بعد مرور عشرة أيام دخل عاصم إلى غرفة النوم الخاصة بسمرة. حين رأته، نهضت من على الفراش متلهفة واتجهت إليه سريعًا دون انتظار. ألقت نفسها بين يديه، عانقته، وقبلت كتفه قائلة: "عاصم وحشتني قوي قوي، كنت في انتظارك." صدقني أنا... لم تكمل حديثها حين أصم قلبها صوت طلقة نارية. رجعت برأسها للخلف، تنظر لعينيه متألمة. تحدثت بتقطع: "ليه؟ ليه؟ قتلتني رد: وعيناه جمرة وقلبه يشتعل من الهجر.
أنتي اللي بدأتي يا سمرة.. أنتي قتلتيني الأول لما هربتي مني وخنتيني مع طارق. الجزاء من نفس العمل. قال هذا وأبتعد عنها. لتقع سمرة أمامه أرضاً، عائمة في دمائها. أستيقظ من النوم سريعاً. ينظر حوله وجد الظلام بدأ يزول والشمس تشرق من بعيد. هو غفى دون شعور منه على تلك الأريكة الموجودة بحديقة تلك الفيلا القريبة من البحر. جذب علبة السجائر وأخرج واحدة وأشعلها.
نفث دخانها وهو يسير إلى أن اقترب من مياه البحر. رمى عقب السيجارة وبدأ ينزل في المياه. رغم أن الطقس في أواخر الخريف، لكن المياه كانت دافئة كعادة تلك المياه. فأسفل تلك المياه بركان خامد منذ آلاف السنوات. لكن بداخل عاصم بركان عشق يخمدُه حتى لا يذهب إليها وينفذ أسوأ عقاب لها على خداعها له. سلم نفسه لأمواج البحر يتذكر حين وجد علبة الدواء الخاصة بمنع الحمل. هي لما لم تريد الإنجاب منه؟
هي كانت تخطط للهرب منه. كانت بين أحضانه تفكر في الابتعاد عنه. وتذكر حين فتح ذلك الهاتف الذي وجده. كلمات تدل، بل تبرهن سمرة خائنة. نعم خائنة، فالخيانة ليست فقط خيانة الجسد. كلمة "حبيبي" و"حبيبتي" تكررت في أكثر من رسالة بينهم. كانت على تواصل معه. ربما ليس عدد الرسائل التي قرأها كثيراً، وبأيام متفرقة. وهناك رسائل محذوفة بالتأكيد.
شعر بالاختناق أسفل المياه. رفع رأسه من أسفل المياه يتنفس بهدوء عكس تلك الأمواج التي تتلاطم بقلبه. وأحياناً تضعفه حتى لا يذهب لسمرة، ويقتص منها لعذاب قلبه. .............................. بالقاهرة. نهضت سليمة من على طاولة الفطور، وهي تنظر للساعة الموجودة على الحائط قائلة: لازم أمشي. عندنا شغل كتير الفترة دي في الشركة. تبسم رفعت يقول: ربنا يوفقك. أبقى سلميلي على عمران.
تعجبت سليمة قائلة: شايفة عمران ده داخل دماغك قوي من يوم ما اتعرفت عليه! رد رفعت ببسمة خبيثة: هو شخصية محترمة، وكمان ودود. واتصل عليا كذا مرة. ربنا يوفقه هو كمان. تحدثت سليمة بلؤم هي الأخرى: وماله هبلغه سلامك. بس بلاش الثقة الزايدة عندك دي. هو زيه زي بقية الفئة دي. أوقات بيرجع لأصله البرجوازي ويتغطرس. ضحك رفعت يقول: برجوازي وبيتغطرس معاكي مظنش. لأنك مكنتيش هتتحمليه الفترة دي. كان زمانك قدمتي استقالتك ومهمكيش شيء.
