الفصل 33 | من 37 فصل

رواية سمرائي انتي حقي الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم سعاد محمد سلامة

المشاهدات
42
كلمة
8,694
وقت القراءة
44 د
التقدم في الرواية 89%
حجم الخط: 18

دخل عاصم إلى الڤيلا. كانت صامتة. صعد إلى أعلى ووقف أمام غرفته، يأخذ نفسه بشدة، ثم دخل إلى الغرفة. لم يُشعل الضوء، كان هنالك نور خافت، يبدو أن سمرة تركته. أقترب من الفراش وتأمل سمرة النائمة. هو تعمد الرجوع إلى الڤيلا متأخراً، قد تكون سمرة قد نامت، وها هو بالفعل وجد سمرة نائمة. أقترب أكثر من الفراش وتأمل ملامحها التي اشتاقها. ظل كذلك لدقائق، يُشبع عيناه من رؤيتها، ثم خرج مرة أخرى من الغرفة واتجه إلى مكتبه بالڤيلا.

دخل وجلس على المكتب، وضع رأسه بين كفيه. *** في مكتب عاصم بالشركة، كان يجلس مع أحد العملاء لديه، يتناقش معه حول بعض الأعمال، لكن كان فكره مشغولاً بسمرة، يخشى أن يُصيبها مكروه وهي بالطريق. رن هاتفه. نظر للشاشة ورد سريعاً ليسمع الآخر يقول: "مدام سمرة وصلت الڤيلا يا مستر عاصم، وهي كويسة، زي ما حضرتك أمرتنا نسوق بالراحة وأن المدام لو تعبت ندخل بها لأقرب مستشفى ونتصل بحضرتك. والحمد لله محستش بتعب معانا عالطريق."

رد عاصم براحة قائلاً: "تمام، شكراً." أغلق عاصم الهاتف وشعر براحة. وسرح قليلاً إلى أن تحدث من معه بنحنحة قائلاً: "مستر عاصم حضرتك مقلتليش الرد على عرضي." تحدث عاصم قائلاً: "تمام، أنا هفكر في عرضك وأدرسه وهبقى أرد عليك." وقف العميل ومد يده يصافحه قائلاً: "تمام، هنتظر ردك وأتمنى يكون بينا تعاون في المستقبل." صافح عاصم العميل قائلاً: "إن شاء الله."

خرج العميل وظل عاصم وحده بالمكتب. عاد يجلس على مكتبه، أخرج من جيبه ذلك السلسال، سلسال العصفورة، وظل ينظر له. يشعر بشوق لسمرة، لكن عليه التحكم بنفسه. تذكر يوم سفره وتركه لها بقنا. أعطى لها هاتفاً يقول لها: "أنا جبتلك تليفون جديد وحديث ومتطور علشان تقدري تكلمي أي حد براحتك." مدت سمرة يدها وأخذت منه الهاتف قائلة: "وياترى أقدر أكلمك أنت كمان براحتي." رد عاصم بتوتر: "أكيد، لو احتاجتي مني حاجة كلميني." نظرت له سمرة قائلة:

"يعني مكلمكش إلا لو كنت محتاجة منك حاجة، غير كده ممنوع." رد عاصم: "مش قصدي يا سمرة، قصدي إنك تقدري تكلميني وقت ما تحبي، ما تنسيش إني عندي مشاغل و... قاطعته سمرة قائلة: "وأيه يا عاصم، بس متشكرة عالتليفون." نظر عاصم لعين سمرة، بها دموع تتجمع. أغمض عينيه كي لا يرق لها. ثم ذهب باتجاه الدولاب وأخرج من أحد الأدراج علبة من القطيفة صغيرة واتجه إلى سمرة قائلاً: "أتفضلي." أخذت سمرة منه تلك العلبة وفتحتها قائلة:

"دي دبلة جوازنا ومعاها التوينز وخاتم. فين السلسلة." استغرق عاصم قائلاً: "سلسلة إيه." ردت سمرة: "سلسلة العصفورة اللي لبستيها لي تاني يوم جوازنا." رد عاصم: "معرفش، في المستشفى أدوني دول بس، يمكن وقعت منك." حزنت سمرة صامتة، تتنهد بضيق. ووضعت تلك الدبلة في إصبعها قائلة: "السلسلة كانت غالية عندي، بس مش مهم، أهم حاجة الدبلة، ما هي كانت من الشبكة اللي أنت جبتهالي." تحدث عاصم قائلاً: "لو عاوزة أجيبلك سلسلة تانية زيها."

ردت سمرة: "لأ مش عاوزة، السلسلة دي كانت غالية عندي، كانت أول هدية عطيتها ليا بعد جوازنا." شعر عاصم بحزن. "سمر، يمكن السلسلة وقعت منك بدون ما تحسي. أهم حاجة صحتك وصحة البيبي." وضعت سمرة يدها على بطنها قائلة: "فعلاً أهم حاجة صحة البيبي، ده أهم حاجة في حياتي وأغلى هدية."

عاد عاصم ينظر للسلسلة بين يديه. فكر، لما أخذها ولم يعطيها لسمرة مع باقي أشياءها. هو أراد الاحتفاظ بها لتذكره دائما بأسعد أيام عاشها مع سمرة والتي كانت قصيرة، كأنها حلم مر سريعاً. نهض واقفاً للحظة، قرر أن يعود للڤيلا لرؤياها، لكن عاد عقله يتحكم به. *** بينما بنفس الوقت بالڤيلا، دخلت سمرة لتجد امرأة في منتصف العمر تستقبلها بابتسامة قائلة:

"أهلاً مدام سمرة، وحمد لله على سلامتك. أنا كوثر، مديرة الفيلا، وفي خدمتك. مستر عاصم قال لي أكون في استقبالك وأساعدك في أي حاجة تحتاجيها." تبسمت سمرة بغصة قائلة: "أهلاً بيكي، متشكره لاستقبالك ليا، بس أنا مجهدة من السفر ومحتاجة أرتاح. ياريت توصليني لأوضة مستر عاصم." تبسمت كوثر قائلة: "أسفة إني وقفتك، بس كنت بعرفك عليا. اتفضلي معايا." تبسمت سمرة وسارت بجوار كوثر إلى أن وصلت إلى الغرفة. تحدثت كوثر قائلة:

"دي أوضة مستر عاصم، وده الدولاب، فيه ستاند كامل خاص بحضرتك، فيه ملابسك ومتعلقاتك. تحبي أأمرهم يحضرولك الحمام." ردت سمرة: "لأ متشكره، أنا محتاجة أنام شوية من إرهاق الطريق. هغير هدومي وأنام شوية." تبسمت كوثر قائلة: "براحتك، هستأذن أنا، وأي شيء تحتاجيه أنا تحت أمرك، عن إذنك." أومأت سمرة لكوثر رأسها بصمت. خرجت كوثر وتركت سمرة، التي توجهت إلى الفراش وجلست عليه، تتنهد بغصة. وحدثت نفسها قائلة:

