كان الدم يجري ملتهبًا في عروقه خلال مكوثه بداخل سيارته المغلقة، الليل في شطره الأخير تقريبًا، والأجواء قد اكفهرت فجأة، الرياح تعصف والمطر يهطل صافعًا نوافذ البيت المقام هناك على بعد أمتار منه. من مكانه هنا في تلك الحارة المهجورة، ولأكثر من ساعة بقي يراقب كل شيء، كل حركة وسكنة، كالنمر المتربص، ينتظر أن يرصد ضحيته بأي لحظة.
مع أنه في الحقيقة قد فعل، ذاك المغتصب الحقير، إنه يعرفه بالطبع، لطالما جمعت بينهما مصالح الأعمال المشتركة فيما مضى. إنه يراه الآن، في هذه اللحظة تمامًا. ها هو، يخرج أمامه من بوابة منزله برفقة اثنين من إخوانه. جلس متحفزًا، بينما يتابع تحركاتهم، حتى تبين بأنهم قد سلكوا به طريقًا نحو مبنى جانبي صغير في غور الأرض، بيت بأنهم أوصلوه ثم صعدوا ثانية وأوصدوا الباب عليه. انتظر حتى خلت الساحة تمامًا وعادت الأجواء هادئة من جديد.
عند ذلك ترجل بخفة من سيارته، مع علمه بأن المكان مراقب من قبلهم، رغم هذا، لم يهمه وتنقل كشبح بين الطرقات المعتمة متحديًا الطقس والأمطار، إلى أن استقر ظله الأسود أمام المبنى المنشود. وقف ينقب بجيوبه عن الإزميل الحاد خاصته، بينما المطر قد بلله بالكامل. *** -خلاص يابا. كله تمام! انتفض "رضوان السويفي" مذعورًا رغمًا عنه لدى عودة أبنائه من الخارج. استدار عن مقعده الضخم وتطلع إلى أوسطهم قائلًا: -مشيت إللي في دماغك ياسي حسين؟
فكرك يعني الجزارين هايخفى عليهم الحركات دي. لو جم هنا... -هايبقوا جم لقضاهم!! قاطعه "حسين" بصرامة. -أي نفر منهم هايفكر بس يهوب نواحينا هانمحيه. ثم التفت عن محيا أبيه غير الراضي، وجه تعليماته لبقية الرجال المنتظرين بالخارج أمام باب الشقة: -تفتحوا عيونكوا كويس. مش عايز البيت من غير حراسة. والباقي يتوزعوا برا حوالين المنطقة، من هنا لحد الصبح النملة ماتدخلش ولا تخرج فاهمين؟ ***
حالته المزاجية، وضعه النفسي كله في اضطراب مزري منذ تلقى خبر موتها، أو قتلها على يد شقيقها. فتاته الصغيرة، دميته، و.. بطريقة ما حبيبته! لقد كانت بين يديه قبل سويعات، ظفر بها من بعد عناء ومذلة لمدة تنوف عن عام وأكثر، علاوة على المتعة الساحقة التي اغتصبها منها، لم تكن هناك فتاة قادرة على إثارة شهوته ومشاعره في آن مثل "سلمى الجزار".
لقد أحب تلك الفتاة بشدة، هذا الاكتشاف عرفه فقط حين أيقن بأنها رحلت إلى الأبد، لم تعد موجودة، هكذا ببساطة.. ماتت "سلمى"!!! إن هذا لم يكن ضمن مخططاته بالمرة، لم يفكر به ولا حتى بلحظة عابرة، يكاد يجن الآن. لم يكن أمامه سوى مهرب واحد، وهو ما لم يتردد باللجوء إليه، إذ انكفأ على طاولة صغيرة وأخذ يتجرع المخدرات والشراب حتى النخاع.
لدرجة أنه لم يشعر بالدخيل بادئ الأمر، إنما شعر بضربة حادة على رأسه، ثم بعدها لم يرى ولم يشعر بشيء. *** حي الجزارين في الصباح تزين بالأبيض استعدادًا للزفاف الميمون. ولكن المساء، الآن تحديدًا يتشح بالسواد التام، والجميع كذلك.
إنصياعًا لأوامر نجله الكبير، انسحب "سالم الجزار" من الغرفة تاركًا ابنته وفلذة قلبه للمرأة المغسلة وبقية نساء العائلة ليكرمنها ويجهزونها لمثواها الأخير، كان الأمر كما ينتزع الشوك من الحرير، شق عليه كثيرًا تركها، لكنه فعلها في الأخير. وذهب للغرفة المجاورة، حيث أمه تجلس فوق مقعدها المتحرك تبكي وتعدد: -يا سلمى.. يا حتة من قلبي.. يا سلمى.. شبابك يا نوّارة البيت. يا بنتي.. يا سلمى...
