_أعدها إلي! _متأنقًا، وسيمًا، خلابًا للأبصار، كان "رزق" الليلة، يختال بحلته السوداء كليًا، لكن مسحة التجهم على وجهه لا تزول أبدًا، مبديًا بها عدم رضاه عن تلك الزيجة، ليس بيديه حيلة ما إذا كانت شقيقته تريد ذلك، وليس لأنه لا يحب "علي".. إنما الأمر يتعلق بالصورة العامة كلها. إنها حياة لا يتمناها لنفسه لو كانت له القدرة على الاختيار، في موضعٍ آخر لم يوفر جهدًا لينصح شقيقته ويمنعها بكافة سُبُل العقل
_دون أن يفصح لها عن مدى إجرام عائلتها _لكنها لم تصغِ إليه أبدًا، طوال الستة أشهر المنصرمة، ومنذ علم بخطة أبيه وأنه ينوي تزويج "نور" لابن عمه "علي" خلال أسبوع، ثار وانتفض ورفض الزواج علانيةً، رفض بكل ما أوتي من قوة واستطاع أن يؤخر الزفاف كل تلك المدة، لكنه للأسف.. كان مجرد تأخير، والليلة سيقام. وا أسفاه على "نور"!
إذ أعماها الحب المراهق، الحب الذي شب ونما معاها وهي سجينة برجها العاجي، تاقت للهبوط من البرج خصيصًا لأجله، ثم لأجل حبها ذاك، كم هو خائف.. يخشى عليها كثيرًا من الصدمات التي تنتظرها.
لكنه على أية حال سيظل معها، ولن يتركها أبدًا، هذا عهدًا قد قطعه على نفسه، سيبقى حتى لو مُكرهًا من أجلها، ثم عندما يحين الأوان، عندما تطلب بلسانها، سوف يأخذها ويرحل بلا رجعة، إنه يؤمن بذلك، حتمًا إن لم يكن اليوم فغدًا، سيخرج نهائيًا من هذا المستنقع... -بـ. بـ با بـااااعععهه! ملأت تأتأة الرضيعة ذات النصف عام أذن أبيها طربًا وهي تحاول نطق صفتها بالنسبة لها، بينما تترقرق عينا "رزق" دموعًا فرحة وهو يستمع إليها ويشجعها...
-شطورة يا كوكي. قولي. قولي كمان مرة.. بابا. بابا. أنا بابا يا روحي. كان يجلسها على حجره، هنا بحجرة أمها، بينما الأخيرة تنهي ارتداء ثوبها المخصوص من أجل زفاف شقيقة زوجها، لم تستطع منع نفسها من الابتسام وهي تراقب اللحظات الخاصة بين الأب وابنته... -بااباااعععهه! نطقتها الرضيعة هذه المرة أسرع وبشكلٍ أكثر مثالية، فأشرق وجه أبيها وضمها في حضنه بحنانٍ يهدهدها ويقبلها: -روح بابا. وقلبه.. معقول أنا عندي بنت قمر أوي كده؟
قوليلي إيه الحلاوة دي بس. أنا عايز آكلك أكل. وأخذ يدغدغها ويداعبها في أكثر المناطق حساسية للضحك بجسمها الصغير وهي تكركر بين يديه بصوتها الحلو، اقتربت "نسمة" منهما لتراه يكاد يلتهما بقبلاته كما نوّه للتو، فعلقت بحيادية: -على مهلك يا رزق. ما تعودش البت على التصرفات دي كفاية بوس فيها. يلتفت "رزق" نحوها في نفس اللحظة هاتفًا بغلظة وقد انتفخت أوداجه: -تصرفات إيه إنتي اتجننتي يا نسمة.. دي بنتي!!! بررت في الحال:
-عارفة إنها بنتك وماقولتش حاجة. بس ما يصحش تتعود على كده. بعدين لما تكبر كل من هب ودب يمسكها ويبوس فيها بالشكل ده. إخواتك بيعملوا فيها زيك كده وأنا ما بعرفش أفتح بوقي معاهم وأنت عارف ليه. ظل يرمقها بذهولٍ متمتمًا: -لأ إنتي اتجننتي على الآخر.. إنتي سامعة بتقولي إيه؟ إنتي لسا قايلة إخواتي. إخوااااتي. يعني أعمامها بردو في مقامي بالظبط...
