الفصل 5 | من 26 فصل

رواية سمال الحب - مريم محمد (الجزء الثاني من وقبل ان تبصر عيناك) الفصل الخامس 5 - بقلم مريم محمد

المشاهدات
60
كلمة
2,767
وقت القراءة
14 د
التقدم في الرواية 19%
حجم الخط: 18

خُلقت لك! بدأ الأمر وكأن بضعة يرقات ترفرف فوق بشرته العارية، علاوة على الشعاع المحرق الذي اخترق جفنيه المسدلين، كلها مضايقات ساهمت في إيقاظه من سباته العميق بسرعة تحث على الإزعاج. يفتح رزق عينيه بتضاؤل، ليبصر أولًا أشعة الشمس التي كادت تعميه، لولا أن رفع كفه ليغطي وجهه بالوقت المناسب وهو يصدر زفرة ضائقة.

مصادفة لاحظ ظل أنثاه يتراقص على الجدار مقابله، وفي لحظة عادت إليه الذاكرة، أحداث الليلة الماضية كلها حتى قرر أن ينهيها أخيرًا عند بزوغ الفجر. تلقائيًا ارتفع رأسه ليحدق أمامه في زوجته.. زوجته بالمعنى الحرفي والفعلي الآن. كانت ليلة تقف عند الخزانة، وقد ارتدت أحد قمصانه والذي تجاوز فخذها، بدت غريبة الأطوار كليًا، أو لعلها آثار النعاس. -صباح الخير! ابتسم تلقائيًا وهو يفرك عينيه الناعستين. -صباح الفل.. قمتي ليه؟

الساعة كام؟ جاوبته دون أن تلتفت نحوه: -صحي النوم يا روحي. إحنا بقينا العصر! -إن شاء الله لو العشا يعني.. إنتي ناسية إن دخلتنا كانت إمبارح. تعالي.. تعالي جمبي هنا. وربت على الجانب الفارغ من الفراش بجواره. تستدير ليلة في هذه اللحظة رامقة إياه بغموض، بقى مكانه ينظر لها في سكون، ليجدها تظهر من خلف ظهرها ذاك الكأس المصنوع من الورق الأبيض المقوى، ذاك الكأس الشهير، الموصوم بطبع شفاهها. أشهرته أمام ناظريه

الصامتين وهي تقول بمكر: -وأنت سايبني هنا لوحدي.. سمحت لنفسي أنبش في حاجتك... و Guess What.. لقيت الفنجان ده. بصراحة أخذت شوية وقت لحد ما افتكرته. إلا بجد.. أنت محتفظ بيه ليه يا رزق؟ ربما كان من المفترض أن يغضب لإخبارها إياه بهذا، لكنه بدلًا من هذا غمز لها وقال: -قربي عليا وأنا أقولك! زجرته بحنق وهي تلقيه بوسادة من فوق الأرض هاتفة:

-أنت إيه بس. ما بتشبعش حرام عليك.. يلا قوم. قوم فوق كده على ما آخد شاور. ما حدش قالك إن أبوك عازمنا على العشا النهارده. ينقلب محيا رزق بلحظة وهو يعترض بقسوة: -لأ طبعًا.. مش هيحصل ومش هنروح في حتة. شددت ليلة على قرارها وكأنها لم تسمعه: -قوم يا رزق. فوق عشان نجهز للعزومة.. لازم نكون جمب نور وما نسيبهاش لوحدها. وولت متجهة خارج الغرفة. هكذا تلقي الكرة بملعبه، تضغط عليه بأخته، كذلك يفعل أبيه أيضًا. لماذا يفعلون به هذا؟

ماذا يظنون به بحق الله!!! زفر رزق بنزق هائج وهو ينقلب على وجهه ضاغطًا الوسادة التي ألقتها عليه زوجته فوق رأسه بقوة. _القطة المدللة حبة قلب أبيها كما دعاها منذ قليل.. ها هي تجلس متكومة عند قدمه وهو يلاطفها ويغدقها بحنانه. بينما أمها قد نزلت خصيصًا لتعد للأميرة الجديدة فطورًا كاملًا.

