الفصل 13 | من 31 فصل

رواية صماء لا تعرف الغزل الفصل الثالث عشر 13 - بقلم الكاتبة وسام الأشقر

المشاهدات
19
كلمة
1,531
وقت القراءة
8 د
التقدم في الرواية 42%
حجم الخط: 18

يجلس خلف المقود قابضًا عليه بكفه بغضب شديد وحيرة. يلقي عليها نظرات عن طريق مرآته مراقبًا إياها وهي تحتضن والدها بملامح مبهمة بالنسبة له، ملامح باردة ترتدي نظاراتها الشمسية تخفي عنه عينيها.

يرجع بذاكرته منذ لحظات عندما كان يقف متوترًا بصالة الانتظار منتظرًا وصولها. ينظر إلى ساعته للمرة الألف، يأخذ المكان ذهابًا وإيابًا. ليشاهد ظهور عمه من بعيد فتتسارع أنفاسه بقوة غير مسيطرًا على ارتباكه. فيبحث عنها بعينيه الصقرية لعله يلمحها، ليجدها بعد طول انتظار تظهر بإطلالتها الصيفية بفستان أبيض مكشوف الذراعين. الذراعين؟ من يحتضن ذراعها؟

ليرفع عينه لتشل حركته ويثبت مكانه من صدمته، عندما رأى أخيه يامن يحتضن غزل إليه أثناء سيره وابتسامة جلية تظهر عليه وعلى وجهها. يقترب منه عمه يسلم عليه ويقول بمكر: ـ يوسف... اقفل بوقك ياحبيبي.. الذبان هيدخل جواه. فينصرف من جانبه بكل هدوء حتى يصل إليه يامن وهو يحتضن غزل بمرح: ـ إيه ياجينيرال مش هتسلم على أخوك حبيبك. ليفيق يوسف من صدمته يقول من بين أسنانه: ـ شرفت يا ياخويا. *** يفيق من شروده. ينظر إليها مرة أخرى بمرآته.

ليقطع عليه أخيه تأمله قائلًا: ـ خلي بالك من طريقك، الطريق قدام مش ورا. ليجد على أسنانه ويلقي عليه نظرة توعد منه. ثم يجلي صوته محدثًا عمه لعله يستشف سبب سفرهما المفاجئ يقول: ـ هو إنتوا كنتوا في تركيا؟ فيجيبه ناجي بابتسامة وقورة: ـ أكيد يايوسف، اومال يامن رجع معانا ازاي. يتوتر أكثر ويتساءل: ـ هو إنتوا كنتوا عند يامن؟ ليجيبه يامن هذه المرة ببرود مقصود: ـ تفتكر هيكونوا في تركيا ومش هينزلوا عندي؟ دي كانت أحلى أيام.

فيلتفت القابعة بصمت يغمز بعينيه لها مكملًا: ـ ولا إيه ياغزل البنات؟ فتكتفي هي بابتسامة خفيفة له. لتجحظ عين المشتعل غيظًا من هذا التدليل، وهذه الجرأة. فمن الواضح أن يامن أخذ مكانًا خاصًا لديها ليدللها بهذه الوقاحة أمام عمه وأمامه. فيوجه سؤاله لعمه مرة أخرى بإصرار: ـ هو إنتوا سافرتوا ليه؟ ومبلغتنيش ليه ياعمي عشان أكون معاكم؟ يجيبه ناجي بطيبة زائدة: ـ ياه يايوسف دي قصة كبيرة.. احنا سافرنا ياسيدي عشان... ـ بــابــا!

