الفصل 20 | من 26 فصل

رواية سمال الحب - مريم محمد (الجزء الثاني من وقبل ان تبصر عيناك) الفصل العشرون 20 - بقلم مريم محمد

المشاهدات
44
كلمة
1,233
وقت القراءة
7 د
التقدم في الرواية 77%
حجم الخط: 18

-ولكني أحببتك! أمام قبر الفقيد، الأقرب والأحب إلى قلبه رغم جرائره وآفاته النفسية المعقدة، لم يُخَيَّل له أبدًا أن يأتي هذا اليوم، الذي يقف فيه أمام قبره، فقد توقع أن الأبناء هم الذين يدفنون آباءهم وليس العكس. -أباه! أتى ابنه الأوسط، بينما كان يجلس فوق كرسي خشبي يسقي بيده العشب والصبار المتراص حول مقبرة البكر الراحل. -قول! نطق "رضوان السويفي" بفتور ودون أن يلتفت له.

انبلجت ابتسامة متشفية على وجه المدعو "حسين" وهو يبشره شامتًا: -مش هتصدق الخبر ده. سالم الجزار... مات يابا! توقف "رضوان" للحظة، ثم أدار وجهه إليه وسأله مباشرة: -حد منكم اللي عملها؟ هز "حسين" رأسه أن لا وقال: -كل اللي عرفته إنه وقع ومات في فرشته.. بس إيه المهم يعني. أهم حاجة إنه طَب وغار في داهية. اتقدت عينا "رضوان" فجأة إلى حد أرهب ابنه ورد منفعلًا وهو يضرب بقبضته فوق فخذه:

-طالما أجله ما جاش على إيدي ولا إيد واحد من عيالي يبقى لسا بيعملوا علينا. من اللحظة دي مش هاسمح لنفر من الجزارين يموت موتته المكتوباله. ما فيش نقطة دم هتنزل منهم غير بسلاحي أنا. سامعني؟ نهايتهم على إيدي أنا.. أنا رضوان السويفي!!! أومأ "حسين" وقال يوافقه بلا أدنى شك: -هيحصل يابا.. هيحصل! _ألف عيار ناري

تم إطلاقهم من الأسلحة على مختلف أنواعها، إلى سماء "حي الجزارين" حدادًا وكمدًا على كبيرهم، منذ إعلان الخبر قبل بضعة سويعات والجميع في حالة من الإنكار والجنون. من الصغير إلى الكبير، وفي ساعتها حضر كبار الشيوخ وزعماء القُطر قاطبة، وصار الحي فجأة مكتظًا بالوافدين من كل حدب وصوب، جميعهم جاءوا لتأدية واجب العزاء والسير بجنازة "سالم الجزار".. متى تخرج الجنازة؟

لقد أدلى ولي العهد بأنه لن يخرج جثمان أبيه من بيته في جنح الليل، إنما سيكون موعدهم الصبح، تمامًا كما حدث مع أخته الراحلة قبل أشهر. وما أكثر أحزانهم وأتراحهم مؤخرًا.. ما أكثرها... لم يسمح لأحد، فقط هو.. "رزق الجزار" الذي اطلع على سوءة أبيه.

هو لا غيره الذي بقي معه بغرفة النوم وحمله على خشبة الغُسل وغسَّله بيديه، ثم كفَّنه ووضعه بالفراش لا يكشف سوى عن وجهه النائم الشاحب وقد خلا من الاحمرار الذي كان عادة ما يسبغ على وجنتيه في جميع الأوقات. الآن أبيه هو مجرد جثة جثة هامدة هكذا فجأة وببساطة... سقط الجبار!!!

