الفصل 29 | من 31 فصل

رواية صماء لا تعرف الغزل الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم الكاتبة وسام الأشقر

المشاهدات
19
كلمة
3,200
وقت القراءة
16 د
التقدم في الرواية 94%
حجم الخط: 18

تنتظر بالأسفل بسيقان مهتزة لم يهدأ حسدها من الانتفاض كل لحظة تحيطها سحابة من الدخان نتيجة احتراق علبة كاملة من سجائرها. لا تعلم كيف لبت رغبته في المجيء. عندما انهار بين أيديها لتحتويه، محاولة تهدئة نوبات غضبه ليطلب منها الحضور معه بكل إصرار. لتشهد بعدها نوبات صراخه وصراخها، مانعة نفسها أكثر من مرة من التدخل للفصل بينهما. بعد آخر مرة صعدت فيها محاولة منها إثنائه عما يقوم به، إلا أنه صرخ بوجهها ونصحها بعدم التدخل.

لينتفض جسدها فجأة نتيجة سماع صراخ متألم، إلا أنها هذه المرة لم تستطع الصمود أكثر. لتجري بحذائها العالي السلالم الفاصلة بينهما وتتجه إلى الحجرة المحتجزة بها. فتدفع الباب بقوة لتشاهد ما شل أطرافها. غزل متكومة أرضًا بجسدها الضعيف، حليقة الرأس وحولها خصلات شعرها مبعثرة بجوانب الحجرة. تمسك بكف يدها تبكي بحرقة ويقف أمامها شخص غريب عنها لم تعرفه من قبل. شخص يسيطر عليه غضبه ليؤذي أقرب الناس إليه.

ليرفع نظره لها وتنتظر موجة غضبه بسبب كسر أوامره بعدم التدخل. لتتفاجأ بمد يده إليها كدعوة منه لتتحرك اتجاهه بأرجل مهتزة. ويلف ذراعه حول خصرها بقوة ليقول: -كويس إنك جيتي.. عشان أعرفكم على بعض. أكيد إنتِ عارفة مين دي.. بس غزل متعرفش إنتِ مين بالنسبة لي. لترفع غزل عينيها عند ذكر اسمها فتشاهد امرأة ذات شعر أشقر مرتدية ملابس قصيرة وكعبًا عاليًا. تحاول التذكر متى رأتها من قبل؟ ولماذا يضمها يوسف بتلك الطريقة الحميمية؟

وقبل أن تسأل نفسها عن سبب وجودها في هذا المكان البعيد معهم. سمعت صوته يقول: -أعرفك يا غزل بنانسي. نانسي اللي استحملتني كتير في أوقات ضعفي وقوتي. نانسي اللي حضنها كان بينسيني كل همومي. المخلصة ليا حتى بعد ما سبتها وبدلتها بواحدة زبالة زيك. زمان كنت خايف تكتشفي فيا علاقتي بيها بس دلوقتي أحب أكون دقيق في تعريفها ليكي. أقدم لك نانسي.. مراتي الأولى!

كل منهم يشعر كأنه في دوامة أفكاره، لا يصدق أحدًا ما حدث وما يحدث حتى الآن. مجتمعين منذ ساعات في حجرة الضيوف، منهم من يحاول ربط الأحداث ومنهم ما يجري اتصالاته محاولًا إيجاد أي معلومة عن مكانهما. يدق جرس الباب فينتفض كلامنهم مستعدًا لتلقي أي خبر. ليشاهدوا من يدخل متكئًا على عصاه مستندًا على مساعده. ليقف كلامنهم في استقباله ويجلس على أقرب مقعد بتألم واضح، عابسًا. موجهًا حديثه لابن أخيه: -فين بنت عمك يا يامن؟

