وقفت تصرخ: أحقا ما يحدث؟ هل فقدت صغيرها؟ ماذا يحدث؟ أي لعنة حلت عليها؟ أو أنها امتداد لعنة من أمها؟ ياله من حظ عثر. قلبها يصرخ. وقفت أمام غرفة العمليات الجراحية مشردة الفكر، تقلب عيناها بالمكان. "هو حصل إيه؟ إيه اللي عمل فيه كدا؟ حد يرد عليا! تحدثت جارتها قمحية البشرة: "الولد انتحر." ردت جارة أخرى: "يختي، ما دام فيكِ صحة تخرجي هنا وهنا مع دا ودا، شوفي ابنك وبنتك، طالما مش قد الخلفية بتخلفوا ليه؟ منحوا لله!
لم تستطع ميرال النطق، فإنهم على حق، هي المذنبة. بعد بضع ساعات، خرج الطبيب وفريقه من غرفة العمليات. هرولت إليه ميرال وعامر يسألان عن حالة الطفل. "الولد دا لازم يتعرض على دكتور نفسي، احمدوا ربنا أنها عدت المرة دي." ثم أشار لميرال قائلاً: "أنتِ السبب. الولد لو لقي حنان مكنش وصل لكدا. الموضوع مش خطر، متقلقوش، بس مين عالم هيحصل إيه بعد كدا." تركهم وغادر. "ميرال، ابنك ماله؟ ملحظتيش عليه أي حاجة مش طبيعية؟
"كان بيشخبط على الحيطان والورق بعنف بقاله فترة." ثم نكست رأسها لأسفل. "أنا بقالي أسابيع معرفش عنهم حاجة غير أكلهم وشربهم بس." سخط ارتسم على تقاسيم وجهه. "جرالك إيه؟ ولادك دول ولا لأ؟ أنتِ مالك كدا متغيرة وكلامك متغير، حتى تصرفاتك مش أنتِ ميرال اللي عرفتها أبداً." "عامر، هحكيلك كل حاجة لأني مش قادرة أتحمل أكتر من كدا، بس بعد ما علي يفوق، أوعدك هقولك كل حاجة." مر الوقت سريعاً، وفتحت عينا الصغير بضعف. هرولت إليه أمه:
"علي، رد عليا، فوق يا حبيبي، حقك عليا يا بني، سامحني." نظر لها الصغير، ثم أدار وجهه، وتساقطت عبراته من مقلتيه. تدخل عامر مازحاً: "علي البطل هيقوم، كنت حتة راجل كبير وعايزين نجوزك، ها؟ أنقيلك عروسة على ذوقي." انفجر بلون عينه، يظرف الدموع حسرة على رجولته الفانية. لقد آدمي جرحه، ليته لم يتكلم ويذكره. آتى الطبيب يتفحص الصبي ووجده ينهار، فأعطاه حقنة مهدئة. نظر الطبيب لهم بسخط ثم قال:
"أنا ساكت، لكن الظاهر أن الموضوع كبير. أنا هبعتله دكتور إسماعيل، دكتور نفسي يشوف ماله، وكفاية ضغط على الولد." مرت ساعتان والصبي هادئ تماماً. "تعالي برا، عاوزك." تحدث عامر وهو يسرع للخارج. لحقت به ميرال. "دلوقتي... وحااالا تقوليلي فيه إيه." تنهدت ميرال وقصت له كل ما حدث، مروراً بحديث ليلي وكذبها وتعاهدها مع أحمد ليوقع بها. برزت عروق رقبته. "أنا مصدوم فيكوا انتو الاتنين...
تعرفي لولا ابنك اللي جوا دا، أنا كنت مشيت، لكن أنا مش واطي، وآخرك معايا لحد ما يخف، غير كدا أنتِ برا حياتي." جلست تبكي وتسب نفسها، أين عقلها وهي تدمر رجل كل خطيئته أنه أحبها من أعماق قلبه. جلس الطبيب يتفحص حركات الصبي ويتحدث معه بسلاسة: "تعرف أني زمان كانوا بيعتدوا عليا." جحظت عينا الصبي وانكمش، صار يبلع لعابه السائل بغزارة. تيقنت شكوك الطبيب قائلاً: "بس اتعالجت وتعافيت من الأذى اللي حصلي، وخدت حقي."
تقلبت عينا الصبي في الغرفة خشية فهم ما يحدث له. "انت بتقولي الكلام دا ليه؟ أنا أنا محدش عملي حاجة، أنا راجل أيوه راجل ومش بعمل حاجة تخليني أدخل النار." أبتسم الطبيب: "مين قال إن كل حد اتعرض لاعتداء هيخش النار؟ طالما هو مجبور ومش بمزاجه، يبقى مش هيخش النار. لكن هيخش النار فعلاً لو سكت ومتكلمش وقال على اللي عمل فيه كدا علشان يتحاسب." "بجد بجد هيتعاقب؟ أبتسم الطبيب وقال بجنوب: "لو قولتلي، أوعدك مش هسيبه إلا لما يتعاقب."
