ليمد يده بالأوراق ويقول: –تقدر تمشي بدري عشان تلحق مشوارك. فيقف شادي ممسكًا بالصندوق الضخم متضررًا والأوراق. وقبل أن يخرج سمع صوت يوسف: –مش ناوي تسامحني يا شادي؟ لم يلتفت له فيجيبه: –صاحبة الشأن لما تبقى تسامحك نبقى نسامحك.. وأنا هنا موظف زي أي موظف.. عن إذنك يا يوسف بيه. ***
في حديقة الفيلا الصغيرة يكثر زينة أعياد الميلاد والبالون الملون بالأبيض والزهري وكلمات التهنئة المكتوبة بالحرف الإنجليزية اللامعة بجانب شرائط الإضاءة الملفوفة على الأشجار. يتقدم للأمام حاملًا هديته وهدية المدعو يوسف وهدية زوجته التي أصرت على انتقائها بنفسها. ويتقدما معًا لدخول الفيلا الصغيرة ليقول بصوت عالٍ: –يا أهل البيت اللي هنا، هو مافيش حد ولا إيه ياخد الحاجة مننا. ليظهر جاسر من الداخل قائلًا:
–أهل البيت ظهروا بطل دوشة بس صدعتنا. ليحتضنه مهنئًا له. وتقوم سمية بتحية جاسر ليدخلهما قائلًا: –ادخل جوه الجماعة مستنين حضرتك من بدري وأنت اتأخرت قلبينها محزنة.. ادخل خد من الحب جانب. ليتقدم حتى يحمل عنه الهدايا فيرفض شادي: –لا.. أنا لازم أديها هديتها بنفسي. ويغمز بعينه هامسًا بإذن جاسر: –يمكن أنول الرضا منها. ليهز جاسر رأسه بيأس قائلًا: –ابقى قابلني لو حصل. ليجيبه بمداعبة: –اطلع أنت منها وهي تعمر.
يدخل على حجرة الضيوف فيرى الطابع الأسري يشوب الغرفة والترابط الوثيق. يقول: –السلام عليكم إحنا آسفين اتأخرنا وعطلنا الحفلة. فيجيبه محمد: –ومين سمعك ما أنا لسه مخلص زيك وداخل من شوية يادوب عديت على سوزان وجينا. لتحييه سوزان ذات البطن المنتفخة ليقول شادي: –عاملة إيه يا سوزان؟ أخبار هناء وشرين إيه؟ لتعبس قائلة: –انت عرفت منين إنهم توأم؟ وتنظر لمحمد موبخة قائلة:
–أكيد استاذ محمد اللي قال في الشركة مع إني منبهه عليه إن معارفنا بس اللي يعرفوا. لتبتسم سمية وترفع يدها مستسلمة: –أنا مقولتش ليه على فكرة، جوزك اللي قال. ينظر لها شادي بلوم: –أنت عارفة ومخبية ماشي يا سمية لما نروح. سمية بضحك: –طيب أنا ذنبي إيه وانت وهو مش بيتبل في بوقكم فولة وبصراحة أنا خايفة تتحسد. –مين جايب سيرة الحسد؟ قالتها ملك بضحك. فتكمل حديثها لائمة شادي: –على فكرة غزل زعلانة جدًا وعمالة تسأل عليك.