ولا يعرف ما الذي أخرسه فجأة وجعل عقله يستحضر ويُفرض أمام عينيه صورة ابنة عمه وزوجته "ليلة"، قضيتها ما خالها وكلمات "نسمة" ترابطت أمام عينيه وتردد صداها في أذنيه. لعلها محقة بالفعل، ألم تكن "ليلة" في كنف خالها، والخال في مقام الوالد؟ هو الذي داس عِرضها وهتك براءتها، أجل، أجل "نسمة" على حق، وتلك الوساوس وإن كانت مبالغ فيها ينبغي أن يأخذها بعين الاعتبار، ليحافظ على ابنته ويدرأ عنها كافة الشرور ما ظهر منها وما بطن...
-أنا آسفة! أفاق "رزق" على صوتها، تطلع إليها ثانيةً لتستطرد مقرة: -أنا غلطانة وأنت عندك حق. جايز أكون شطحت بتفكيري دول أعمامها فعلًا. معلش اعذرني أنا ما أعرفش أوي في المشاعر دي. أنت عارف إني مقطوعة من شجرة ولا عرفت لي أب ولا أم ولا خال ولا عم.. آسفة حقك عليا. وتبسمت في وجهه وهي تنحني لتلتقط زوجي حذائها...
الآن وقد عاد التجهم يغزو ملامحه من جديد، لم يحاول إزالته وهو يقوم واقفًا ويمد "كاميليا" الصغيرة بثوبها الباهظ متعدد الألوان لأمها قائلًا: -طيب خدي البنت. كملي لبسها وشبعيها كويس قبل ما تطلعوا... وأكمل بجديةٍ: -ما تسبيهاش من إيدك أبدًا. لو نامت تدخلي معاها. سألته رافعة حاجبيها: -يعني لو حد أخدها مني. من أهلك أقوله لأ؟! فكر للحظاتٍ دون أن يحيد ناظريه عنها، ثم قال بحزمٍ:
-لأ ما تقوليش لأ. بس عينك تبقى عليها. ما تتواربيش عنها لحظة يا نسمة. إنتي المسؤولة قدامي عن بنتي سامعة؟ أومأت له بانصياعٍ: -حاضر يا رزق. ما تقلقش ما هي بنتي بردو. تنهد بعمقٍ وهو يهز رأسه بخفةٍ، ثم مسح على رأس الرضيعة المكسو بالشعر الأشقر الفاتح، كان سيلتفت ليخرج وما كاد يفعل، ليندفع باب الغرفة لأول مرة ويقتحم أحدهم خلوته. استدار بطرفة عينٍ متحفزًا غاضبًا وصاح بوجه الدخيل الذي لم يكن سوى أخيه الأصغر "حمزة":
-إيه ده. إيه اللي بيحصل ده. إزاي تدخل علينا بالشكل ده يا بني آدم؟! نوعًا ما تراجع انفعال "رزق"... بينما يخبره "حمزة" ذو الوجه المصفرّ من بين لهاثه المهتاج: -رزق. إلحق. أبويا عايزك حالًا. استنطقه "رزق" بارتيابٍ كبير: -في إيــه؟؟؟ أفصح له الأخير مرتجف الأطراف: -سلمى.. سلمى هربت! _قبل يوم...
الضغط عليها من كل اتجاه، كان عليها أن تتفادى لفت انتباه أخيها الكبير إليها، بعد أن وعدته بقطع علاقتها بحبيبها، كان يجب أن تجعله يصدق أنها برّت بوعدها، خاصةً وأنه لا يقتحم خصوصيتها، لكن وعيده كان كافيًا. من ناحية أخرى، عبر تواصلها السري مع "عاصم" أبدى لها نفاذ صبره، وبلغها قراره النهائي بأنها إن لم تهرب معه ليلة غد وهي الليلة الأنسب لهروبها بما أن الجميع سينشغل بالزفاف، فإنه سيتركها هذه المرة حقًا.