كلمة واحدة صارمة كانت كفيلة أن تصمت والدها من الاسترسال بحديثه. ليلاحظ يوسف وجهها ينظر لوالدها بلوم. فيشك في أن هناك حدثًا ما لا يريدان إعلامه به. يحاول يوسف معرفة ما هو الشيء فيقول: ـ سكت ليه ياعمي؟ كمل. ناجي بتوتر: ـ إيه؟ ... آه.. بعدين بعدين يايوسف هتعرف بعدين. فيفكر يوسف في الشيء اللذان يخفيانه عنه عن قصد. ***

ظل فترة الليل يأخذ الحجرة ذهابًا وإيابًا. القلق يتملكه والضيق يقتله. لقد أنهى علبة كاملة من سجائره في فترة أقل من ساعة. لما تتهرب منه؟

يجب عليه مواجهتها ومعرفة حقيقة الأمر، وما حدث بينهما. فهو لا يتذكر شيئًا. فقط يريد الاطمئنان على حالها، بأنه لم يصبها بأي أذى. ولكن كيف وأخيه يلازمها كظلها لا يتركها أبدًا حتى يستطيع الحديث معها. تتعامل معه كأنها تعرفه منذ زمن وليس من فترة وجيزة لا تتعدى الأشهر القليلة. شتان بين معاملتها له ولأخيه. وعند هذه النقطة شعر بحرق إصبعه من سيجارته عندما انتهت وهو شارد، كما احترق صدره.

ليعزم للخروج من حجرته إليها. لابد أن يحدثها حتى لو أبت ذلك. يخرج كاللصوص على أطراف أصابعه يتلفت حوله، فالكل نيام في هذا الوقت. حتى وصل لها وبدأ يطرقها بخفة يقول بصوت منخفض خوفًا من أن يسمعه أحد: ـ غزل، غزل.. أنتِ صاحية. غزل افتحي أنا عارف إنك صاحية نورك قايد. غزل ردي عليّ.. أنا عايز أتكلم معاكي. ***

كانت تجلس فوق فراشها تتصفح جوالها الجديد الذي اشتراه لها والدها. تقرأ رسائل عامر لها لترسل له رسالة تخبره بآخر أخبارها الجديدة في سعادة منها. لتنتفض من جلستها عندما سمعت صوت طرقات باب الغرفة وسماع أكثر صوت تكره في حياتها. فتتوتر ويتملكها الخوف. ويبقي نظرها معلقًا للباب بذهول كأنه سيقتحم غرفتها في أي لحظة. لتجحظ عينيها عندما رأته يحاول فتح الباب من القبض. ولكنها طمأنت حالها وشكرت ربها أنها قامت بإغلاقه من الداخل بالمفتاح. لتبتسم بشماتة وهي مستمتعة بصوت رجائه لها بأن تسمعه وتتحدث إليه.

لتأتي فكرة جهنمية في رأسها فتزداد ابتسامتها بانتصار. *** وقف يكاد أن يجن منها. أنها لا تجيبه. لا تريد إراحته أبدًا. لا تسمع لتوسلاته. لينتفض على صوت رجولي يقول: ـ أنت واقف بتعمل إيه في وقت زي ده؟ .. قالها يامن وهو واضع يديه في خصره. ليبتلع ريقه بتوتر ويمسح على شعره من هذا المأزق يقول: ـ كنت.. كنت بطمن على غزل.. لا تكون محتاجة حاجة. يامن بسخرية: ـ لا اطمن هي مش محتاجة حاجة.. روح نام أنت. يوسف بتوتر: ـ تصبح على خير.

***. ليبتسم يامن بمكر مما حدث ويقوم بإخراج هاتفه المحمول من جيب سرواله يكتب رسالة فيها: ـ أنقذتك من البذيء.. عدي الجمايل ياغزل البنات. ثم ينصرف مفكرًا في حال أخيه وعلى وجهه ابتسامة غريبة لا يعلم سببها. ***. بعد مرور يومان. يخرج من غرفته على أذنه هاتفه يحدث شادي يبلغه بضرورة الحضور مبكرًا لمراجعة بعض الأوراق قبل إمضائها. ليجد أخيه يدخل غرفتها ويغلق الباب خلفه بكل بساطة. فيشتعل غضبًا. ما هذه الوقاحة؟

كيف تستضيفه بغرفتها بكل أريحية. ليجد نفسه يتوجه إلى غرفتها باندفاع يفتح بابها بغضب. فيشاهد أخيه يقف في منتصف الغرفة محتضنًا إياها بذراعه مع استناد رأسها فوق صدره باستسلام. ليقول بغضب: ـ أنت ماسكها كده ليه؟ فيجيبه يامن برجاء: ـ يوسف.. اطلع دلوقت.. مش وقتك خالص.

