أيام عجاف، تدعو الله أن تمر مرور الكرام.
مر شهران على طلاقها وكأن الله رابط على قلبها، فلم تدمع عيناها يومًا على هجرها له، بل جعلته دافعًا للقصاص، قصاص من العالم. كثيرًا ما سمعت عن سمينات والتنمر عليهن، لكن اليوم قُدر لها أن تكون إحداهن، بل الأكثر قهرًا، ملكة على عرش التنمر والكسرة. أحمق من زعم أن المرآة هي انعكاس صورة المرء، وإنما مرآته هي عين نصفه الآخر. من يحب يرى الندبة خيط لؤلؤ في وجه شريكه، ذاك هو عشق الروح، ما يزيد الملامح للحب إلا إشراقًا. وعشق الملامح والأجساد يجف كزهرة ريحان تأخذك بعطرها، وما أن تزبل تدعسها الأحذية.
مندثرة في سريرها تطالع السقف وكأنه شاشة عرض يُعرض عليه فيلم مثير. ياله من مثير للشفقة حالها، قالت محدثة نفسها: -لحد أمتي هفضل زي مانا؟ اهو اتجوز ومبسوط وأنا زي مانا. أنا مباكلش ليه؟ معملش دايت؟ أخس ليه؟ متغيرش وأخد حقي؟ ثم زفرت بقوة وأزاحت غطاءها واستأفت: -من النهاردة لازم أبدأ.
أخذت تفتش داخل حسابها الإلكتروني حتى عثرت على مجموعة رياضية تسمي "فيتنس كيبرز" يديرها رجل ثلاثيني يطغى عليه هيبة ووقار، يزينه عضلات بارزة وطول فارع. ضغطت على زر الاشتراك، سريعًا ما قُبل طلبها. تصفحت المجموعة حتى وجدت منشورًا حديث النشر يعلن فيه هذا الرجل بدء فرقة مبتدئة لخسارة الوزن. شعرت أنه توفيق من الله وإشارته، راسلته بجدية تطلب منه الاشتراك. فأجابها بتهذيب:
-تمام حضرتك، هتدفعي مبلغ بسيط جدًا وتشتركي وأنا هتابعك بنفسي، وممكن لو تحبي تيجي الجيم وأدربك كمان. لعبت الشكوك بعقلها البكر فقالت له في هدوء: -بس أنا مش حابة أتدرب في جيم فيه رجالة. تفهم قلقها وشعر بداخلها بحسن خلقها: -متقلقيش حضرتك، دا جيم للسيدات بس. ولو تحبي أنا ممكن أخلي كابتن أمل هي اللي تدربك كمان لو محرجة. قفزت من الفرحة والسرور: -أه طبعًا يكون أحسن، أجي من...
أُجيبت بهدوئه المعتاد وأُخبرت بموعدهم في اليوم التالي في السابعة صباحًا. *** غفت ليلي على أريكتها الزرقاء فقد طال انتظار زوجها. كل يوم يأتي في الصباح تشتم بملابسه عطر نسائي، ينفطر قلبها كل يوم وتبكي في صمت، كيف لها بتوبيخه وتشعر بالتقصير تجاهه، بدلًا من ذلك توبخ نفسها مئات المرات. فتح باب شقتهما متعمدًا إحداث ضجة. هدوء يعم البيت غير معتاد عليه هذا.
أقترب منها بكبرياء يزجرها عدة مرات ولم تأتيه استجابة. تسلل الخوف إلى قلبه بل غزاه كاملًا. ازدادت زجراته ومازالت خادعة للهدوء. هلع من إغماءها المفاجئ فحملها لأقرب مشفى. صرخ وكأنه طفل يفقد أمه. حملها الأطباء لغرفة الفحص، لم يخطر بباله سوى مهاتفة ميرال صديقتها. تجلس ميرال بجانب أطفالها توجههم وتعاونهم على أداء واجباتهم الدراسية حتى رن هاتفها الجوال. -اكتب حلو يا علي، أنا كدا هلغي وعدي. لحقها بتوسلات الطفولة:
-خلاص والله هكتب حلو يا ماما، انتِ وعدتيني تجيبلي بلايستيشن ونخرج كل أسبوع وأنا مبقتش أضايق حد، بذاكر زي ما انتِ عاوزة. ابتسمت داخلها: ها هي مطلقة وحيدة تنجح بتصحيح عاهات زواجها الفاشل. فاقت من انتصارها على صوت ابنتها متأففة: -يووووه ياماما مش قادرة أركز من فونك عمال يرن جنبي. نظرت لها ميرال نظرات فخر: -خلاص يا سِت هانم خلاص، هرد أهو. كنت بكلم أخوكي. اعتلتها الدهشة حينما ظهر اسم المتصل فردت في عُجالة: -ازيك يا عامر؟
خلع قلبها صوته الباكي وهو يقول: -ميرال الحقيني، ليلي في المستشفى معرفش مالها، مبتتنفسش ولا بترد. سقط الهاتف تحت أقدامها تهشم. ركضت كالمسحورة في الطرقات. أدركت أنها حتى لم تسأله عن اسم المشفى. جال في عقلها أقرب مشفى لبيت صديقتها. وصلت ميرال للمستشفى تلهث تبحث بعينها عن عامر ليشير لها بضعف من بعيد. نظرت له بغضب وقالت: -عملت فيها إيه ياعامر؟ صحبتي لو جرالها حاجة مش هسيبك ياعامر. طالعها بنظرات كسرة وحسرة:
-جيت من برا لقيتها مبتردش، والله ما عملتلها حاجة. صرخت بوجهه: -جاي العصر زي عادتك كل يوم، تسهر تستناك وفي الآخر ترجع العصر تقعد ساعتين وتمشي. منك لله يا عامر، منك لله. خرجت الممرضة تخبرهما بأن المريضة حالتها تسوء أكثر. فسألها عامر عم بها فأجابته الممرضة: -المدام عندها أزمة قلبية.
