاية الفرح اللي اتعمل في البلد؟ رحيم: "لا، الفرح اللي اتعمل الليلة دي كان عشان أهل البلد كلهم هناك يعرفوا إنك لقيتي أهلك، وإنك خلاص بقيتي بتاعتي. لكن الفرح هنا.. كل الناس لازم تعرف إني اتجوزت، وإننا لقينا بنت عمتي رقية الله يرحمها. الموضوع ده هيفرق كتير مع خالك." سليمة هزت راسها بتفهم.
فرحيم قال لها: "طب أنا هسيبك تغيري هدومك براحتك. الدولاب مليان لبس ليكي أشكال وألوان. يارب ذوقي أنا وناهد يعجبك. وأنا هنزل أجيب لنا عشا من تحت وأجي." سليمة وقفت بسرعة وقالت: "يا خبر! بقى إنت اللي هتنزل تجيب الأكل؟ لا طبعًا، استريح أنت وأنا هنزل أجيب لك اللي إنت عاوزه." رحيم بابتسامة: "معلش، سيبيني أنا النهاردة أتصرف. وأنتي غيري وتوضي على ما أجي.. اتفقنا؟ سليمة باستسلام: "حاضر."
رحيم نزل وسابها براحتها شوية. ولما راح المطبخ لقى مسعدة محضراله صينية عشا ومغطياها. فقعد دخن سيجارة الأول. وبعدين أخد الصينية ورجع طلع من تاني عند سليمة. لقاها غيرت هدومها ولبست إسدال صلاة ومستنياه. فدخل هو كمان غير وتوضى وصلوا ودعوا. وبعدين خدها قعدها قدامه وقال لها: "يلا ناكل بقى." وأثناء ما هم بياكلوا رحيم قال لها: "أنا على فكرة عندي اتنين وتلاتين سنة، ومعايا بكالوريوس زراعة. وإنتي اتعلمتي لحد فين؟
سليمة بخفوت: "معايا دبلوم تجارة." رحيم: "برافو عليكي." سليمة باستغراب: "بجد؟ رحيم: "إيه اللي بجد؟ سليمة: "يعني مش حاسس إن في فرق في التعليم ما بينا؟ رحيم بابتسامة: "لا.. مش حاسس. وعمومًا أنا طول عمري عندي رأي لوحدي في حكاية التعليم ده." سليمة بفضول: "رأيك إيه ده؟ رحيم: "إن الشهادات مش أكتر من حظ، والشهادات مش أكتر من ورقة. يمكن تمن الحبر اللي عليها أغلى منها." سليمة: "مش فاهمة."
رحيم: "أفهمك. يعني مثلا، ممكن تلاقي حد معاه ابتدائية ولا اعدادية وما كملش تعليم بعد كده، وتلاقي دماغه دي ألماظ. بس يمكن الظروف أو يمكن أي حاجة منعته إنه يكمل تعليمه. وممكن تلاقي واحد تاني بفلوس أبوه أو بالواسطة وصل إنه يبقى معاه بكالوريوس أو ليسانس وهو ما بيعرفش يكتب اسمه. وممكن تلاقي واحد متفوق جدًا، وجه في الثانوية العامة حصل غلط في التصحيح أو أي حاجة غيرت مسار مستقبله تمامًا. آه في ناس كتير بتاخد حقها وتمشي في طريقها اللي راسماه لروحها، لكن الغالبية العظمى، بيبقوا زي اللي راكبين مركب وريس المركب كل شوية يمد إيده يرمي واحد فيهم في ناحية، وهو ونصيبه بقى.. فاهمة قصدي؟
سليمة هزت راسها بأنها فاهمة. فرحيم كمل وقال لها: "طبعًا انتي عارفة إني كنت متجوز وطلقت.. كانت بنت عمي، يعني برضه بنت خالك زيي كده." سليمة بصت له باستغراب وبعض الخوف.
