فاقت فاتن ووجدت الغرفة منيرة، بالضوء، رغم أنه يوم شتائى لكن كانت الشمس ساطعة. أغمضت عيناها مرة أخرى، لكن فتحتها مرة أخرى حين سمعت: "صباح الخير يا سلوى." فتحت عيناها بأتساع ونظرت إلى من تتحدث، قائلة: "نادية! ابتسمت نادية بعيون دامعة، وأقتربت من الفراش، قائلة:
"من يوم ما شوفتك، في المستشفى عند طارق، وأنا حسيت أنك سلوى، بس كذبت إحساسي، وقولت مستحيل، اللي بيموتوا، مش بيرجعوا، تاني. بس لما جالي مجدي مدير أعمالك امبارح، وقالي، أن فاتن النديم، هي سلوى شكري، منكرش جالي ذهول، ومكنتش مصدقاه، بس هو قال لي، مامة طارق، وسمرة، مكنش حد، يعرف السر ده غير، أنا وسراج، وسمرة، وطارق، لغاية وقت قريب، واللي عرف هو عاصم، وعيلته، بس، يبقى مجدي عرف منين؟
أكيد منك، من سلوى نفسها، أنا هنا في المستشفى من امبارح." نظرت سلوى، وبدأت دموع عيناها تسيل، "أنا الميتة اللي رجعت تاني، يا نادية، بس رجعت علشان أموت، المرة دي بجد، مش كذبة." اقتربت نادية من فراش سلوى، وجلست جوارها وأمسكت يدها بحنو قائلة: "سلوى اللي أعرفها عمرها ما كانت انهزامية، ولا بتسلم بسهولة، وكانت بتعمل المستحيل وتوصل للي هي عايزاه، يبقى ليه النهارده، تستسلمي؟ تبسمت سلوى بخفوت قائلة:
"سلوى دي ماتت من أكتر من تلاتشر سنة، ماتت في حريق المصنع، أو بالأصح اختارت تبقى ميتة." دمعة فرت من عين نادية قائلة: "ليه يا سلوى، اخترتي تبقي ميتة؟ بدمعة هي الأخرى، ردت سلوى:
"أنا كنت مشوهة، مش بس ملامح وشي، وجسمي، كمان روحي. أنا لما فقت في المستشفى اللي نقلني ليها زاهي، عرفت أن محمود مات. مصدقتيش، هتصدقيني، يا نادية، لو قولتلك، أن محمود هو حب حياتي كلها، عمري ما قلبي دق لحد غيره، رغم أن معظم حياتنا مع بعض كانت خلافات، وكنت أنا سببها، معظم الوقت، كنت بدور على الواجهة الاجتماعية، وأني أبقى سيدة مجتمع مرموقة، ينضرب بها المثل في النجاح، وكمان هي سبب في نجاح زوجها، قدام الناس يفتخر، بها.
محمود كان طيب الأخلاق، وكان بيحبني، ودايماً كان بيتمنى رضاي، لكن أنا كنت النقيض. أنا فاكرة لما أطلقنا المرة التالتة، شوفت دموع في عينه، خلتني قويت وقتها، وقولت لازم أندمه. وبالفعل اتجوزت من سراج، وخلفت. روحت له المصنع، وأنا حامل مخصوص علشان أخليه يحس بالعجز، وميفكرش في واحدة غيري، لأنه عقيم، ومفيش واحدة هتتخلى عن غريزة الأمومة، حتى لو بتحبه. شوفت دمعة في عينه، منكرش وقتها، اتشافيت فيه، بس هو أتمنى ليا الخير، وقالي
أنه فرحان أني هبقى أم حتى لو من واحد غيره. بعد ما كنت نايلة فيه مرادي، حسيت بأن تهنئته ليا، سكينة دبحيتني، وقولت لازم أرجع له، وده اللي حصل. بعد ولادتي لطارق، عدت من سراج خلصت، روحت ل محمود، وطلبت منه نرجع، إني أنا وسراج كنا على خلاف، ومطلقين بعد شهور من جوازنا، وعدتي خلصت بمجرد ما ولدت طارق. وقتها وافق بسرعة، وفكر أني خلاص هنسى أنه عقيم، وبالتالي، مش هدور على خلفه. وبالفعل فضلت حياتنا كده لحد سمرة ما جت بتلقيح
صناعي. الطمع في قلبي زاد، وجيدة عندها ولدين وأنا بنت، وصعب أن محمود يخلف تاني، كتير كنت بعمل مشاكل معاه، علشان يكتب كل حاجة باسمي أنا مش باسم سمرة، كان بيرفض، وقالي أنه مستحيل يغضب ربنا علشان يرضيني، ولو جراله حاجة متأكد حمدي هيصون بنته، ومش هيظلمها. بس في أواخر أيامه، زي ما يكون كان قلبه حاسس، لقيته بيقولي حمدي بيقولي أكتب كل أملاكك باسم بنتك يا محمود، وأنا هكون الشاهد الأول، وهطلب من رضا جوز عقيلة يكون الشاهد
التاني. وبالفعل كتب محمود كل أملاكه باسم سمرة، بعد ما حول لعقيلة مبلغ كبير عالبنك كان يفوق ميراثها فيه وقتها. أنا عرفت بالصدفة، وطبعاً قومت الدنيا، وده كان آخر خلاف بينا. عقيلة خافت لامحمود يرجع ويطلب منها المبلغ تاني، زرعت الشك في قلبي لمحمود، وأنه على علاقة، بواحدة بتشتغل في المصنع، وأنه بعد ما خلف سمرة ممكن يكون عنده أمل يخلف تاني بنفس الطريقة من أي واحدة، وأن وجيدة وحمدي، هما اللي ضغطوا عليه يكتب كل أملاكه لسمرة،
علشان أنتي تطمنيني، وتثقي فيه، بس بسهولة هو يقدر يحول أملاكه مرة تانية من سمرة له لأنها بنتها، وتحت وصايته، وهي السبب في حريق المصنع، اللي فقدت فيه محمود، وكمان فقدت نفسي."
