ليتك كنت! في كيسٍ من القش الذي يُستخدم عادةً في تعبئة الفاكهة والخضروات، وضعت جثة "عاصم السويفي" بها بناءً على تعليمات ولي عهد عائلة "الجزار"، "رزق الجزار". انطلقوا به مجموعة من الرجال الموثوقين الأشدَّاء، وألقوا به في عقر داره، وسط ساحة الحي الذي ولد وترعرع به، ثم ولَّوا مدبرين بسرعة. وعلى ما يبدو أن إخوته ورجالهم لم يكونوا على علم بعد بنبأ اختطافه، ناهيك عن نبأ قتله وتنفيذ حكم القصاص فيه بأبشع الصور.
كانت صدمة ماحقة، تلك التي نزلت عليهم جميعًا، حين أقبل الأخ الأوسط وكشف عن رأس أخيه المقطوع، لينتشر الخبر كالنار في الهشيم ويصل إلى مسامع الأب، فيندفع "رضوان السويفي" بين رجاله وأولاده صارخًا: -لأاااااااااااااااااااا. عاصم. ابني. عاصم لأاااااااااااااااااااااااااااااا...
كان هو الوحيد الذي بدرت عنه الصدمة بالأفعال والانهيار الهستيري وهو ينكب فوق جثة ابنه ويمسكه تارة ويهزَّه بعنفٍ تارة، بينما البقية من حوله ساهِمون، مصعوقون، وغاضبون! إذ رأوه، شاهدوا أخيهم وكبيرهم فوق أنه أُخذ من بينهم وذُبح، إنما قد ألبسوه أيضًا رداء العار، ثوب حريمي لا يستر عريه البتة. كانت لطخة سوداء، وحل غرسوا فيه، لن يغسله إلا الدماء، ربما تكون دماؤهم جميعًا هذه المرة!
كان هو فقط الذي تجشَّم على نيل قسطٍ من الراحة، بعد أن بزغ الفجر وأشهد الحي كله على أخذه بثأر أخته الصغيرة أمام أعينهم، صعد في هدوء إلى شقته وألقى بجسمه فوق سريره موصيًا زوجته بإيقاظه قبيل الشروع بمراسم الجنازة. نام كطفلٍ، وهو لا يزال مغطى بالدماء، دماء الوغد، الذئب الذي أكل أخته ونهش لحمها وعِرضها بلا رحمة، وكم كان مرتاحًا وقَريرَ العينين! إن كان للحظ مسمَّى فهو بالتأكيد "ليلة".
لا يمكن أن يحصل عليها رجل ولا يشعر بالسعادة والعرفان، إنها امرأة لا يُكررها الزمان، حقًا، لعبت مع كل الأدوار التي هو بأمس الحاجة إليها. وآخرهم الآن، حين أيقظته مبكرًا بلطفٍ، واصطحبته من يده إلى دورة المياه، وبدأت تحممه بأمومةٍ محضة وتنظفه وتعتني به جيدًا.
بينما هي، كان هدفها الأسمى هو انتشاله من تلك الحالة السوداوية، وإنقاذ عقله من الذكريات التصادمية التي خلَّفته جرائره مؤخرًا، وبذكائها نجحت بجدارةٍ، حيث ملأت له المغطس البيضوي وأجلسته فيه وطفقت تدلك كتفيه وعنقه الطويل الصلب بأصابعها السحرية، لدرجة أنه فعليًا كاد ينسى اسمه. لولا همساتها قرب أذنه وإشعاره بأنفاسها الدافئة الحلوة:
-رزق. رزق.. إنت حبيبي. إنت نصي الثاني. وجوزي. روحي. روحي إنت يا رزق.. وأعظم راجل قابلته في حياتي. خليك واثق في نفسك دايمًا. خليك قوي. إنت كبير العيلة دي. كبير الحي كله. منغيرك كل حاجة تنهار.. سامعني يا رزق؟ إنت وبس يا حبيبي. إنت وبس! كالمسحور بقى ينصت لكلامها مغمضًا عيناه، بينما لم تتوقف لحظة عن إلهائه وإشغال ذهنه، كانت تعلم بأنه يحتاج للدعم الشامل، وهو ما قدمته بكل ذرة من كيانها دون كللٍ ومللٍ. -وبعدين يا عمي؟!