ردت سليمة: شيفاك معجب بـ "عمران" ده قوي. هقولك بلاش الثقة الزيادة. وأنا كمان معنديش وقت للمناقشة عن "عمران" دلوقتي. أشوفك المسا. قالت هذا وغادرت. تبسم رفعت: مفكرة إني مش واخد بالي من تغييرك. متأكد إن في عندك مشاعر له، بس تجربة فارس السابقة مخلياكي محجمة قلبك. بس لحد إمتى هتفضلي كده؟ وكمان عمران مش وصولي زي فارس. وهيجي الوقت اللي تعرفي فيه الفرق. أثناء نزول سليمة على درج البناية سمعت من خلفها من ينادي باسمها.
وقفت ودارت بوجهها ونظرت خلفها لهذا الصوت. هي تعرف صاحبه جيداً. لكن تعجبت كثيراً. وجوده هنا في وقت باكر هكذا! تبسم الآخر يقول: صباح الخير يا سليمة. رغم نفورها منه، لكن ردت: صباح النور يا فارس. إيه خير؟ هي طنط عيانة ولا حاجة؟ رد فارس: لأ، ماما بخير وصحة الحمد لله. تنهدت سليمة قائلة: طب كويس. عن إذنك عندي شغل ولازم أكون في الشركة في ميعادي. مش بحب أتأخر. قالت هذا واستدارت تعود للسير. لكن فارس أمسك معصمها حتى تقف.
وقفت ونفضت يده بعنف قائلة: اتجننت أكيد؟ إزاي تمسك إيدي بالشكل ده! رد فارس باعتذار: آسف، بس كنت عايز أتكلم معاكي في موضوع مهم. نظرت له سليمة قائلة بلهجة ساخرة: ويا ترى إيه الموضوع المهم اللي جابك من الكمباوند الراقي لحَيّنا المتواضع؟ في وقت زي ده هنا! شعر فارس بسخريتها لكن تجاهل وقال: مش هينفع نتكلم عالسلم. إيه رأيك أعزمك على فنجان قهوة في أي مكان؟ ردت برفض: لا، معنديش وقت. مرتبطة بمواعيد. عن إذنك. ابتلع فارس طريقة
تحدث سليمة الجافة وقال: لو تحبي أوصلك معايا. عندي مشوار مهم قريب من مكان الشركة اللي بتشتغلي فيها. وكمان ممكن نتكلم في الطريق. عندي موضوع عايز آخد رأيك فيه. ويا ريت قبل ما ترفضي هقولك الموضوع خاص بماما. فكرت سليمة لدقيقة ثم ردت: أوكيه، مفيش مانع. ............. بعد قليل. أمام شركة الصقر. نزلت سليمة من السيارة وقالت بشكر: متشكره قوي. وأكيد هكلم طنط في الموضوع اللي قلت لي عليه وهحاول أقنعها.
وكذلك نزل فارس من السيارة مبتسماً، يمد يده بالسلام لها يقول: متأكد إن ماما بتحبك. هتسمع كلامك. للحظة فكرت سليمة ثم مدت يدها وسلمت عليه وتركته واقفاً، ينظر لخطاها إلى أن دخلت إلى الشركة. ثم عاد وصعد سيارته مغادراً. غير منتبه للذي رآهم من زجاج شرفة مكتبه. تذكره عمران سريعاً. هو رأى هذا الشخص سابقاً. بالبناية اللي تسكن بها سليمة مع والديها. شعر بغيرة لما سمحت له بإيصالها سابقاً. رفضت أن يوصلها. .....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ،،، في قنا. على طاولة الفطور. جلس حمدي يعبث بطعامه. نظرت له وجيدة تقول: ليه مش بتفطر؟ في حاجة ناقصة؟ رد حمدي: لأ، أنا ماليش نفس. اتعودت دايماً تكون سمرة معانا. زفرت وجيدة وتحدثت: أنا مش عارفة سبب أن سمرة تسيب البيت بالشكل ده. وكمان عاصم لما اتكلمت معاه قال لي محصلش بينهم أي شيء. وهي حرة! تحدث حمدي: وكمان مش عارف سبب لما قلت لعاصم يروح يجيبها من عند خالتها.