لتندفع زوبعة مندفعة داخل الحجرة لتمسك قدم شادي باحتضان. وينحني لحملها واحتضانها قائلًا: –أهلًا أهلًا أهلًا بالقمر اللي من ساعة ما دخلت وأنا بسأل عليه. لتقول بلسان متلعثم: –أنا؟ ليقول: –فين بوسة عمو؟ لتهز رأسها بالرفض ويتطاير شعرها الأسود وتقول: –نوو.. مامي قالت عيب. شادي: –طيب لو اديتك هديتك هتديني بوسة؟ تهز رأسها بالموافقة ليجلب لها هديتها وتقوم باحتضانه وتقبيله. لتعترض ملك صائحة بشكل مسرحي:
–ماشي يا غزل أنا مش قولت ما نبوسش حد غير بابي ومامي؟ يا خسارة تربيتي وسهر الليالي. يقترب منها جاسر ويضمها ويهمس لها: –ماتجيبي بوسة وانتي حلوة كده؟ ملك مؤنبة: –جاسر! الناس. *** بعد انتهاء الحفل وتقديم الهدايا ظل صندوق الهدايا الخاص بيوسف موجود على المنضدة المنتصفة الحجرة. وكلٌ منهم ينظر لها بشرود. لتقول ملك: –رجع الهدية يا شادي وخليه يبطل يرسل هدايا لبنتي لأن هداياه كلها برميها في الزبالة. ليقول محمد بغضب:
–أنا نفسي أسيب الشركة النهاردة قبل بكرة بس اللي ضاغط عليا أفضل حق غزل في الشركة.. اللي لازم هيرجع لها في يوم من الأيام. ليجيبه شادي: –ومين سمعك؟ أنا كمان بعد ما قدمت استقالتي وجاسر عرض عليا أشتغل معاه رجعت سحبتها عشان خاطرها. لتتساءل سمية بتوتر: –انتوا إزاي متأكدين إن غزل عايشة؟ رغم من يوم اختفائها مش عارفين عنها حاجة. محمد بحزن: –أنا قلبي حاسس مادام ماسمعناش عن وفاتها حاجة تبقى عايشة. شادي بتساؤل:
–هو يامن ما اتكلمش؟ لتجيبه ملك: –يامن كل فين وفين أما بيتصل بس عمره ما نسي يوم عيد ميلاد غزل وأكيد هيتصل. ليصدح رنين هاتفها فتقول بسعادة: –مش قولتلكم أهو أتصل.. ألو ياحبيبي يامن وحشتني أوي.. وانت طيب يا قلب أختك.. غزل عندها دلوقتي تلت سنين.. آه ياسيدي مستنين العريس.. بسرعة كده.. طيب مش هعطلك عن المستشفى.. يامن ابقي كلمني.. مع السلامة. لتتنهد قائلة:
–بيسلم عليكم.. قفل بسرعة عنده عمليات.. مش عارفة إيه آخرة الغربة يرجع ويبقى معانا مابقاش ليا غيره من بعد ما عمي مات بحسرته. ليقول جاسر: –الله يرحمه. ليقول محمد متعجبًا: –يامن ما قالش هو فين دلوقتي؟ ليجيب شادي: –دايما بيقول متنقل من دولة لدولة. جاسر: –إيه يا جماعة هنقلبها نكد؟ ده عيد ميلاد غزل الصغيرة والله. تجيبه ملك بدموع محصورة: –وعيد ميلاد غزل الكبيرة برده ربنا يردها لينا. ***
في المساء يدخل حاملًا قالب من الحلوى وباليد الأخرى حقيبة العمل. فيغلق الباب بقدمه ويقوم بالنداء: –عائشة! عائشة. لتهرول سيدة في منتصف العقد الخامس تمسح يدها بقطعة قماش لتقول بلغتها التركية: –دكتور يامن! لتندفع تحمل عنه قالب الحلوى والحقيبة. فيخلع جاكيت ملابسه ورباط حذائه ليقول أثناء ذلك بنفس اللغة: –أين سيدتك؟ تنظر يمينًا ويسارًا بريبة وهمس: –بالأعلى. لعقد حاجبه: –لما تخفضين صوتك.. أحدث شيء لم أعلمه؟ تجيبه متحسرة:
–بلى.. داهمتها إحدى نوبات الغضب. لينقلب الحال فجأة لبكاء هستيري.. وهي الآن تغلق الباب على حالها رافضة الحديث.. ليهز رأسه متفهمًا ويستمر في الصعود: –سأرى ما بها وأنت أعدي العشاء.