تحدثت نادية، بدموع: "وليه اختارتي، تبقي ميتة، ليه مقولتيش وقتها أنك عايشة على الأقل علشان سمرة؟ ردت سلوى: "سمرة أكتر، واحدة كان موتي في مصلحتها. سمرة لو اتربت على إيدي، مكنتش هتشبهني. سمرة أخدت صفات وجينات محمود، الطيبة والسذاجة، كنت هدمرها بغروري. تفتكري، لو كنت سلوى القديمة، كنت هسمح أن عاصم، بس يقرب من سمرة؟
مستحيل. تفتكري لو سلوى القديمة، جت سمرة، وقالت لها أنها حامل في جنين عاصم، زي ما قلتي، كنت هسيبه يكمل في بطنها." تنهدت نادية قائلة: "الماضي انتهى، يا سلوى، واتنسى، وكلنا مع الوقت قراراتنا بتتغير، وإحنا نفسنا بنتغير. تعرفي، سمرة قالت لي إيه؟ بعد ما طلعت من المستشفى في قنا." رغم الألم التي تشعر به سلوى لكن قالت بفضول: "قالت لك إيه؟ ابتسمت نادية رغم دموعها قائلة:
"قالت لي أنها سمعتك بتكلميها، بمحبة، وألفة، وهمست لها، أنها تقاوم علشان جنينها، وكمان عاصم. أنا اتأكدت النهارده، أنه مكنش وهم غيبوبة. حست بيه، متأكدة أنك، كنت في المستشفى معاها فعلاً. مجدي حكى لي، عن العقد اللولو، اللي كان السبب في إنقاذ سمرة في الوقت المناسب، يا عالم لو عاصم اتأخر على سمرة، كان زمانها." صمتت نادية وتحدثت سلوى بذهول: "سمرة، قالت لك أنها سمعتني، وهي في الغيبوبة." تبسمت نادية:
"أيوا يا سلوى، انتي صوتك كان مرافق لها طول الوقت، هي قالت لي كده، وكذبتها، وقولت لها، تخاريف، بس طلعت أنا اللي خرفانة." تبسمت سلوى قائلة:
"سلامتك من الخرف يا نادية، انتي فضلك على ولادي، الاتنين. قمتي بدوري، وأنا عايشة، وأنا ميتة. طارق، كان ابنك من البداية، حتى سمرة كمان، أنا حتى مش أم لطارق على ورق، انتي أمه الحقيقية، وسمرة، بنتك، وبعدها بنت وجيدة، وجيدة اللي كنت برسم لها مقالب، علشان متبقاش أفضل مني، بس هي كمان كملت وخدت سمرة في حضنها، وربتها، وحافظت عليها، كان نفسي أشكرها، أطلب منها تسامحني، أبقي خليها تسامحني، يا نادية." ابتسمت نادية بدموع قائلة:
"شدي حيلك كده، وقاومي، وربنا يشفيكي، واطلبي منها بنفسك السماح واشكريها، وكمان علشان تشيلي حفيدك، الأول. أقولك على حاجة تضحكك، سمرة الدكتورة في قنا قالت لها أنها حامل في ولد ومش مقتنعة، وهنا كمان الدكتورة اللي كانت متابعة معاها الحمل من الأول، قالت نفس الكلام أنها حامل، في ولد وبرضه مش مقتنعة، وبتقول هي إحساسها أنها، بنت، وهي عايزة بنت." تبسمت سلوى ساخرة، تقول:
"سمرة نفسها في بنت، وأنا زمان كان نفسي هي تبقى، ولد علشان أقدر أسيطر بيه على محمود، وعلى كل أملاكه. سخرية القدر." ردت نادية: "سلوى انسي الماضي، وخلينا في الحاضر، قدامك فرصة لسه، قاومي علشان سمرة وطارق." تنهدت سلوى بيأس: "مبقاش عندي، وقت، بس وصيتي ليكي يا نادية، ولادي، كانوا دايماً، أقرب لحضنك من حضني، أبقي خليهم يترحموا عليا." كانت سمرة تنام بجانبها على إحدى يدي عاصم، ويديه الأخرى تُمسد على خدها.
