تبعث الشمس أشعتها الصفراء تتسلل من ثغرات نافذة غرفتها الواسعة، لتداعب وجهها إلا أنها سقطت على فراش بارد خالٍ. تخرج من مرحاضها والماء يتساقط من جسدها الرخو، علها تشعر ببرودة المكيف، لكنها محاولة أخرى بائت بالفشل. ارتدت ملابسها الكبيرة ودنت من حائط يفترش أسفله بالزجاج المهشم، كقلبها المدمي. جثت بصعوبة والتقطت إحدى الصور التي تجمعها مع زوجها.
هطلت دموعها حسرة، ليس على من سحق كرامتها تحت قدميه، بل على نفسها لتقديم عمرها قربانًا قربَه. "مش عارفة ألومك ولا ألوم نفسي. ألومك إزاي وأنت اتعودت أطبطب وأشيل مكانك وأستخصر في نفسي عشان أكبرك وأكبر فلوسك؟ وفي الآخر طلعت أنا المهملة." أنهت كلمتها الأخيرة بصوت يعلوه المذلة والخذلان، ثم التقطت صورة أخرى يبرز فيها امتِشاق جسدها، يا لها من صورة قديمة من قبل الزواج ومشقة الإنجاب. صرخت وكأنها تحدثه:
"مين فينا اللي يزعل ويشوف حياته؟ أنا ولا أنت؟ مين اللي سهر وتعب وفي الآخر طلع وحش؟ أنا ولا أنت؟ مين اللي عمره راح يا هيثم؟ مين؟ دخلت فتاتها الصغيرة هالعة مما رأت أمس من انهيار وصراخ أمها. لم تعهد أمها إلا صامدة. حدثتها الصغيرة بحروف تخشى الخروج: "ماما، هو بابا قالك إيه خلاكي تكسري الأوضة كده يا ماما؟ نيران تأكل بقلبها، كيف لها أن تشرح ما حدث لفتاة بالكاد أكملت الخامسة؟ حاولت تهدئة نفسها وتهذيب نبرة صوتها الغاضبة.
"مفيش يا حبيبتي. بابا مدايق شوية وهيجي بكرة ونتصالح ونفسح مريومة الحلوة كتير أوي." كانت تدرك كذبها، فزوجها لن تخطو قدمه منزلها مجددًا. خرجت الفتاة بسذاجة طفولتها تلهو مبتسمة، وتركت أمها في دوامة ذكريات تعصف بعقلها. تسوق فتاة الثامنة عشر سيارتها الجديدة في طريق تزهو عن الزحام، لتري سيارة تقف في منتصف الطريق، فاستشفت أن سائقها يحتاج للمعاونة. ترجلت من سيارتها ووصلت للسيارة الأخرى متحدثة بهدوء:
"أنا شايفة إن العربية عطلانة، لو تحبي أنا ممكن أساعدك." نظرت لها سيدة أربعينية بإعجاب وهتفت: "يا حبيبتي، أنا فعلا كنت سايقة والعربية اتعطلت بيا. ربنا بعتك ليا. ممكن بس توصليني لأقرب مكان آخد تاكسي؟ "لا يا طنط، متقوليش كده. تحبي تروحي فين وأنا هوّديكِ؟ تعالي معايا ولما توصلي ابعتي حد يصلح العربية." أطاعتها المرأة الأربعينية، وأثناء الطريق هتفت: "بس شكلك صغيرة لسه يا... مقولتيليش اسمك إيه؟ أجابتها بتهذيب:
"اسمي ميرال يا طنط. أيوه أنا فعلا مش كبيرة، عندي 17 سنة. أنا بيتي قريب، بس بصراحة دي عربية بابا وخوفت أمشي من طريق فيه كامين لأني موصلتش للسن القانوني للسواقة." "بس ماشاء الله بتسوقي كويس جدًا." تبسمت ميرال: "أيوه خالو علمني أسوق من سنتين وبقيت شاطرة جدًا." فاقت ميرال من ذكرياتها، ثم قالت في حزن:
"كنتِ السبب في جوازتي منه يا طنط. اعتمدتِ أصريتي أتجوزه، وأنتِ عارفة إن ابنك غدار. بس مش هظلمك، وأنتِ هتعرفي منين إنها هتُخان وابنك يعايرني كده؟ لا ويقرر يتجوز عليا في نفس العمارة." شرّدت مجددًا بشكوى أمس: "مش ملاحظ ياهيثم إنك حابسني في البيت؟ وكل ما أطلب منك نخرج ترفض." اعتلاه الضيف وقال في جزع: "مش ملاحظة ياميرال إنك تخنتي أوي وشكلك بقى يكسف؟ دقيقة صمت لاستيعاب ما تفوه به. أيخجل منها حقًا؟
"يعني أنت مش مشغول ياهيثم وبتتكسف مني؟ مكسوف من مراتك؟ مكسوف إني تخينة؟ "آه مكسوف، مش مكسوف بس أنا مستعر من منظرك ده. أمشي وأقول إيه لأصحابي ومعارفي؟ أقولهم بصوا مراتي بقت قد الدرفيل إزاي؟ أنا هستحملك، إنما هما يعرفوا إني مستحمل ليه؟ أنا راجل ليا منظري قدام الناس." زجرت كلماته قلبها الرقيق، فقالت مدمعة العينين: "ياااا للدرجة دي شكلي مدايقك وعامل لك إحراج وسط الناس؟ نسيت كل الحب اللي بينا عشان وزني زاد شوية؟
رمقها بنظرات استحقار ممزوجة بسخرية: "لا، أنتِ اللي نسيتي نفسك. أنا لما اتجوزتك اتجوزت ميرال البنوتة الجميلة بملامحها الصغيرة الرقيقة. متجوزتش درفيل. بصي على نفسك كده في المراية. بزمتك هدومك تخش في دراعك حتى. أنتِ إيه، هتفوقي إمتى؟ أنا قرفان منك ومن شكلك ده. مبقتش قادر أستحمل. مش عارف أنسجم معاكي. مش عارف أحس إني مبسوط. مش مرتاح. بشوفك بفتكر الطبيخ والأكل والحلل. زيك زي أي ست عجوزة. حاولت أشوفك وحدة ست بجد، مش عارف."
ثم أشار بيديه ذات العروق البارزة لبطنها المترهل وذراعيها الممتلئين، واستأنف: "حاولت أدور فيكِ على معالم أنوثة، ملقتش. كلك قرف. قرف قرف قرف. وأي دا؟ هااا! أيه ده؟ فين لونك الأبيض بتاع زمان؟ كلك علامات بيضا وحمرا ومنظر مقرف." كان ينتظر صمتها وخضوعها المعتاد، ولكنها فاقت تصوراته الخائبة. نطقت بصريخ قلب مدمي: "هو كل ده منين؟ مش من عيالك؟ تعرف أنت إيه عن الحمل والولادة والرضاعة والتعب والوجع؟
تعرف إيه عن عيالك غير أسمائهم؟ تعرف ابنك كام مرة يجي بشكوى من مدرسته بسبب سلوكه العدواني بسببك؟ تعرف إيه عن ولادك؟ ياراجل ياشيك يانيق يابو عضلات، أنت تعرف إيه عن أم كل يوم تصحي تلبس وتحمي وتودي مدارس وترجع تروق وتطبخ وتمسح وتعمل أكل وتاكل وتشرب وتذاكر لولادها وتنيمهم وتروق مكانهم؟ تعرف إيه انت؟ فين فين من حياة عيالك؟ فين في حياتي أنا؟ إيه؟ عاوزني آخد بالي من نفسي عشانك؟