يصعد درجات السلم بهدوء فلقد اعتاد موباتها المؤلمة التي تداهمها من الحين للآخر وهو متقبلها. يعلم أنها ترفض حياتها وثائرة عليها ولكن ليس بيده شيء. يطرق الباب بهدوء طالبًا الإذن بالدخول فيجد الحجرة خالية ويبحث عنها حتى يجدها متقوقعة ضامة أرجلها لصدرها مخفية وجهها في أرجلها بجانب الحجرة في الظلام. ليضيء أزرار الإضاءة فتصرخ بوجهه طالبة إغلاق الأضواء فيلبي رغبتها. ويتحرك بهدوء جالسًا بجوارها مستندًا ظهره للحائط. فيرفع يده يلمس خصلات شعرها البنية التي تسحره من
أعلى رأسها لنهايته ليقول: –ممكن أعرف حبيبتي زعلانة ليه؟ فتهز رأسها رافضة. فيكمل: –طيب أنت أخدتي علاجك النهارده ولا هربتي كالعادة.. أصل حالتك دي بتقول إنك هربتي. لترفع رأسها بغضب والدموع مغرقة وجهها صارخة: –أنا مش عاوزة، مش عاوزة.. أنا مش مجنونة يا يامن فاهم؟
لتقف بتشنج متحركة وتقف أمام النافذة المفتوحة ويتطاير خصلاتها الطويلة التي حرص على أن يضع بها مقص لمدة الأربع أعوام حتى استطال لآخر ظهرها كأنه بذلك يعوضها ما فقدته من قبل. يقف خلفها يقول وهو ممسك خصلاتها الناعمة: –تعرفي إن بعشقك ريحة شعرك… لينقبض قلبها من هذه الجملة كأنها سمعتها من قبل ولكنها نهرت نفسها. مستغلة غزله لها لتلتف إليه ولا يفصلهما إلا خطوة واحدة وتقترب منه قائلة باهتزاز: –بجد؟ بجد يامن؟ بتحب ريحة شعري؟
ليبتسم لها ويمسك وجهها بكفيه: –طبعًا بموت فيه.. أنت ناسيه إني اتخانقت معاكي لما صممتي تقصيه ورفضت وخبيت منك المقصات. لتضحك باهتزاز. وتقترب منه وتضع كفيها على صدره لتشعر بأنفاسه المتوترة ضربات قلبه التي تسارعت من قربها. فكل هذا يؤكد لها أنه يحبها. لتقول: –وأنا يا يامن؟ بتحبني؟ فتهتز ابتسامته ويجلي صوته: –طبعًا يا غزل بحبك طبعًا. –يامن أنا.. أنا.. أنت إيه؟ أرجوك افهمني. ليقطع حديثها:
–فاهمك يا غزل وحاسس بيكي.. أنت اللي فاكرة إني مش فاهم. –طيب في إيه؟ ماتقوليش حالتك الصحية ووضعك وظروفك.. عشان زهقت من المبررات دي. يقترب منها يضع قبلة على جبينها: –لا مش هقولك بس ممكن نأجل كلامنا لحد ما نحتفل مع بعض. أنا شاري تورتة الشيكولاتة اللي بتحبيها بس بشرط تاخدي العلاج قدامي. لتهز رأسها بالموافقة وتنصرف بسرعة تاركة شخصًا متألمًا يحارب نفسه ويكابدها منذ سنوات.
ليشرد في يوم منذ أربع سنوات عندما أتاه اتصال مجهول أثناء تواجده مع تقى بالمطبخ ليخبره بمكان احتجاز غزل بالساحل. ويندفع متجهًا للمكان المذكور بعد أن ساعده المجهول للدخول ووصفه لكيفية الدخول. يدخل يامن بأرجل مهتزة ورعب من أن يشعر به يوسف ويفشل في إنقاذه من القتل.
يفتح الحجرة التي حددت لها، يصدم من المشهد الدموي. تسري برودة في عروقه من الصدمة. يجدها ملقاة على الأرضية الباردة، حليقة الرأس، تملأ وجهها وجسدها الجروح السطحية والغائرة التي تحتاج تقطيبًا. ولكن ما ألمه أكثر أن بعض الجروح بدأت في التقيح والالتهاب. ليرى جرحًا في الرأس، علم من خبرته أنه سيشوه وجهها بسبب عدم تقطيبه سريعًا.