"أيه يا سمرة، كنتي متوقعة تيجي لهنا هتلاقي عاصم بيستقبلك وياخدك بالحضن ويقولك وحشتيني. ده مش هيحصل، متعشميش نفسك كتير. إذا كان طول الأسبوع مفتكرش يسأل عنك، ما صدق إنه يسيبك." تحدث عقلها يقول: "طالما مش بيحبني، ليه أنقذني؟ ليه مسبنيش أموت وأرتاح؟ وضعت سمرة يدها على بطنها ونظرت إليها قائلة:

"أكيد عشان ابنه اللي في بطني، هو ده التفسير الوحيد. ماما نادية قالت لي إنها قالت له إني حامل. هو كان نفسه في بيبي من أول جوازنا، بس كان ليه نفسه في بيبي مني. طالما ماليش أهمية عنده، عشان يربطني بيه مش أكتر. سمرة فوقي بقى، عاصم عمره ما حبك، وجودك من عدمه مش مؤثر معاه، مجرد واجهة إنه اتجوز بنت عمه اليتيمة وكمان يقدر يسيطر على أملاكها تحت إيده، وده اللي حصل بالفعل. تحويل معظم أملاكك باسمه خلاص يا سمرة، لسه عندك أمل في إيه؟

كل شيء واضح، بقالك أسبوع حتى مرنش على تليفونك يعرف إذا كنتي عايشة ولا ميتة." قالت سمرة هذا وتمددت على الفراش ليسحبها النوم بسبب إرهاق الطريق، لم تشعر بشيء. *** عاد عاصم من تفكيره حين سمع صوت من خلفه يقول: "رجعت تاني للتدخين؟ مش كنت بطلته الأيام اللي فاتت." استدار عاصم ينظر لمن يتحدث، وبحركة تلقائية أطفأ السيجارة بالمطفأة. تبسم بتلقائية ثم قال: "إيه اللي صحاكي دلوقتي يا سمرة." لم تلاحظ سمرة بسمة عاصم وردت قائلة:

"ليه هي الساعة كام؟ لسه مجتش اتناشر. أنا كنت متعودة أسهر بالليل أكلم طارق أو ماما نادية لما كان معايا تليفون ومخبياه عشان محدش يعرف بيه. وكمان الأيام اللي فاتت بالتليفون اللي جابته ليا وشكلك نسيت تاخد رقمه بس مردتش عليا. أيه اللي رجعك للسجاير؟ مش كنت بطلتها."

تضايق عاصم من نبرة السخرية الموجودة في حديث سمرة، سواء عن تلميحها عن عدم اتصاله عليها الأيام الماضية، أو حتى عن حديثها مع طارق، طارق الذي ما زال يبغضه رغم أنه عرف أنه أخاها من الأم. لكن رد قائلاً: "معرفش ليه رجعت للتدخين، يمكن تعود." تبسمت سمرة قائلة:

"هو فعلاً الإنسان مش بيقدر يتخلص من عادة اتعود عليها بسهولة، بس أنت كان سهل تبطل تدخين بعد ما الدكتور منعها عنك عشان جرح الرصاص، بس أنت استسهلت. عالعموم، أنا اللي صحاني ماما نادية رنت عليا تطمن عليا، لإنها وقت ما وصلت يادوب كلمتها إني وصلت ومحتاجة أرتاح شوية، وكمان تذكرني إني أبقى أروح لها من الصبح عشان عاملين حفلة حنة صغيرة لأفنان." تحدث عاصم قائلاً: "بس أنتي المفروض متجهديش نفسك، ناسيه إنك حامل." ردت سمرة:

"وأيه الإجهاد في حضور حفلة حنة؟

أنا يدوب هحضر معاهم، مش أنا اللي هحضر لها. ماما نادية هي اللي مسؤولة عنها. بتقول إن أفنان مش مرات ابنها دي بنتها ومسؤولة منها، وهي اللي طلبتني عالتليفون وقالت لي لازم أكون موجودة في الحنة، مش أخت العريس. وكمان طارق عرض عليا يجي ياخدني من قنا بنفسه، بس أنا قلت له لأ، هو عنده التزامات لازم يخلصها قبل فرحه. جيت لوحدي ومعايا عربية حراسة تانية ولا بتاع الرئيس. بشكرك على اهتمامك بيا المبالغ فيه. هطلع أكمل نوم، تصبح على خير."

شعر عاصم بعتاب سمرة المغلف بين كلماتها. شعر بوجع بقلبه، لكن... بينما سمرة قالت له: "تصبح على خير يا عاصم." وأدارت وجهها لتغادر الغرفة. لكن قبل أن تخرج منها، جذبها عاصم من يدها وأدخلها إلى حضنه، يضمها بين يديه بقوة. تعجبت سمرة من فعلة عاصم للحظة، ثم لفت يديها حول ظهره تضمه هي الأخرى. شعر عاصم بأنفاس سمرة الدافئة على عنقه، تاه بين قلبه وعقله.

تلك الأنفاس التي يشعر بها هي سبب بعده عنها، حين انقطعت أنفاسها للحظات، أخذ ذلك العهد المقيت والمميت، لكن... تذكر ذلك العهد، فك حصار يديه من حول سمرة. ولكن ليس هذا السبب الوحيد، هناك سبب آخر وهو دخول عمران إلى غرفة المكتب. لو لم يتحدث قبل أن يدخل إلى الغرفة، لما كان قاطعهم. ابتعدت سمرة عن عاصم، تشعر بالحرج من عمران، الذي يشعر هو الآخر بالحرج، ولكن قال:

"أنا كنت فاكر عاصم في المكتب لوحده. كنت عاوزة في أمر خاص بالشغل. لما شوفت النور قللت كويس. آسف. إزيك يا سمرة؟ حمد لله على سلامتك. فرحت لما شوفتك تاني، وفرحت أكتر إنك جيتي لهنا في ڤيلا الصقور. نورت." تبسمت سمرة بخجل قائلة: "شكراً يا عمران. هستأذن أنا، شكلك عاوز عاصم في حاجة مهمة. هطلع أكمل نومي تاني." تبسم عمران يقول: "أيه الحمل جايلك على نوم؟ شكل الولد هيطلع كسول." تبسمت سمرة قائلة:

"مش يمكن بنت، وبكرة تشوفوا الدكتورة غلطانة." تبسم عاصم كذلك عمران، الذي قال: "بنت وسط الصقور زيك كده، كنتي البنت الوحيدة وسطنا. لسه فاكر عامر لما كان يضربك وتشتكي منه لبابا وبابا يعاقبه بحرمانه من المصروف ويديه ليكي انتي. بس انتي كان قلبك طيب وبتدي لعامر المصروف من ورا بابا." ضحكت سمرة. وتحدث عاصم يقول: "كان ده بيحصل وأنا معرفش." رد عمران:

"أنت كنت هنا في القاهرة مطحون عشان ترجع تقوم المصنع تاني يقف على رجليه ويشتغل، بس عامر كان بيعمل مقالب كتير في سمرة، ومع ذلك كانت ساذجة وبتصدقه وترجع تلعب معاه، وعلشان كده طلع عليها لقب العصفورة." تبسمت سمرة وهي تنظر لعاصم وتكلمت بإيحاء: "فعلاً أنا ساذجة وبصدق أي حاجة حتى اللي مش بيتقالي بمشي بإحساسي وبصدقه. يلا هسيبكم مع بعض، تصبح على خير." رد عمران: "وأنتي من أهله يا سمورة."