هي دي الأمانة اللي سبتهالك وسبتها لأخوك؟ ليشيح يامن وجهه حرجًا. نعم قصر في حمايتها من أخيه. عندما وافق أخيه أن يخفي حقيقة إمكانية إنجابه. عندما تخاذل مع أول موقف أهانها به، كان عليه أن يبذل أقصى ما لديه لينقذها من تقلبات أخيه التي تصل حد المرض. لما يشعر بهذا الألم المبالغ فيه؟ نعم يحبها، يخاف عليها من أخيه. يسعد لسعادتها ويتألم لألمها. هل ما يشعر به الآن شيء طبيعي ككل الحاضرين؟ ليقول شادي: -ناجي بيه؟

إنت متقلقش إحنا بنحاول ندور عليهم في كل حتة وأنا ويامن عملنا اتصالاتنا بعد معارفنا. وأكيد هنعرف مكانها قريب. ناجي بتعب ظاهر: -بعد إيه؟ بعد ما يقتلها. بعد ما يقتل بنتي اللي فضلت سنين أدور عليها. عملت إيه غزل عشان تعاني في حياتها كده. كل ده ذنبي أنا وربنا بيخلصوا مني. ويرفع نظره ليواجهه ملك المنكمشة في جلستها ويظهر عليها علامات الإعياء الشديد. ويكمل موجهًا حديثه لها:

-ربيتكم وراعتكم بعد وفاة أبوكم واعتبرتكم أولادي. في الآخر تورطي بنتي الورطة دي وجوزها يفتكر إنها بتخونه بسببك. لتصدم ملك من معرفة عمها بالتفاصيل وتحاول إجلاء صوتها ولأن بكائها يزداد. لتضع وجهها بين كفيها وتقول: -ما قدرتش أخرج أواجهه. ما قدرتش. سامحني يا عمي أنا السبب. أنا السبب. لتجد تقى تضمها إلى حضنها قائلة بتأثر: -اهدي يا ملك. أكيد هي بخير. يوسف بيحبها وعمره ما يأذيها.

لترفع عينيها لتجفل للحظة من العينين الناظرة لها بغموض. فتشيح نظرها عنه بسرعة لتداري ارتباكها. لتقف متجهة إلى المطبخ قائلة: -أنا.. أنا رايحة.. أشرب. لتتبعها نفس العينين الغامضتين حتى اختفت داخله. ليقول يامن لعمه: -إنت عرفت إزاي اللي حصل؟ مين بلغك؟ ناجي: -إنت فاكر إني سايب بنتي ومش عارف إيه اللي بيحصلها يا يامن؟ أنا عارف كل حاجة. وعارف اللي حصل يوم الفرح. ليصدم يامن من حديثه ويقول هاربًا من موقفه المخزي:

-إنت شكلك تعبان. أنا هروح أجيب لك عصير بارد. ليتحرك مسرعًا حتى يهرب من نظرات عمه اللائمة. يستند بكتفه على إطار الباب يراقبها من خلفها وهي ممسكة بكوب المياه وصنبور المياه مفتوح. يبدو لمن يراقبها أنها شاردة في أمر ما جعلها تنسى إغلاق الصنبور. ليلاحظ تشنج جسدها واهتزازه بدون صوت. لترفع بعدها أناملها تمسح وجهها. فيبدو له أنها تبكي بصمت. يقترب بهدوء بخطوات بطيئة لم تشعر بها حتى وقف خلفها قائلًا: -كل ده بتشربي؟

إنتِ شربتي محافظة كاملة. لتنتفض عند سماعه صوته وتخفي وجهها عنه حتى لا يلاحظ بكائها. وتحاول المرور من جواره إلا أنه رفع يده يمنعها. لترفع أعينها متعجبة من تصرفه لتري نفس نظرة الغموض التي لا تفهمها. لتسمعه يقول بهدوء: -كنتي بتعيطي؟ لتهز رأسها بلا بدون الإجابة. وتهرب من عينيه بإشاحة وجهها ببعض من الكبرياء. ليرفع أنامله ويمررها على وجنتها اليسرى يقول: -أنا آسف. لتتعجب من حاله عاقدة حاجبيها بتسأل عن سبب أسفه. فيكمل:

-إني جرحتك بكلامي. ورد فعلي. عايزك تسامحيني يا تقى صدقيني غضبي أعمى. أنا آسف. لتقول بكبرياء زائف وبسخرية واضحة: -ما تقلقش يا دكتور يامن مسامحاك. عن إذنك. لتحاول المرور إلا أنه يقبض على ذراعها مانعًا إياها من التحرك ليقول: -في حد تاني لازم يسامحني. فيقترب منها ويطبع قبلة على وجنتها اليسرى قائلاً: -سامحيني إني تجاوزت حدودي ومديت إيدي عليكي وده مش من حقي إني أعمل كده. إلا انه يفاجئ برد فعلها تدفعه

بقوة للخلف ليتعثر قائلة: -إياك تفكر تلمسني تاني إنت فاهم. اللي بينا انتهى. وأنا فعلاً غلطت لما سمحتلك تتجاوز حدودك معايا واحنا ما فيش بينا رابط شرعي. ولو كنت آمنتلك من قبل كده ده لأني كنت معتبراك شيء مختلف بالنسبة لي. يامن بإرهاق يغمض عينيه بقوة ويفرك جبهته. لتظل صامتة تراقبه قائلة: -إنت كويس. تحب أنادي لحد. ليبتسم بإرهاق على طيبتها، يعلم أنها تعشقه ولكن من الصعب عليه مواجهة نفسه بذلك بعد علمه بحبها لأخيه من قبل.

اعتبر أن علاقتهما كتبت نهايتها قبل بدايتها. ليقول: -لو سامحتيني من قلبك هكون كويس. أنا هقولك إنك أحسن بنت شفتها في حياتي وأي كلمة طلعت مني جرحتك بيها إنتِ عكسها يا تقى. يمكن تصرفك غلط بس جواكي نضيف وأنا متأكد من ده. عايز أطلب منك تسامحيني. لأن يمكن ما يتكتبش لينا نشوف بعض تاني. لينقبض قلبها من حديثه وقبل أن تسأله معنى حديثه. يصدح رنين هاتفه الخاص ليسرع بالإجابة مبتعدًا عنها قائلاً: -أيوه.. تمام. في رسالة. مع السلامة.

لتقول: -في حاجة؟ ليقول يامن بغموض مطمئنًا إياها: -لا.. دي المستشفى بتشوف هرجع إمتى. نكمل كلامنا بعدين عن إذنك. لينصرف تاركًا خلفه قلبًا مكسورًا يتمنى الرجوع إلى سكنه. قبل ساعة في الشاليه. تقف نانسي صارخة بوجه يوسف المتعرق من شدة المجهود مانعة إياه من الاقتراب من الحجرة مرة أخرى. فبعد تعريفه لها بأنها زوجته ثارت غزل تتهمه بأبشع الصفات الدنيئة، كانت في حالة من الانهيار التام.

لتلاحظ بعدها خلع يوسف حزام بنطاله ليلف طرفه على يده وتصرخ بوجهه أن يتوقف عما يفعل، فهذا سوف يقتلها. إلا أنه دفعها بقوة لترتطم أرضًا متألمة وتشاهد وصلة تعذيبه لها مع علو صراخها المتألم. ويرفع في كل مرة يده بأقصى قوته لترتطم القطعة المعدنية بحزامه بجسدها فينتج جروحًا غائرة بجسدها وأذرعتها. إلا أنها لاحظت عدم مقاومتها كل ما فعلته حماية وجهها وخصرها من بطشه.