توترت الأجواء أكثر وتعالى صوت البكاء من كليهما حتى حل المساء وغفى عامر من طول الانتظار. خرجت الممرضة تخبرها باستيقاظ صديقتها. سرعان ما دخلت ميرال تطمئن على صديقتها. جلسات يتحدثان حتى أخبرتها ليلي بأن تغادر لترعى أولادها. انصاعت لها ميرال وذهبت. في الصباح ارتدت ميرال ملابسها بعدما ذهب أطفالها لمدرستهم.
وقفت أمام الجيم خائفة مرتبكة حتى استجمعت قواها ودخلت. شرعت في السؤال عن ذالك الوسيم الثلاثيني حتى وجدته أمامها. كان أوسم من صوره بكثير، لكنها لم تكتراث. عرفته بنفسها برسمية حتى لا تفسح له بتعدي مكانته: -أهلاً وسهلاً يا آنسة ميرال، نورتيني. عبثت ملامح ميرال وتبسم قلبها بخجل وقالت: -مدام، حضرتك أول واحد تقولي آنسة. ابتسم ابتسامة على استحياء:
-حضرتك صغيرة باين عليكِ. الناس بتبص للجسم إنما هنا لأ، ومعايا هتوصلِ لحلمك بإذن الله. هزت ثقته قلبها، لا تدري لم شعرت وكأنه طوق نجاتها من محيط هموم لا ينتهي. ابتسمت له وقالت: -أكيد إن شاء الله، هنبدأ امتى؟ ارتفع صوته الغليظ ينادي على فتاة تدعى أمل: -دي كابتن أمل يا كوتش، هتدربك هي. هزت رأسها دليلًا على ترحيبها. فقالت لها أمل: -أهلاً أهلاً يا كابتن ميرال، كابتن أحمد قالي عليكِ. تعالي بقى نسخن علشان قدامنا كتير أوي.
يكادتا تذهبان لولا صوت أحمد: -كابتن أمل متضغطيش عليها، سبيها تاخد على الجو الأول. ذهبت ميرال مع أمل لتؤدي تدريبها الشاق وبعد ساعة ونصف: -عاش يا كوتش، شاطرة جدًا. تعالي بريك خمس دقايق. خجلة تعلم بمتابعته لها طيلة الوقت، وجدته يقترب منهم قائلًا: -شايفك نشيطة يا كابتن ميرال، بس دا مش حلو دلوقتي لأنك هتروحي جسمك مكسر، متضغطيش في الأول كدا. ثم طلب منها أن ترتفع على الميزان ليقيس وزنها. خجلت من كتلتها الكبيرة.
شعر بخجلها فحاول تخفيفه: -كابتن ميرال بصي على شمالك كدا. نظرت ميرال لتجد فتاة ممشوقة القوام تتدرب فقال: -دي كابتن فيروز، كانت 150 كيلو ودا شكلها بعد ست شهور التزام. متقلقيش يا كوتش، هتعدي. ابتسمت ميرال لشعورها بذوقه معها فقالت في نفسها: -واحد ولا أعرفه ولا يعرفني وخايف على مشاعري وعاوز يقف جمبي، مش زي هيثم. منك لله يا هيثم. فاقت من حديث نفسها على صوت أحمد الرجولي:
-تمام، حسبتلك الكالوريز بتاعتك أهو علشان متحسيش بالحرمان أو الجوع. أنا معاكي أي وقت متقلقيش، ولو ضعفتي هنكمل بردو. ذهبت أمل لتحضر شيئ بعد أن استأذنت منهما: -دلوقتي بقى يا كوتش عاوزين ناخد مقاسات الجسم لأن هتخسي دهون ويقوي عضل. الميزان مش فيصل أبدًا إنك خسيتي تام كدا.
أحضر أحمد شريطًا مرقمًا وأخذ يقترب من ميرال. ازدادت دقات قلبها، ودت لو تمسكه بيدها تمنعه من القرع خشية سماع الوسيم به، لكن هيهات فقد تسللت أصوات أنفاسها المضطربة لمسامعه. أخذ يلف الشريط على كتفيها وعيناه معلقة بعينيها البنية بأهدابها الحارسة. خطف تورد وجنتيها تركيزه، رائحة أنفاسها جعلته كبشري على القمر يموت خنقًا، وأنفاسها كأكسجين أعاد الحياة لرئتيه مجددًا. ابتعدت ميرال محمحة: -أنا ممكن أكمل لوحدي.
طالعها بعينان ناعسة وطال صمته لدقائق، فقررت إعادة كلماتها. تدارك نفسه وابتسم لخجلها واختفى متحججًا بحجة واهية. أنهت تدريبها وعادت للبيت وبدأت تشعر بثقل بجسدها شديد. مدت جسدها على السرير حتى أتاها اتصال يخبروها فيه بوفاة صديقتها الوحيدة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!