أغمضت سمرة عيناها للحظات ثم فتحتها، ونظرت لعين عاصم الذي ينظر لها، قائلة: "عاصم هسألك سؤال وتجاوب بصراحة." ابتسم عاصم، وهو يعتدل، على الفراش نائماً بظهره، وجذب سمرة لتبقى على صدره قائلاً: "وأمتى كذبت عليكي يا سمرة، في حاجة." تحدثت سمرة قائلة: "أنت صحيح كنت عايزني أمضي عالطلاق، فكرت تطلقني." تنهد عاصم وهو ينظر لعين سمرة قائلاً:
"بصراحة في البداية فكرت، وكنت فعلاً هطلقك، بس بعدها فكرت، أني لو طلقتك، هبقى أنا الخسران، وفكرت أني أجيبك لحد عندي، وأنتقم منك بطريقتي." نظرت سمرة لعاصم بحزن، وابتلعت ريقها، قائلة: "وكان انتقامك هو تحويل ميراثي، وكل ما تشوف وشي تقول لي أوافق عالطلاق؟ تنهد عاصم بغصة يهز رأسه بموافقة، دون حديث. دمعة فرت من عين سمرة على صدر عاصم، شعر بها كأنها حارقة. رفع يده، وأزال، بعض من الدموع التي سالت من عيناها، ثم قال:
"سمرة أنا كنت بتعذب لما بشوفك، كان بيبقى، قلبي، بيتحرق، وأنا بقولك نطلق، يمكن كان الغرور، والكبر متحكمين فيا، بسبب أنك سبتي البيت في غيابي، ورحتي عند طارق وكمان رسايل التليفون، وعلبة الدوا،، وده أسباب كافية لرفضي أن أسمع لتوضيحك لعلاقتك، بطارق، بس بعد ما كنتي بتسبيني وتمشي كنت بحس، بعذاب قلبي." تحدثت سمرة قائلة:
"طيب ليه حتى بعد ما عرفت أن طارق يبقى أخويا، سبتني أسبوع في قنا ومسألتش عني، حتى بالموبايل، والأيام اللي فاتوا كنت بتتعمد تبعد عني." نظر عاصم لعين سمرة، وكان سيخبرها عن ذالك العهد الذي قطعه على نفسه، مقابل أن تنجو، وتعود للحياة، لكن تبسم قائلاً: "كنت مشغول صدقيني، الشغل كان فوق بعضه، غير مؤتمرات صحفية، توضح اللي حصل من الهجوم عليا، وعمران لوحده مكنش، قادر على ده كله." تبسمت سمرة، ونامت على صدر عاصم، بصمت.
بينما شعر عاصم بـ سمرة على صدره. تذكر بداية ليلة أمس. فلاش باك. بأحد الجوامع. بعد أن أنتهى عاصم من صلاة العشاء، وأنفض معظم المصلين، اتخذ مكاناً له وظل شارداً، يفكر في حل لذالك العهد، يريح قلبه، وقلب سمرة معه، ولا يبتعد عنها، دون أن يخل بالعهد. أقترب منه، رجل كهل يقول: "لو سمحت يا ابني الجامع خلاص لازم نقفله، العشا وقتها خلص، هيئتك مش مغترب، ولا حتى مش لاقي مأوى." تحدث عاصم: "آه أسف، همشي، سلاموا عليكم."
وقف عاصم، وقبل أن يُغادر، تحدث الرجل الكهل: "لو مفيهاش فضول مني، أنا لاحظتك اليومين اللي فاتوا، بتيجي تصلي العشا وتفضل لحد ما الخادم بتاع الجامع، يقول لك أنه هيقفله، وشوفت عربيتك اللي واقفه قدام الجامع، دي تشتري، لك فيلا، مش شقة تسكن فيها، وكمان شكلك مش غريب عليا، شوفتك قبل كده بس مش فاكر فين؟ إيه حكايتك، لو مش عايز تقول لي، براحتك، بس أوقات كتير، بنلاقي، الحل للمشكلة الكبيرة عند شخص ضعيف." زفر عاصم بسأم دون رد.
تبسم الرجل قائلاً: "واضح أن مشكلتك كبيرة، ومش عارف لها حل. أنا عمك رضوان، المؤذن بتاع الجامع ده، أول واحد يفتح الجامع الفجر، وآخر، واحد يمشي منه. مر عليا حكايات كتير، لشباب، وعواجيز، فضفضوا ليا، وبعدها أنا مشوفتهمش تاني، ولا هما شافوني، كل واحد في طريق، الدنيا تلاهي، بس في منهم لقوا الراحة، وجوا شكروني. لو عايز تفضفض، أنا أوعدك سرك في بير، وحتى كمان لو مش عايز تقول لي على اسمك براحتك."
نظر عاصم إلى وجه ذاك الرجل، شعر اتجاهه بود وراحة،، لكن صمت قليلاً يستشف ملامحه، التي تشعرهُ بالراحة، والألفة والثقة اتجاههُ. شعر الرجل أن عاصم ليس لديه ثقة فنظر له قائلاً: "ربنا يفتح بصيرتك،" ورد عاصم: "اسمي عاصم، وعندي مشكلة مش عارف لها حل، ولو لقيت اللي يحلهالي، مستعد أدفع له، أي شيء يطلبه." تبسم رضوان قائلاً: "احكي، يا ابني، يمكن عمك رضوان الغلبان، يكون عنده الحل مجاني." تبسم عاصم له وقال:
"ياريت، تبقى، رجعت لي حياتي." تبسم رضوان قائلاً: "، ياه للدرجة دي، احكي، يا ابني." سرد عاصم لرضوان قصة ذاك العهد الذي قطعه على نفسه، لله، لو كان لشخص لأستسمحه. تبسم رضوان قائلاً: "والعهد ده، هو اللي منغص عليك حياتك، ومخليك، تبعد عن مراتك، بس ده سهل تخُل بالعهد ده، وكمان ترضي ربنا." نظر عاصم لرضوان، بسعادة ولهفة قائلاً: "وده إزاي بقى! تبسم رضوان قائلاً: "تعالى معايا."