لكن رحيم كمل كلامه وقال: "اتجوزتها من حوالي تمن سنين. الحاج رشحهالي بعد موت عمي على الله يرحمه. وأنا ما اعترضتش. لكن خلافاتنا ابتدت من أول سنة جواز وما وقفتش حتى بعد ما ولدت البنات، بالعكس خلافاتنا زادت، لحد ما هي اللي طلبت الطلاق وصممت عليه. والصراحة أنا كمان ما اعترضتش. وطلقتها من سنة ونص تقريبًا. ومن يومها وبناتي لحد النهاردة ما شافوهاش ولا مرة." سليمة بتوجس: "بس مش حرام تمنعهم من أمهم؟
رحيم ضحك أوي وقال لها: "يمكن ما تصدقينيش لو قلت لك إنها ما طلبتش تشوفهم ولا مرة من يوم ما سابت الأوضة دي." سليمة فجأة اتلفتت حواليها. فرحيم قال لها: "ما تقلقيش، أنا غيرت الأوضة كلها من يومين بس." سليمة بكسوف: "أنا ما أقصدش حاجة." رحيم بابتسامة: "أنا بس حبيت أعرفك. وكمان عاوزك تعرفي إني أنا اللي بـراعي الأرض بتاعتك وبتاعة خالك." سليمة باستغراب: "الأرض بتاعتي؟
رحيم: "أقصد بتاعة عمتي رقية الله يرحمها، مامتك. يعني هتبقى بتاعتك، رغم إني لسة ما أعرفش الحاج هيقرر إيه بخصوصها." سليمة: "أكيد هيقرر شرع ربنا، يعني لازمًا هتتقسم بالشرع." رحيم: "ربنا ييسر الأحوال. المهم.. أنا اللي براعي الأرض وكمان عامل مزرعة فراخ صغيرة كده تخصني أنا، عملتها من نصيب ورثي من أمي الله يرحمها." سليمة: "ما شاء الله، ربنا يبارك لك فيها." رحيم بحب: "ويبارك لي فيكي." سليمة اتكسفت ووطت عينها في الأرض.
رحيم: "إنتي طبعًا شفتي ناهد. ناهد لسه متطلقة من كام يوم بس و كانت متجوزة سامي ابن عمي واللي يبقى أخو طليقتي سهير." سليمة بزعل: "لا حول ولا قوة إلا بالله." رحيم: "أنا هحكيلك على أخواتي كلهم.. اسمعي يا ستي." وفضل رحيم يحكيلها على أخواته وظروف كل واحد فيهم، لحد ما خلص كلام. وبعدين قال: "أنا يمكن عرفت كل حاجة عنك، لكن فيه سؤال شاغلني ومش عارف إنتي هتعرفي تجاوبيني عليه ولا لأ." سليمة: "سؤال إيه ده؟
رحيم: "رغم إن اسمك جديد وغريب، لكن بصراحة يشد كمان. ما تعرفيش إيه سبب الاسم ده؟ سليمة بابتسامة: "أنا كل اللي أعرفه إن أبويا مدبولي مرة قال لي.. إن أبويا الله يرحمه في مرة قال له.. إن أمي لما كانت بتولدني كانت صحتها تعبانة أوي، وكانت أمي طول حملها كان نفسها تجيب ولد وتسمي سليم. فلما اتولدت أبويا عشان ما يزعلهاش سماني سليمة." رحيم: "واضح إنه كان بيحب عمتي أوي."
سليمة: "أبويا مدبولي قال لي، إنه كان دايما بيسرح عندنا في البلد قبل ما أمي تموت، وانقطع عنهم فترة، وبعد كده ابتدى يسرح تاني وأنا معاه. بس زي ما يكون بقى واحد تاني. كان بيقول لي إنه كان دايما عيونه مدمعة. ولما كان أبويا مدبولي يقول له إنه لازم يصبر، كان يرد عليه ويقول له إنه صبره عيي وإنه مشتاق يروح لها. لحد يوم ما مات، قعدني بالخرج بتاعه قدام باب الجامع وقت صلاة العصر ومسكنى محفظته القماش في إيديا، وقال لي خدي بالك منها، وما خرجش من الجامع غير على قبره."