تبسمت له سمرة وغادرت الغرفة وأغلقت خلفها الباب. نظر عاصم لعمران قائلاً: "جاي منين دلوقتي." زفر عمران قائلاً: "من عند سليمة." رد عاصم قائلاً: "برضه لسه واخدة نفس الموقف، أنا بستعجب موقفها ده." تنهد عمران يتذكر قبل قليل. *** حين قال لها وهو يجلس على الفراش بجوارها، وفتح أزرار قميصه من على صدره، ومسك يدها يضع ذلك المشرط ويقرب يدها من صدره قائلاً:

"سليمة، ده مشرط طبي، نفس اللي في يوم شق صدري وزرع القلب ده جوايا. خدي شقي صدري وطلعيه، يمكن نرتاح إحنا الاتنين." ارتعشت يد سليمة وتركت المشرط ليقع على الفراش من بين يديهما. اقترب عمران وبلهفة ضم رأس سليمة لصدره. بينما نزلت دموع سليمة منه على صدر عمران. شعر كأنها ألسنة لهب. تحدثت سليمة قائلة:

"صدقني يا عمران، صعب عليا، أرجوك سيبني دلوقتي، أنا محتاجة وقت عشان أقدر أفكر أتقبل وأتأكد من مشاعري. أنا حاسة إني بين طواحين الهوا." نظر عمران لوجه سليمة قائلاً: "مش هسيبك يا سليمة، هتلاقيني طول الوقت جنبك. قلوبنا اتربطت ببعض، ومش قلوب إخوة، على الأقل من اتجاهي. أنا قلبي عاشق ومتأكد قلبك زيه." عاد عمران من شروده ينظر لعاصم قائلاً:

"متأكد، سليمة مع الوقت هتتقبل وتتأكد من حبي لها مش حب أخوة. وأنت يا عاصم، أمتى هتعترف لسمرة بحبك ليها وتريح قلبها وقلبك؟ أنا اللي بستعجب موقفك مع سمرة يا عاصم، أنت بتموت فيها ومع ذلك مش عارف سبب لبعدك عنها. الأول كنت بقول غيرة من طارق، بس خلاص كلنا عرفنا إن طارق أخو سمرة من الأم. ليه مش عاوزها قريبة منك؟ أنا لاحظت نبرة صوت ونظرات سمرة لك الحزينة." رد عاصم بتوه:

"أنت غلطان، أنا بس خايف على صحتها. متنساش إنها كانت مريضة وكمان حامل، يعني مكنتش هتبقى قد السفر من أسبوع، وأهي جت." رد عمران: "سمرة جت بسبب زفاف طارق، مش أنت اللي قلت لها تيجي. لو كنت عاوزها تيجي كنت هتروح تجيبها بنفسك، مش تسيبها تيجي مع الحراسة لوحدها. بس أنت حر. ليك عليا النصيحة، كفاية كده، أنا لو مش متأكد من مشاعرك صدقني كنت أقنعت سمرة بالطلاق."

اهتز قلب عاصم، يعيد عقله الكلمة مرة أخرى "طلاق". لو كان يقدر على تلك الكلمة لفعلها منذ وقت قبل أن يعرف أن سمرة وطارق أخوه. ربما هددها بالكلمة كثيراً، لكن كان بداخله يريد أن تعود له ويسقيها عذاب قلبه. حين قرأ تلك الرسائل على الهاتف بينها وبين طارق، كان يريد أن يذيقها عذابه. مع كل كلمة "حبيبي" قالتها لطارق، كانت كلمة عادية تدل على مشاعر أخوة بريئة أيضاً، والآن هو من يتذوق العذاب أكثر بعهد مقيت. لكن لابد لهذا من نهاية.

تحدث عمران قائلاً: "روحت فين يا عاصم؟ بكلمك مش بترد." انتبه عاصم قائلاً: "كنت بتقول إيه بس سرحت شوية." ابتسم عمران يقول:

"كنت بقولك إني دققت كل ملفات مصنع أسيوط واتفاقيات العملاء اللي في منطقة المصنع ده، في كتير منها كانت فيها شروط تضرنا، وكلمت عامر يحاول يعدل مع العملاء دول بعض الشروط، وهو قالي إنه بدأ فعلاً يتفاوض معاهم، وفيهم تجاوبوا معاه، وفيهم لسه بيحاورهم. دول اللي كان من مصلحتهم الاتفاق اللي كان مع عاطف،،، عاطف ده، يلا ميجوزش عليه غير الرحمة، مش عارف سبب للحقد والغل اللي كانوا في قلبه. المصنع ده كتلة مشاكل، مش عارف كان بيديره إزاي وأنت كنت ساكت عليه."

رد عاصم:

"بابا هو اللي كان بيرجعني آخد معاه قرار حاسم بسبب عمتك عقيلة، بس كنت بعرف أسيطر على بعض الأخطاء زي الضرايب. هو كان بيقدم ميزانيات إن أرباح المصنع ده مبالغ فيها، ومع ذلك مكنتش الأرباح بنفس النسبة، كنت ببلعها وأسكت لأنه كان متفق مع محاسب هنا قذر زيه وبيسهل له النصب في الميزانيات الحقيقية واللي بتتقدم للضرايب، وكمان كان فيه موظف في الضرائب نفسها بيسهله اللعبة وكان فرق الميزانيات بيتحط في حساب خاص لعاطف بعد ما يراضي الاثنين."