قسم من النساء التففن حول السيدة العجوز لمواساتها، والقسم الآخر هناك أمامها، يولين بعض الاهتمام للأم المكلومة. "هانم". لقد ذهب من عندها الطبيب الصيدلي للتو مشيرًا عليهم بوجوب ذهابها إلى المشفى. اقترب "سالم" منها حيث ترقد فوق السرير محمومة، تهذي وتنوح بين ذراعي "عبير" الباكية بحرقة بدورها. أمرها "سالم" بنظرة واحدة أن تبتعد واتخذ هو مكانها محاوطًا كتفي زوجته. -بنتي فين يا سالم؟
صوتها الضعيف المرهق من شدة البكاء والصراخ وكلماتها، لم تفعل به شيء سوى التشديد على جرحه المفتوح، لكنه قرر أن يتماسك الآن، مهما كلفه الأمر. مسد على كتفها برفق متمتمًا لها الحقيقة بجلد وصبر: -سلمى دلوقت عند إللي خلقها يا هانم. أحن وأرحم بيها منك ومني. اصبري.. اصبري! رفضت "هانم" الإقرار بكلامه صائحة بينما تجري الدموع المحرقة على خديها:
-لأ.. لأ ماتقوليش كده. سلمى فوق. فوق في أوضتها بتذاكر. أو لأ. ممكن تكون بتتناقر مع حمزة. أو لأ.. بتحضر العشا لمصطفى. مصطفى بيرجع شايط لو مالاقش الأكل جاهز.. قوّمني يا سالم أطلع أشوفها أحسن يشد معاها. أنا بعرف أتصرف معاه. قوّمني يا سالم... تشبثت بكتفيه محاولة النهوض عبثًا، بينما يعتصر جفونه بشدة مسيطرًا انفعالاته المحتدمة حد السواد، سلّمها للنساء مرة أخرى وعاد أدراجه للخارج حيث رجال العائلة وشبابها.
لكنه إصطدم برؤيته، قاتل ابنته، ابنه أيضًا.. "مصطفى"!!! كان يجلس منهارًا فوق بلاطة الدرج الواسعة في وجه أبيه تمامًا، ما إن رآه حتى قفز واقفًا بترنح، بينما أتى "النشار" بسرعة ليقف أمام "سالم" ويمسك بذراعه كابحًا جماحه. -على مهلك يا سالم! ردد "النشار" محذرًا كصوت ضميره. فإذا بـ"سالم" يزيحه بقوة حازمة ويتقدم صوب ابنه.
تطلع "مصطفى" إلى أبيه كالسكران، وخلال تلك الثواني المعدودة، ضربته الصدمة مجددًا، واستعاد ذاكرته، ما فعله كله وأنكره طوال هذا الوقت حتى مجيئه إلى هنا وحده. *** كان أول من وصل إليها. وليتـه لم يكن. ليته لم يراها هكذا، ليت روحه هي التي فاضت قبل أن يخجو خطوة نحوها، لكنه كان كالمسحور. وهو يمشي صوبها، عيناه جاحظتين، تكاد تقعان من محجريهما، لا يصدق بأنها انتهكت بهذا الشكل.
أخته الصغيرة، شرفه المراق، مقيدة بسرير، عارية كما ولدتها أمها، ساقيها منشورين، وتنزف بغزارة. بينما صوتها الغنغلي، أوه ومجروح، وهي تنتحب في مكانها كطفلة مقهورة. كانت رؤيته بالنسبة لها تعني الحياة، وكأنه طوق النجاة الذي ألقي لها، والعجيب أنها لم تخجل منه ولم تخاف، كيف تخاف وهي المجني عليها؟ المغدورة... الحق لها، وهو سلاحها، درعها، شقيقها!!! -مصطفى!
نطقت "سلمى" اسمه كأنما ترشف إكسير الحياة، ترياق لجروحها، سالت دموعها أكثر وهي تهفو إليه بنظراتها الكسيرة. -مصطفى! مغيبًا عن وعيه، سحب سكينه من خلف ظهره، اقترب منها أكثر وانحنى فوقها. مد يده أولًا ماسحًا على شعرها وخدها الرطب القاني، أبكتها لمستها الحنونة لوهلة، قبل أن يغطي عينيها باللحظة التالية بكفه.. ثم بيده الأخرى يسحب السكين على عنقها بعمق وبحركة حادة من الوريد إلى الوريد. تمامًا كما يفعل بالأضحية...