رحيم: "والمحفظة دي كان فيها إيه؟ سليمة بتنهيدة: "بطاقته وشهادة ميلادي وشهادة وفاة أمي الله يرحمها وشوية فلوس، ونوتة صغيرة فيها حسابات الشغل بتاعه." رحيم: "إنتي فاكرة اللي حصل وقتها؟ سليمة: "كنت صغيرة أوي، لكن فاكرة أمي نبوية لما خدتني في
حضنها وقالت لأبويا مدبولي: خليها معانا ورزقها ورزقنا على الله. ومن يومها بقوا أهلي اللي ما أعرفليش أهل غيرهم. ولما تميت ست سنين قدموني في المدرسة، رغم إن ناس ياما كانوا معارضين أبويا مدبولي في علامي، لكن هو صمم يعلمني، وهو اللي كان بيحفظني القرآن." رحيم: "ما شاء الله عليكي يا سليمة، ربنا يكرمك. ما تتصوريش أنا سعيد بيكي قد إيه."
سليمة ابتسمت بخجل وقالت: "أول ما أخدت الدبلوم، اتقدملي السيد. يمكن أمه اختارتني وقتها وهي شايفة إني يتيمة وماليش حد ومش هيبقى لي طلبات زي بقية البنات. ومع ذلك وافقت، وقلت أخف الحمل عن أبويا وأمي شوية. واتفاجئت وقتها بأهل البلد كلهم بيجهزوني زي أي بنت اتجوزت، وفرحت وعشت ورضيت بحالي، لكن حالي هو اللي ما رضيش بيه." رحيم: "صدقيني، ده نصيبنا من عند ربنا." سليمة: "أيوه، كله خير، وأنا الحمد لله دايما راضية بقضاه."
فرحيم قال لها: "تعالى بقى ننام لنا شوية عشان اليوم بكرة إن شاء الله هيبقى طويل أوي، وإحنا النهاردة تعبنا برضه أوي." ولما رحيم شاف سليمة متلخبطة، قال لها: "يالا نامي على طول وأنا هصحيكي لصلاة الفجر إن شاء الله."
تاني يوم الصبح، البيت كان عامل زي خلية النحل. نبيلة جت من بني سويف ومعاها جوزها سليم وولادها، واللي كانوا ولد وبنت. الولد اسمه أدهم وكان عمره عشر سنين، والبنت كان اسمها يارا وكان عمرها سبع سنين، وكانوا في مدرسة خاصة. وكمان كان وصل ربيع وليلى ومعاهم ولادهم معتز اللي كان عنده اتناشر سنة ويمنى كان عندها عشر سنين، وكانوا في مدرسة لغات على مستوى عالي جدًا.
وكمان وصل رامي. اتجمعوا كلهم مع عبد العزيز وسلوان اللي استقبلوهم بالترحاب. وشوية ونزل رحيم وهو ماسك سليمة في إيده وابتدوا يعرفوها على الكل. نبيلة سلمت على سليمة وقالت لها: "حمد الله على السلامة ومبروك." وسليم قال لها بود: "الحمد لله إن ربنا لم شملنا. وعلى فكرة أنا كمان من العيلة، وأبقى ابن خالتك."
رامي بارك لرحيم وبارك لسليمة وقعد جنب سلوان وهي بتحكيله على الفرح اللي كان في البلد وإد إيه هي مبسوطة إنها حضرت حاجة زي كده. ربيع كمان وليلى سلموا على سليمة وباركوا لرحيم. وفجأة عينهم جت على فاطمة وفهمي واللي كانوا نازلين من فوق في إيد ناهد وهم شبه مخضوضين من اللمة الكبيرة اللي تقريبًا ما يعرفوش حد فيهم غير جدهم وخالهم وسليمة. ناهد بتهليل: "إزيكم جميعًا، حمد الله على السلامة يا نبيلة إنتي وسليم."