لتندفع إليه مرة أخرى محاولة سحب الحزام من يده صارخة بوجهه مهددة أنها ستبلغ عنه إذا تمادى أكثر من ذلك. لتتركها غارقة بجروحها ودمائها السائلة. لا يصدر منها إلا كلمات تخرج متألمة، مغلقة بابها قائلة: -إنت أكيد مجنون. أنا مش هستنى دقيقة واحدة معاك. ليضغط على ذراعها بقوة غاضبة: -إيه.. هتسبيني إنتِ كمان؟ خلاص يوسف الشافعي مبقاش مالي عينكم؟ بس أقسم لك لو فكرتي إنك تسيبيني يا نانسي لأقتلك فاهمة؟ هقتلك زي ما هقتلها.

تحاول نانسي تمالك نفسها مهدئة إياه: -يوسف.. حبيبي إنت عارف إني مقدرش أبعد عنك. أنا بقول كده عشان خايفة عليك تقتلها وتروح في داهية. لتلاحظ هدوئه فتكمل: -إنت مش كل اللي عايزه تنتقم منها.. وتخليها تمضي على الأوراق؟ أنا هخليها تمضي. روح إنت خد شاور وأنا هتصرف. يوسف بحقد: -هتتصرفي إزاي؟ نانسي بإثارة: -ملكش فيه بقى. أنا هتصرف. يلا يا بيبي خد شاور. واستناني لأنك واحشني موت.

وتقترب منه لتطبع قبلة على شفتيه ليتحرك إلى الحجرة الأخرى ويختفي عن أنظارها. لتتبدل ملامحها للجمود مرة أخرى فتندفع عائدة للحجرة المحتجز فيها غزل وتقترب منها ببطء. لتجلس بجوارها منادية عليها بتأثر: -غزل. إنتِ سامعاني؟ غزل فوقي. ما فيش وقت. أنا ما صدقت يوسف سابني معاكي لوحدنا. غزل ارجوكي فوقي. لتفتح غزل عينيها المكدومة لتقول: -عايزة أشرب. عطشانة. نانسي بخوف:

-هجبلك اللي إنتِ عايزاه. بس اسمعيني كويس. إنتِ لازم تمضي على الأوراق قبل ما يوسف يرجع. صدقيني يوسف مش طبيعي. تدخل بثقة وعلى وجهها سعادة ليست مناسبة لمثل هذا الوقت لتجده مستلقي على السرير شارد متجهم الوجه لتقف مستنده على إطار الباب ملوحة بملف احمر قائلة: -مش عايز الورق؟ لينظر اليها غير مستوعب لكلماتها وينتفض واقفاً أمامها جاذباً الملف من بين أيديها ليري امضاء غزل على كل الأوراق يقول: -عملتيها ازاي؟ نانسي بثقة:

-ده شغل ستات مالكش فيه. لتراه يدفعها حتى يمر من الباب قائلاً: -في حاجه واحدة ناقصة لازم اعملها. ينقبض قلبها قائلة: -حاجة ايه؟ سيبها هي عملت اللي أنت عايزه. يوسف بتحدي: -لا.. حاجه تانيه. يدخل عليها يجدها متكوره بوضع الجنين فاتحة أعينها ينساب منهما الدموع فينحني ليكون بمستواها.. قائلا: -عارفة ياغزل.. انا قد ايه سعيد دلوقتي.. سعيد عشان بقيتي في الشارع.. اللي انتي جايه منه.. عارفة الورق اللي انتي مضتيه ده كان ايه؟

أول ورقه تنازل عن نصيبك في الشركة بيع وشراء ليا.. الورقه التانيه توكيل عام منك.. الورقه التالتة والرابعة دي بقي اللي قنبلة.. اعتراف منك انك كنتي على علاقة بجاسر واللي في بطنك ده منه وانك متنازلة عن كل حقوقك حتى نسب اللي في بطنك مش هتقدري تنسبيه ليا.. الرابعه ورقة طلاقك كانت ناقصة أمضتك المصونة.. أنا طلقتك ياغزل رسمي ورميتك زي الزبالة اللي برميها.. احب اقولهالك في وشك.. انتي طالق ياغزل.. انتي طالق.. طالق.