تنهد عمران بيأس يقول: "يلا أهو أخد إيه معاه من حقده، وعمتك كمان. عامر بيقول إنها بقت أوقات تخترف في الكلام وتقول إن عاطف هيرجع من السفر، وأوقات تصرخ وتنوح، والله صعبان عليا سولافة." زفر عاصم، يود أن يصرخ ويقول إن عاطف هو السبب في البعد بينه وبين سمرة، ليته يعود للحياة، يقتص منه على أنه يوماً فكر بإيذائها......... *** بعد مرور يومين. صباحاً. بشركة الصقور. دخلت مديرة مكتب عمران تحمل ورقة قائلة:

"مستر عمران، الإيميل ده مبعوت عالشركة، وهو من الآنسة سليمة الهادي بتقدم استقالتها فيه من منصبها." أخذ عمران الورقة ووضعها أمامه قائلاً: "متشكر. اتفضلي انتي." وضع عمران الاستقالة أمامه وقام بالاتصال على هاتف سليمة أكثر من مرة، لم ترد عليه، فقام بالاتصال على والدها الذي رد عليه. بعد السلام بينهم تحدث عمران قائلاً: "سليمة بعتت استقالتها من منصبها، وبطلبها مش بترد علي." تنهد رفعت بانتهاء صبر قائلاً:

"لأ كده الموضوع زاد عن حده، أنا لازم أدخل. أنا كنت بعيد وقولت هي مع الوقت هترجع لطبيعتها وتأيقن اللي حصل كان قدر مش مترتب. سلام أنت دلوقتي." أغلق عمران الهاتف ووضعه أمامه على المكتب، ينظر لتلك الاستقالة. دقيقة ثم قطعها بأمل. بينما بشقة رفعت.

دخل إلى سليمة وجدها تجلس أمام حاسوبها. في البداية ابتسم واعتقد أنها عادت تعمل على رسالة الماجستير، لكن حين اقترب ووضحت الصورة أمامه ونظر بتتمعن على الحاسوب، ما كان إلا صوراً لسلمى بمواقف حياتية سابقة. تغرغرت الدموع بعين رفعت قائلاً:

"سلمى عمرها كان خلص ومحدش بيقدر يوصل عمر. صدقيني لو كان العمر بيتوصل كنت وصلت عمرها هي ومامتك. بس ده القدر. سلمى كانت ماتت قبل ما تدي قلبها لعمران، سلمى جهاز التنفس صفر قبل قلبها ما يتنقل لعمران بأكثر من ست ساعات. كان جهاز الأكسجين موضوع عليها عشان يفضل القلب منتعش لحد ما يجي عمران من قنا." دارت سليمة وجهها ونظرت لوالدها بذهول قائلة: "يعني أنت كنت عارف بكده من زمان." رد رفعت:

"أبقى كذاب لو قولتلك أه، وكمان لو قولتلك لأ. فاكرة لما قولتلي هشتغل في شركة الصقر في البداية كنت معارض، بس مامتك جاتلي في الحلم وقالت لي سيبها يا رفعت، سليمة هتلاقي قلبها هناك." تعجبت سليمة قائلة: "بابا أنت كنت عارف إن عمران عايش بقلب سلمى، وعشان كده اتصاحبت عليه بسرعة، حتى لما دعاك لفرح أخوه في قنا قبلت بسرعة." رد رفعت:

"أنا مكنتش عارف إنتي هتشتغلي مع مين من ولاد شاهين، واتفاجئت يوم زفاف عاصم لما مدام وجيدة قالت لي إن عمران هو اللي أخد قلب سلمى. وشفت نظرات عمران ليكي، وكمان نظراتك له اللي بتحاولي تخبيها، بس في قلوب ربنا بيبقى عاطي لها بصيرة. أنا قولت لمدام وجيدة بلاش تأكد لعمران إنه هو عايش بقلب سلمى، وقولت لها سبيه يدور هو عالحقيقة، وده بعد ما عزمته عندنا عالغدا كرد لعزومته لينا في قنا. وعمران بحث بنفسه ولما اتأكد جالي وقالي هو كمان مكنش يعرف إني عارف واتفاجئ زيك كده. سليمة، عمران غصب عنه انجذب ليكي، وده مش بس عشان قلب سلمى اللي جواه، لأ عشان ربنا بيألف القلوب مع بعضها، حكمة إلهية مفيش بشر يقدر يدخل فيها، لا أنا ولا انتي ولا سلمى نفسها."

ردت سليمة: "عمران انجذب ليا بقلب سلمى." رد رفعت سريعاً: "لأ، انجذب بقلبه هو. سلمى خلاص قلبها وقف قدامي وماتت، لكن اللي عايش قلب عمران. سليمة أنتي بتحبي عمران ومش حب أخوة، لأ حب حقيقي، ولأول مرة كمان بتحبي حد من قلبك." ردت سليمة: "مش صحيح يا بابا، سبق وحبيت فارس." ضحك رفعت قائلاً: "لأ محبيتيش فارس، متأكد عمران هو الحب الحقيقي اللي حسيتي بيه في حياتك." تعجبت سليمة قائلة: "غلطان يا بابا." رد رفعت:

"لأ مش غلطان، وهقولك ليه. فارس لما غدر بيكي، أنتي متهزتيش زي دلوقتي، ولا حسيتي بنفس الوجع مع إن عمران متمسك بيكي ومالوش سبب في عذاب قلبك. فارس مكنش حب، كان تعود، ابن الجيران اللي اتربيتوا سوا وكبرتوا، كانت أحلامكم في وقت زي بعض، بس هو لما اتغير قلبك متأثرش، بس زعلتي إن أملك خاب فيه، وكمان سبب ارتباطكم اللي مكملش كان هفوة وهتنتهي، كان بسببى عشان تفضلي قريبة مني، ومفيش أقرب من فارس. سليمة، فوقي، عمران متمسك بيكي لأقصى درجة، بلاش تضيعي حبك له بوهم. عمران كلمني وقالي إنك بعتي استقالتك عالايميل للشركة، بس اللي بيربطك بعمران مش شغلك في الشركة، اللي بيربطكم ببعض هو قلوب ربنا آلفها من عنده."

*** عصراً. بأسيوط. بشقة عقيلة. بغرفة سولافة. دخلت تحمل صينية عليها بعض الطعام وكوبان من العصير. همت من معها بالغرفة مبتسمة تقول: "الغدا جه في وقته، والله أنا نزلت الصبح من غير ما أشرب شاي حتى، قضيت شوية مصالح وبعدها جيتلك بكشكول المحاضرات اللي كانت فاتتك وفضلنا من وقتها نذاكر. بس كويس الغدا جه أهو." تبسمت سولافة قائلة:

"طب يلا نتغدى وبعدها نكمل تاني مذاكرة. أنا فاتني كتير الفترة اللي فاتت ومحتاجة أعوض، خلاص الامتحانات قربت. أنا كنت بفكر أأجل الترم بس بابا قالي بلاش، وكمان مساعدة المعيد ليا شجعتني وقالت فعلاً بلاش تأجيل، وأهو عاملة معسكر مذاكرة، مش بروح الجامعة إلا في السكاشن بس، وأنتي بتجيبي لي المحاضرات وبنذاكرها سوا، ربنا يوفقنا." تبسمت زميلتها وهي تأكل قائلة بهيام: "المعيد وحلاوة المعيد، ورقة المعيد." ابتسمت سولافة