نبيلة قربت من فاطمة وفهمي وقعدت تنقل عينها بينهم وقالت: "دول ولاد نادية مش كده؟ ناهد: "أيوه، فاطمة وفهمي." نبيلة: "سمت فاطمة على اسم ماما." ناهد: "وفهمي على اسم جدك الله يرحمه." نبيلة ابتسمت لفاطمة وفهمي وقالت لهم: "أنا خالتو نبيلة، مين هيسلم عليا الأول؟ فهمي اتكمش في حضن ناهد، وفاطمة بصت لناهد بتساؤل. فناهد طبطبت عليهم وهي بتزقهم
على حضن نبيلة وبتقول لهم: "دي تبقى أخت مامتكم زيي بالظبط، وبتحبكم أوي برضه، سلموا عليها يلا." نبيلة سلمت عليهم وباستهم ورجعوا لحضن ناهد من تاني. فناهد راحت بيهم ناحية رامي وسلوان. سلوان صبحت عليهم وباستهم ورامي قعد يبصلهم شوية وهو ساكت وبعدين قال بنبرة حزن: "شبه أمهم أوي." ناهد قالت بمرح وهي بتبص لفاطمة وفهمي: "وده يبقى خالو رامي، زي خالو رحيم كده، أخو مامتكم برضه، وهيجيلكم حاجات حلوة كتير أوي زي طنط سلوان كده."
رامي مد إيده مسك فاطمة باس إيدها وباسها من راسها وعمل نفس الحكاية مع فهمي. وناهد خدتهم عشان توديهم ناحية ربيع. فالولاد شافوا سليمة جريوا عليها اترموا في حضنها. وده في حد ذاته خلى رحيم كان هيطير من السعادة. سليمة سلمت عليهم بحب وبعدين رحيم سلم عليهم ورحب بيهم بحب ومرح. وكمان جدهم خدتهم في حضنه. وسابهم من تاني لناهد اللي خدتهم في الآخر خالص ناحية ربيع ووقفت قدامه هو وليلى وقالت: "ولاد أختك يا ربيع."
ربيع كان قاعد من بدري بيدقق في ملامح فاطمة وفهمي وهو عمال يهز رجله بعصبية. ما كانش متصور إن أبوه هيجيبهم عنده بسرعة كده. ولما ناهد جابتهم قدامه ليلى حطت إيدها على رجل ربيع عشان تنبهه إن الكل بيبص عليه ومستني يشوف رد فعله. وسبقت هي جوزها وشدت الولاد باستهم بابتسامة وقالت لهم: "أنا بقى طنط ليلى، مراة خالو ربيع." ربيع مد إيده طبطب على خد فاطمة وفهمي وبس.
فناهد بصت له بزعل ويأس وخدت الولاد في حضنها من تاني وراحت قعدت بيهم جنب عبد العزيز اللي كان بيتابع تعبيرات وش كل واحد فيهم وهو بيقابل ولاد نادية. ووصل لإن رامي ممكن يتقبل ولاد أخته، وإن سلوان مش هتسيبه لشيطانه. لكن برضه اتأكد إن لسه المشوار طويل أوي مع ربيع ومراته. لف بعينه لرحيم لقى رحيم كمان بيبص له وعرف إن رحيم وصل له نفس الإحساس اللي هو وصل له.