حمدًا لله أن فاطمة طلبت اصطحابها للتسوق، إنها جاهزة الآن، أخيرًا ستخرج من المنزل وتبتعد عن رؤية كل هذا.. عذابًا نفسيًا لا تقوى على تحمله بالمرة.. إذ بها ما يكفي. -أنا نازلة يا ماما! .. قالتها سلمى وهي تضع حقيبتها على كتفها. أدارت هانم رأسها لتراها جيدًا بينما انشغلت يدها بخفق البيض المطبوخ. -قلتي لأبوكي إنك خارجة؟ قلبت الفتاة المراهقة عينيها مغمغمة: -هأطلع أقوله أهو.. هيقول إيه يعني! -هو إيه هيقول إيه دي؟

لازم تقولي له وتستأذني منه. تأففت سلمى بضيق. -خلاص يا أمي خلاص. هو أنا قلت هأخرج من غير إذنه.. أديني رايحة استأذنه! وخرجت للصالة، حيث لا يزال أبيها يكيل المحبة لأميرته الصغيرة، يسقيها لها كما لو بملعقة. -بابا! .. نادت سلمى بجفاف واضح. نظر لها سالم من فوره، يخصها بنظرة الحب المعهودة قائلًا: -قلب أبوكي. فينك يا سلمى؟ مش سامعة صوتي ولا إيه ما طلعتيش تشوفيني. وشملها بنظرة فاحصة مستطردًا: -ولابسة كده ليه؟

عبست سلمى وهي تخبره بإيجاز متحاشية النظر لمنافستها الجميلة: -بعد إذنك هأخرج مع بطة في مشوار للسوق. -قصدك فاطمة مرات أخوكي؟ -أيوة.. مصطفى كلمني إمبارح بالليل وطلب مني أروح معاها عشان في حاجات ناقصاها وعايزة تنزل تشتريها من وسط البلد. أومأ سالم متفهمًا، ثم حانت منه التفاتة نحو نور.. مسد على شعرها متمتمًا: -تحبي تنزلي معاهم يا نور؟ لم تتوتر ملامح نور.. لكنها رفضت بتهذيب لإدراكها وجود مشكلة ما بينها وبين أختها:

-لأ يا بابا. أنا عايزة أقعد معاك.. أنت واحشني أوي. ابتسم سالم وهو يقبلها على خدها برقة. ينفتح باب إحدى الغرف الآن، وتخرج نسمة حاملة رضيعتها على ذراعيها، أظهرت بعض التردد وهي تقبل على الأسرة قائلة بخفوت: -صباح الخير! رد عليها الجميع عدا سالم. إلا أنه ظل ينظر لها بعينيها دون أن يطرف له جفن. وقبل أن تجلس نسمة لتستريح، استوقفها سالم بجمود: -هاتي البت عندي!

أجفلت نسمة من زعقته الآمرة، لكنها أذعنت له في الحال ومشيت صوبه، وضعت الرضيعة النائمة بين ذراعيه الممدوتين، ابتعدت عنه بسرعة وذهبت لتجلس بالقرب منهم. ينشغل كل من سالم ونور بمراقبة الرضيعة كاميليا والاهتمام بها. جرس الباب ينقذ سلمى هذه المرة، فتركض لتفتح، وإذا به علي.. يلقي عليها بتحيته: -إزيك يا سلمى! -الحمد لله يا علي كويسة. تسلم. -جاهزة؟ فاطمة مستنية تحت في عربيتي. -هو أنت اللي هتوصلنا؟ -وأنا اللي هرجعكم كمان!

.. وصوب ناظريه تجاه الداخل حيث يجلس عمه وصاح: -سلام يا عمي. يرد سالم بصوت عال دون أن يتحرك قيد أنملة: -أهلًا يا علي.. تعالى خش. وكأنها مغناطيس اجتذب عينيه فورًا، رآها تجلس بجوار أبيها، اشتبكت نظراتيهما للحظات معدودات، ثم قطعها علي بأسرع ما أمكنه ليرد على عمه: -الله يخليك يا عمي. مستعجل بس عشان ألحق أرجع البنات قبل الليل. -ماشي يا ابني. خلي بالك منهم.. وسلمى زي عينيك يا علي. قال علي وهو ينظر بالأرض احترامًا:

-ما تقلقش.. هرجعها لك زي ما خدتها! سارعت سلمى بالمضي للخارج وتبعها علي بعد أن طلب الرخصة، بينما تحدق نور في إثرهما الفارغ متحسرة، إنها بلسانها رفضت الذهاب معهما. فقط لو كانت تعرف أن علي سيكون ضمن الخطة، لكانت وافقت بلا تردد.. يا للحظ! _تثاءب بصوت رخو وهو يمشي بكسل إلى غاية دورة المياه، وقف عاري الجذع أمام المرآة، فقام أولًا بتحضير فرشاة الأسنان وملء كأس بارد من الماء لتأدية روتين الصباح الأول.

ما كان ليتوقع أي شيء غريب، لكنه إذ ألقى بنظرة عابرة على انعكاسه بالمرآة فزع بادئ الأمر وقرب وجهه أكثر بينما عيناه تتفحصان صدره العريض الذي تم وسمه بأحمر شفاه، أو تدقيقًا.. شفاه زوجته نفسها قد تمت طباعتها على جلده البرونزي الفاتح، وأيضًا تلك الكتابة باللون الزهري "aşkım ben seviyorum".. "حبيبي أنا أعشقك". أشرق وجهه بابتسامته الجذابة لحظة وقوع بصره على تلك الجملة التي فهمها من أول وهلة، وكيف لا يفهمها؟

وهي اللغة الأم لوالدته العزيزة، وإحدى اللغات التي حرص جده الباشا على تعليمه إياها نسبة لأصولهم التركية.. ولكن من أين عرفت؟ حقًا.. النساء. -عرفتي منين؟ .. هتف رزق وهو على وضعه دون أن تهتز منه شعرة. كان قد أحس باقترابها، في الوقت الحاضر لم يكن ينظر إلا لانعكاسه، بينما تقبل ليلة ناحيته بتبختر ملفوفة في رداء الاستحمام، ومنشفة معقودة فوق رأسها. تمتمت وهي تستقر خلفه مطوقة خصره الصلب بذراعيها النحيلتين:

-عيب لما تسأل ست سؤال زي ده. خصوصًا كمان لو كانت الست دي أنا.. ما سألتش نفسك أنا عملت إيه طول 6 شهور اللي غيبت فيهم؟ حبيبي.. أنا حفظت تاريخ حياتك كله!! كانا يتبادلان النظرات فيما بينهما بالمرآة، ولم تخف عنه لمعة الخبث المعهودة بعينيها، ليرد عليها بإيماءة خفيفة من رأسه: -واللوحة الجميلة اللي رسمتيها على رقبتي وصدري دي كانت من ضمن الدراسة؟ بتستغفليني وأنا نايم يا ليلة؟!

انتفضت قافزة للخلف بلحظة، حين أحست بتحفز جسمه أسفل لمساتها، أدركت نواياه في الحال. يلتفت رزق صوبها الآن، يتقدم منها وابتسامة شريرة تزين ثغره، تتقهقر هي بدورها مبادلة إياه الابتسامة نفسها. -افرضي مثلًا كنت صحيت على مصيبة ونزلت وسط الخلق وشافوني كده. يبقى شكلي إيه ساعتها؟ أقولك أنا.. هأبقى راجل هــــــززززززؤ. تعاليلي. كانت قد استدارت في طرفة عين وأطلقت لساقيها الريح راكضة منه بأرجاء الشقة وهي تصرخ وتضحك في آن.

وقفت أمامه عند أقصى طاولة السفرة، أما هو يناورها من الجهة الأخرى مهددًا بخشونة: -ليلة. تعالي بالذوق.. لو مسكتك إنتي حرة! هزت رأسها بقوة طفولية: -لأ.. مش جاية. وريني هتعمل إيه!! رفع حاجبه: بقى كده.. طيب. وأطاح بأحد مقاعد الطاولة بعنف ليندفع نحوها، لم تكد تبتعد خطوتين، إلا وأمسك بها، فصرخت برعب وهو يطرحها فوق اللوح الخشبي للطاولة الكبيرة، شل حركتها بجسمه الضخم وضغط معصميها معًا في يد واحدة فوق رأسها.