يقترب بخطوات هادئة منها ويناديها هامسًا باسمها، إلا أنها لا تستجيب. ليعزم على حملها والهروب بها من أخيه. وأثناء حملها خرجت أنّة مؤلمة منها، ليعلم بعدها بكسر كفها الأيسر وشرخ بالفخذ. ليراها تفتح عينيها بصعوبة وهو محتضنها، ليقول بلهفة: "غزل! أنا يامن! ماتخافيش أنا معاكي." لتبتسم بصعوبة مرددة اسمه، وبعدها غابت عن الوعي. يفيق من شروده على رسالة تذكير على هاتفه تذكره بموعد ميلاد ابنة أخته ملك. أكان يحتاج لرسالة؟
فنفس يوم ميلاد ابنة أخته تصادف مع ميلاد غزل. فيقوم بالاتصال ليهنئها. وبعد إغلاق الاتصال، يذهب ليجلس على حافة الفراش، فتعود ذاكرته. وقوفه بملابسه الدامية، مراقبًا إياها بغرفة العناية المركزة، منتظرًا انتهاء الأطباء من فحصها. فيرى أحد الأطباء متجهًا للخروج، محدثًا إياه قائلًا: "دكتور يامن.. الموضوع صعب. دي جناية واعتداء وحشي، لازم بلاغ." يامن بلهفة: "طمني الأول عليها أبوس إيدك." الطبيب بتوتر:
"مخبّيش عليك.. الحالة جسديًا ممكن نقول عايشة، لكن فيها بعض الكسور في كف اليد والفخد، غير الجروح الموجودة بالرأس والجسم اللي تم خياطتها. طبعًا في بعضها هيسيب أثر ومحتاج عمليات تجميل. أما عن الأثر النفسي، فده اللي هتعرفه لما تفوق. والعجيب بعد كل ده الحمل مستقر." يامن: "هتفوق إمتى؟ الطبيب: "دي حاجة في علم الله، أنت دكتور وعارف." يامن بإصرار: "ينفع أخرجها وأتابعها في البيت؟ الطبيب:
"صعب في حالتها.. إحنا ندعيلها أنها تفوق الأول ونعرف وصلت الحالة لإيه. آه، اللي أنت عملته غير قانوني إنك تدخلها باسم مستعار. لو حد عرف هتبقى مشكلة." فيترجاه يامن: "أرجوك محدش يعرف هي مين. الموضوع حساس، فيها حياة وموت." الطبيب: "للدرجة دي؟ ليكذب يامن عليه: "الموضوع في ثأر." لينقبض وجه الطبيب: "فهمت.. محدش هيعرف بوجودها، ماتخافش."
ليعود يامن مرة أخرى ويعزم على تهدئة الموقف مع غزل. فقد أصبحت جزءًا لا يتجزأ من حياته، لا يستطيع التخلي عنها رغم صعوبة التعامل معها. *** "عجبتك التورتة؟ " تساءل يامن بمشاكسة. لتهز رأسها بسعادة لتلتهم ما تبقى منها في الصحن. ليكمل: "كل سنة وأنتِ معايا يا غزل."