تنهد وقال: "بعد ما نرجع من صلاة الجمعة إن شاء الله كل واحد يشوف هيرتب حاله لليلة دي إزاي، وحضرولنا الغدا بدري عشان ما نتعطلش. واعملوا حسابكم إن عبد الهادي جوز اختكم هيتغدى معانا النهاردة." ربيع باعتراض: "إزاي يعني يا بابا الكلام ده؟ عبد
العزيز بحزم وهو بيبص له: "مش هنعيده من تاني يا ربيع، خلاص ده بقى واقع لازم الكل يعترف بيه. ومهما إن كان اللي في ضمير كل واحد، إلا إنه هيفضل أبو أحفادي، وهيفضل هو السبب اللي ربنا أيدهولي إني أعترف ببنت عمتكم. ورجع بص لسليمة وقال.. وإنتي يا سليمة؟ سليمة بصت له وقالت: "أؤمرني يا خال." عبد العزيز مد لها إيده وقال لها: "تعالى هنا اقعدي جاري." سليمة راحت قعدت جنبه. فعبد العزيز حضنها وباس راسها
وقال لها بحب يغلفه الحزم: "لازم تعرفي إن كل واحد من اللي قاعدين هنا له نايب في البيت ده، لكن انتي ليكي تلات منابات. انتي هنا ليكي نايب جوزك ونايب خالك ونايب أمك الله يرحمها. يعني قاعدة في ملكك قبل ما يبقى ملك جوزك وخالك. الكلام ده مش كلام مجاملة يا بنتي، الكلام ده كلام الحق والشرع. إحنا طول السنين اللي فاتت كنت عشمان إني أعترف بأمك حية ترزق، ما كنتش أعرف أبدًا إنها ماتت، وإن ليها فرع ربنا هيكرمني إني أعترف بيه. وعشان كده ميراثها من جدك زي ما هو باسمها، لكن بمشيئة المولى، أنا هكلم المحامي ينقل لك كل حاجة باسمك."
سليمة ورحيم في نفس الوقت: "لأ." عبد العزيز بصلهم باستغراب. فرحيم حمحم بصوته وقال: "معلش يا حاج، أصل أنا وسليمة اتكلمنا في الحكاية دي، واتفقنا إن حق عمتي الله يرحمها يتقسم بشرع ربنا، يعني يتقسم بينك وبين سليم وولاد عمي على الله يرحمه. ويا ريت بعد إذنك يا حاج تقتنع برأينا، عشان ما يحصلش مشاكل." عبد العزيز: "وإيه المشاكل اللي ممكن تحصل يعني؟ سليم: "أنا مش عاوز حاجة يا رحيم."
رحيم: "معلش يا سليم، أنا عارف إنك مش باصص لحاجة، بس غيرك باصص واحنا كلنا عارفين ده. خلينا ننفذ شرع ربنا ونريح ونستريح." سليمة: "معلش يا خال، أنا مش عاوزة حد يكرهني من غير ما يعرفني. أنا أصلًا عمري ما اتخيلت إن يبقى لي ورث ولا إني أعترف بيكم من أصله، فخلينا بشرع الله أحسن." عبد العزيز بتنهيدة: "سيبونا من الحكاية دي دلوقتي. عمومًا أنا عاوزك تفهمي إنك في ملكك ودي أهم حاجة تهمني."
طول ما كان عبد العزيز بيتكلم، كان ربيع وليلى عمالين يبصوا لبعض وهم ممتعضين جدًا ومش عاجبهم الكلام، لكن طبعًا ما حدش اتجرأ إنه ينطق بكلمة واحدة.
الكوافيرة جت لسليمة البيت وحضرتها للفرح. وسليمة اتفاجئت إن رحيم جايب لها الفستان التاني فخم جدًا، زي اللي كانت بتتفرج عليهم في التليفزيون. انبهرت لجماله وفرحت بيه جدًا. وطول ما كانت بتجهز سلوان وناهد ما سابوهاش. وكانت نبيلة بتنضم لهم في بعض الأوقات، وبعض الأوقات كانت بتروح تتابع جوزها وولاده.
نورا ومريم كانوا فرحانين بالهيصة اللي حواليهم، رغم إنهم كانوا متخوفين إن هيبقى لهم مرات أب. لكن لما كانوا بيجتمعوا مع سليمة، ما كانوش بيشوفوا منها غير المعاملة الطيبة.