قضت الليل كله تحارب خوفها، كانت مترددة كثيرًا قبل الإقبال على تلك الخطوة، كانت تعلم بأن لا رجعة إن اتخذتها، هذا ما أخرها لكل هذا الوقت. لكن ما أن أتى النهار حتى قامت وعقدت النية أخيرًا، من دون أن تأخذ أيّ شيء معها، رافقت فتيات العائلة، أختها نصف الشقيقة و"ليلة" و"فاطمة" الحبلى بجنينٍ ذكر في شهره الخامس.
كلهن توجهن إلى مركز التجميل الأشهر بقلب المدينة، وفي منتصف الطريق تذرعت "سلمى" بطارئٍ وقطعت رحلتها مع البقية على أنها سوف تعود إلى الحي. لكنها لم تعد. بل ذهبت رأسًا عند حبيبها، التقت به في المكان الذي حدده بعيدًا عن أهله وأهلها... -أخيرًا! قالها "عاصم" غير مصدقًا. سمح لها أولًا أن تتقدمه إلى داخل البيت الحجري المؤلف من طابقٍ واحد، لم يكن هناك غيره بهذه المنطقة النائية، ما أثار ريبة "سلمى"، لكنها التزمت الصمت.
خطت إلى الداخل بترددٍ وعيناها تتفحصان محتويات المكان الذي كان عبارة عن صالة كبيرة مرفقة بمطبخٍ مفتوح، وغرفة نوم وحمام متجاورين، والأثاث والفُرش لا بأس بهم، بدا كل شيء هنا جديدٌ ومنظم... -أنا مش مصدق نفسي يا سلمى!!! التفتت "سلمى" لتواجه محدثها. لم يهتز جفن "عاصم" وهو يواصل النظر إليها بقوةٍ مكملًا: -نفذتي وعدك بجد وجيتي ليا. اطلبي اللي إنتي عايزاه مني. بنظرتها المكسورة ولهجتها الخائفة قالت:
-عـ عاصم.. ما ينفعش أقعد معاك هنا من غير صفة. لازم نتجوز بسرعة.. وإلا هارجع. قبل ما حد يكتشف المصيبة دي! انقلبت تعابيره المنفرجة بلحظة ليصير وجهه أكثر وجومًا وهو يقول بقتامة: -ترجعي! بقى بعد ما سيبتي كل حاجة وراكي جاية دلوقتي بتفكري في الرجوع؟ ولا تكوني ندمتي يا سلمى؟ هزت رأسها نفيًا وقالت باضطرابٍ عصبي: -لأ طبعًا ما ندمتش. بس خايفة.. إنت دلوقتي بتفكر في إيه عاصم فهمني لو سمحت!!
كتمت شهقة مفاجئة حين رفع كفه بلمح البصر وأحاط به خدها الطريّ، ارتعشت تحت لمسته بينما يطمئنها متمتمًا: -ما تخافيش يا حبيبتي. إنتي خلاص بقيتي معايا. مع حبيبك.. أنا مش هضرك أبدًا. بليل هانتجوز يا سلمى. مش هالمسك إلا وإنتي مراتي. ما تخافيش! _وقفت "ليلة" أمام أفراد العائلة، أغلقوا باب الشقة عليهم، كلهم يحدقون فيها وهي تدلي أمامهم بأقوالها مخاطبة زوجها فقط:
-في نص الطريق قالت إنها نسيت إن صاحباتها جايين وفيهم واحدة ميك أب أرتيست هتعملها مكياج. وقفنا العربية ونزلت بعد ما تحايلت عليها بس نوصل وأبعت معاها السواق يرجعها. ما رضيتش خالص وصممت ترجع لوحدها. بعدين لما خلصت أنا قلت أرجع البيت لوحدي أقف مع الستات أعمل معاهم أي حاجة أساعد خاصة فاطمة بطنها مليانة وما تقدرش تعمل مجهود.. بس اتصدمت لما سألت حمزة وقالي سلمى ما رجعتش من ساعة ما مشيت معانا.. أنا قلبي مخلوع عليها يا رزق!!!