رد عليا وقالي نفس الرد: هي سابت البيت من نفسها يبقى عايزة ترجع أو لأ، هي حرة. ردت وجيدة: أنا اتصلت على نادية أسألها إن كانت سمرة حكت لها السبب أو إن حد زعلها. قالت لي سمرة تقريباً. من يوم ما سابت قنا وهي معظم الوقت نايمة. حتى لما بتبقى صاحية مش بتحكي لها على حاجة.
تحدث حمدي بتحيّر: أنا مش عارف ولا فاهم حاجة. حتى عاصم كمان سافر ليلة ما رجع من قبرص للعين السخنة. ومعظم الوقت قافل التليفون. أنا فكرته هيلغي الرحلة ويروح يجيب سمرة الأول. بس هو سافر لوحده! ...................... ظهراً. بأسيوط. كانت سولافة تسير بالجامعة. دون انتباه منها اصطدمت بشخص ووقع الهاتف من يدها ليفتح غطائه وتتناثر منه البطارية وكذلك شريحة الخط. انحنى الشخص وقام بلم محتويات الهاتف وأعطاها لها متأسفاً، ثم تركها.
لكن تلفت لها أكثر من مرة دون انتباه منها. أخذت سولافة من يده الهاتف ومحتوياته ووضعتها بحقيبة يدها. وغادرت الجامعة. ذهبت إلى أحد الكافيهات القريبة من الجامعة والمطلة على النيل. جلست وأخرجت الهاتف ومحتوياته ووضعتها أمامها وبدأت بإعادة تعديله. وقبل أن تغلق غطاء الهاتف شغلته. لتنخض حين شغلته برنين الهاتف بين يدها. نظرت للشاشة لمن يتصل. همست عامر! بدون تفكير أغلقت بوجهه الخط.
وقامت ووقفت. وضعت إحدى يديها على ذلك العازل الحديدي الذي يفصل الكافتيريا عن النيل. شردت فيما حدث سابقاً. منذ أيام. فلاش باك***)) خرج عامر من غرفة المكتب وترك عاصم وهو متضايق من فعلة سمرة وتركها للبيت بغياب عاصم ودون أن تخبر أحد والعثور على هذا الهاتف. خرج مباشرة إلى حديقة المنزل يسير بها إلى أن وجد سولافة تجلس على أحد المقاعد وحدها. اقترب منها وتحدث بسخرية: قاعدة رافعة راسك لفوق ليه؟ بتعدي النجوم؟
اعتدلت سولافة قائلة: لأ، قاعدة بفكر ليه سمرة سابت البيت! رد عامر بعجرفة: إيه البغبغان اللي جواكي مش لاقي سبب للفتنة؟ تعجبت سولافة قائلة: قصدك إيه؟ رد عامر: قصدي واضح جداً. أكيد عمتي مكنتش بتتصنت عليكي وإنتي بتردي عليا في التليفون. يمكن داء الفتنة اللي فيكي اشتغل وقالها. ردت سولافة بتعجب: داء فتنة قصدك إيه؟
رد عامر: مفكراني أهبل وهصدقك. أنتي من يوم فرح عاصم ومتغيرة والغيرة واخدة حقها معاكي من أفنان. بدون سبب. وأكيد زي ما كنتي بتقولي لي أخبار عمتي وأبو قردان أخوكي. أكيد كنتي بتنقل لعمتي على اللي كنت بقوله ليكي. والدليل ظهر بوضوح لما عمتي ردت عليا وأنا بكلمك. يعني كنتي زي ما بيقولوا جاسوس مزدوج. تنقل لده وده بيلعب على كل الأطراف. وقفت سولافة: حاولت أكبت دموعها لكن
دمعة خانتها وتحدثت قائلة: أنا مش جاسوسة مزدوجة ولا بنقل كلام حد لحد تاني. وكانت غلطتي لما قلت لك اللي سمعته بالصدفة من ماما وعاطف أخويا. بس خلاص. حتى لو كنت زي ما بتقول جاسوسة، فأنا مهما سمعت بعد كده مش هقولك. ويا ريت تنسى رقمي خالص ومتتصلش عليا. وأوعدك إني مش هكلمك تاني. وخلّيك مع الست أفنان يمكن تنفعك أكتر. قالت هذا وتركته تدخل إلى البيت وهي تمحي آثار دموعها. توجهت مباشرة إلى الغرفة الموجودة
بها عقيلة وتحدثت بتعسف: عاطف فين؟ خلينا نرجع لأسيوط. إحنا لازم نرجع أسيوط الليلة. تحدثت عقيلة بسخرية وهي تنهض من على الفراش: ليه؟ إيه السبب؟ أنتي اللي اتشعلقتي وقلت هاجي معاكم. طنط وجيدة وحشتني. إيه اللي اتغير؟ ردت سولافة بربكة: مفيش حاجة اتغيرت. بس أنا افتكرت إني عندي سكشن مهم بكرة. وواحدة زميلتي من شوية فكرتني بيها عالطليفون. ولازم أحضره لأنه عليه درجات أعمال سنة.