عشان تعطف عليا بالكام دقيقة اللي بتقضيهم معايا وتبعد تاني؟ أنت مين سمحلك تدي نفسك مكانة كبيرة كده؟ أنت ولا حاجة. أنا هنا كل حاجة. أنا الأم والأب. أنا الصاحب والصديق. أنا من غيري ولادك يضيعوا. عايشة عشان ولادي. أنت عايش لمين؟ قولي." وكأنها أشعلت فتيل غضبه، فما كان منه سوى تمزيق ثيابها كاملًا: "بصي منظرك كده. ده منظر أقرب منه جتك القرف فيكِ وفي شكلك. مش كفاية متحمل منظرك كمان بتقلي أدبك عليا؟
أنا لولا ولادي كنت طلقتك وخلصت منك، بس عشان ولادي بسسس. أنا هسيبك، لكن هتجوز ياميرال ومش هجبها هنا عشان أنا راجل حقاني وعلشان ولادي. هتجوز في الشقة اللي تحت والمخروبة دي معتش أعتبرها تاني." ذهب وتركها تناجي ربها أن يرحم قلبها وقلة حيلتها. "علشان كده كنت بتوضب الشقة وبتجهزها كأنها شقة عروسة." ضحكت بمرارة وقالت: "وكأن ليه؟ مهي فعلاً عروسة. بس لا، أنا مش هقبل بالوضع ده كتير وهاخد حقي تالت ومتلت من عينك يا هيثم." سمعت
هاتفها يهتز بقوة فأجابت: "ألو." "أيوه ياميرال، مبترديش ليه؟ بقالي ساعة بتصل." "أيوه يا ليلة، أنا معاكِ." "مالك ياميرو ياحبيبتي؟ صوتك معيط أوي." "هيثم هيتجوز عليا بعد عشر سنين إهمال وذل. هيتجوز عليا في شقة طنط اعتماد. أثر بيجهزها بقاله شهر." "أهدي طيب وأنا جيالك دلوقتي." أغلقت ليلي الهاتف واعتلتها دهشة مصحوبة بالهلع. "مالك يا ليلي مبلمة كده ليه؟ قالها عامر بإستغراب. "هيثم هيتجوز على ميرال ياعامر بعد كل الاستحمال ده؟
بيتجوز عليها." أبتسم عامر وأردف بعدما أشعل سيجارته البنية الرفيعة: "طب والله شاطر، يابخته." طالعته بنظرة حسرة: "بقي كده ياعامر؟ مبسوط في صحبتي؟ أنت أكتر واحد عارف إن ميرال طيبة ومش هيلاقي زيها." "عارف ياليلي، لكن اللي مش عاوزين تفهموه إن الست بتفقد كل أنوثتها وجمالها. أم بتتخن مبتبقاش حلوة في نظرنا، يعني نبص بره يا نتجوز." وكأن كلماته شقت قلبها مئة قطعة: "وأنت بقي يا عامر بتبص برا ولا متجوز من ورايا؟
عبست ملامحه قليلًا: "ليلي حبيبتي، متقوليش كده. أنتِ الأولى والأخيرة يا عمري." ثم أكمل في انتصار: "ببص برا طبعًا وهفضل أبص. طول مانتِ كده، عاوزة تحافظي عليا؟ خسي. لأن بصراحة أنا جبت أخرى." هرول للخارج قبل نشوب شيء بينهما. "دلوقتي بس ياميرال اتأكدت من كلامك وعرفت إن كنتِ صح لما قولتي إنها خلصت كده." انتهت ليلي من ارتداء ملابسها بعد عناء طال لساعة. وقفت تنظر لنفسها نظرات سخط، محدثة نفسها: "قرف. كل يوم كرش وبروز."
أخذت تزفر في ضيق وأكملت: "أزعل منه ليه وأنا أصلاً شايفة نفسي وحشة." حملت حقيبتها اليدوية وذهبت لصديقتها وشريكة المحنة. وقفت تدق باب منزلها بعدما لمحت زوج صديقتها بأحضان أخرى بلا مراعاة لقربه من منزل زوجته الأولى. فتحت ميرال باب بيتها وارتمت بأحضانها تبكي. "اهدي ياميرال علشان الولاد. اهدي. أنتِ مستحملة كل ده عشانهم." ردت عليها بصوت يشق القلوب: "هيتجوز ياليلي!