خرج عاصم من المسجد بصحبة رضوان، وسار لجواره إلى أن دخل إلى غرفة ملحقة بالمسجد لها بابان، باب يفتح على المسجد، والآخر على شارع متوسط، بها بعض المحتويات، بصناديق ورقية كبيرة، وكذلك مكتب صغير. جلس رضوان على مقعد أمام هذا المكتب، وأخرج مفتاح من جيبه وفتح درج المكتب، وأخرج ملف وفتحه، ثم أخرج منه مجموعة ورقات ووضعها أمام عاصم الواقف قائلاً: "خد اقرأ الأوراق دي." أخذ عاصم الأوراق منه، وقرأها ثم قال باستغراب:
"دي صور وصولات أمانة." تبسم رضوان قائلاً:
"دي كمبيالات وفي منها واجبة الدفع، فوراً، دا غير في منها ميعاد دفعها، فات، وكمان في منها المفروض يندفع، خلال أيام. الكمبيالات دي على ست بتربي أيتام، علشان تجوز بنتها، وتسترها. اشترت جهازها، من محل بالتقسيط، بس قبل ما تخلص تقسيط، كان عندها بنت تانية، جه عدلها هي كمان، واضطرت تجهز التانية بالتقسيط، بس قدرتها المادية مش قد قيمة الأقساط دي بالتالي اتراكم عليها كذا قسط، وهي دلوقتي مهددة، بالسجن لو قدم صاحب المحل اللي اسمه في الكمبيالات دي للبنك، بسهولة هياخد عليها رفض، ويقدمها للمحكمة."
نظر عاصم لرضوان قائلاً: "مش فاهم قصدك أنا دخلي إيه؟ رد رضوان: "بلاش تقاطعني، أنا شايف من هيئتك، وكمان عربيتك، أن واضح أنك شخص مقتدر، والمبلغ المكتوب في الكمبيالات ممكن يكون بالنسبة له صغير جداً، بس عند ربنا كبير جداً. الست دي غارمة، ولو سديت عنها دينها، هتاخد ثواب كبير، وكمان تقدر بيه توفي العهد اللي قاطعته على نفسك قصاد أن ربنا يرأف بمراتك، وتعيش." تبسم عاصم قائلاً:
"موافق، وكمان على استعداد أتكفل بأسرة الست دي كامله، وهعمل لها مرتب شهري، يساعدها، على المعيشة، ولو عندك، أي ست غيرها، في نفس الموقف مستعد أسدد ديونهم. في المقابل أن ده يكون قصاد العهد اللي قطعته على نفسي، في لحظة يأسي مني." تبسم رضوان: "ليه تقول لحظة يأس مش يمكن كان اختبار، ونتيجته، أن، ربنا يعطيك فرصة تكون سبب في ستر أم وأنك تبقى سبب أنها متفارقش ولادها ويضيعوا من بعدها. افتكر دايماً أن أمر ربنا دايماً بيكون خير."
عاد عاصم من تفكيره على تنهيدة سمرة النائمة على صدره. تبسم عاصم يقول: "كل دي تنهيدة، يا ترى إيه اللي محير عصفورتي؟ رفعت سمرة نفسها عن صدر عاصم ونظرت لعيناه قائلة: "عاصم ممكن أسألك على حاجة." تبسم عاصم يقول: "سمرة بعد كده اسألي مباشر، وبلاش تاخدي إذن قبل ما تسأليني، أو تطلبى مني حاجة بعد كده." سمرة وهى تنظر لعين عاصم قالت باختصار: "ليال." تعجب عاصم يقول: "مالها ليال؟ ردت سمرة:
"مفكرتش فيها قبل كده، أيام ما كنت في الجامعة، عاطف كان قالي أنك تعرفها من زمان. هي جميلة، ووو.." تبسم عاصم مُقاطعاً يقول: "أبداً، عمري ما فكرت لا فيها، ولا في غيرها، لأني كنت مسحور، بعيون من أول ما شوفتها، وقعت تحت سحرها، لحد دلوقتي، حاولت أتخلص من السحر ده ومقدرتش." قال عاصم هذا وجذب سمرة على جسده، مُقبلاً وجنتها، هامساً جوار أذنها، "أنا وقعت في عشق عيون عصفورة، وكنت سجانها." رفعت سمرة وجهها تنظر لعين عاصم قائلة:
"قصدك كنت أمانها، العصفورة عشقت القفص، لأنه قفص مصنوع من ضلوع القلب، ولأنها مش مسجونة فيه لوحدها، هي مع وليفه." تبسم عاصم ينظر لسمرة لتتلاقى عيناهما ببعض ينظران بصمت. قطع الصمت رنين هاتف عاصم. ابتعدت سمرة قليلاً عن عاصم، فمد يدهُ، وأتى بالهاتف من على طاولة جوار الفراش، ونظر لشاشته، ثم لسمرة قائلاً: "ده عمران، هرد عليه أقول له أني مش رايح للشركة، النهارده." تبسمت سمرة بترحيب. بينما رد عاصم على الهاتف.