التفت "النشار" إلى عبارة "علي". كان يناقش بضعة أمور مع أبناء عمومته الآخرين "إمام" و "عبد الله"، تطلع نحو "علي" قائلًا والأرق بادٍ عليه: -في إيه يا علي؟ أبدى "علي" امتعاضه: -عمي سالم مش ناوي يطلع من الأوضة. ده بايت جوا مع سلمى من ليلة إمبارح وخلاص صلاة الضهر ما فيش عليها كتير.. كده ما ينفعش. ضم "إمام" صوته لصوت ابنه: -والله أنا كنت لسه بقول كده. وبعدها مع سالم يا إبراهيم؟
حوَّل "النشار" بصره صوب "إمام" مرة أخرى مدمدمًا بجدية: -أنا هاخش له! في جهة أخرى، النساء يسندن "هانم" التي عاندت الجميع ونهضت صارخة بحرقةٍ: -سيبووووووني. أنا عايزة بنتي. عايزة أروح أشوف بنتي.. سيبوووووووووووونـــي. يا سلمى. يا بنتي. آااااااااااااه بشرب نارك يا ضنى أمك. يا سلمى...
أصوات الصراخ التي انقطعت بشكل مؤقت خلال الساعات القليلة الماضية، ها هي تضج بجنبات المنزل من جديد، حتى أنها اخترقت مسامعه وهو بالطابق الأخير وبداخل غرفة نومه. كان تحت تصرف زوجته، تشرف على تلبيسه طقمًا مؤلفًا من سروال جينز غامق وقميصٍ أسود مرفوع الأكمام، حتى أنها في الأخير مشطت له خصيلات شعره الحريرية ورتبته بشكلٍ جميل. ثم كأنما كانت بانتظار اللحظة المناسبة، ارتدت خطوتين للخلف ونظرت بوجهه المتجهم مليًا،
وقالت رافعة حاجبها: -إنت إزاي تاخد لانجري من بتوعي بمنتهى البساطة كده منغير ما تقولي؟! اعتلت نظرته الميتة لمعةٌ ضارية وهو يقول بهدوئه المخيف: -إنتي إضايقتي يعني؟ كنت فاكرك هاتنبسطي لما تشتركي في أخد تار بنت عمك! تنهدت "ليلة" بعصبيةٍ، وقالت عاقدة ذراعيها أمام صدرها: -لو كنت أخدت رأيي وإنت بتنقي كنت إديتلك اللانجري الفوشيا أبو ترتر! المزاح... لم يكن في وارده حقًا بأيَّ طريقة كانت.
وهو الأمر الذي تعلمه، ومع ذلك حاولت، عندما لم يتبادر لديه أيَّ ردة فعل، اقتربت منه مرة أخرى وأحاطته بذراعيها هامسة: -أنا بس عايزة أقولك إني دايمًا جنبك. عمري ما أسيبك وعلطول في ضهرك. ولحد ما تمر من الأزمة دي.. أنا هفضل معاك كل لحظة. لعل هذا فقط ما كان بحاجة لسماعه منها! ولأول مرة يصدر عنه تصرف نحوها، فاجأها إذ ضمها بساعِده بلحظة، عانقها بقوة ولم يتفوَّه بكلمة طوال دقائق. ظهوره المهيب طغى على الأجواء فورًا.
الجميع انتبه له، أثناء هبوطه الدرج ومن خلفه زوجته، لبوؤته الشرسة القوية، كما لو أنها تشد عضده، تبث فيه قوة على قوته. يشقُّ "رزق" طريقه داخل شقة الجدة "دلال"، أعمامه وأولادهم هناك، جميعهم يقفون أمام باب الغرفة التي ضمَّت كُلًا من أبيه وأخته الراحلة. -كويس إنك جيت! قالها "علي" بامتنانٍ حقيقي عند رؤيته. -اتصرف مع أبوك. مش عايز يفتح لنا. تجاوزهم "رزق" بحزمٍ وتوَّجه ناحية الباب، قرع عليه مرتان وهو يهتف بثباتٍ:
-أبويا.. افتح الباب. لم يُكرر "رزق" طلبه، دقيقة بالتمام وفتح "سالم" الباب الموصد من الداخل، ظهر من ورائه وقد كان في حُلَّته السوداء، الجلباب العباءة الشهيرة، تحيط بعيناه دوائر سوداء، ولا يبدو عليه أيَّ اتزان، لكنه لا يزال متماسكًا. اقترب "رزق" منه وأمسك بذراعه كأنما يمدُّه بالعون وقال بخفوتٍ صارم: -الجنازة هاتطلع دلوقت.