رغم حزن قلبها قائلة: "المعيد خلاص سحب عقلك، بعد كده هنقدم في العباسية، إيه مش خلاص." تبسمت زميلتها قائلة: "خلاص، اتقدملي رسمي وبابا قاله هيسأل عليه، وآخر الأسبوع هيرد عليه، بس بابا النهارده قبل ما أجي قالي إنه سأل عليه لقيته ابن ناس محترمين، وهو كمان محترم، بس هستنى لآخر الأسبوع ويرد عليه عشان ميقولوش علينا مدلوقين عليه." ضحكت سولافة قائلة: "ميقولش مدلوقين ليه؟

ده أنت خلاص كنتي قربتي تروحي تعترفي له بمشاعرك أو تفكيرك الأاهبل إنه معجب بيا." تبسمت صديقتها قائلة: "ما هو السبب في التفكير ده. كل ما يشوفني يسألني عليكي، فقولت كده وكنت بتقطع ونفسي أخنقك، بس دلوقتي نفسي أبوسك." قالت هذا ونهضت تقبل خديها قائلة:

"يوم ما قالك هينتظرنا في الكافيه ورحنا له، بعد ما رجعت من المكالمة بسأله عليكي، قالي واحد قليل الذوق شكله قريبها. بكلمها بطريقة فظة وهي مشيت معاه وهو مرضاش يعمل معايا مشكلة عشان الكافيه كان فيه زمايل لينا وهو في غنى عن الأقاويل اللي هتطلع وملهاش أساس من الصحة. هو مشاعره في ناحية تانية، وسألني وش كده، أنتي في حد في حياتك؟

قولت له لأ. صدمني وقالي إنه معجب بيا ولو معنديش مانع هو مستعد يتقدملي، وأنا بهبلي طلعت تليفوني وأديته رقم بابا وكمان عنوانا." ضحكت سولافة قائلة: "واقعة واقعة ومفضوحة، طب كنت ارسمي الخجل شوية." تبسمت زميلتها قائلة: "خجل إيه يا أختي أنا مصدقت إنه نطق. يلا عقبالك أنتي،" ولم تكمل الكلمة بسبب رنين جرس الباب. فنهضت سولافة وذهبت لتعرف من الطارق. فتحت سولافة الباب فوجئت بمن أمامها يبتسم. عبست بوجهه قائلة:

"خير، أيه اللي جايبك لهنا يا عامر." تبسم عامر يقول: "هو ده استقبالك ليا؟ فين الترحيب؟ وبعدين ابعدي إيدك من على الباب وخليني أدخل." ردت سولافة: "تدخل فين؟ بابا مش هنا ومينفعش تدخل." تحدث عامر: "هدخل أطمن على عمتي، أنا جاي عشانها. بابا مكلمني من شوية وقالي روح زورها وطمني عليها." ردت سولافة: "ماما الحمد لله، طمن خالو قوله كويسة، ساعات بتتحسن." حاول عامر أن يبعد يد سولافة عن إطار الباب ليدخل، لكن قالت له:

"سيب إيدي، مش هدخلك يا عامر، متحاولش. وبعدين مش خلاص المهمة اللي كنت جاي عشانها تطمن خالو ع ماما؟ أنا أهو قولتلك إنها بخير، بلغه بقى، أو أنا هتصل عليه، لكن أنت مش هتدخل وبابا مش هنا، وأبعد إيدك عن الباب، عاوزة أقفل الباب مش فاضية، عندي مذاكرة وأنت معطلني. يلا بالسلامة." نظر لها عامر بضيق قائلاً:

"محسساني إنك هتاخدي الدكتوراه، بس ماشي، زودى في حسابي معايا، وكمان كنت عاوز أقولك إني مسافر القاهرة النهارده عشان أحضر فرح أفنان وطارق وهفضل هناك يومين. بحذرك من المعيد أياه، ومن غير سلام." قال عامر هذا وغادر. أغلقت سولافة خلفه الباب تبتسم على غباء هذا الأحمق وظنه أن المعيد معجب يتودد لها. *** مساءً. بشركة الصقور. دخل عمران إلى عاصم في مكتبه قائلاً: "أنت لسه هنا في الشركة؟ ليه؟ مش هتحضر زفاف طارق مع سمرة." رد عاصم:

"سمرة اتصلت من شوية وقالت لي، وأنا قولتلها عندي شغل مهم وهقابلها هناك في الحفلة، مفيش داعي تستناني." رد عمران: "وشغل إيه ده؟ أنا شايفك فاضي أهو. عالعموم براحتك، أنا أجلت شغلي وهروح دلوقتي عشان خاطر سمرة. وكمان عامر اتصل عليا وقالي أفنان وأخوها دعوه، وهو خلاص هيوصل للقاعة اللي فيها الفرح. لو تحب نروح سوا." رد عاصم:

"ما شاء الله، فرح طارق له أهمية كبيرة وسايبين الشغل عشانه. بس تمام خلينا نروح نشوف الفرح ده فيه إيه مميز عشان الصقور يحضروه." *** بقاعة ليست بالفخمة ولكن مميزة. كان الزفاف هادئ وأنيق. أمام أحد الطاولات جلست سمرة بجوار نادية، وجوارها من الناحية الأخرى كان سراج وسيد. كانت سمرة ترسم بسمة على شفتاها، لكن فرحتها منقوصة. شعرت بيد تربت على كتفها، تبسمت بفرحة واعتقدت أنه عاصم، لكن زالت الفرحة بقلبها، ولكن ما زالت

البسمة على وجهها وقالت: "مدام فاتن، أهلاً بيكي، شرفتي الفرح." انحنت فاتن وقبلت خدي سمرة قائلة: "انبسطت كتير إني شوفتك تاني وبخير." تعجبت سمرة وارتبكت من فعلة فاتن ونهضت واقفة تبتسم لها وترحب بها. بينما لفت هذا الموقف انتباه نادية، لديها شعور غريب تجاه هذه المرأة، لثاني مرة تراها، لكن لديها شعور أنها قابلتها كثيراً، تذكرها بأختها، لا تعرف السبب، ربما نبرة الصوت أو ذلك العطر التي كانت تهواه أختها. تبسمت فاتن قائلة:

"ممكن تيجي معايا عشان أبارك للعرسان." ردت سمرة ببسمة: "أكيد، اتفضلي." ذهبن الاثنان إلى منصة قاعة العرس، توقفن أمام العرسان. مدت فاتن يدها تصافح طارق وتهنئه، كم ودت احتضانه وتهنئته كأم تهنى ولدها، لكن هي فقدت هذا الحق منذ أن تخلت عنه وهو رضيع، لا يوجد مكان للأمنيات، فقد مضى الوقت. ثم صافحت أفنان واحتضنتها متمنية لهما السعادة.