في البداية تحدث عمران قائلاً: "أنت فين، روحتلك مكتبك في الشركة، السكرتيرة قالت أنك مجتش الشركة، وأنا خرجت من الڤيلا، بدري مع عامر وصلته للمطار، ورجعت لهنا عالشركة. هتتأخر على ما تيجي، محتاج إمضتك على ملف." نظر عاصم لسمرة التي عادت تنام على صدره، وتبسم قائلاً: "لأ أنا مش جاي للشركة النهارده خالص، لو محتاج إمضتي، ضروري، ابعت لي الملف، عالڤيلا." رد عمران: "مش جاي الشركة ليه، سمرة جرالها حاجة؟
تبسم عاصم وهو ينظر لسمرة قائلاً: "لأ بخير، بس أنا مش جاي، اعتبرني إجازة النهارده، مش من حقي آخد إجازة." تبسم عمران قائلاً، بمرح: "لأ طبعاً مش من حقك، ناسى أنك أكبر الصقور، ولو خدت إجازة لازم يكون في سبب قوي، بس لو السبب سمرة، أكيد سبب قوي جداً." تبسم عاصم يقول: "هو ده فعلاً سبب الإجازة، ها بقى قولي إيه الملف اللي كنت محتاج توقيعي عليه، علشان أعرف مدى أهميته؟ رد عمران:
"الملف اللي طلبته مني من كام يوم الخاص بميراث سمرة، وأملاكها كلها، اللي هترجعها لها." تبسم عاصم يقول: "لأ مش مهم، ابقى هات الملف معاك بالليل، وأنت راجع." رد عمران: "تمام أهو بالمرة سمرة هي كمان تمضي، عليه، وابقى أسجله بالمحكمة، في أقرب وقت. يلا سلام، بلاش أعطلك، وسلم لي على سمورة." أغلق عاصم الهاتف دون رد السلام على تلميح عمران، ثم أعاد الهاتف إلى مكانه، وعاد مرة أخرى يضم سمرة بين يديه. نظرت سمرة لعاصم قائلة:
"عمران كان عاوز إيه؟ رد عاصم: "كان محتاج توقيعي على ملف، بس مش مهم، أنا قلت له أني في إجازة." تبسمت سمرة، وهي تلم خصلات شعرها بيدها، ونظرت لعاصم قائلة: "أنا فاكرة لما قبل كده قولت لي، وأنت معايا، بتفصل عن الشغل." مسد عاصم على وجنتي سمرة بيده قائلاً: "فعلاً، مش بس عن الشغل لأ بفصل عن العالم كله، وببقى مش عايز أفكر غير فيكي."
قال عاصم هذا، واقتنص شفتاها يُقبلها، بعشق جارف، ليُلقي الاثنان العالم خلفهم، ويسبحان بعالمهم، المُزين بالعشق، ليعودا وهم يشعران بالأرهاق، ليغفوا الاثنان، قليلاً. ليستيقظا على رنين هاتف سمرة. صحوت سمرة من غفوتها، على صوت هاتفها، ابتعدت عن عاصم قليلاً وأتت بالهاتف، ثم نظرت لعاصم قائلة: "دي ماما نادية هرد عليه علشان بتقلق، لو اتصلت عليا ومردتش عليها." تبسم عاصم، دون رد.
ردت سمرة، لكن تعجبت من طريقة نادية في الحديث حين قالت لها مباشرةً: "سمرة عاوزاكي تجيلي على المستشفى دي حالاً." ردت سمرة بقلق: "ليه خير، في إيه، انتي كويسة، وأونكل سراج؟ ردت نادية: "أنا واونكل سراج بخير، بس تعالي لي، على المستشفى دي، وأما تيجي هتعرفي، يلا سلام متتأخريش." قالت نادية هذا وأغلقت الهاتف، بينما ظلت سمرة تشعر بالقلق. تحدث عاصم قائلاً: "خير في إيه ومستشفى إيه اللي سمعتك بتقولي عليها." ردت سمرة بقلق:
"معرفش دي ماما نادية قالت لي على اسم المستشفى دي، وقالت لي أروح لها بسرعة، ومقالتش لي عالسبب. شعرت سمرة بالقلق، وابتعدت عن عاصم، ونزلت من على الفراش، قائلة: "ليكون طارق جراله حاجة وهى مش عايزة تقول لي، أنا نسيت أسألها عنه، بس هو كلمني امبارح بالليل وكان كويس، أنا هلبس وأروح لها." نزل عاصم هو الآخر من على الفراش، وتوجه إلى سمرة، وضَمها قائلاً بتطمين: "ليه تفرضي السوء. يلا البسي وأنا كمان هاجي معاكي."
تبسمت سمرة بامتنان وضمت عاصم. بشركة الصقر. تبسم عمران على غلق عاصم الهاتف بوجهه، وتنهد، بابتسامة، يتمنى لعاصم وسمرة السعادة، ولكن سرعان ما تذكر ملوعة قلبه. لكن دخلت السكرتيرة له قائلة: "استاذ عمران، الملف ده الآنسة سليمة، جابته، لحضرتك، وقالت لازم توقع عليه." تعجب عمران يقول: "بتقولي الآنسة سليمة، هي جابته هي فين؟ ردت السكرتيرة: "هي في مكتبها، قالت لي، بعد إمضاء حضرتك ابعته ليها."