لتجحظ عينه من رد أخيه البارد وكاد أن يلقي على مسامعهما أحقر الكلمات وأقذرها بسبب وضعهما. ليجدها تتململ بضيق واضح في وقفتها كأن شيئًا يخنقها وترفع يدها على فمها وتقوم بدفع يامن جريًا إلى الحمام. لقد كانت تشعر بالدوار الشديد منذ أشهر والغثيان الذي يداهمها. لتخرج بعد دقائق قليلة مترنحة بعد إفراغ ما في معدتها. فيسرع يامن لمساعدتها يقول: ـ حاسة بإيه دلوقت؟ .. لسه في دوخة أو دماغك بتوجعك. تهز رأسها بإرهاق بنعم. ليكمل وهو

يساعدها للصعود على الفراش: ـ كل ده طبيعي للي في حالتك.. مافيش حاجة تقلق.. المهم بس تاكلي كويس الفترة دي. بعد الانتهاء من دثها بالفراش التفت ليجد أخيه الكبير خلفه فارغ الفاه. جاحظ العينين من الكلمات الأخيرة التي ألقاها على مسامعه ليشير إليها بيده وهو ناظر لأخيه يقول بتوتر: ـ هي مالها؟ .. يعني إيه الكلام اللي قولته؟ .. مالها حالتها؟ يامن بصرامة وهو يسحب يوسف من ذراعه حتى وصلا خارج الحجرة ويغلق الباب خلفه:

ـ يوسف.. مش وقتك خالص.. ياريت تخرج عشان غزل تريح شوية. يوسف بقلق: ـ يامن؟ .. أنت مخبي عليا إيه؟ فيزفر يامن زفرة قوية بفقدان صبر يقول: ـ غزل كويسة.. كويسة جدًا.. عن إذنك. ***. بعد خروجهما تحاملت على نفسها لتخرج من فراشها تغلق الباب من الداخل كعادتها حتى لا ينجح في الدخول. ***. ـ ياجاسر، أنا ماينفعش أخرج اليومين دول.. الكل موجود ولو اتاخرت هياخدوا بالهم. ـ سيبها لظروفها. ـ خلاص بقي ماتزعلش.. هعوضك.. بس ماتزعلش.

ـ مع السلامة ياقلبي. لتحدث نفسها تقول: وبعدين بقي ده شكل يامن مطول في إجازته هحلها إزاي دي؟ ***. تهبط درجات الدرج متوجهة إلى غرفة الطعام بعد إلحاح يامن عليها بالهبوط. لقد طال اعتكافها في حجرتها مدة كبيرة وحان وقت التحرر من خوفها ومواجهته مهما كلفها الأمر. لتدخل عليهم وتجدهم مندمجين بالحديث عن الشركة. وكان هو أول من لاحظ دخولها ليبتسم بسعادة يقول لنفسه: ـ ها هي ظهرت السندريلا الهاربة.