لم تصدقها عقيلة. فهناك آثار لدموع أسفل عين سولافة. كما أن بصوتها حشرجة كأنها كانت تبكي. ولكن تخابثت قائلة: ومين سمعك؟ خلينا نرجع. أنا مش طايقة أفضل هنا دقيقة واحدة.
عاطف أنا اتصلت عليه من شوية قال لي إنه كان عند صديق له بيزوره. وفي السكة راجع لهنا. وكنت لسه هاجيلك أقولك تحضري نفسك عشان هنرجع أسيوط الليلة. وخلي سي عاصم يعمل اللي هو عايزه بسمرة. هي غبية وتستاهل. الله أعلم وجيدة ولا عاصم عملوا فيها إيه. طفشت وسابت لهم البيت الغبية بدل ما كانت تيجي لعندي وأنا أجيب لها حقها من عين عاصم. ووجيدة راحت لخالتها.
ردت سولافة: سمرة تروح مكان ما هي عايزة. هي حرة. خلينا في نفسنا. أنا تقريباً جاهزة. هروح أجيب شنطتي من الأوضة اللي كنت فيها. قالت سولافة هذا وخرجت. تحدثت عقيلة: مفكراني مش فاهماكي يا روح أمك. الدموع في عينك واضحة زي الشمس. بس كويس عشان تعرفي ولاد وجيدة اللي كان نفسك أخوكي يبقى زيهم. وحياتك مفيش فرق غير حبة فلوس وهي اللي عاملة المكانة اللي عندهم. بعد عدة دقائق ببهو المنزل.
تحدث حمدي: الوقت اتأخر يا عقيلة. الساعة تقريباً قربت على عشرة ونص. خلوكم للصبح. نص سواقة الليل خطر. ردت وجيدة: قول كل سواقة الليل خطر. وكمان الطريق فيه جزء صحراوي ومقاطيع الجبل. ردت عقيلة: لأ، أنا كنت جاية أطمن وأعرف فين سمرة وليه سابت البيت. بس عاصم ابنك قال لي بلاش أدخل. وأنا هسمع كلامه. أنا مش هدخل بين راجل ومراته. هما أحرار. بس الحمد لله اطمنت إنها بخير.
رد عاطف بتشفّي: مالوش لازمة وجودنا خلاص طالما سمرة اتعرف طريقها. ومتخافش يا خالي أنا معايا سلاح ومش أول مرة أمشي عالطريق ده بالليل. وربنا بيستر. لفت انتباه وجيدة صمت سولافة. وكانت ستتحدث لولا مجيء عامر. الذي قال متعجباً: واقفين كده ليه عند الباب! ردت سولافة بحدة: إحنا ماشيين دلوقتي. استغرب عامر يقول: ليه؟ استنوا للصبح وسافروا بالنهار! ردت سولافة: لأ، الليل زي النهار ومش فارقة دلوقتي من الصبح. الفرق ساعات مش أكتر.