ليلاحظ عدم ردها او انتباهها له وشرود عينيها الدامعة ليصرخ بوجهها: -مش بتردي ليه؟ استريحتي دلوقت؟ اديني طلقتك عشان تروحي للكلب اللي زيك.. ردي عليا.. ليجد ثباتها فيقف بغضب ويقوم بضربها بقدمه بطنها وجسدها صارخاً: -ردي.. استريحتي؟ مبسووووطه.. اتكلميييي؟ عملتي كده ليه فيا؟ فينا؟ ليييه؟ أنا كنت بحبك بعشقك.. خنتيني ليه؟ لتبعده نانسي عنها تقول:

-حرام عليك كفاية.. كفاية هتموت في ايدك.. لتسحبه بقوة إلى الخارج ناظرة اخر نظرة علي الملقاة التي ذاقت الألوان من العذاب. -أظن أنت عملت اللي انت عايزه سيبها تروح لحالها يا يوسف. قالتها نانسي بترجي.. ليلتفت لها بعصبية صارخاً بها: -لسه ماشفتش غليلي منها.. مش هسيبها غير لما تبوس جزمتي عشان ارحمها. لتقترب إليه بضع خطوات لتضع يديها على صدرة وتهمس له:

-ممكن تهدي بقى.. عشان أنت وحشتني اوي.. انا لحد دلوقت مش مصدقة انك اعترفت بجوازنا. يرفع يده ويمسك كف يدها المستند علي صدره ويرفعه ليطبع قبلة على باطن يدها قائلاً: -مكنتش عارف انك بتحبيني أوي كده.. بس أوعدك ان كل الناس هتعرف انك مرات يوسف الشافعي بعد ما اتجوزك رسمي. نانسي بعدم تصديق: -انت بتتكلم جد؟ هتشهر جوازنا وهتكتب عليا رسمي يايوسف؟ أكيد بتهرج صح. ليضمها بقوة إلى صدره لتلفح أنفاسه وجهها قائلاً: -عمري كدبت عليكي؟

أنا دايمًا كنت صريح معاكي من بداية علاقتنا ببعض.. ولا ايه؟ لم ينتظر إجابتها لينحني إلى ثغرها ويقبلها قبلة هادئة تتحول سريعاً لقبلة عنيفة لتستسلم لاحضانه الدافئة وترفع ذراعيها وتحيط بعنقه.. فيزيد من ضمها حتى شعرت بألم عظامها. في صباح اليوم التالي

يقود سيارته بجنون لايريد إلا أن يصل لها يفتك بها لم يبالي بسرعته الزائدة ولا بالسائقين الذين تناوبوا السباب والشتائم عليه بسبب تهوره أكثر من مرة وصدم سيارة أخرى ولكنه لم يتوقف ليفحص أضرار سيارته ولا سيارة الاخر.. كل ما يهمه يلحق بها ليسب بصوت عالي ويضرب طارة القيادة بغضب فتدور الأفكار برأسه والشكوك.. كيف هربت من بين يديه؟ كيف استطاعت بهذه الحالة؟

يجب عليه استعادتها.. ناره لم تبرد بعد.. سيذيقها شتى العذاب.. فقط يجدها وسيجدها. يصل إلى بوابة الفيلا ليوقف السياره بسرعة فتصدر صريراً عاليا ويخرج منها غير مبالٍ باغلاقها ويتقدم بخطوات اشبه بالركض حتى وصل للباب الرئيسي للفيلا ليضربه بقبضته ضربات متتالية اشبه بطرقات الشرطة التي تداهم البيوت بحثا عن اللصوص لتفتح له هناء الباب برعب فيدفعها للخلف بقوة صارخا: -فين غزل؟ لترتعش من هيئته الغريبة وشعره