تنظر إليه متعجبة من حاله، كيف يتمنى لها أن تبقى معه وهو.. هو.. لتهز رأسها رافضة التفكير في الأمر. يجب عليها أن تتحلى ببعض الكرامة. في بادئ الأمر، عندما أفاقت، كانت تخشى كل من يقترب منها، حتى هو. كانت ترتعب لاقترابه منها. كانت تفضل دائمًا الاختلاء والابتعاد عن كل الحفلات والمناسبات، حتى الخروج من باب المنزل امتنعت عنه. لكنها لم تجد إلا هو يدعمها ويشجعها على محاربة خوفها. كانت مرغمة على تقبل وضعها التي تجهله، لتستيقظ في يوم يقال لها أن لها ابنة وعليها مراعاتها. لم تشعر يومًا بالأمومة تجاهها، رغم أنها نسخة مصغرة منها. لا تعلم لما ترفضها وترفض وجودها بحياتها. لا تعلم متى حملت بها ومتى أنجبتها. تشعر بدوامة تحيط بها. ليقطع شرودها يامن قائلًا:
"أنا زعلتك في حاجة؟ تهز رأسها سريعًا: "لا.. لا.. بس سرحت شوية." يقوم بوضع كفه فوق كفها ليستشعر برودتها، يقول: "أنا عارف إني مقصر اليومين اللي فاتوا، بس أوعدك آخد إجازة ونروح أي مكان تحبيه أنتِ وبيسان. شوفتي بقى نستيني اطمن عليها." ليقف مستعدًا للصعود، لتوقفه كلماتها: "زمانها نامت من بدري، ماتقلقهاش." يامن بلوم لها: "غزل! أنا مش عاجبني علاقتك ببيسان. أنتِ أمها، المفروض تبقي قريبة أكتر من كده معاها." غزل بلا مبالاة:
"ربنا يسهل.. أنا قعدت معاها شوية قدام الكارتون." ليهز رأسه معترضًا، فيقترب منها يساعدها على الوقوف، ممسكًا ذراعيها: "حبيبتي.. بيسان في عمرها ده محتاجاكي جنبها على طول، وتطلعي بيها تتمشي شوية تلعبي معاها. البنت أول ما بتشوفني كأنها لقت منقذها." غزل باعتراض: "أعمل إيه يعني، ماهي بتحبك أكتر مني." يامن:
"مش حكاية كده، القصة كلها إني بلعب معاها زي أي طفل في سنها وحنين عليها. عمومًا يا أستاذة، بكرة ومن غير نقاش هنخرج أنا وأنتِ وبيسان نتمشى شوية." كادت أن تعترض، إلا أنه أشار بسبابته لتصمت ولا تعترض. يعلم رهابها من الخروج حتى لا تحتك بالأغراب، وللأسف تتعامل مع بيسان كواحدة من هؤلاء الأغراب، حتى مع محاولاته المضنية لتغيير الوضع، مع استشارة الطبيب النفسي لهذا الوضع. ***
كل يوم يمر عليه، يجب أن يستلقي على فراشها لبعض الوقت لينعم برائحتها العبقة. ويستسلم لأحلامه. كان يغوص بأحلامه الهانئة التي لا تخلو من وجودها، وعلى وجهه ابتسامة ناعمة. ليشعر بأنامل تسير على وجنته بنعومة، فتزداد ابتسامته، فترسم خطًا مستقيمًا، ويشعر بجسدها الدافئ وأنفاسها الساخنة تلفح وجهه بسبب اقترابها. يفتح عينيه بتكاسل، يرى وجهها المنير مقتربًا منه، فيميز ملامحها رغم ظلمة الحجرة إلا من ضوء القمر.
فيسمعها تهمس أمام شفتيه: "وحشتني أوي." فيرفع يده ويداعب خصلات شعرها البنية، ويشمها قائلًا: "مش أكتر مني." ويستقيم في جلسته ويقربها أكثر لتجلس أمامه. ويحاول الاقتراب منها ليطبع قبلة خفيفة على ثغرها ويقول: "هتنامي في حضني النهاردة ولا هتهربي زي كل مرة؟ فتجيبه بأنوثة: "تؤ.. مش هقدر أبعد عنك تاني.. أنا مكتوبة على اسمك." ليتبدل ملامحها للتشنج، فيتساءل عما بها. فيراها تنظر للأسفل قائلة بدموع: "شوفت عملت فيا إيه؟!
لينظر لما أشارت إليه ويجد تدفق الدماء من بين رجليها، فيرتعب مناديًا باسمها. لتقول بنحيب: "قتلتني يا يوسف، وقتلت ابنك.. قتلتني." ليصرخ حتى لا تبتعد: "لا.. لا يا غزل ما قتلتكمش، لا.. ماتسبينيش."