أنا هسبق بالعربية. غادرت سولافة ليلحقها عقيلة وعاطف مباشرة. عودة ***)) دمعة سالت من عين سولافة لكن سرعان ما أزالتها بيدها. ونظرت للهاتف الذي بيدها وقامت بإخراج الشريحة الخاصة بالاتصال منها. وقامت بإلقائها بمياه النيل. وعادت للطاولة مرة أخرى ووضعت هاتفها بالحقيبة وغادرت المكان وهي تشعر أن هذا أفضل لها. ........ بنفس الوقت بشركة الصقر. ألقى عامر الهاتف على
المكتب أمامه وتحدث بندم: مكنش لازم أقولها الكلام ده يومها. هي عقلها صغير. بس أنا قولت مع الوقت هتنسى. يارب الصبر من عندك. رن هاتف عامر. للحظة شعر بأمل أن تكون سولافة. لكن كان الاتصال من أحد الموظفين بالشركة. الذي تحدث له:
عامر بيه، الآنسة أفنان اللي حضرتك أمرت إنها تشتغل في الحسابات واستلمت شغلها من أسبوع تقريباً. امبارح خدت إذن وغادرت الشغل قبل ميعاد الانصراف. والنهاردة مجتش. حضرتك كنت قايل لي أحطها تحت نظري وأبلغك بأخبارها. تعجب عامر يقول: طيب كويس إنك بلغتني. متشكر قوي. أغلق عامر الهاتف ووضعه على المكتب يقول: مش عارف إيه حكايتك معايا أنتي كمان. يارب أنا ليه حيران؟ مع أن الاختيار سهل! ......... بشقة بحي شعبي.
جلست أفنان جوار أخيها على الفراش تطعمه وهو زاهد للطعام. قالت بتوسل: سيد علشان خاطري بقالك يومين مش بتاكل. رد سيد بطفولة: ومش هاكل. أنا عايز أفضل في المحل. ليه سبتيه للراجل؟ وكمان بتفضلي طول اليوم في الشغل وأنا لوحدي في الشقة. ردت أفنان: سيد مش أنا اللي سبته من نفسي. والله الراجل هو اللي غصبني. أنت مفكر إني مبسوطة بالشغل عند حد؟ بابا الله يرحمه كان كلامه صحيح. شغل الشركات والمحلات مجهد وبمواعيد دخول وانصراف مش بمزاجي.
رد سيد: أنا هكلم عامر يخرجك من الشغل بدري. تبسمت أفنان: طيب ابقى كلمه. بس دلوقتي كل بقى. قربت معلقة الطعام من فمه، ولكن مازال غاضب. كانت ستحاول لكن رن جرس الباب. وضعت أفنان الطبق من يدها ونهضت تتجه لفتح باب الشقة. بعد دقيقة. دخلت أفنان تقول ببسمة: عارف مين اللي كان بيرن جرس الباب؟ تحدث سيد: مش عايز أعرف. ردت الأخرى: يعني أرجع تاني وبلاش أدخل؟ تبسم سيد ونهض من على الفراش وذهب إليها واحتضنها قائلاً: ماما نادية.
......................................... فتحت سمرة بوابة تلك الفيلا. ودخلت. تعجبت كثيراً حين رأت زهور بالفيلا وبعض الأشجار خضراء. إذن كما أخبرتها نادية أنها كانت ترسل من يعتني بالفيلا ويقوم بتنظيفها من الحين للآخر. سارت تتقافز أمامها ذكريات الطفولة. هنا سقطت وجرحت ساقها. هنا لعبت تحت الأشجار مع طارق. هنا كانت تتناول وجبة الفطور والعشاء مع والديها بليالي الصيف الصافية. وصلت إلى باب الفيلا الداخلي وقامت بفتحه.
أشتمت رائحة والديها. شعرت بعودة ذلك الشرخ القديم التي ظنت أنه التأم مع الأيام. لكن للأسف هو صدع صعب أن ترممه الأيام. تجولت بداخل الفيلا تستعيد بعض الذكريات من طفولتها التي انتهت باكراً. منها ذكريات سعيدة. وأخرى تراها الآن سعيدة أيضاً. لكن وقتها كانت تشعر أنها مريرة. دخلت إلى تلك الغرفة الصغيرة الخاصة بالموسيقى. رأت البيانو الخاص بها مازال موجود. سريعاً ما. جلست سمرة خلف البيانو.