وأمسكت بساعدي زوجها متطلعة إليه بخوفٍ حقيقي عبر عيناها المرسومتان بالكحل السميك... شق صراخ "سالم" المنفعل الأجواء من حولهما: -هاتكون رااااااحت فيــن. بنتي راحــت فيــن. أختكــوا فيــن؟؟؟؟؟ كان "رزق" يمسك برأسه الذي راح يطن الآن باعترافات أخته وحديثهما السري قبل بضعة أشهر، ها قد حدث ما كان يخشى منه، ها قد نقضت "سلمى" بالعهد بينهما. ماذا عليه أن يفعل الآن؟ هل يقول لهم الحقيقة؟ هل يخبر زوجة أبيه الباكية هناك أين ابنتها؟
هل يخبر أبيه نفسه ذهبت "سلمى"؟ كيف عساه ينطقها؟ كيف؟؟؟؟؟؟ -فين علي؟ فين علي الجزار؟؟؟؟ تساءل "رزق" متلفتًا حوله كالسكارى. قفز "حمزة" مجيبًا إياه: -راح يجيب نور من الكوافير وخد معاه عمي إمام وخالتي نجوى. سأله "رزق" سؤالًا آخر بينما يستل هاتفه من جيب سترته: -عمك عبد الله فينه؟ -تحت مع ستي هو خالتي عبير. أنده؟ -لأ!
يضع "رزق" الهاتف فوق أذنه، الكل صار يراقبه هو الآن. أخوه "مصطفى" مطبقًا فاهه وقد أخرسته الصدمة وشلّه الفزع على شقيقته وما يمكن أن يكون قد حدث لها. لحظات، وصدح صوت "رزق" الحاد كالسكين القاطع: -علي.. ارجع حالًا. هات نور وارجع على البيت حالًا.. مافيش فرح. الفرح اتلغى. سلمى مش لاقينهاااااااا... وأغلق في وجهه صارخًا، ثم ألقى بهاتفه تجاه الحائط بكل قوته، ليسقط متهشمًا قطعة قطعة.
في نفس اللحظة يدق هاتف "سالم"، فينتزعه بعنف من جيب عباءته. ألقى نظرة فإذا هو رقم ابنته المغلق منذ الصباح، رد بسرعة ولهفة منفعلة: -سلمى. سلمى.. إنتي معايا؟ ررررردددددي عليا يا سلمى!!! ثوان، وأتاه صوتها المتردد: -بابا! بكل ما فيه من لوعة وعصبية صرخ عبر السماعة: -سلمى. إنتي فين يا حبيبتي؟ قولي لي مكانك فين. جرالك إيه يا سلمى رررددددي علياااا... -ماتخافش عليا يا بابا.. أنا كويسة. أخذ "سالم" وهو يسألها غير مستوعب أي شيء:
-أمال إنتي فين طيب؟ فينك كل ده؟ مارجعتيش البيت ليه؟!! مع اقتراب "رزق" منه كالأسد المتربص، جاء جواب "سلمى" الصادم: -أنا مع عاصم يا بابا. هربت معاه عشان نتجوز أنا وهو! جحظت عينا "سالم" إلى حد أرعب الجميع، وتراصوا في هذه اللحظة أمامه مباشرة، محملقين به، بينما يتخلص بمشقة من عقدة لسانه قائلًا: -بتقولي إيه؟ مش ممكن.. سلمى. إوعك. إوعك تعملي كده.. ارجعي يا سلمى. ردت عليه بتصميم: -لأ يا بابا. مش هاينفع. أنا خلاص أخدت قراري.