تنهد الصبي وقرر البوح بما يحمله صدره، وقص له كل ما حدث بلهجته البريئة: "تامر بن جارتنا، ماما لما بتبقي مشغولة بتسيبنا عندهم. هو... هو قالي إني كبرت ولازم أبقى أبقى راجل. وراني فيديوهات فيها حاجات مش كويسة. أنا قولت لأ دا حرام، بس هو قالي لو رفضت يبقى أنا عيل مش كبير زيه. بعدها جاب فيديو فيه اتنين رجالة بيعملوا...
بيعملوا حاجات وحشة أوي وقالي نعمل زيهم. أنا معرفتش أرفض لأنه هددني وأنا خوفت عشان ماما مش هتسمعني. ماما بقت كل حاجة تزعق وتضرب. أنا خوفت تضربني وتصدقه. مرة ماما جت وهو عندنا قالي لو اتكلمت ه...
هيعمل كدا في أختي. أنا خوفت عليها، خوفت تحس زي كدا. كان نفسي ماما تكون هادية زي زمان، مكنتش هتردد أقولها، لكن هي من ساعة ما راحت الجيم وهي بتخرج كتير، وأحيانا أكل من برا وتسبنا نذاكر لوحدنا. كل دا مكنش بيحصل زمان. أنا جبت موس وقطعت بيه إيدي عشان أموت. أنا هعيش لمين؟
ماما خلاص مبقتش مهم عندها، وأختي لما تكبر محدش هيحبها ولا يتجوزها بسببي، وبابا سابنا ومشي. أنا عارف كل حاجة، أنا مش صغير، أنا عارف إن بابا اتجوز وساب ماما عشان تخينة، بس هي خسّت وبقت حلوة دلوقتي، بس تعرف ماما التخينة أحن مليون مرة من ماما الرفيعة الحلوة. أنا خايف أجبلهم لعنة بسببي، هما ميتستاهلوش كدا، هما حلوين، أنا الوحش اللي ربنا مبيحبنيش."
حاول الطبيب الحفاظ على ثباته الانفعالي، لأن ذلك هو أسمى عمل يقدمه، ولكن دمعة هربت من سجن عينيه حينما استأنف الصبي كلماته: "توعدني أن تامر هيتعاقب؟ قول أنه هيتعاقب وأخد حقي منه. أنا بكرهه أوي. هو... هو اللي خلاني مش راجل، هو اللي اللي خلاني منفعلش أبقى زيكوا. أنا خايف أعيش عشان مبقاش كدا طول عمري." وقف الطبيب بجدية:
"أوعدك هعاقبه وهعالجه عشان ميبقالوش ضحايا غيرك. أنت تمام يابطل، دا حدث عارض وبس، أنت كويس ورجل أوي كمان، أنت شجاع، تعرف لو كل الولاد شبهك كدا كنت هفرح جداً. هسيبك دلوقتي وأشوف هعمل إيه مع تامر." خرج الطبيب قاصداً ميرال. "تعرفي، أنا كنت ناوي مأسيبكيش في حالك، لأن كل اللي الولد فيه دا بسببك، لكن شكلك ضحية، وابنك وبنتك ضحاياكِ." نكست ميرال رأسها. "ابني عنده إيه يا دكتور؟ "ابنك...
لا ولا حاجة. ابن جارتكوا كان بيعتدي عليه جنسياً، بس حاجة بسيطة." صرخت ميرال وصخكت صدرها: "ابني أنا حصله كداااا؟ ابن جارتنا مين؟ أنا كنت بسيبه عند... تااامر، تامر اللي عمل في ابني كدا؟ "أيوة تامر. أنا هتصرف مع الولد، متتكلميش عشان ميهربوش. الولد.. ياريت تهتمي بابنك شوية لأنه متدمر، والدور على بنتك كمان." رحل الطبيب، ولمحت ميرال طيف صديقتها الخائنة تبتسم من بعيد وهي تقترب، حتى عبثت ملامحها.
"ألف سلامة على علول يا ميرال، مش تخلي بالك من ولادك بردو." آتى عامر والغضب يمتلكه: "أهلا أهلا، ليلي عادت من الحياة الأخرى ولا إيه؟ نظرت له ليلي بخبث: "كنت بردلك اللي عملته فيا." أبتسم بسخرية: "اللي عملته فيكِ دا الهستيريا أكلت دماغك." ارتبكت ليلي: "هستيريا إيه؟ مش كفاية جاية أشوف ابن صاحبتي الخائنة كمان بتهزقني." "ليلي، صحيح هو أنا قولتلك أن فرحي أنا وميرال الشهر الجاي؟
بما إنك جيتي، أحب أقولك أنك مش من المعازيم، ودا مش عشان الفليم الهندي دا، لا لا، عشان أنتِ لسة مراتي وعلى ذمتي، وأنا بصراحة مش هكون فضيلة وأخاف على سمعتي بردو، مهو اللي زيك ملوش أمان."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!