دون شعور منها أصابعها سارت على المفاتيح. بدأت تعزف. أغمضت عيناها. تتخيل عاصم. مذاق أول قبلة قبلتها لها. تشعر بها بشعور آخر. وقتها كانت تشعر بالرجفة والخوف. الآن تتمنى أن يقبلها وتذوب بين يديه. تشتاق له. تريد أن تستنشق من أنفاسه لتعود إلى الحياة. سكن خيالها. رأته يضمها بين يديه يرقص بها في فضاء واسع. يسير بها بين السحاب. نظرت لعيناه التي تعشقها. ترى نفسها تسكن بعيناه. لكن. فاقت من الخيال على صوت تصفيق.
فتحت عيناها وأزالت تلك الدمعة التي سالت منها دون شعور منها. نظرت إلى من يصفق. تبسمت ونهضت سريعاً واتجهت إلى من يصفق وقالت بود: دادا حكمت. وحشتني كتير كتير.
ضمتها حكمت بقوة: سمرة وردتي أم عيون عسلية. أنتي وحشتني كتير. اتغيرتي. كبرتي وكمان عرفت إنك اتجوزتي من عاصم. كنت حاسة بكده من زمان. عاصم لما كان بيبقى هنا دايماً عينه كانت بتبقى منك. وأنتي كمان كنتي بتحبي وجوده قدامك. وفاكرة لما زعلتي لما هو مشي من هنا وراح سكن في شقة خاصة بعيد عن هنا. فضلت يومين من غير أكل. ومأكلتيش غير لما محمود بيه قالك هياخدك معاه الشركة. هو بيشتغل هناك. تنهدت سمرة تشعر بألم ولم ترد.
في تلك الأثناء دخل طارق مبتسماً يقول: إيه رأيك في مفاجأة إنك تشوفي دادا حكمت. ردت سمرة: مفاجأة حلوة قوي. ردت حكمت: أنتي اللي كبرتي وبقيتي حلوة قوي. في أثناء الحديث. لا تعرف سمرة ماذا حدث لها. فجأة شعرت بغثيان. تركتهم وذهبت سريعاً باتجاه الحمام وظلت دقائق وسط قلق طارق وحكمت عليها إلى أن خرجت. اقترب منها طارق بلهفة ووضع يده حول كتفيها، يقول: سمرة مالك؟ إيه اللي حصل لك فجأة كده؟
ردت سمرة بوهن بعض الشيء: ولا حاجة. أنا بقيت كويسة. هي فجأة حسيت بغمة نفس وراحت دلوقتي. يمكن بسبب الأكل. أنا مكنتش عايزة أكل وماما نادية غصبت عليا. بس دلوقتي بقيت أحسن. لكن الأمر لم يخف على حكمت وقالت: طارق روح هات لسمرة عصير. شكلها هبطانة كده. ردت سمرة: لا مالوش لزوم. أنا بقيت كويسة خلاص. بالعكس أنا معدتي ارتاحت كده. ردت حكمت: روح يا طارق ومتسمعش كلامها. استجاب طارق لقول حكمت وخرج. قالت
لها حكمت وهي تشد من يدها: تعالي نقعد وأحكي لي زي زمان لما كنتي بتحكي لي على كل حاجة حصلت معاكي. وفين عاصم مش معاكي ليه؟ أنا فوجئت بطارق النهاردة جالي وقالي إن سمرة هنا في القاهرة ونفسها تشوفك. بس قبل ده ليا عندك سؤال. ردت سمرة: فعلاً. كان نفسي أشوفك من زمان. إيه هو سؤالك؟ سألت حكمت: سمرة أنتِ عملتي اختبار حمل قبل كده؟ تعجبت سمرة تقول: قصدك إيه؟ عملت اختبار حمل قبل كده؟