ارتعدت شفتا "سالم" وهو يشدد قبضته على الهاتف قائلًا بصوت أجش لا يخلو من التوتر: -سلمى! ارجعي يا حبيبتي. أنا عارف إنك ممكن تكوني خايفة. ماتخافيش. ماتخافيش وارجعي.. أوعدك. محدش هايعملك حاجة. محدش هايقربلك خالص ولا حتى أنا.. بس ارجعي... ردت في نفس اللحظة بذات الإصرار:
-عارفة إنك مش ممكن تأذيني يا بابا. بس أنا مش هارجع عشان أتحبس في البيت.. أنا قولتلك موافقة على جوازي من عاصم. وإنت اعتبرتني عيلة صغيرة ورميت كلامي ورا ضهرك... ياريتك فهمت إني فعلًا اخترت عاصم يا بابا!!! فتح فمه ليقول شيئًا، فبادرت قاطعة سُبل النقاش نهائيًا:
-أنا هاتتجوز عاصم يا بابا وده آخر كلامي. اتصلت بيك بس عشان أبلغك وعشان عارفة إنك ممكن تكون قلقان عليا.. بس ماتحاولش معايا بأي شكل. أنا مش هاغير رأيي أبدًا. سلام يا بابا! وانقطع الخط بينهما، لتسبح نظرات "سالم" في اللاشيء أمامه ويمتنع عن الرد بكلمة، لتقترب "هانم" وتقف في وجهه تمامًا مستجوبة إياه ودموعها تجري على خديها: -بنتي فين يا سالم؟ سلمى بنتي فين؟؟؟؟؟ يخرج "مصطفى" هو الآخر عن صمته صائحًا:
-ما ترد عليها يابااااا. رررددد قولنا سلمى فيــــن!!!! لحظات طويلة مرت كالدهر، ليرفع "سالم" وجهه في الأخير معلنًا في وجوههم جميعًا: -سلمى هربت مع ابن السويفي.. هربت معاه عشان يتجوزوا! الارتجاف يزلزل جسمها، الندم، الخوف، الخزي. كلها أشياء حدثت كلها مرة واحدة لحظة إغلاقها الهاتف وبعد أن تحدثت إلى أبيها، تفكر ألف مرة في قرار العودة، رغم ما تنطوي عليه من مخاطر وعقوبات.
كانت بوابتا جهنم والجنة أمامها، لكنها لا تعلم أي باب سلكت!!! -حبيبتي! انتفضت "سلمى" وهي تستدير بسرعة خلفها، لترى "عاصم" وقد عاد من الخارج حاملًا في يده حقيبة كبيرة من الجلد... -اتأخرت عليكي؟ هزت رأسها للجانبين... -إيه اللي شايله في إيدك ده يا عاصم؟ وضع "عاصم" الحقيبة فوق طاولة كبيرة بمنتصف الصالة واقترب منها قائلًا بنبرة خبث:
-دي حاجات تخصني. تخصنا.. أنا ليا مزاج معين كده.. كمان شوية هاتشوفي وأوعدك هاتحبي الموضوع أوي وهاتتعودي عليه بسرعة. عقدت حاجبيها جاهلة ما يرمي إليه، لكن سؤالًا آخر كان يلح عليها فسارعت لطرحه: -أمال فين المأذون يا عاصم. مش قلت خارج تجيبه؟! ضحك باستهجان: -مأذون إيه بس يا حبيبتي. إنتي قاصر. ماينفعش نكتب الكتاب دلوقتي. لما تتمي 18 سنة إن شاء الله. ردت باستنكار: -نعم! وبتقولي دلوقتي الكلام ده؟ إنت بتهزر صح؟!!
أخذ يهدئها ممسكًا بكتفيها: -إهدي بس. إحنا كده كده هانتجوز ماتقلقيش. -إزاي بقى.. فهمني!!! أظهر "عاصم" لها ورقة فجأة وقال ملوحًا بها أمام عينيها: -الورقة دي ماضي عليها اتنين شهود. وأنا كمان مضيت.. مش ناقص غير إمضتك إنتي. فهمت "سلمى" على الفور ما يعني ذلك، فثارت هاتفًة: -إنت تتجوزني عرفي؟ لأ. لأ يا عاصم مش أنا اللي أتجوز عرفــ...