تعلَّقت نظرات "سالم" المتهالكة بنظرات "رزق" المحتدة، أومأ له مستسلمًا ومسلمًا له زمام أموره كلها، فأدار "رزق" رأسه وأشار إلى "علي" معطيًا إياه الضوء الأخضر. تحرَّك الأخير يتبعه محارم الشابة الراحلة "حمزة" و "إمام" و "عبد الله"، بقى "رزق" مع أبيه للحظة يوصيه بتمالك أعصابه والبقاء هادئًا. ثم ولج للداخل، كانوا رجال العائلة يهموا بالاقتراب من جثمان "سلمى" المكسو بالكفن الأبيض الملبَّد بالدماء، لكنه جمدهم بصوته الخشن:
-محدش يلمسها! وأقبل هو عليها، وقف عند رأسها ومد يديه كاشفًا عن وجهها الشاحب حتى البياض الماهق، شعر بانقباضة قلبه وهو يمعن النظر ويشبع عينيه من رؤيتها للمرة الأخيرة. خديها المكتنزين المتورِّدين وشفتاها، الدماء قد انسحبت منهم تمامًا، ماتت حقًا ولم يعد بها أيَّ ملمحٍ حي. عض على شفته السفلى بقوة كابحًا دموعه التي ألحت لتطفو على سطح نظراته، صاح فجأة دون أن يحيد عنها طرفة عين: -اندهوا مرات أبويا عشان تشوف سلمى..
كان يعلم من صراخ الأم المتواصل على الطرف الآخر بأنها لم ترها ولم تودعها حتى الآن، نفذت أوامره في الحال وذهب "حمزة" ليحضر أمه، عاد بها يسندها. بينما يفسح لها "رزق" مجالًا، فترتمي "هانم" فوق جثمان ابنتها نائحة وباكية من عمق أحشائها، راحت تقبلها بكل ما وسعها وتحتضنها وهي تردد من بين نشيجها المحموم:
-سامحيني. سامحيني يا بنتي. أنا السبب. أنا اللي موتك ومش المرة دي. أنا موتك كتير أوي.. سامحيني يا سلمى. أنا مش هاسيبك يا قلب أمك. أنا جايالك قريب. مش هاسيبك لوحدك يا سلمى. يا حبيبتي يا بنت عمري. عمري كله... بصعوبة انتزعوها من فوق ابنتها الهامدة، ليتخذ "رزق" محلها، فيدنو من أخته ويقبِّل جبينها مطولًا وهو يمسِّد على رأسها بحنو لآخر مرة، وتشَممها بقوة لآخر مرة أيضًا.
ثم غطى وجهها ثانيةً وحملها على ذراعيه برفقٍ، وضعها بالنعش وأغلق عليها بالغطاء. وقبل أن يقدم على الخطوة التالية تفاجأ بزوجة أبيه تتجه نحوه باندفاعٍ، عبس دون أن ينبس بحرف، لتذهله أكثر حين قبضت على يده ورفعتها لتطبع قبلة متضرعة على ظاهرها على مرأى من الجميع. حبس أنفاسه باللحظة التالية عندما بسطت ذراعيها حوله وعانقته، لم يصدق ما يحدث، بينما يسمعها تغمغم في أذنه: -يا ريتك كنت ابني.. يا ريتك كنت ابني أنا يا رزق!
زم "رزق" شفتيه بشدة مسيطرًا على انفعالاته بمشقَّةٍ، حتى ابتعدت عنه "هانم" أخيرًا، وأخرجها "حمزة" من الغرفة. وبالعد معًا رفع "رزق" مع بقية الرجال قواعد النعش، بينما يهتف "النشار" بصوته القوي: -لا إله إلا الله. ردد الجميع وراءه. -لا إله إلا الله. -يفنى العبد ويبقى الله. -يفنى العبد ويبقى الله. -لا إله إلا الله. -لا إله إلا الله. -يفنى العبد ويبقى الله.
وظلوا على هذا حتى خرجوا من البيت، وانطلقت الجنازة المهيبة التي ضمت حشدًا لا يمكن أن يجتمع لأجل طفلة!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!