ردت حكمت: سمرة أنا عندي شك يكاد يكون يقين إنك حامل. وواضح جداً عليكي. ولازم تعملي اختبار وتتأكدي من كلامي. ودلوقتي جاوبي على أسئلتي. .......... بنفس الوقت بالعين السخنة. كان عاصم يجلس على مقعد قريب من الشاطئ يتأمل الأمواج المتلاحقة. خرج من تأمله على رنين هاتفه. نظر للشاشة وسريعاً ما رد على الطالب. سمع حديثه. وتحدث باختصار: يعني مدام سمرة دلوقتي في فيلا عمي؟
رد الآخر: أيوا هي دخلت من شوية. بس بعدها بوقت صغير جه الأستاذ طارق ومعاه ست مش كبيرة قوي في السن. رد عاصم: ومتعرفش مين الست دي؟ رد الآخر: لأ، أول مرة أشوفها. ولو تحب ممكن أبعتلك صورتها. رد عاصم: تمام. ابعتلي صورتها وخليك دايماً معايا على تواصل. أغلق عاصم الهاتف يقول: يا ترى مين الست دي يا سمرة هانم؟ سمع صوت الرسالة. فتح الصورة وعرف من تكون. إنها المربية الخاصة بسمرة. حكمت.
أغلق الصورة وفتح أحد البرامج. ليظهر أمامه الفيلا من الداخل. رأى سمرة تجلس تعزف على البيانو وهي مغمضة العين. للحظات نظر لها عبر الفيديو باشتياق. لكن ضاع الاشتياق حين رأى معها. طارق.... وبعد لحظات وجده يقف يضع يده حول كتفها. أغلق الهاتف سريعاً. وتحدث بتوعد: كفاية عليكم كده. لازم أرجع. وهعرف إزاي أربيكم. .............................. بالقاهرة ــــــــ بشركة الصقر. رأى عمران تلك الملفات المرسلة إليه على الإيميل.
رغم أنه يفهم ما بها، لكن لما لا يطلب تلك سليطة اللسان أن تأتي إليه. يستمتع بالحوار معها مضايقتها. وبطريقة ردها المتعجرفة عليه. رفع هاتف الشركة وقام بطلبها أن تذهب إليه. بعد دقائق. دخلت سليمة دون أن تطرق الباب. أدار عمران. رأسه ينظر لها قائلاً: في باب ليه مخبطتيش عليه قبل ما تدخلي؟ ردت بعجرفتها قائلة: والله أنا سألت السكرتيرة وقالت لي إنك لوحدك، فقولت مفيش داعي أخبط وأدوّشك. تحدث بتهكم قائلاً
بسخرية: لأ بتفهمي، طب ده أبدي إنك تخبطي قبل ما تدخلي، افرضي إني مثلاً كنت واخد راحتي وقالع القميص ولا حاجة! نظرت إليه قائلة: بدأنا وصلة قلة الأدب، قولي لي ليه استدعيتني، أكيد في سبب. تبسّم قائلاً: تعرفي إنك وقحة، بس مش ده المهم. ردت عليه: وماله، وقحة وقحة، قولي عايز إيه. رد يبتسم بمناكفتها قائلاً: على فكرة أنا المسؤول القانوني للشركة، وأقدر أحولك لمجلس تأديب على طريقتك في الكلام معايا.
نظرت له بغضب دون رد، تزفر أنفاسها وتزم شفتيها بغيظ. تبسّم، كم ود أن يقبّل تلك الشفاه التي تثيره حين تزمها حين تتضايق. تحدث قائلاً: إيه الملفات اللي أنتِ محوّلاها لي عالإيميل دي؟ ردت قائلة: ما فتحتهاش وقريتها ليه، وأنت تعرف. تبسّم قائلاً: عاوز فكرة مختصرة، وبعدها هقرأهم على رواق. ضمّت شفتيها تهمس ساخرة: والله إنك مدير من قلة، كله بسبب أخوك اللي سايب الإدارة وداير ورا مراته اللي مجنّناه.