المبعثر وقميصه الغير مغلق: -يوسف بيه.. غزل هانم مش مش هنا.. دول كانوا بيدورا.. ليقطع حديثها راكضاً على درجات السلم ويفتح جميع الغرف فيجدها خالية.. ليصرخ بهناء من أعلى السلم: -فين الناس اللي هنا؟ ملك فين! ليجيبه صوت صارم من الأسفل ينم عن غضبه: -ملك مع جوزها. ليصدم يوسف من وجود عمه واقفاً شامخاً أسفل الدرجات فينزل درجاته ببطء وقبل ان يستفسر عما قاله الأخير أكمل بنبرة اشد قسوة: -فين بنتي يايوسف؟ يوسف بتحدي:

بنتك المصونة.. بنتك اللي جوزتهالي طلعت خاينة.. بنتك… ليقطع كلماته لطمة من يد عمه ويصرخ به: -اخرس.. اوعى تجيب سيرتها على لسانك الوسخ.. بنتي أشرف منك  فين غزل يايوسف؟ عملت فيها إيه بتهورك وجنونك؟ ليرفع وجهه مصدوم من ضرب عمه له فهي أول مرة تصدر منه. ليقول: -بتضربني؟ بدل ماتخدني في حضنك وتصبرني علي اللي بنتك عملته.. بنتك نامت في حضن راجل تاني!

وحملت منه وجت عشان تلزقهولي.. وده اكبر دليل على خيانتها وإني صادق.. عشان انا مش ممكن اخلف.. فاهم يعني ايه مش بخلف؟ فيبتعد عنه ناجي مستند على عكازه بضعف ويجلس على اقرب كرسي.. يقول: -انت غبي.. طول عمرك غبي.. متهور وعامل زي اللي بيقتل صاحبه.. عمرك فكرت للحظة تتاكد من تحاليلك قبل ماترمي بنتي بالباطل؟ هي دي الأمانة اللي وصيتك عليها؟

ده انا أما عرفت حالتي مالقتش غيرك وعجلت بجوازك منها لان كنت حاسس انك بتحبها وهتحافظ عليها لوجرالي حاجه! يوسف بتحدي: -كنت عايزني اتفرج عليها وهي بتخوني؟ ده موتها حلال فيها.. المفروض تشكرني عليه. ناجي بضعف وكسره واضحة: -ارجوك يابني اعتبره اخر طلب.. قولي هي فين؟ وانا هاخدها ونسافر بس قولي مكانها ريح قلبي عليها. يوسف بتوتر: -كان نفسي اقولك بس.. بس هي هربت وأنا مش عارف مكانها وكنت جاي ادور عليها. ليغمض ناجي أعينه

لفقدانه اخر امل يقول: -انا قلبي حاسس ان مش هلحق اشوفها واحضنها.. واعوضها السنين اللي راحت مننا.. ليقف بصعوبه مستنداً على عكازه رافضاً مساعدة يوسف له قائلاً ببكاء اثناء انصرافه: -لله الامر من قبل ومن بعد.. لله الامر من قبل ومن بعد. حتى يتلاشى صوته ويختفي خلف باب حجرته.. ويقف يوسف بغضب وسط المكان الخالي إلا منه لا يعلم من أين يبدأ البحث.

ليخرج لا يعلم من أين يبدأ البحث مؤكد ستلجأ لعشيقها.. سيقتلهما معاً إن وجدها معه.. بعد مرور اليوم رجع إلى شقته الخاصة مرهق الجسد متألم النفس.. لايصدق أنه حتى الآن لم ينجح في الوصول إليها.. أين هربت؟ ومن ساعدها؟ اسئلة عديدة متراكمة لايجد لها اجابه.. من المستحيل ان تكون نانسي من ساعدتها.. مستحيل ان تخونه هي الاخرى  وإذا هي من قامت بذلك كيف ساعدتها وقد قضي ليلته بين أحضانها حتى الصباح.