كان "رزق" يجلس في هذه اللحظة في كرسي بجوار رأس أبيه، مطرقًا مصدومًا وتائهًا، وإذ سمع بغتة صياح الرجال بالخارج، وقد ميَّز من بينهم صوت "مصطفى" الصارخ والذي بيَّن بأنه خرج من جحره أخيرًا: -أبوياااااااااااااا.. اوعوااااا من قدامي. لازم أشوفه. لازم أشوف أبوياااا.. يابااااااااااااااااااااااأااااااا. سامحني ياباااااااااااااااااااا. سامحني ... وظل يرددها مرارًا وتكرارًا وهو يقاوم أذرع الرجال، بينما صوت "النشار"

ينهاه بصرامة: -أنت كنت واقف ساعة ما أبوك وصَّى يا مصطفى. لا هتُدخل على غسله ولا هتمشي في جنازته.. انتهى! تطلب الوضع بعض الوقت حتى هدأت الأصوات في الخارج قليلًا، ولم يعد هناك أوضح وأنقى من صوت المقرئ الشجي الذي راح يتلو ما تيسر من سورة "القيامة":

"لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ * أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ * بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ * بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ * يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ * فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ * وَخَسَفَ الْقَمَرُ * وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ * يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ * كَلَّا لَا

وَزَرَ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ * يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ * بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ * لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ...

حالة متضاربة من الخشوع والضعف واليتم والخوف.. كلها ألمَّت به. كلمات الذكر الحكيم على قدر بلاغتها ووعظها، لكنها رسمت أمام عينيه مصيرًا محتملًا لروح أبيه، صحيح أنه الآن بين يدي الله وتحت رحمته، إن شاء عذَّبه على ذنوبه وإن شاء رحمه. كم هو فزع لأجله، لا يعرف هل حتى تاب قبل موته أم لا، وإن لم يتب فكيف إذن وفَّقه الله لنطق الشهادتين!

أصابته رجفة مفاجئة تزامنًا مع رفعه لرأسه حتى ينظر أخيرًا في وجه أبيه، لم يعد يتحمل الصمود أكثر من ذلك، وانهار باكيًا كالأطفال وهو يرتمي فوق صدر "سالم" محتضنًا إياه بقوة، -بابا! إنه الآن "رزق" الآخر، إنه "رزق" الولد، ابن "كاميليا" وحفيد الباشا، الصبي الرقيق النبيل، يتحدث بلسانه ويتصرف بأخلاقه...

-بابا. أنا عارف إنك سامعني. بابا.. أنا بحبك. بحبك دايمًا ولآخر يوم في عمري. أنا عمري ما كرهتك. أي كلمة قولتها بيَّنت لك كده مش حقيقة. أنت مهما عملت فيها وفيَّا عمري ما كرهتك. أنا عارف إنك حبيتها وحبتني. عارف إنك ما حبتش غيرنا.. وأنا كمان. والله وأنا كمان.. أنا مسامحك في حقي. مسامحك يا بابا. مسامحك ... وغصت الكلمات بحلقه مانعة إياه عن التحدث أكثر. وبعد ثوان، التقطت أذنه صوت قرع على الباب، ما لم يمنعه وهو يزمجر

بصوته ذي النبرة الباكية: -قلت محدش يخطي الناحية دي إلا الصبح. مش عاوز أشوف حد هنا.. الكل يمشي!! لكنه بدل أن يلقى إذعانًا لأمره، سمع القفل ينفتح، يعقبه صوت إغلاق الباب ودخول أحدهم. لم يتزحزح من مكانه، ليفاجأ بذراعين طريين، ثم تعرف فورًا على رائحة زوجته، حبيبته، وابنة عمه.. "ليلة الجزار"... يعانق أبيه، بينما تنحني هي وتعانقه من الخلف، أحست بتصلبه وتشنجاته تحت لمساتها، مهدت طريقًا لمواساتها قائلة بصوتها الخفيض الرقيق:

-النشار وصل من شوية. أنا قبلها لما كلمته وبلغته الخبر وصيته ما يجيبش سيرة لنور على الأقل دلوقتي.. أنا عارفة إنك مش مركز. بس ما تقلقش. أنا هنا جنبك يا حبيبي .. وطبعت قبلة مطولة على رقبته تبث فيها قوة وحنان يربط على قلبه المكلوم، لكن ما فعلته ضاعف مشاعره الحزينة أكثر، فلم يشعر بنفسه إلا وهو يجهش ببكاء جديد مطلقًا العنان لنفسه أكثر بين ذراعيها ... -أبويا! غمغم "رزق" متأوهًا بمرارة: -أبويا يا ليلة.. أبويا ... أخذت تهدئه

مشددة عناقها من حوله: -إشششششش. اهدأ حبيبي. اهدأ.. أنا هنا. أنا جنبك.. حبيبي.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...