وقال إيه صقور شاهين، دا أنتم مش محصلين جوز أغربة. داهية في رخامتك. تبسّم وهو يراها تهمس لنفسها، تحدث قائلاً: ها، بتكلمي نفسك كمان؟ يعني وقحة وبستحمل، لكن مجنونة لأ، إحنا في شركة محترمة وكلنا عاقلين الحمد لله، ربنا يديم عليا نعمة العقل. نظرت له ساخرة تقول: فين العقل ده؟ قولي! قدامك الملفات، أنا بعتها عالإيميل، المفروض تقراها مش تبعت لي عشان تعرف محتواها، ومع ذلك هقولك عشان أريحك.
الملفات دي أنا راجعت كل الاتفاقيات اللي تمت بين الشركة والعملاء، وتعاملات مع بعض الشركات التانية. وعدّلت في الاتفاقيات شوية حاجات في الشروط الجزائية. تعمّد الحديث معها بعجرفة قائلاً: ومين اللي أداكي إذن تعدلي في الاتفاقيات دي وشروطها الجزائية؟ أنتي هنا مجرد محامية من ضمن محامين الشركة، وأنا رئيس الشؤون القانونية، ولازم تاخدي مني الإذن أولاً قبل ما تعملي أي تعديل.
ردت بغيظ قائلة: والله مستر عاصم اتصل عليا وهو اللي قالي، وأنا نفذت اللي طلبه مني، تقدر تسأله. وهو غايب عن الشركة وسيادتك المسؤول في غيابه، فبعتهم لك عالإيميل. تبسّم على غيظها قائلاً: طيب خلاص، تقدري تروحي مكتبك تكملي شغلك، وأما أحتاجك هرسل إليكي، مع إنّي كنت أفضل تشرحي لي الشروط اللي عدّلتها، بس مش عاوز أتعبك، شايفك مجهدة وشكلك عيانة، لو عاوزة إجازة بقية اليوم مفيش مانع.
ردت قائلة: لأ، أنا مش مجهدة ولا عاوزة إجازة، كتر خيرك. تحدث بلؤم: يعني عاوزة تفضلي معايا هنا في المكتب نراجعهم سوا، معنديش مانع. ردت سريعاً: لأ، أنا بتخنق من المكاتب الفخمة. ضحك وهو يرد عليها: ده حقد طبقي، على العموم براحتك، مش هأغصبك. نظرت له قائلة: حقد إيه على إيه؟ اللي عطاكم يعطي غيركم، أنا ماشية ومن غير إذنك. غادرت وهي تهمس قائلة: برجوازي حقير. وهو يضحك على غيظها
قائلاً: والله صقور شاهين واقعين في غرام عصفورة ويمامة، الصقر التالت وقع في غرام بغبغانة. ......................... مساءً بشقة أفنان تبسّمت أفنان على لعب سيد ومرحه مع طارق وهم يجلسون أرضاً بغرفة الضيوف. تحدث طارق: لما ماما نادية اتصلت عليا، قالت لي سيد زعلان منك عشان مش بتزوره، أنا فضيت نفسي وجيت لك مخصوص، مقدرش على زعلك. تبسّم
سيد يقول: أنا بحب ماما نادية، هي بتزورني كتير وتقعد معايا، بس ليه لما كنا في الفرح في الصعيد، أفنان قالت لي مقربش منكم وأعمل نفسي معرفكمش؟ رد طارق: مفيش سبب، ثم أكمل بتتويه: بعدين خلينا في اللعب، أنا اللي هكسبك في الطاولة، من زمان ملعبتش طاولة. رد سيد: وأنا كمان، من يوم وفاة بابا هو اللي كان بيعرف يلاعبني، أفنان مش بتعرف. أنا هغلبك زي ما كنت بغلب بابا. أبتسم له طارق. تحدثت أفنان: هسيبكم مع بعض وهروح أحضر العشا.
خرجت أفنان، ولكن لم تصل للمطبخ حين رن جرس الباب وذهبت لتفتح. فوجئت بمن أمامها وتحدثت بارتباك: عامر!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!