ثم تبسمت لسمرة التي تقف لجوارها، للحظة شعرت أن ساقيها كهلام وكادت تسقط، لولا إمساك سمرة ليدها ونهوض طارق فجأة يمسك يدها الثانية. رغم شعور فاتن بالألم المهلك، لكن لمسة يدي هذان الاثنان كانت لها بلسم طيب آلمها. تمسكت بأيديهم بقوة، ودت أن تحتضنهم معاً، ولكن تبسمت لهم قائلة بكذب: "معليشي، كنت هتكعبل بسبب كعب الشوز." تبسم الأثنان لها. وقالت سمرة:

"ارجع جنب عروستك يا طارق، وأنا هاخد مدام فاتن تقعد جنبي ع الطربيزة أنا وماما نادية." تبسم طارق وهو يترك يد فاتن وعاد يجلس بجوار عروسه، بينما سمرة ظلت ممسكة بيد فاتن إلى أن أجلستها بجوار نادية، نادية التي تبسمت لفاتن، لا تعرف سبب لشعور الشفقة التي شعرت به حين لاحظت أن فاتن كادت تسقط، لولا إمساك سمرة وطارق لها لما شعرت بالشفقة عليها.

بينما سمرة توجهت لتجلس هي الأخرى بجوار فاتن، لكن قبل أن تجلس كانت يد تمسك معصمها. نظرت لتلك اليد بتلقائية ابتسمت، زال العبوس عنها وقالت،،، عاصم. تبسم عاصم قائلاً: "تعالى معايا خلينا نبارك لطارق." تبسمت لعاصم بفرحة كبيرة تزين وجهها وذهبت معه ليبارك لطارق. كان تصافح بالأيدي بارد من الطرفان، لكن لا يهم، بسمة سمرة تكفي كلاهما. *** بعد مرور يومان. مساءً. بفيلا متوسطة بكمباوند جديد. دخلت تلك الخادمة تقول:

"مدام نادية في واحد تحت في الصالون وطالب مقابلة حضرتك." قالت نادية: "مين؟ ردت الخادمة: "سألته قال لي هو هيعرف نفسه لحضرتك." تعجبت نادية قائلة: "طيب خلينا ننزل أشوف مين صاحب الشخصية الغامضة ده، وأنت يا سيد بلاش تسبقني في مراحل اللعبة تمام." تبسم سيد يقول: "ماشي هستناكي عشان المراحل الجاية في اللعبة صعبة وأنا هكسبك فيها." تبسمت نادية بحنان وهي تذهب مع الخادمة. دخلت نادية لغرفة الصالون، ترسم بسمة قائلة:

"حضرتك طلبت تقابلني، ممكن تعرفني بنفسك." رد عليها: "أنا مجدي، مدير أعمال مدام فاتن النديم، وكمان صديق مقرب ليها وللمرحوم زوجها." تعجبت نادية قائلة: "تشرفت بحضرتك، بس أكيد أنت محتاج لطارق، وأكيد عارف إنه مسافر أسبوع بيقضي شهر العسل. ولو في أي مشكلة خاصة بالشغل بينكم تقدر تكلم سراج وهو يحلها لك." رد مجدي: "مفيش مشكلة ولا حاجة، أنا جاي مخصوص لحضرتك، في أمر مدام فاتن نفسها متعرفوش." تعجبت قائلة: "خير، وأيه هو الأمر ده؟!

رد مجدي قائلاً: "مدام فاتن النديم هي نفسها سلوى شكري أخت حضرتك ومامة طارق وسمرة." *** بعد أن أخذت سمرة قسطاً من النوم استيقظت. وجدت نفسها وحدها بالغرفة، تنهدت بسأم، فعاصم يتعمد المجيء متأخراً والابتعاد عنها. لكن شعرت بجوع. ربتت على بطنها قائلة: "بقيت آكل كتير بسببك، ومقدرش أقاوِم الجوع."

نهضت سمرة وارتدت مئزر ثقيل عليها وطرحة، ونزلت لأسفل. وأشعلت ضوء المطبخ، ووقفت تفكر في بعض الأطعمة التي تشتهي تناولها، وقامت بجلب مكوناتها وبدأت بصنعها وهي تدندن بعض الأغاني. في نفس الوقت، اقترب عامر من المطبخ يقول: "مين اللي في المطبخ؟ ولا يمكن كوثر نسيت نوره. أما أدخل أشوف حاجة آكلها." تبسم عامر وهو يرى سمرة بالمطبخ. تحدث قائلاً: "أيه يا سمرة، أنتي اتفجعتي ولا إيه؟

مش متعشية معايا من ساعتين، وقولتي كبس عليا النوم. أيه صحيتي لقيتي نفسك جعانة." وقعت المعلقة من يد سمرة ونظرت لعامر بخضة. تبسم عامر وهو ينحني يأخذ المعلقة من على الأرض قائلاً: "لسه خفيفة وبتنخضي. معليشي، بس الأكل اللي بتعمليه أعملي حسابي معاكي فيه." تبسمت تقول له بمرح: "بعد الخضة دي انسى إني آكلك معايا." تبسم عامر يقول: "العصفورة قلبها طيب وهتأكلني معاها عشان أدعي إنك تكوني حامل في بنت ويطلع توقع الدكاترة غلط."

تبسمت له تقول: "ماشي، هعمل حسابك بس عشان تدعي يطلع توقع الدكتور غلط." تبسم لها وجلس الاثنان يتناولان مع الطعام بود ومشاغبة عامر لسمرة بمرح. في ذلك الأثناء دخل عاصم إلى الفيلا، فهو يتعمد العودة متأخراً منذ أن جاءت سمرة للعيش بالڤيلا معهم، يتجنب اللقاء بها. لفت نظره نور المطبخ الساطع، تيقن أن من بالمطبخ هو عامر بالتأكيد، فهو عادته الاستيقاظ ليلاً والنزول لتناول الطعام.

ذهب إلى المطبخ، لكن سمع صوت عامر يتحدث مع أحد. فوجئ حين دخل أنه يجلس يتناول الطعام مع سمرة، في جو من المرح، يشاغب عامر سمرة أنها أصبحت تأكل كثيراً، وهي تبتسم له. لكن رأى عامر عاصم. نهض عامر مازحاً يقول: "تعالى يا عاصم مراتك نسفت أكل البيت، كنتوا بتقولوا عليا مفجوع، سيطر بقى على معدة مراتك. أنا خلاص شبعت وهروح أنام، عندي سفر لأسيوط بكرة. يلا تصبحو على خير." رد عاصم عليه: "وانت من أهله." بينما تحدثت سمرة وهي ما زالت

جالسة تعطيه ظهرها قائلة: "عامر بيهزر، لسه في أكل كتير؟ ولا أكلت بره زي قبل كده؟ عاصم رغم أنه بالفعل جائع ولم يتناول الطعام، لكن رد قائلاً: "فعلاً أكلت بره." نهضت سمرة قائلة: "أنا كمان شبعت، وكبس عليا النوم. الصبح تبقى كوثر توضب المطبخ. هروح أنام." حين سارت إلى جواره قالت: "تصبح على خير."