تلهث ليلة مرحًا وهي تتحداه بنظراتها، بينما يرنو إليها مبتسمًا بانتصار وقد نجح أن يكون بالقمة محطمًا إرادتها. المنشفة التي كانت تلف رأسها الآن سقطت، ليتبعثر شعرها الرطب حول وجهها معطيًا إياها مظهر صبياني مثير. -مفكراني بجد مش هأقدر عليكي زي ما قولتي إمبارح؟! .. غمغم رزق ولم يكن يبعد وجهه عن وجهها سوى بضعة سنتيمترات قليلة. ومن جديد وهو يستعمل يده الحرة، أطبق على عنقها بأصابعه الغليظة وهو يتسطرد بنعومة:

-إنتي لسه ماتعرفنيش كويس.. أنا رزق الجزار! -أنت حبيبي! همست بهيام، قبل أن تضع قبلة فوق ذقنه، أقرب نقطة تمكنت من الوصول إليها. رفرفت جفونه وقد أربكته كلمتها وتحريف مسار النقاش كله، هذه المرة هو من تقهقر عن دفاعاته، إذ حرر معصميها وأخذ يمسح على شعرها ويداعب خصلاتها دون أن يقطع اتصالهما البصري.

كذلك هي حافظت على ذلك الترابط، حتى وهي تميل رأسها قليلًا حيث يدها الممسكة برسغه القوي، طبعت قبلة عميقة في باطن راحته وهي تنظر في عينيه. عبست فجأة عندما لامست أنامله مادة غريبة، وهنا حولت ناظريها، لترى ذاك السوار الغريب الذي أحاط برسغه، ذهبي اللون، دبق، وكأنه خصلة من الشعر! -إيه الإسورة الغريبة دي يا رزق؟ سألته بفضول حقيقي وهي تتفحصها عن كثب. -دي مش إسورة! جاوبها بجفاف مفاجئ.

عاودت النظر إليه، لكنه ارتد عنها محاوطًا على رسغه المعني بيده الأخرى وكأنه يكنف شيئًا ثمينًا. اعتدلت جالسة فوق حافة المائدة وهي ترمقه بتساؤل، ليفصح لها بعد برهة صمت: -دي خصلة شعر. اكفهرت ملامحها وهي تستوضحه بغيرة بيّنة في نفس اللحظة: -خصلة شعر؟ خصلة مين بقى إن شاء الله؟ كست المرارة وجهه ولهجته وهو يخبرها: -أمي.. خصلة شعر أمي!

بهتت "ليلة" من المفاجأة غير المتوقعة، تزحلقت من على المائدة، تقربت منه وئيدًا، وضعت يدًا خلف رقبته، وأخرى على صدره. أسندت جبينها فوق جبينه وهمست بصوت ملؤه التعاطف: -تعيش وتفتكرها.. ما كنتش أعرف إنك بتحبها أوي كده. عارفة إنك انصدمت صدمة عمرك بسببها.. مقدرة كويس أوي اللي مريت بيه يا رزق. رأته يهز رأسه بقوة وهو يغمغم بلهجة معذبة: -محدش ممكن يحس باللي حاسس بيه.. محدش!

هاودته ووافقت على كلامه مهدئة إياه، بقيت على هذا المنوال لبرهة، ثم حاولت أن تسأله برفق: -إنت قريت الجواب اللي سابته ليك؟ أبعد وجهه عنها قليلًا لينظر جيدًا إلى وجهها. استوضحها: -منين عرفتي إنها سايبة جواب؟ أجابت واثقة: -يوم ما مشيت. قبل ما تخرج من الأوضة لما كنت بتتخانق مع أبوك صوتكوا كان عالي.. كلنا سمعنا كل حاجة. لم تنفك عقدة جبينه، رغم هذا أرضى فضولها: -لأ لسه ما قريتش حاجة. واصلت بجرأة: -ليه؟ صمت لهنيهة،

ثم قال بصراحة مخيفة: -خايف! خايف من كلامها.. حاسس إني ممكن أشوفها وأنا بقراه. أو أسمع صوتها.. أنا خايف أواجهها يا ليلة. كررت نفس الاستجواب لمعنى آخر: -ليه؟ كانت قبضتها تشد على يده الآن وهو يخبرها طواعية: -لأني فشلت. فشلت في حاجات كتير أوي.. فشلت أحميها. وفشلت أكون زي ما هي كانت عايزة.. وفشلت أحمي أختي من سالم الجزار. هما الاتنين.. ما قدرتش أحميهم منه!