ذبح أخته ووقف يراقب روحها تفرفر وأنفاسها تتحشرج، حتى انقطعت بالتدريج وخمدت نهائيًا! *** لم يتحمل "مصطفى" قساوة الذكرى. خاصة مع تراشق نظرات أبيه الثاقبة به، أفلت من بين شفاهه نشيج مكتوم وهو يطرق برأسه هاربًا من عيني "سالم". لكنه هو أبى أن يرحمه، إذ كانت الجملة الوحيدة التي نطقها على شكل سؤال مستنكر: -دبحت بنتي يا مصطفى؟
تعالت نهنهات الأخير بشكل محموم وهو يحني جزعه أكثر، يكاد يموت من شدة العذاب، عذاب ضميره وجرحه الأعظم. لم يشفق "سالم" عليه، لم يتفهم حزنه وخجله وحماقته كلها، بل أشاح برأسه معلنًا وصيته أمام الجميع: -لما أموت.. مصطفى مايقفش على غسلي. ولا يمشي في جنازتي! واستدار عائدًا من حيث أتى أمام نظرات "مصطفى" المصعوقة. جمد كصنم، ولم يلقى اهتمامًا من أحد، بينما يهبط "علي الجزار" الآن من الطابق الأعلى. ويتجه مباشرة إلى النشار.
-سبت نور مع بطة وليلة فوق. حالتها وحشة أوي. مش عارف أعمل معاها إيه!! تنهد "النشار" بثقل وقال: -كتر خيرها يابني. إللي حصل مش قليل.. والله يكون في عون عمك. ده جبل عشان يستحمل بالشكل كده ويسكت. رفرفت أجفان "علي" وهو يغمغم بتوتر: -مهو ساكت عشان رزق اتكفل بطلبه. أنا قلقان عليه أوي.. بقاله ساعة أهو لا حس ولا خبر. طمأنه "النشار" ممسدًا جفنيه بابهامه وسبابته: -خير إن شاء الله. -يارب!
ولفت نظره فجأة وجود "حمزة" بزاوية جانبية يبكي في صمت. توجه ناحيته وأمسك بمؤخرة رأسه باثًا فيه قوة وبأس: -حمزة.. إجمد ياض. الراجل مايبكيش. إمسك نفسك أمــال!! يشهد الله أنه حاول، لكنه عوض ذلك انهار أكثر وبكى مثل ولد صغير، ليضع "علي" دور الناصح جانبًا ويسمح له بالتفريج عن كربه. عانقه بقوة رابتًا على ظهره، بينما "حمزة" يستغل الفرصة وينعي شقيقته وحسرته عليها من أعماق فؤاده وروحه. ***
كانت ضربة ماهرة، بحيث أفقدته الوعي للوقت المحدد بالتمام، وكان ذهنه أصفى ما يكون. عندما استعاد صحوته بالكامل، أحس بنفحات واخزة من العفونة والرطوبة تتخلل فتحتي أنفه. رائحة قمامة وفطريات وطين... فتح عيناه في الظلام، إنه ممد على وجهه فوق أرض ترابية قذرة وباردة، جسده متصلب ومعصميه مقيدين بالحديد خلف ظهره، حلقه جاف، يشعر بالحمى ويرتعش. وضعف مزري يؤلمه كليًا.
ما كاد يحرك ساكنًا، إلا وشعر بذلك الساعد القوي يقلبه للجهة الأخرى فجأة دافعًا به إلى جدار ارتطم بظهره بقوة مؤلمة. تأوه "عاصم" وهو يكافح ليرى من هذا الشخص، ولم يحرمه الأخير من مراده، حيث دنى برأسه باللحظة التالية ليغمر وجهه ضوء مصباح مصفـر ومهزوز فوق رأس "عاصم" تمامًا. -رزق الجزار! عرف "عاصم" من فورعن هوية خاطفه بمنتهى الثبات والهدوء. بينما تنقبض عضلات وجه "رزق" بلحظة وهو يرد عليه: -تؤ.. عزرائيلك!! قوس "عاصم" فمه
بابتسامة ساخرة وهو يقول: -دخلت منطقتي وجبتني من وسط أهلي. جرأة مش جديدة عليك. يمكن محدش توقعها.. هاتقتلني؟ لم يرد "رزق" ولزم الصمت، فاستطرد الأخير بمرونة: -ومــاله. إقتلني. مستني إيه؟ ماعملتهاش ليه أصلًا أول ما شوفتني وجايبني في الخرابة دي ليه؟ إوعى تكون منهم. قصدي يعني تاخد تار أختك مني فـ تعمل فيا زي ما عملت فيها. لا يا رزق وحياة أبوك. أنا عشت راجل وعايز أموت راجل مش مرة. وضحك ببذاءة يستفزه.