في الفرح، كان فيه معازيم كتير جدًا. عبد العزيز كان عازم كل اللي يعرفهم هو ورحيم، وكانت قاعة فخمة كبيرة. أول ما سليمة عينها وقعت عليها وهي داخلة في الزفة اتاخدت، وخافت. وبرغم إن عبد العزيز ورحيم طول الوقت كانوا بيحاولوا يطمنوها، لكن هي كانت حاسة إنها غريبة ووحيدة في وسطهم، ما تعرفش حد. آه كلهم أهلها، لكن تعرفهم مجرد أسماء وبس. ما عاشتش وسطهم، ما تعرفش مين حبها ومين لأ. كانت خايفة ومتخوفة. لحد ما عينها وقعت على الشيخ مدبولي ونبوية، اللي لقت رحيم بيقول لها إن عبد العزيز بعت جابهم بعربية مخصوص، وإنهم هينزلوا ضيوف عندهم لتاني يوم.
نبوية وهي بتسلم على سليمة: "ألف مبروك يا ضنايا، صبرتي ونلتي يا سليمة، ربنا يا بنتي يسعدك ويهنيكي ويخلف عليكي بالخلف الصالح." سليمة رمت روحها في حضن نبوية وعيطت وقالت: "أما شفتك إنتي وأبويا ردت فيا روحي يا أمة، ربنا ما يحرمني منكم أبدًا." مدبولي بضحك: "ده إنتي لسه سايبة حضنها امبارح لحقتي توحشك يا سليمة." سليمة باست إيد مدبولي وهي بتقول له بحب: "ده انتوا كنتوا بتوحشوني وإنتوا نايمين يا أبيه."
مدبولي: "ربنا يسعدك يا بنتي ويطمن قلوبنا عليكي." إخوات رحيم كانوا فرحانين له. وعبد الهادي ما سابهوش طول الفرح، وكان في قمة سعادته عشان صاحبه. رغم إن من جواه كان حاسس بالغربة زي سليمة، وكان عارف إن ما حدش من ربيع ولا رامي متقبل وجوده، وإن نبيلة بتتعامل معاه بعملية زيادة عن اللازم. وعلى جنب كان ربيع واقف هو وليلى بيتفرجوا على الفرح وهم راسمين ابتسامة مزيفة على وشوشهم.
وليلى بتقول: "أنا مش فاهمة لازمتها إيه كل المصاريف دي؟ مش كان كفاية الفرح اللي اتصرف عليه الوفات هناك في الفلاحين، ولا هي بعزقة فلوس وخلاص؟ ربيع: "وأي بعزقة، ده الفرح ده لوحده متكلف متين ألف جنيه." ليلى بخضة: "يا نهار مش فايت، إنت بتتكلم جد؟ ربيع بتريقة: "مدير الفندق عميل عندنا في البنك، لسه مقابلني من شوية وهو اللي قالي." ليلى بحنق: "ومش المفروض الفلوس دي فلوسك إنت وإخواتك؟
وبعدين يعني هو أول مرة يتجوز، ما هو اتجوز واحتفل قبل كده. يا خوفى من رحيم ده لا يكوش على كل حاجة بعد كده." ربيع: "ليلى، أنا قولتلك ستين مرة إن رحيم مش كده." ليلى بامتعاض: "والله أتمنى. وكمان عاوزين نشوف حكاية سي عبد الهادي اللي أبوك مشربهولنا بالغصب ده." ربيع بزهق: "أنا عاوز الفرح ده يخلص بقى أنا زهقت."
الفرح خلص، وكله رجع على بيت عبد العزيز ومعاهم الشيخ مدبولي ونبوية. وعبد الهادي صمم يفضل في الأوتيل اللي حجز فيه. واتفق مع عبد العزيز إنه هيستغل الكام يوم اللي قاعدهم في الفيوم إنه هيحاول ينضف ويفرش البيت اللي اشتراه له رحيم، عشان يبقى جاهز في أي وقت إنه ينزل فيه. وعند رحيم وسليمة، ابتدوا مع بعض حياة جديدة، مليانة أمل بالنسبة لرحيم. أما بالنسبة لسليمة فكانت مليانة غيوم وعقبات.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!