هيصرف فلوسه اللي استخصرت أصرفها على نفسي هيصرفها عليها. هيسيب عياله وينساهم. جرحني أوي ياليلي. جرحني بنظراته قبل كلامه. ياريتني ما أهملت في نفسي. ياريتني كنت فضلت ميرال الحلوة. حسسني إني عندي ميت سنة وأنا أصغر منه بعشر سنين." "اهدي ياميرال وتعالي ندخل جوه نتكلم عشان الولاد ونفسيتهم متتعبش." اعتدلت ميرال من أحضان صديقتها ودخلتا الغرفة. اندهشت ليلي من مشهد الغرفة وكأن الساعة قامت بها، لكنها فضلت الصمت.
جلست ليلي وأشعلت سيجارة بنية رفيعة وأشعلتها، فأشتمت ميرال رائحة التوت وسألتها في فضول: "المرة دي توت؟ غيرتي النعناع يعني؟ ابتسمت ليلي وقالت: "قررت أتغير ياميرال وهغيرك معايا." حدثتها وهي تشير بيديها والسيجارة بين أصبعيها ترسم منحنيات أنثى. عبثت ملامح ميرال وكأنها تذكرت: "ماشي، بس بعد ما أطلق." فتحت ليلي فاها: "تطلقي؟ والعيال يا ميرال؟ عاوزة تشردي عيالك؟ ضحكت ميرال ضحكات ساخرة، ثم أخذت السيجارة من صديقتها
وأخذت تنفث دخانها بحرارة: "عيالي صح؟ هما عيالي. هو إمتى كانوا عياله ياليلي؟ هو شال إيده من تربيتهم. يبقى أطلق وأربيهم عدل وأشوف نفسي." "طب بس بس براحة على نفسك كده، صدرك يتعب. مبتشربيش كده." نظرت لها ميرال وقالت: "قومي بينا نرقص شوية." طالعتها ليلي بنظرات مندهشة: "متتنحيش كده، قومي خلينا نفك وسيبك من الكلام اللي قالهولك عامر." ازداد اندهاش ليلي: "وأنتِ عرفتي منين كلام عامر ياميرال؟ ضحكت بخفوت:
"مهو أصلك من الدهشة نسيتي تقفلي وسمعت كل حاجة." خجلت ليلي وقالت مبررة: "ميرال حقك عليا، أنتِ عارفة عامر ميقصدش والله." أوقفتها ميرال: "ولا يقصد ياليلي. عنده حق. المهم أنتِ متزعليش نفسك، إحنا هنتغير." فتحت ميرال أغنية شعبية وأخذت ترقص وكأن الرقص منقذها من دوامتها المهلكة. انتهى اليوم وعادت ليلي لبيتها، وجدته خاليًا، يبدو أن زوجها أعلن الحرب.
فتحت ميرال باب شقتها صباحًا. سمعت صوت تعرفه جيدًا، إنه صوت زوجها. رأته يصطحب فتاة يافعة تلتف يده حول خصرها. سابقًا كانت تخجل وتحزن، أما الآن فلا. نادته بصوتها المترنم: "يانعم." أجابها بسخرية: "طالق." دعنا نجزم أن الدهشة غزت كيانه ممزوجة بخوف مجهول الهوية، ولكن هيهات، فغزو كبريائه كان أكبر. أجابها دون اكتراث: "أنتِ طالق ياميرال، ومتقطعيش الجوبات." أدارت ظهرها، تاركة كسرتها تتهشم خارج قلبها:
"من النهاردة أوعدك هدفعك تمن كل يوم قهرتني فيه ياهيثم." ثم ذهبت لأطفالها قائلة: "يالا يا حبيبي عشان مسافرين نتفسح وهنرجع قريب."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!