تبسم عمران بعدم تصديق، وأخذ الملف من يد السكرتيرة، وذهب إلى مكتب سليمة، وفتح الباب دون أن يستأذن، ووقف غير مُصدق، حين رآها تجلس على المكتب. أغمض عيناها، ظناً أنه يحلم، ثم فتحها، هي مازالت أمامه، لم تختفِ. إذن هي هنا. أغلق الباب خلفه، ودخل، ينظر إلى ملامحها التي يبدو عليها بعض الشحوب، لكن بنظرة جميلة. كلما اقترب من مكان جلوسها، كلما زادت خفقات قلبه. إلى أن وصل إلى مكان جلوسها، وباغتها يجذبها من يدها، لتقف، ليقوم باحتضانها بقوة.
لكن سليمة تفاجئت برد فعل عمران المباغت، لدقيقة، ظلت ساكنة، ثم حاولت إبعادهُ عنها بيدها، لكنه ضمها أقوى، وأقوى، قائلاً: "أكيد أنا في حلم." آنت سليمة من قوة ضمهُ لها، قائلة: "لأ مش في حلم، بس لو مفكيتش إيدك من عليا ممكن أعملك محضر تحرش، بالمساعدة الخاصة بيك." فك عمران يدهُ قليلاً عنها، ونظر لعيناها قائلاً: "وأبقى حطي دي كمان في محضر التحرش."
قال هذا وباغتها يُقبلها بوله. اعترضت سليمة في الأول، ثم سرعان ما جارته في القبلات. لتنسى، ذالك الوجع، وهي تضع يدها على قلبه، لتشعر، بنبضاته. ترك عمران شفاه سليمة لكن وضع جبينه على إحدى وجنتيها، يُقبلها أيضاً، ليَتَنَفَسَ الاثنان، ثم همس عمران، قائلاً: "سليمة، متبعديش عني تاني، أحنا لازم نحدد، ميعاد زفافنا في أقرب وقت." ردت سليمة قائلة:
"مش هبعد يا عمران، أنت معاك نص قلبي، وما عنديش مانع تحدد ميعاد زفافنا، بس بعد ما أناقش، رسالة الماجستير، خلاص الأسبوع الجاي، هاناقشها، وكنت جايه الشركة النهارده، علشان أسحب استقالتي، وكمان، علشان آخد الأسبوع ده إجازة، علشان أبقى ملمة بكل جوانب مناقشة الرسالة." نظر عمران لعين سليمة قائلاً:
"الاستقالة أنا قطعتها، يعني اعملي حسابك الأيام اللي فاتت محسوبة عليكي غياب وهتتخصم من مرتبك، غير، لفت النظر إلى هتاخديه، بس معنديش مانع أعطيك إجازة الأسبوع ده." تبسمت سليمة تقول: "يعني الأيام اللي فاتت، محسوبة عليا غياب، وكمان هتتخصم من مرتبى." تبسم عمران قائلاً: "نسيتي لفت النظر كمان." تبسمت سليمة قائلة:
"طب كده بقى ندخل الواسطة علشان يشيل لفت النظر، وكمان خصم المرتب. أنا واحدة داخلة على جواز، وأكيد هحتاج للمرتب ده، أجيب شوية نواقص محتاجاهم في جهازي." رد عمران البسمة لها قائلاً: "ومين بقى واسطتك دي، بس ده في القانون، يعتبر، أخذ حق بدون وجه حق، مش ده العدل اللي بتنادي بيه سيادة الأفوكاتو." تبسمت سليمة قائلة: "لأ ده اسمه استخدام روح القانون." قالت سليمة هذا ووضعت يدها على قلب عمران قائلة:
"ووسطتي هي ده، نص قلبي اللي بتشاركني فيه، واللي جمعنا من البداية، واللي خلاني رجعت لهنا تاني."
قالت سليمة هذا وتذكرت ذاك الحلم الذي راودها بغفوتها الليلة الماضية أثناء نومها حين رأت طيف من بعيد يقترب منها، بسرعة، وهي الأخرى كانت تسير لتقترب من ذاك الطيف، إلى أن التقت مع ذاك الطيف، لتنظر له لتجد، توأمتها تنظر لها تبتسم. نظرت سليمة لهاتمعن، لأول مرة تأتي لها، وهي تبتسم. نظرت إلى جسدها، ووجدت ملابسها نظيفة، وجسدها خالٍ من الدماء، هي بكامل هيئتها القديمة، قبل الحادث. تعجبت سليمة وهي تمد يدها على جسد سلمى، وجدته اختفى، فجأة. تلفتت سليمة حول نفسها، تبحث عن الطيف بعينها، لم تجده، ولكن رأت طيف آخر يقف بعيداً، ظنت أنه طيف، سلمى، فذهبت إليه، إلى أن وصلت إلى مكانه، تعجبت، وهي تنظر إلى الطيف،
وقالت: "عمران! ظل عمران صامتاً، لكن خرج من خلفه، طيفان. نظرت سليمة للطيفان قائلة: "ماما، انتي وحشتيني، وكمان، سلمى." تبسمت والداتها بحنان قائلة:
"سلمى سابت منها شيء جنبك بلاش تخسريه، وأنا كمان، لما سلمى زمان وحشتني، بعت لوجيدة تجيب لي عمران علشان أحس بوجود سلمى. عمران كان رؤيته آخر أمنية ليا، دلوقتى، وجوده جنبك، هيبقى السند اللي كنت محتاجاه ليكي في يوم من الأيام. ارجعي، لعمران، وعيشي السعادة معاه، بلاش تخلي شيء من الماضي يهدم سعادتك. سلمى معايا، زي ما كانت قبل كده، دايماً تميل عن باباكي، فاكرة، سلمى كانت دايماً تقول لي أني رفيقة روحها. وبالفعل هي رفيقة روحي، وأنت عمران هو رفيق روحك، ارجعي لعنده، ابدئي معاه صفحة جديدة. القلب اللي جواه هو اللي رجع له النبض مش قلب سلمى، سلمى قلبها مات، بس اللي عايش قلب عمران."