بترت عبارتها بغتة. صفعة عنيفة نزلت على وجهها من كفه، ظل وجهها ملوحًا ونظراتها شاخصة بصدمة، بينما لم يمهلها الوقت، جذبها من ذراعها بشدة وجعلها تنظر إليه وترى لأول مرة القساوة بعينيه وهو يقول بصوت كالفحيح من بين أسنانه: -أنا مايتقاليش لأ. سامعة؟ اللي أقوله يتنفذ بالحرف الواحد. وإلا هاتتعاقبي كل مرة عقاب أشد. وإنتي أساسًا لسه مادوقتيش عقابي ولا عرفتي أشكاله.. إنتي فاهمة أنا بقولك إيه!!!
من رعبها، وكأن أخرى غيرها هي التي هزت برأسها أن نعم، ليقربها في اللحظة التالية من الطاولة ويضع في يدها قلمًا آمرًا إياها بصوته الصلب: -إمضي! تحت الإجبار، اضطرت "سلمى" لوضع إمضائها على ورقة الزواج العرفي، ليبتسم "عاصم" من خلفها بظفر، ويسحب من تحت يديها الجامدتين عقد الزواج... يطويه ويضعه بجيبه ثانية وهو يقول بخيلاء:
-شاطرة. كده تعجبيني. كل ما تكوني مطيعة كل ما أحبك أكتر وأكافئك كمان.. وأنا هاعلمك إزاي تكوني مطيعة يا سلمى. لم تأتِ بحركة مطلقًا... بينما يتوجه هو صوب الحقيبة خاصته، يفتحها وينقب بداخلها دون إفراغ محتوياتها، يطلق سبة غاضبة في أوج بحثه ويتمتم لنفسه بصوت عال: -أكيد نسيته في العربية.. يلعن الحظ! يرفع رأسه نحوها قائلًا: -أنا طالع برا لحظة وراجع. مش هتأخر عليكي يا حبيبتي...
راقبت "سلمى" خروجه عبر خصلات شعرها التي تبعثرت من حجابها المهدد بالسقوط، ما إن اختفى من أمامها حتى انقضت على هاتفها المخبأ عن أنظاره. سارعت بأصابع مرتجفة وأدمع متساقطة وطلبت رقم أبيها... -وإحنا هانقعد كده مش هانعمل حاجة؟؟؟؟ صم صراخ "مصطفى" آذان العائلة، فضلًا عن نواح "هانم" وصمت البقية المصدومين، ما الذي يؤخرهم، ما الذي يمسكهم بهذا الشكل عن إبداء أي ردة فعل.. لا يعلمون!
ثم فجأة دق هاتف "سالم" للمرة الثانية، لينتفض مجيبًا بضراوة أشد وقد صحت غرائزه الشريرة بعد سبات قهري: -سلمى. اسمعيني وإوعك تقفلي السكة. إ آ... -بابا. إلحقني يا بابا... قاطعته بهذه العبارة التي قلبت حالته رأسًا على عقب، ارتجف من قدميه لقمة رأسه وهو يهب واقفًا ليصيح في الهاتف: -سلمى. ردي علي. فيكي إيه. سلمى... -بابا. تعالى خدني.. تعالى خدني بسرعة يا باااب آاااااااااااه...
انقطع صوتها اللاهث المذعور بصراخ حاد، ومعه اختل توازن "سالم" وهبط جفنه لا إراديًا، سقط الهاتف من يده وكاد هو يقع من طوله لولا ساعدي "رزق" اللتين امتدتا لتسنداه بسرعة. تشبث به "سالم" من فوره، وتطلع إليه بضعف يراه "رزق" لأول مرة في أبيه، ثم قال بصعوبة يتوسله: -هات لي أختك يا رزق. رجع لي سلمى!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!