فينتفض متعرقًا على قوله "لا". ليجد نفسه راقدًا على فراشهما بحجرتهما الخاصة التي منع الخدم من دخولها أو تغيير أي وضع بها. لينظر بين يديه ليجد نفسه ممسكًا بقميصها القطني الزهري التي كانت ترتديه آخر مرة وقامت بخلعه وألقته بإهمال على الفراش، حتى زجاجة عطرها المفتوح، غطائها، تركها كما تركتها من أربع سنوات. حرم على نفسه دخول الحجرة، اعتبره مكانًا مقدسًا لحين عودة صاحبتها المفقودة. ***
يجلس على فراشه بالحجرة البديلة التي اختارها لنفسه من أربع سنوات بعد أن أخذ حمامًا دافئًا ليتخلص من هذا الكابوس. فيخرج مستندًا على عكازه ويجلس على حافته متألمًا، متذكرًا يوم أتت له ملك وجاسر بشقته الخاصة. اعترافهما بالحقيقة كاملة. تذكر لحظتها كيف مادت الأرض به ولم يستطع الصمود. فيستند على الحائط ليحاول استيعاب صدمته. هل ظلمها؟ للمرة الثانية! كيف فعل بها ما فعل؟
قام بتعذيبها وإيلامها. ليس فقط ذلك، بل قام بإذلالها والسخرية من إصابتها السابقة وطعن أنوثتها بجبروته عندما أفصح عن زواجه بأخرى. كان يتفنن في آلامها وضربها، حتى أنه كان يتمتع بسماع صراخها، وتوسلاتها وبكائها بأن يرحمها. ليتردد على سمعه كلمة واحدة: "أنا حامل.. أنا حامل يا يوسف". في هذه اللحظة، لا يستطيع التذكر كيف تحملت قدماه جسده ليخرج مندفعًا، تاركًا كلاهما خلفه.
لتنزل عليه الصدمة الثانية، ولكن هذه المرة قسمت ظهره. ليخر باكيًا أمام الطبيب المعالج الذي قام بإعادة التحاليل له ليؤكد له تقدم حالته الإنجابية مع الدواء الذي كان يتناوله خلسة.
لا يتذكر كيف خرج من عنده، تاركًا طبيبًا متعجبًا من حالته. وكيف ركب سيارته ويقود بسرعة جنونية كأنه يتوسل الموت بأن يلحقه ليخلصه من ذنبه. ليجهش بالبكاء والصراخ، مناديًا باسمها، ويدور ويدور باحثًا عنها بقلب متألم على روحه التي نزعت منه بقرارة نفسه ومحض إرادته. ليراها أمامه بوجهها المكدوم وجروحها التي تملأ جسدها، باكية أمام عينيه، وتتلاشى الرؤية أمامه بسبب تصادمه بشيء ما. ليعلم بعدها أنه ظل بغيبوبته شهران كاملان مع خضوعه لخمس عمليات بساقه اليمنى التي كانت مهددة بالبتر نتيجة حادث التصادم بين سيارته وسيارة نقل للبضائع.
من يومها لم يصبح يوسف الشافعي كما هو. تغير كل شيء من حوله وبه. ابتعد عن أقرب الناس إليه وتركوه وحيدًا بأحزانه. لم يواسيه أحد. الجميع حاكمه بالنّبذ. يتذكر أنه دخل بعدها بنوبات اكتئاب حاد بسبب حالته الصحية والنفسية. إحساسه بالذنب يقتلُه. كل يوم يمر عليه يتزايد ذنبه. يكاد أن يجن. أين هي الآن؟ كيف هربت منه؟ هل كان سيقدم على قتلها كما وعدها أم كان يهددها؟ كيف أصبح ابنه؟ هل هو شبهها أم شبهه هو؟
يتمنى أن يجدها، يقبل يدها وقدمها، لعلها تعفو وتصفح. يريد ضمها، يستنشق عبيرها. إنه يموت.. يتعذب. ليغمض عينيه، لعله يستريح من أفكاره، وربما تزوره بأحلامه تشبعه قبلات دافئة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!