-بس إنت ما كنتش تعرف حاجة. وما ينفعش تفضل عايش مع الأفكار دي.. لازم تخرج منها يا رزق. -إزاي؟! توسلها بيأس لتقدم له نصحًا بهذا الشأن. رقت نظرات "ليلة" وهي تحيط وجهه بكفيها قائلة: -بالمواجهة.. لازم تواجه شياطينك دي كلها. لازم تاخد الصدمة الأخيرة اللي مش مخلياك قادر تتوازن لسه أو تاخد قرار.. لو عاوز تشفى. لازم تواجه يا رزق... ده كان علاجي. ودلوقتي أنا بقدمه ليك يا حبيبي!

على عكس الليلة الماضية التي أفاضت بزوابعها وأمطارها التي عصفت بجدران المنزل والحي كله، بدت هذه الليلة صافية، رائقة، تنذر بمودة وحميمية، وتعد بالكثير. بينما هو جاهل تمامًا بما ينتظره، ولج "مصطفى" إلى شقته بعد يوم عمل شاق وقضاء النهار كله بمشاوير عدة، كان منهكًا إلى أقصى حد وجل طموحه أن يجد ما يسد رمق جوعه ثم أحد يدله على الفراش.

لكنه أيضًا كان يعلم بأنه وزوجته مدعوان إلى طعام العشاء بشقة أبيه، لذا كبح تأملاته ووأد تثاؤبًا وهو يلقي بمفاتيحه جانبًا. -بطة! صاح مناديًا حين جذبته الروائح الشهية صوب حجرة الطعام. اندهش لما شاهد كل هذه الصنوف المعدة تحت أضواء الشموع العطرة، واملأ رأسه بالتساؤلات! استدار خلفه عندما سمع وقع خطواتها الخفيفة، لكنه صعق، كاد يقسم أن التي يؤاها ليست بزوجته.. امرأة تشبهها، لكن قطعًا ليست هي.

فمنذ متى رآها تتزين وتتجمل في وجوده؟ كانت قد تجمدت مكانها لحظة التفاته الكامل نحوها، لم تبدِ خوفها، لكن ارتباكها كان جليًا له، ما لم يمنعه عن سؤالها: -هو في إيه بالضبط؟ هزت كتفيها ببلاهة: -إيه يا مصطفى.. مش فاهماك! -إيه اللي إنتي عاملاه في نفسك ده؟ وإيه الأكل ده.. إحنا مش معزومين عند أبويا؟ الإتيان على سيرة هذا الرجل كان يصيبها بالجنون، لكنها تمالكت أعصابها جيدًا لتقول له بقليل من الانفعال:

-لأ مش هانروح في حتة لا أنا ولا إنت. قطب حاجبيه منزعجًا من أسلوبها، لتصلح الوضع فورًا قائلة: -قصدي إن الليلة دي مش حابة نقضيها بره شقتنا! وعضت على شفتها بقوة مقسرة نفسها على الإكمال وكأنها تبتلع دواء مرًا: -أنا عايزة أكون معاك. ومش عايزة حد يقاطعنا.. إنت ممكن تتصل بيه وتستأذنه. ممكن تقوله إني تعبانة مثلًا وإنك قاعد جنبي. أو العكس! -وليه كل ده؟

وهي متدثرة بروب من الحرير وردي اللون، أقبلت عليه تحت الإنارة الخافتة لحجرة الطعام، رأسها المنكس ينم عن خجل خاص، وأنها قد تركت شعرها ينسدل فوق وجهها من الجانبين. أخذت تتقرب منه طواعية على غير العادة، الأمر الذي أذهله وجعله يقف كالحجر لا يأتي بأي حركة، فقط يترقب خطوتها التالية، والتي بدرت منها أسرع مما توقع، حيث مدت يدها وقبضت على كفه الضخم، ثم أظهرت يدها الأخرى إذ كانت تخبئها خلف ظهرها.