قبل أن يرد عاصم، كادت سمرة أن تقع على الأرض بعد أن كادت تتعرقل بسجادة مفروشة أمام المطبخ، لكن أمسكت يد عاصم، الذي للحظة انخض عليها قائلاً بلهفة: "سمرة." تركت سمرة يده سريعاً قائلة: "أسفة، بس اتعكلت." قبل أن تسير تحدث عاصم: "أنتي مخصماني ولا إيه؟ ردت سمرة: "لأ، لا مخصماك ولا مصلحاك. أحنا في حياة بعض عالهامش زي ما بتقول. أحنا في مفترق طريق. لو مش أنا اللي فارضة نفسي عليك، كان زمان كل شيء انتهى."

قالت هذا وسارت خطوتين أمامه ثم توقفت، تشعر بغثيان. عادت سريعاً إلى المطبخ. تعجب عاصم من عودتها وانخض حين اتجهت إلى الحوض، أفضت ما بخوفها. بتلقائية اقترب قائلاً: "سمرة." أوقفته سمرة بكف يدها قائلة: "متقربش، أنا هبقى كويسة." لكن عاصم لم يسمع لها. ظلت سمرة هكذا لدقائق إلى أن شعرت براحة. غسلت يديها وفمها ووجهها بالكامل. أمسك عاصم منشفة ونشف لها وجهها ثم يديها قائلاً: "مش فيه نوع علاج الدكتور كاتبه ليكي عشان القيء."

ردت سمرة: "أيوا، هطلع آخد منه، عن إذنك." اقترب عاصم منها ليلف يده حولها، لكن أبعدته سمرة عنها قائلة: "أنا كويسة، مالوش لازمة تقرب مني." تحدث عاصم: "سمرة بلاش عناد، خليني أساعدك." ردت سمرة بحدة: "قولت كويسة، شكراً لك." قالت سمرة هذا وابعدت عن عاصم وسندت على الحوائط وذهبت إلى غرفتها. بينما تنهد عاصم، سمرة في الفترة الأخيرة مثلما يتجنبها هي أصبحت مثله تتجنبه. رفضت مساعدته لها، لما كل تلك الحيرة؟

لما يسير بهم الطريق إلى النهاية؟ أليس هذا ما يقوله لها من خلف قلبه؟ هو ما زال خائف من ذلك الوعد الذي قاله يوماً، أن يصيب سمرة مكروه إذا أخل به. لكن وقع نظره على تلك الطاولة، وجد دورقاً من الماء، أخذه وصعد إلى الأعلى. دخلت سمرة إلى الغرفة، اتجهت إلى درج وفتحته، أخرجت علبة دواء تناولت منها حبة بفمها. نظرت لم تجد بالغرفة ماء. لكن سرعان ما دخل عاصم بدورق الماء قائلاً: "جبتلك المية وكوبايه، أكيد نسيتهم."

أخذت سمرة منه الدورق والكوب وشربت واتجهت ووضعتهم بطاولة بجوار الفراش دون رد عليه. ثم اتجهت إلى الفراش وأزاحت الغطاء قليلاً. تحدث عاصم: "حسيتي إنك بقيتي أحسن شوية؟ أومأت سمرة برأسها دون رد وصعدت إلى الفراش وتسطحت عليه. اتجه عاصم إلى سمرة وشد الغطاء عليها، مال ليقبل رأسها دون إرادة منه. شعر بأنفاس سمرة على رقبته، أشعلت بداخله عشق.

رفع رأسه رأى سمرة تُغمض عينيها. اشتهى شفتاها التي تزمها. دون وعي منه انحنى يقبلها. فتحت سمرة عينيها بتفاجؤ، لكن سرعان ما زادت خفقات قلبها. لفت سمرة يديها حول ظهر عاصم، الذي نسى أو بالأصح تناسى عاصم عهده وذاب معها بالعشق. بعد وقت، كان هو من جذب سمرة ليصبح أكثر من نصف جسدها فوق صدره. تحدثت سمرة: "عاصم." قبل أن تكمل سمرة حديثها، وضع عاصم يده على فمها قائلاً: "سمرة أرجوكي بلاش أسئلة، تصبحين على خير."

رغم تعجب سمرة من تبدل عاصم، لكن ابتسمت دون رد، ذهبت للنوم سريعاً. لكن عاصم لم ينام، ظل طوال الليل يتطلع إلى وجه سمرة الغافية على صدره، يشعر بأنفاسها. لما كل هذا العذاب يشعر به؟ سمرة هي حياته، يكفي عناداً للعشق أكثر من هذا. بنور يوم جديد، بشروق لأمنيات وأحداث جديدة. نظر عاصم إلى سمرة، هي ما زالت غافية على صدره. أبعدها عنه برفق ونهض من جوارها. ارتدى سرواله، ثم ارتدى القميص. لكن قبل أن يكمل تزريره

سمع صوت سمرة خلفه تقول: "أنا موافقة عالطلاق يا عاصم." استدار عاصم ينظر لها بتفاجؤ. قبل أن يتكلم، عادت سمرة قولها: "موافقة عالطلاق زي ما أنت عاوز، وهرجع أعيش بڤيلا بابا، ومتخافش مش هحرمك من ابنك، تقدر تشوفه في أي وقت تحب، بس أنا اللي هرجع بنت عمك وبس." نظر عاصم لها مصدوماً، لما قالت سمرة هذا الآن!

لكن هي رغم قسوة ما قالته عليها، لكنها ادعت القوة أمامه. تعلم أن هذا هو الكارت الأخير التي تلعب به. فيكفي عذاب لهما الاثنان. ذهل عاصم، عقله يسأل: ماذا تقول سمرة؟ هي تضع كلمة النهاية. صمت عاصم، كسر قلب سمرة، أذن هي النهاية، نهاية طريقهما معاً. له ما يريد.

لمت سمرة غطاء الفراش حول جسدها ونهضت. انحنت، أخذت ذلك المئزر وأردته، ثم اتجهت إلى الدولاب وبدأت في إلقاء ملابسها على الفراش. ثم ذهبت باتجاه الباب ونادت بعلو صوتها لكوثر التي أتت مسرعة. قالت سمرة لها بعصبية: "هدخل آخد شاور على ما أخرج من الحمام، لمي كل هدومي ومتعلقاتي في شنطة." قالت سمرة هذا ولم تنتظر ودخلت إلى الحمام، تصفع الباب خلفها. اتجهت كوثر تجلب حقيبة ووضعتها على الفراش، لكن تحدث عاصم المصدوم بأمر لها:

"سيبى اللي في إيدك ده وروحي انتي شوفي شغلك." نفذت له كوثر ما قال وتركت الغرفة. بعد قليل خرجت سمرة من الحمام، وجدت حقيبة موضوعة وبعض الملابس التي ألقتها على الفراش. توجهت سمرة باتجاه الباب وكادت أن تفتح الباب تنادي على كوثر، لكن عاصم أمسك مقبض الباب قبل أن تفتحه. تعصبت سمرة أكثر قائلة: "لو سمحت سيب إيدك من على أكرة الباب خليني أفتح وأنادي على كوثر أشوف ليه معملتش اللي طلبته منها." رد عاصم: "أنا اللي أمرتها."