نزلت دموع سليمة وهي تقترب، ودت، لو رمت نفسها بين يدي، والداتها. وبالفعل اقتربت من طيف والداتها وألقت نفسها عليها، شعرت سليمة، بيد تحتضنها، بقوة. تبسمت وأغمضت عيناها، تستنشق عبيرها، إلى أن شعرت بانتشاء. فتحت عيناها لتجد نفسها بين يدي عمران. تعجبت كثيراً، وقالت.. "عمران." ثم نظرت أمامها، لتجد طيف والداتها مع طيف سلمى يبتعدان الاثنان مبتسمان. عادت بنظرها لعمران، لترى بسمته، لتبتسم هي الأخرى.
صحوت سليمة وقتها ووجدت والدها جوارها بالفراش يقف قلقاً يقول: "سليمة، انتي كنتي بتحلمي بعمران، أنا سمعتك وأنتي بتنادي عليه؟ تبسمت سليمة قائلة: "بابا أنا هرجع أشتغل في الشركة تاني، بعد ما أناقش رسالة الماجستير، بس لازم أروح النهارده علشان آخد إجازة." تبسم رفعت يقول: "قرار صح جداً، بس أكيد في سبب للقرار ده." سردت سليمة ذاك الحلم على والداه. تبسم رفعت يقول باختصار:
"دايماً ربنا بياخد منا شيء، بس بيعوض لنا شيء يعوض مكانه." عادت سليمة تنظر لعين عمران وهي تضع يدها على قلبه، قائلة: "عمران أنا ليا شرط، وأو تقدر تقول أمنية وبتمنى تحققها ليا." ضمها عمران قائلاً: "اطلبي أي شرط، أو أمنية، وأنا أحققها ليكي، بدون تفكير، بس متبعديش عني تاني." بعد الظهر. بأسيوط. وبعد أن وصل عمران إلى المصنع، دخل إليه أحد المدراء، العاملين معه قائلاً:
"بشمهندس عامر، النهارده الصبح كان فيه لجنة من وزارة البيئة، في المصنع وأنا استقبلتهم بالنيابة عنك، وهما أخدوا جولة في المصنع، وكمانفرجتهم على المخزن اللي بنحط فيه مخلفات المصنع، وأننا مش بنستعمل مواسير بتصرف المخلفات في النيل، واللجنة كتبت تقريرها، أن المصنع مش مخالف، للبيئة، واترفع التقرير القديم." رد عامر قائلاً:
"طب كويس خبر حلو. كان فيه اتفاقيات أنا أخدتها، معايا للقاهرة، للمراجعة، وكمان لأمضة مستر عاصم، وعايزك، تاخدها، وتتصل على العملاء اللي أسمائهم موجودة، في الاتفاقيات اللي اتعدلت، وعايزك تعمل لي معاهم اجتماع في أقرب وقت." رد المدير قائلاً:
"تمام حضرتك، بس كنت عايز أسأل حضرتك سؤال، هو حضرتك اللي هتمسك إدارة المصنع هنا الفترة الجاية، لأن فيه إشاعة طلعت أنكم ممكن تصفوا المصنع اللي هنا، بعد وفاة مستر عاطف، وكمان الإشاعة دي كانت من قبل ما يموت، وهو كان طرد بعض العمال، واستغنى عنهم بحجة أنهم عالة عال مصنع، وده مخلي عند العمال خوف، وقلق." زفر عامر نفسه قائلاً بهمس، "سيئاتك كانت كتير، يا عاطف، يلا، ربنا يغفر لك." ثم نظر عامر للمدير قائلاً:
"لأ مفيش تصفية، والمصنع هيفضل شغال، وأنا فعلاً اللي هديره الفترة الجاية، وعايزك تعمل لي حصر بأسماء العمال اللي استغنى عنهم عاطف، وتعمل لي معاهم لقاء، وكمان أنا قريت تقرير اللجنة الفنية الخاصة بـ مكنة المصنع، وتكلفة هيكلته من جديد، وهنحتاج، نشغل المصنع بكل طاقته مرة تانية، وعايز أي مشكلة حتى لو صغيرة ترجع لي، ويكون عندي خبر، بكل همسة في المصنع ده. المصنع ده يعتبر تالت أكبر مصنع في مصانع الصقر، ده تقريباً بيخدم، عملاء الصعيد كلهم، ودي منطقة كبيرة. يلا روح شوف شغلك وأعمل اللي قولته لك عليه، بالتوفيق."