وضعت في كفه تلك العلبة الصغيرة المغلفة بأوراق الكورشيه وهي تقول بصوت يرتجف كورقة شجر آيلة للسقوط: -كل سنة وإنت طيب يا مصطفى.. النهاردة عيد ميلادك! والحق يكاد يقسم بجميع المقدسات بأنه فعلًا لا يصدق أيًا من هذا! وجد أصابعه من تلقائها تحل الأربطة عن العلبة، ليفتح غطاءها بسهولة ويرى بداخلها ساعة رقمية باهظة الثمن تحتضن القاعدة الإسفنجية السوداء. رفع وجهه محملقًا بها بغير تصديق: -إنتي نزلتي عشان تشتريلي هدية عيد ميلادي؟

أومأت له بصمت، فتابع: -وطابخة ولابسة ومتزوقة كده.. كل ده عشاني أنا؟ أومأت مرة أخرى، لتختلج أنفاسه بعنف داخل صدره للحظة قبل أن يقول بنشاط متأثر وقد طار كل التعب والإنهاك الذي حل به: -يـااااااااااه يا فاطمة... أخيرًا.. أخيرًا ذاب جبل التلج اللي ما بينا. أنا مش مصدق.. يعني. يعني أنا بجد.. ممكن.. أقدر ألمسك دلوقتي حالًا. تسمحي لي؟!

للمرة الثالثة، أومأت له دون أن ترفع عينيها إليه، فلم يضيع لحظة، ترك هديتها جانبًا وعبر المسافة القليلة بينهما ليأخذها بأحضانه ويضمها بانفعال وشوق عارم وهو يتأوه ويهمس لها بعشق: -أنا كنت مستنيكي. طول عمري مستنيكي.. لما رجعتيلي تاني ما يئستش.. كل يوم وكل ليلة كنت على أمل إنك هاتحني عليا.. هاتحسي بيا...

كانت ترتجف بين ذراعيه وتذرف الدمع في هدوء، مع تعاقب الكلمات التي راح يدلي بها قرب أذنها، وهي تتنفس الهواء ممتزجًا برائحته التي لا تثير فيها إلا الخوف وكل المشاعر المرعبة التي عاشتها على يديه بتلك الليلة المشؤومة. بدون أن تشعر وجدت لسانها المتلجلج ينطق بالحقيقة: -آ.. أنا خايفة يا مصطفى! انقباضة كادت تسحق فؤاده لدى سماعه تصريحها، غمر وجهه بشعرها المصفف مستنشقًا عبيرها بأقصى ما أمكنه وغمغم:

-ما تخافيش يا حبيبتي.. بشروطك.. وعلى راحتك. طالما جيتي برجليكي يا فاطمة إوعي تخافي. أنا هاعمل أي حاجة عشان أسعدك وأريحك وأرجع ثقتك فيا من تاني... أنا بحبك. وعمري ما فكرت أوجعك. ولا هفكر أبدًا وحياة غلاوتك عندي.. ما فيش أغلى منك ليا يا فاطمة. إنتي.. إنتي وبس! لعل كلماته لم تؤتِ أكلها، لكن حرصها على هدفها المنشود جعلها تسير على الخطة بدفع قصري من داخلها، وإذ تمكنت من إبعاده قليلًا حيث استجاب لها فورًا.

رآها تفك عقدة الروب وترخي الحزام، لينزلق الحرير عن كتفيها الناعمين، ويبدو أمام عينيه رداء نومها الأسود الجريء بقماشه المخرم. بذل "مصطفى" جهدًا لا يستهان به ليضبط نفسه مراعاة لنفسيتها، همس وهو يثبت ناظريه بعينيه الشاخصتين بترقب: -بحبك! واهنًا، حنى رأسه ممسكًا برأسها وألصق شفاهه بشفاهها في قبلة عميقة.. جائعة.. سرعان ما فعل بها سحرًا خفيًا فعلته، فذابا معًا في غياهب الحميمية المفخخة. تهدد بحرائق وانفجارات بأي لحظة!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...