لكن ما طمره "رزق" بصدره كان أبلغ من أن يثار بهذه الطريقة. ابتسم بقتامة وهو يطرح عليه سؤاله المباشر: -عملت فيها كده ليه؟ هز "عاصم" كتفيه وجاوبه ببساطة:
-إنت سيد العارفين. إبن قار زيك و بيفهم في الكيف. ده كيفي يا رزق.. حتى لو كان أبوك وافق عليا وإتجوزت أختك. كنت هعمل فيها كده كل يوم. وكانت هاتتعود وتحب عمايلي دي كلها وتطلبها وتتلهف عليها كمان.. بس يا خسارة. أخوك قتلها. مالحقتش أتمتع بيها.. بالمناسبة صحيح. أنا وسلمى مضينا عقد عرفي الليلة دي قبل ما ندخل. بطمنك يعني إن أختك ماعملتش حاجة في الحرام. مش خاطية يعني.
أخذت الدماء تفور بعروقه لحظة بلحظة بعد تتمة كلمات غريمه الحقير. انتصب في وقفته وتناول الكيس المصنوع من البلاستيك أسفل قدميه. فتحه ومد يده داخله وهو يخبره بنعومة كجلد أفعى سامة: -إنت سألتني ليه ماخلصتش عليك أول ما شوفتك صح؟ وليه جبتك هنا.. بص يابو الرجال.. إنت صح. زي ما قلت هاتموت مرة. بس إطمن. أنا مش هاعمل فيك زي ما عملت في أختي. ولا حتى هاجيب إللي يعملها فيك...
بدأ الخوف يجيش بصدر "عاصم" الآن وهو يراه يقترب منه مرة أخرى مدمدمًا بصوت كالفحيح: -صحيح أنا ليا طقوس في الحالات دي. برتاح نفسيًا أوي لما أطلق الشيطان الرجيم إللي جوايا.. بس في حالتك إنت. أنا عندي هدف عاوز أحققه. عشان كده هامسك نفسي على قد ما أقدر وهابعتك لأبوك حتة واحدة. بس على طريقتي... وأخذ يسحب من الكيس الأغراض التي أحضرها وراح يعرضها أمام ناظريه المصعوقين. حمالتي صدر، سروال داخلي (فتلة)
، قميص نوم شفاف وقصير أحمر اللون. كلها أغراض شخصية تعود لزوجته.. "ليلة الجزار". "سـالـــــــم يا جـزااااااااااااااااااار.. يـا أبــويـــاااااااااااااااااا! انتفض الحي بأكمله على نداء "رزق" الجهوري، وصعد "سالم الجزار" من جديد إلى الشرفة الرئيسية، إذ أدرك بأنه سوف يشاهد ما سيشفي صدره ويثلجه. سوف يشاهد انتقامه، بيد ولده المفضل، وريثه، وكأنها يده هو.
كان الشهود مجتمعين في كل مكان، أهالي الحي، رجال العائلة وأعمامه جميعهم كانوا حاضرين أمام البيت، بينما هو، يسحب من المقعد الخلفي لسيارته مغتصب أخته.. "عاصم السويفي" في اللباس الحريمي شبه عاري. أخذ يجرجره، بل سحله على وجهه حتى منتصف الباحة قابضًا على حفنة من شعره، وبينما كان لا يزال مقيدًا بنفس الأصفاد التي قيد بها أخته.
عاد "رزق" إلى سيارته وأخضر السكين الشهير الخاص بموروثات عائلته، كان الأضخم والأحد، حكه بالأرض محدثًا شرارة وصاح في الجميع بصوته المستوحش: -الكل يشهد. ه عــاصــم السويـفــي.. و ده تـار ســـلمــــى الجـــزااااار... وبدون أدنى تردد، انحنى صوب "عاصم" الخاضع على الأخير، قبض على شعره ثانية وشد رأسه بعنف، ثم سحب على عنقه نصل السكين ذهابًا وإيابًا ليعذبه أطول وقت ممكن.
تفجرت دماء الأخير في وجه "رزق" ولطخت يديه وساعديه، حتى انتهى منه. ألقى به من يده وكأنه خرقة، ولكنـه في الواقع صار مجرد جثة تحتضر في ثوان. التفت ليرى ردود الأفعال، والتي ما كانت سوى شيء مشترك واحد ارتسم على جميع الأوجه هنا، ألا وهو الخوف، الرعب وحده كان سيد الموقف، لكن الجريمة بشكل عام أرضت الجميع رغم ذلك. رغم وحشيتها ودمويتها، استطاع "رزق" أن يميز النظرات المتشفية، وأن يسمع الأناهيد المرتاحة.
حتى نقل بصره إلى والده وشاهد بعينيه ألق العرفان والاعتداد، حينها وللمرة الثانية في هذه الليلة، أدرك "رزق" بأنه صار نسخة أبيه.. ولن يكون بامكانه نكران هذا بعد الآن!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!