انصرف المدير، وترك عامر، الذي فتح هاتفه، ونظر إليه، لتأتي صورة سولافة أمامه. نظر، لها باشتياق قائلاً: "وحشتيني، يا بغبغانتي، يا ترى أنتي فين؟ اتصل عامر على أحد الأرقام، ليرد عليه. ليقوم عامر بسؤاله: "ها عملت اللي قولته لك عليه؟ رد الآخر: "أيوا يا افندم، أنا وراها زي ضلها، زي ما حضرتك أمرتني، بس هي قليل لما بتخرج، مش بتخرج إلا لجامعتها، وأيام معينة، مش كل الأيام، وهي دلوقتي هنا في الجامعة، ولسه مخرجتش." رد عامر:
"تمام، زي ما أمرتك، تكون قريب منها، من غير ما تاخد بالها، يلا سلام." أغلق عامر الهاتف يُفكر، إلى أن نهض، من على مقعده، وهو يقول، "أما أروح أعمل كبسة أشوف، بغبغانتي." بعد قليل. كان عامر يقف بمكان قريب من جامعة سولافة، ينتظر خروجها، بتأفف، من طول الانتظار. خرجت سولافة بعد وقت قليل هي وصديقاتها وذالك المُعيد.
أشعت عيني عامر نظرات نارية وهو يرى سولافة تسير جوار ذاك المُعيد الشاب. هو نفسه سبق وحذرها من أن تتحدث معه، خارج قاعة المحاضرات، إذن هي تثير غيرته دون علم منها، لا بل تقصد ذالك بالتأكيد. ربما هو أخطأ في حقها، لكن هو قدم أكثر من اعتذار، كما أنه حذرها سابقًا أن تستفزه. نزل من سيارته واتجه نحوها. أما سولافة حين رفعت رأسها ورأته شعرت برجفة. أقسمت أن خلف تلك النظارة الذي يضعها حول عينيه، عين صقر، تكاد تخلع قلبها من مكانه.
لكن ادعت القوة، هامسة لنفسها: "هو اللي بدأ بالجفا وخليه يتحمل زي ما أنا تحملت قبل كده وتألمت لما حسيت بخيبة الحب الأول." أقترب عامر من مكان سير، سولافة، وهو يمد يدهُ يجذبها للسير معه قائلاً: "لو مش عايزة فضايح هنا قدام الجامعة امشي معايا من سكات." لاحظ ذاك المعيد فعلة عامر فأقترب منه قائلاً: "سيب إيد الآنسة سولافة، وبطل الهمجية دي، لتاني مرة بتتعامل بنفس الطريقة." نظر عامر: للمعيد، بتتمعن وتحدث بغرور:
"وحضرتك بقى اللي هتعلمني التحضر، تبقى غلطان، وآخر مرة أشوفك قريب من سولافة، مفهوم، آخرك معاه باب قاعة المحاضرة." رد المعيد بغضب: "بلاش طريقتك السوقية دي، معايا، أنا أقدر أخلي أمن الجامعة هو اللي يتصرف معاك." نظرت سولافة بخجل للمعيد قائلة: "أنا متأسفة، حضرتك، و... قبل أن تُكمل سولافة حديثها، فوجئت بعامر، يقوم بلكم المُعيد، في وجهه، قائلاً: "إنت هتوقف تعتذرى له كمان."
أعاد له المعيد اللكمة، ليشتبك الاثنان معاً، ليتدخل أمن الجامعة. بنفس الوقت. أحد مشافي القاهرة. ذهب عاصم برفقة سمرة، اللذان تقابلا على باب المشفى، بطارق، وأفنان. اقتربت سمرة من طارق قائلة باستغراب: "طارق انت رجعت من السفر." رد باستغراب هو أيضاً قائلاً:
"امبارح بالليل اتصلت عليا ماما نادية، وقالت لي، أكون في القاهرة النهارده، وحجزت طيران، ويادوب لسه واصل من المطار. بتصل عليها قالت لي أجيني لهنا المستشفى، متعرفيش إيه السبب." ردت سمرة: "لأ، أنا كمان اتصلت عليا من شوية، ومقالتش لي غير أني أجى لهنا، خلينا ندخل نشوف إيه الحكاية، أنا قلقانة قوي." اقترب طارق، ولف يدهُ حول كتف سمرة، قائلاً: "اطمني أكيد خير." شعر عاصم بالغيرة، وجذب سمرة، ليبعدها عن طارق قائلاً:
"أنا بقول ندخل نشوف مدام نادية، وسبب وجودنا هنا بالمستشفى، وبلاش الوقفة دي." تبسم طارق بخفاء على غيرة عاصم منه.، لكنه، سعد كثيراً، بوجود عاصم مع سمرة. ثم فتح هاتفه، وقام بالاتصال على نادية لمعرفة مكانها بالمشفى، فدلته على أحد الغرف. بعد دقائق. دخل طارق وأفنان، وخلفهم سمرة وعاصم. تلهف كل من طارق و سمرة التى قالت بلهفة: "ماما نادية انتي بخير." رغم شعور نادية بالوجع المضنى، لكن ردت قائلة:
"أنا الحمد لله بخير، بس في حد قريب منكم أنتم الإتنين، موجود هنا، ولازم تشوفوه، أو بالأصح تشوفوها." تعجب الاثنان ليقول طارق: "ومين دي بقى؟ ردت نادية قائلة مباشرةً: "فاتن النديم، تبقى هي سلوى أختي، ومامتكم."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!