ليجلس على اقرب مقعد ويقوم بفك أزرار ويمد ساقيه للأمام علي طاولة تتوسط الحجرة.. مغمض العينين.. لتخرج نانسي عندما سمعت صوت غلق الباب بتوتر حاولت إخفائه وتستمر في مراقبة ملامحة لعلها تستنتج شي منها.. لتنتفض عند سماع صوته المخيف يقول: -هتفضلي واقفة عندك كتير؟ لتقول بخوف: -انت عرفت إني واقفة ازاي؟

-عيب عليكي تسالي.. انا حافظ تصرفاتك كويس.. اول ما بتسمعي صوت المفتاح بتجري عليا تتعلقي في رقبتي.. بس الغريبة انك معملتيش كده المرة دي! ايه زهقتي انتي كمان مني؟ تقترب حافية القدمين تحلس بجوار قدمه: -أنت عارف ان كلامك غلط وانا عمري ما اقدر ابعد عنك.. بس… يفتح أعينه الدموية وينظر لها بأعينها المتوترة يقول: -ايه.. بس ايه؟ فتقوم بعض شفاها السفلي قائلة:

-الحقيقة.. حاسة اني بقيت خايفة منك بسبب اللي حصل لغزل على ايدك.. مكنتش أتوقع انك تكون بالقسوة دي مع اللي كنت بتحبهم. يقترب من وجهها ويربت على وجنتها برتابة يقول محذراً: -دي اقل حاجة مع اللي بيطعني في ضهري يا.. يانانسي تبتلع ريقها بتوتر الا انها تشتم رائحة غريبة بأنفاسه لتقول متعجبة: -انت سكران؟ ليجيبها بثقة: -انتي عارفة اني مافيش حاجة بتأثر فيا حتي لو شربت المحيط. لتقف نانسي رافضة لحالته: -انا هعملك فنجان قهوة يفوقك.

إلا انها كادت تتحرك لتجده يقبض على ساعدها بعنف قائلا: -انتي خرجتي النهارده؟ تبقى على ثباتها لا تلتفت إليه.. مؤكد انه يراقبها. لتقول: -ايوه.. نزلت اشتري شوية حاجات.. البيت كان محتاجها. لينظر لها نظرة ثاقبة: -بعد كده ما تتتحركيش إلا أما اعرف انتي رايحة فين؟ مفهوم؟ لتهز رأسها بتوتر وتنسحب بخوف إلى المطبخ لتتذكر مافعلته من عدة ساعات مستغلة بحثه عن غزل.

فتدخل يدها بجيب بنطالها لتخرج هاتفها بتوتر وترسل رسالة إلى مجهول وعندما اطمأنت انها تم استلامها قامت بحذفها بايدي مرتعشة.. وتزفر زفرة قوية عازمة علي تنفيذ مايخدم أهدافها قبل الجميع.

أما عنه فما يراه يجد رجل متبلد المشاعر لا يشعر باحاسيس من حوله  شخصاً كاره كل من حوله إلا نفسه شخصاً يسعى لغاياته ولاهدافه بدون التفكير من سيتدمر ومن يدفع الثمن.. ولكن الحقيقة عكس ذلك فهذا الشخص المتبلد الأناني داخله شخص مهزوم مطعون من أحبته من أنقى إنسانة عرفها.. من تمني قضاء العمر كله بجوارها.. من علمته حروف الغزل على يدها من حبيبته وعشيقته.. وزوجته.. غزل.. لا يتخيل حتى الآن كيف وصل به الحال لما فعله بها  يوجد جانب بسيط بقلبه

يتألم لهذه الذكرى ليسأل نفسه هل هو الآن حصل على راحته وفاز بانتقامه أم كان ينتقم من نفسه بها؟

ها هو الان عاد به الزمن ليستلقي بسرير عشيقته الأولى كأن أحداث حياته كانت رحلة وانتهت  ليعود مرة أخرى كما كان لتهبط دمعة من جانب عينيه المغلقة باستسلام مغزي تدل على هزيمته وقهره يكابد كثيرا عدم إظهارهما يكفيه خزيه أمام نفسه.. ليسمع فجأة صوت رنين هاتفه ولكنه لم يبدي رغبة في الرد انتظر وانتظر حتي ينقطع الرنين وهو علي ثباته واستلقائه ليعود مرة أخرى الرنين فيمد يده يخرجه من جيبه فيجده أخيه.. ليسرع بغلق هاتفه حتى لا يزعجه أحد مستسلماً لنومه.