فيرى يامن يتنحى عن مقعده ليجلسها بجواره على يسار عمه وأمام يوسف. ناجي بسرور: ـ أنا النهاردة آكل بنفس مفتوحة لأنك نزلتي. ـ اعذرني.. كنت تعبانة اليومين اللي فاتوا ما أنت عارف. ليدعو لها بسعادة: ـ ربنا يكمل شفاكي على خير يابنتي. تداعب كلمات عمه أذنه ليتعجب من هذه الدعوة ليقول بفضول: ـ ليه هي غزل مالها؟ فينظر كلًا من غزل ويامن وناجي لبعضهما بارتباك. فتنقذ الموقف قائلة ببرود:

ـ كان عندي دور برد تقيل قوي.. والحمد لله خلصت منه. فيشاهد وضع يامن وجهه في صحنه وهو يكتم ضحكاته على حديثها. لتنظر له بلوم واضح. فيقول ناجي بجدية: ـ المهم جهزي نفسك أنا سبتك براحتك اليومين اللي فاتوا.. عايزك تنزلي تشتري أحلى فستان يليق بيكي عشان عامل حفلة صغيرة ليكي بمناسبة رجوعك. لازم الناس تعرف إن بنتي رجعتلي. ليوجه حديثه لملك الصامتة: ـ ابقي خدي غزل وانزلوا اشتروا الفساتين مع بعض ياملك. ملك متعللة:

ـ معلش ياعمي اعفيني من المشوار ده أنا هلبس حاجة من عندي. فيصدح صوتان رجوليان في آن واحد يقولا: ـ أنا هروح معاها. لينظرا لبعضهما في تحدي واضح. لتنقذ الموقف غزل سريعًا قائلة: ـ أنا هاخد يامن معايا.. هو فاضي وفي إجازة.. عشان ما عطلش يوسف عن الشركة. فينظر لها بغيظ، هذه كانت فرصته لاختلاء بها ومعرفة حقيقة ما حدث. ***

تجلس مرتدية نظارتها الشمسية، مغمضة العينين، تحاول الاسترخاء من حرب أفكارها. فتشعر ببعض قطرات المياه التي تقذف على وجهها وملابسها وتسبب لها الابتلال. لتقول بغيظ: –تصدق بإيه؟ انت اللي يشوفك ما يقول عليك دكتور أبداً. بطل رخامة وسيبني استجم شوية. فتصدح ضحكته الرجولية يقول: –الميه حلوة.. تعالي ومش هتندمي. –قولتلك يا يامن لا.. مش بحب الميه وبخاف منها كمان.. سيبنالك الاستمتاع ياسيدي.

–تعالي وأنا هعلمك وهتدعيلي طول عمرك.. ده البت كريستينا كانت هتموت وتخليني أعلمها وهي بتعرف تعوم أساساً. ثم أطلق قهقهات عالية، فقالت بإصرار: –لا.. وبطل تبلني.. مش بحب هدومي تتبل. –مش ناوية تواجهيه بقى؟ أنا بعمل اللي طلبتيه مني بس أنا شايف إن المواجهة أسلم حل ليكم. غزل بضيق: –بالله عليك ماتجيب سيرته خلي اليوم يعدي حلو. –للدرجة دي بتكرهيه؟ –مش كره.. أنا مش بعرف أكره حد بس أخوك ده تركيبة غريبة ومش حابة إني أعرفها.

فتشاهده يميل عليها فجأة، يحملها وسط صراخها يقول: –بما إنك عايزة يبقى اليوم حلو.. يبقى لازم تنزلي الميه. فيقفز بها وسط صراخها.. لتسعل بشدة نتيجة دخول المياه لمجرى التنفس، متشبثة به بخوف قائلة: –منك لله يامن.. منك لله.. اتبليت. ليضحك بقوة وهو محتضنها: –اسمعي الكلام بس وحاربي خوفك.. دي المية روعة. فتشبث به أكثر وتحوط ذراعيها حول عنقه بخوف قائلة: –روعة!!! أنا بغرق في شبر ميه وتقولي روعة. ليقول بجدية:

–أنا بس عاوزك تسيبيلي نفسك خالص.. وأنا هعلمك. ليسمعا صوت جهوري غاضب يقول: –الله الله.. إيه القذارة اللي شايفها بعيني دي؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...