تعصبت سمرة قائلة: "طبعاً وهي نفذت أمرك، مش مهم ألم أنا متعلقاتي، مش مشكلة، أنا متعودة على خدمة نفسي بنفسي." تحدث عاصم: "سمرة اهدى وخلينا نتكلم بعقل." نظرت له سمرة بدموع تسيل من بين عينيها تقول: "عقل؟ فين العقل؟

كفاية يا عاصم، أنا تعبت مبقاش عندي قدرة تحمل. غلطت وسيبت البيت وجيت لهنا وانت مش موجود، مكنتش جريمة. طارق أخويا، عرفت سر مامى اللي كانت مخبياه، بس أنا مش زيها يا عاصم، ولا هكون زيها. مش هضغط عليك أكتر من كده، طالما مش قادر تستوعب كده، خلينا ننفصل ونرتاح من عذابنا، وشوف حياتك مع غيري، ومتقلقش أنا مش هفكر لا في جواز تاني ولا راجل غيرك، لأني بحبك من أول ما دخلت حياتي، لقيتني دايماً برضى حتى بالقليل من مشاعرك، خليتني أحس

إني مجرد جسم يلبي رغباتك وقت ما تحب، بس أنا بني أدمة مش دمية يا عاصم، وطاقتي خلاص خلصت. يبقى كفاية كده، وصلنا لنفس النهاية اللي أنت عاوزها، طلاق بالتراضي بينا، حتى ميراثي مش عاوزاه، حتى خد اللي فاض منك، أنا مقابل الميراث ده خسرت بابي ومامي. طفلة عملت لي إيه الأملاك؟

رجعت لي بابي ياخدني في حضنه يطمن قلبي، رجعت مامى وزرعت في قلبها حنية ليا. لأ يا عاصم، أنا كرهت كل شيء بحياتي. صدقني اللي خلاني أقاوِم الموت هو الجنين اللي في بطني. لما شفت النار من تحت عقب الباب والدخان بدأ يملى الأوضة، خوفت عليه. وكمان حلمت بيك قبلها. أنا دايماً آخر اهتمام للي بحبهم، حتى مليش وجود عندهم. أنا قدري أعيش بعيدة عن اللي بحبهم، لأني للأسف ماليش أهمية عندهم، مجرد واجهة بتكمل الصورة، لو اتشالت من الصورة محدش هياخد باله إن الصورة ناقصة حتة."

بكاء سمرة أمامه بتلك الطريقة زلزل كيانه، انتهى تحكمه بنفسه. اقترب منها وأراد ضمها، لكنها عادت للخلف قائلة:

"وصلنا للنهاية ياعاصم. عارفة إني عمري ما فراق في حياتك، وجودي من عدمه واحد. أنت منقذتنيش عشان بتحبني، لأ عشان ابنك اللي في بطني. ماما نادية قالت لي إنها قالت لك إني حامل. كفاية كده، روح للي تناسب عقليتك الكبيرة، مش سمرة العصفورة اللي كان كل حلمها إنها تطير بره القفص، واحدة عمرها ما كانت صاحبة رأي، دايماً كلمة نعم هي اللي على لسانها، بترضى بفرافيت مشاعر اللي حواليها، خايفة يبعدوا عنها ويسيبوها، وفي الآخر برضو بيسبوها. بس خلاص مبقتش قادرة أتحمل، كفاية. أنا مش هفرض نفسي عليك ولا على حد بعد كده. هبعد وأعيش لوحدي، مش جديدة عليا الوحدة، خلاص بقت رفيقة حياتي."

قالت هذا وتوجهت إلى دولاب الملابس وأخرجت بعض الملابس لها، لكن فوجئت باحتضان عاصم لها من الخلف وأمسك بيدها التي تخرج الملابس وهمس بجوار أذنها:

"سمرة، أنتي عمرك ما كنتي في حياتي عالهامش، ولا حتى جسد يلبي رغبتي. سمرة، أنتي ملكتي قلبي من قبل ما أشوف تفاصيل وشك. لما دخلت الڤيلا وسمعت صوت البيانو، كنت زي المسحور ومشيت وراء النغمات لحد ما دخلت وشوفت بنت صغيرة قاعدة قدام البيانو بتعزف مغمضة عينيها. كان نفسي تفتح عينيها وتنظر ليا وأخطفها لبعيد. كنت بتعذب لما مامتك حاولت تبعدني عنك بالكذب. كنت ببقى سعيد لما بتيجي المصنع مع عمي وأشوفك، أو أجي خلصة للڤيلا عشان أشوفك. سمرة، أنتي حب عمري. لما أنقذتك، مكنش عشان ابني، عشان مقدرش أعيش من غيرك. أنا كنت بنقذ نفسي."

قال عاصم هذا وأدار سمرة لتصبح وجهها بوجهه، قبلها بهيام قائلاً بهمس: "أنتي حقي يا سمرة، مقدرش على بعدك عني. يمكن مقلتلكيش قبل كده إني بحبك، لأني بعشقك." أمسك عاصم يد سمرة ووضعها على قلبه قائلاً: "حاسة بدقاته؟

القلب ده عمره ما دق لغيرك. بتوحشيني وأنتي في حضني، بعدك عني والموت واحد. بتعذب وأنتي بعيدة عني. خوفى عليكي أكتر من نفسي. هتقولي عليا أناني لو قولتلك إني نفسي عنيكي متشوفش حد غيري، بغير لما بتبتسمي لأي حد، عاوز بسمتك ليا لوحدي، بغير لو حد لمسك غيري. أنا حتى بغير من بابا لما بيحضنك. قولتي إنك كنتي فاكرة إني سجانك، فعلاً أنا سجنتك في قلبي، ونفسي أبعدك عن أي حد وعينيكي متشفيش غيري."

قال عاصم هذا ورفع إحدى يديه وأزال دموع سمرة، واليد الأخرى تطوق جسد سمرة تضمها إليه. تبسمت سمرة وهي ترفع يديها تحاوط بها وجه عاصم قائلة: "والعصفورة رجعت للقفص تاني برجليها وعشقت سجانها، وعرفت إن القفص مكنش سجن، ده كان المأوى الوحيد لها في قلب سجانها."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...