فآخر شخص ممكن أن يتحدث معه حاليًا هو يامن. بعد مرور أربع سنوات.

يجلس خلف مكتبه مرتديًا نظارته الطبية السوداء التي بدأ يلجأ إليها مؤخرًا، يراجع بعض الأوراق التي تحتاج إمضاءه. فهو أصبح دائم الحضور لمتابعة أعماله، لتأتي منه لفتة اعتاد عليها لشيء ساكن فوق مكتبه بجوار يديه اليمنى. فهو إطاران بهما صورتان لأجمل ما رأت عينه، كان حريصًا على ألا تختفي عن عينه لحظة واحدة حتى تقبض روحه منذ أربع سنوات. ليبتسم بتألم ويلمس الإطار بإصبعي السبابة والإبهام حتى تواجهه صورتها بفستان زفافها

وابتسامتها المشرقة تدل على سعادتها. أما الصورة الأخرى فكانت لها أيضًا، ولكنه التقطها لها خلسة عندما كانت محتجزة بالشاليه الخاص، وكانت تنظر للبحر من أمامها، تاركة لخصلاتها البنية الحرية، شاردة في أيامها التي كانت تجهل أنها تحمل فيها الكثير من الألم. فاليوم الذكرى الرابعة لاختفائها من حياته وفقدانه لها للأبد.

فيأتي طرق على الباب ويدخل شادي بملامحه القاتمة كما اعتاد عليه منذ سنواته الأخيرة، ليقول مختصرًا برسمية: "حضرتك خلصت الأوراق؟ لينظر له يوسف بهدوء ينافي ضيقته من تصرفاته: "لسه.. ياريت تقعد لحد ما أخلص الورق." فيسمع زفرة قوية خرجت من شادي، ليجلس متضرعًا. فيكمل موجهًا حديثه للأخير وهو مستمر في الاطلاع على الأوراق: "مستعجل ليه على الأوراق؟ مش لسه شوية على ميعاد الانصراف؟

كان يسأله وهو يعلم سبب استعجاله لأخذ الأوراق، ولكنه يريد الضغط عليه ليفصح عما يجيش به قلبه منذ سنوات. ليجيبه مختصرًا بدون النظر إليه: "عندي مشوار مهم." ليسأل يوسف: "عيد ميلاد غزل مش كده؟

فيتحرك من خلف مكتبه مستندًا على عكاز خشبي، ليسير بصعوبة متألمًا بسبب إصابته بقدمه اليمنى التي خضعت للكثير من العمليات الجراحية لتركيب الشرائح المعدنية بها. يفتح خزانة خشبية ويخرج منه صندوق ملفوف بأوراق الهدايا اللامعة ومربوط بأشرطة من الستان الزهري. ويتقدم بعرج، يضعها أمام شادي على المكتب قائلًا: "ياريت توصل الهدية دي بما إني ما اتعزمتش وكمان هكون شخص غير مرغوب فيه." شادي بسخرية:

"إيه اللي مخليك واثق إن الهدية مش هترجع زي كل سنة." يوسف بابتسامة: "محاولة مش أكتر، ومتنساش إنه واجب عليا.. لولا إنهم مش حابين يشوفوني." ليمد يده بالأوراق ويقول: "مش ناوي تسامحني يا شادي؟ لم يلتفت له، فيجيبه: "صاحبة الشأن لما تبقى تسامحك نبقى نسامحك.. وأنا هنا موظف زي أي موظف.. عن إذنك يا.. يوسف بيه."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...